أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/255.jpg?v=1768301287&w=220&q=100&f=webp

هيلة المشوح

«شرق–غرب»... استراتيجية سبقت الأزمات!

في لحظاتٍ تبدو فيها الأسواق النفطية العالمية على حافة الارتباك، ثمة استراتيجية خفية، نسجتها عقول حكيمة قبل عقود، فما يُشبه طوق النجاة اليوم، لم يُصنع تحت ضغط الحرب، بل وُضع بهدوء منذ مطلع الثمانينات، حين فكّر العقل السعودي بما بعد العاصفة، وليس بما يجري داخلها.

في جملة التوترات المتصاعدة في المنطقة، ومع كل تهديد يطال الملاحة في مضيق هرمز يعود الحديث مجدّداً إلى واحد من أكثر المشاريع السعودية عمقاً في الرؤية وبعداً في الأثر: خط أنابيب النفط «شرق–غرب»، هذا الخط الذي يعد صمام أمان استراتيجي، ويمتد على طول 1,200 كم من بقيق بالمنطقة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر بقدرة استيعابية تصل إلى 7 ملايين برميل يومياً، ويوفر مساراً حيوياً لتصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز، لم يكن مجرد مشروع بنية تحتية، بل كان ترجمة مبكرة لعقل استراتيجي يدرك أن أمن الطاقة لا يُترك رهينة لممر واحد او احتمال واحد!

أنشئ خط -شرق غرب- في بداية ثمانينات القرن الماضي، في سياق إقليمي مضطرب تزامن مع الحرب العراقية الإيرانية حين أدركت المملكة أن الاعتماد الكامل على التصدير عبر الخليج يضع الإمدادات تحت مهدّدات التوترات الجيوسياسية. ومنذ ذلك الحين، شكّل الخط شرياناً بديلاً يربط الإنتاج النفطي السعودي بالأسواق العالمية عبر موانئ البحر الأحمر، متجاوزاً نقاط الاختناق البحرية.

اليوم، ومع تصاعد التهديدات الإيرانية المتكررة، ومحاولات استهداف البنية التحتية للطاقة، يبرز «شرق–غرب» خياراً استراتيجياً حاسماً، فبينما تتأثر الإمدادات العالمية بأي اضطراب في هرمز، تواصل المملكة ضخ النفط عبر هذا الخط بكفاءة، مُسهمةً في استقرار الأسواق وتخفيف حدة النقص العالمي. هذه القدرة على المناورة لم تأتِ وليدة اللحظة، بل هي نتاج استثمار طويل الأمد في تنويع مسارات التصدير وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، ولم تكتفِ المملكة بإنشاء الخط، بل عملت على تطويره ورفع طاقته الاستيعابية، ليواكب التحوّلات في الطلب العالمي، وفي أوقات الأزمات أثبت هذا المشروع أنه ليس مجرد بديل بل صمام أمان حقيقي، يمكّن السعودية من الوفاء بالتزاماتها النفطية حتى في أحلك الظروف واستقرار توازنات سلاسل الإمداد العالمي للطاقة.

عكست محاولات إيران للإضرار بهذا الخط إدراكها لأهميته الاستراتيجية، غير أن هذه المحاولات تصطدم ببنية متينة ورؤية أمنية شاملة، تجعل من استهدافه عملاً محدود الأثر أمام منظومة متكاملة من الحماية والتخطيط، ليعود الخط بعد استهداف إيراني غاشم مستأنفاً دوره الحيوي في تأمين تدفق النفط مبرهناً كفاءة التخطيط السعودي المبكر، وقدرته على احتواء الأزمات، وضمان استقرار الإمدادات العالمية بثقة واقتدار.

إن «شرق–غرب» ليس مجرد أنبوب نفطي، بل قصة دولة سبقت التهديد بالفعل، وقرأت المستقبل بعين السيادة واحتواء الأزمات في عالم تتسارع فيه الكوارث والحروب، لتثبت المملكة أن الحكمة لا تُقاس بردود الأفعال، بل بقدرتها على بناء خيارات متعددة، تضمن استقرار الأسواق العالمية واستمرار التدفق حين تتعطل الطرق، وتؤكد أن أمن الطاقة يبدأ من حسن التقدير قبل وقوع الخطر!

00:15 | 14-04-2026

جامعة الرياض للفنون.. حين يصبح الإبداع مشروع وطن!

في قلب كل نهضةٍ إنسانيةٍ راسخةٍ يتقدّم الفن بوصفه البوابة الأعمق إلى الإبداع، والمحرّك الخفي لترقية الذائقة وتهذيبها، وركيزة أصيلة في بناء الوعي الإنساني وصقل الحس الجمالي، إذ تنهض الفنون بدورٍ حيوي في تهيئة العقول لاستقبال الحياة بأفقٍ أرحب ونسج جسور حية بين المجتمعات وواقعها، فالفن ليس ترفاً عابراً، بل قوة ناعمة تستجلب المعرفة، وتُعيد توازن النفس، وتنسج صلاتٍ حيّة بين الإنسان وواقعه، ليغدو أحد أبرز تجليات الحضارة ولسانها الصادق في التعبير عن القيم والمشاعر؛ من هنا جاءت أهمية تأسيس «جامعة الرياض للفنون» كوثبة كبرى على مسار التحوّل الثقافي في المملكة كأول جامعة متخصصة في الفنون والثقافة في السعودية وعلى مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مشروع وطني تشرف عليه وزارة الثقافة بقيادة وزير الثقافة ورئيس مجلس أمناء «جامعة الرياض للفنون» الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، -وفي تقديري- أن هذه الجامعة هي بوابة الإبداع بوصفها الشرارة الأولى التي تفتح الأفق أمام مشاريع ثقافية مماثلة تؤسّس لبنية إبداعية متكاملة، وتمهّد الطريق لنشوء مؤسسات جديدة، تُرسّخ حضور الفن كقطاع حيوي، وتوسع دوائر التأثير الثقافي محلياً وعالمياً.

من أفقٍ يتجاوز التراكم إلى التأسيس العميق، والتحوّل الحاسم من نماذج التعليم التقليدي إلى فضاءات التنافسية العالمية، تشيّد جامعة الرياض للفنون منظومة أكاديمية متكاملة عبر ثلاث عشرة كلية تستوعب كامل الطيف الثقافي وتقاطعاته الحيوية من الأفلام والموسيقى والمسرح والفنون الأدائية، إلى التراث والتصميم والعمارة والأزياء، وصولاً إلى الإدارة الثقافية وفنون الطهي والآداب واللغات والفنون البصرية والتصوير، فضلاً عن دراسات المتاحف والمكتبات والمخطوطات والتعليم الثقافي بتنوع لا يكتفي بتعدد المسارات، بل يؤسس لبنية معرفية متماسكة تعيد وصل الفن بالاقتصاد والوعي، وعلى الضفة الدولية تنفتح الجامعة على شراكات نوعية مع مؤسسات رائدة عبر شراكات استراتيجية مع أكاديميات وجامعات عدة مثل كلية الفنون السينمائية في جامعة جنوب كاليفورنيا (USC)، الأكاديمية الأمريكية للموسيقى والفنون الدرامية، وكلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن (SOAS)، والكلية الملكية للفنون (RCA) لتطوير البرامج الأكاديمية في الجامعة، وكلية الفنون الأدائية (AMDA)، وكلية إيسيك لإدارة الأعمال (ESSEC)، كما وقّعت الجامعة شراكة أكاديمية مع جامعة جيلدهول (Guildhall) للموسيقى والدراما في لندن التي تعد من أبرز المؤسسات التعليمية المتخصصة في الفنون الأدائية، وتستهدف جامعة الرياض للفنون بهذه الشراكات بناء منظومة تعليمية متقدمة تُعنى بتأهيل الكفاءات في جميع مجالات الفنون التي تضمها الجامعة، ضمن برامج تمتد من الدورات القصيرة والدبلوم إلى البكالوريوس والماجستير والدبلوم العالي والدكتوراه، وتتجاوز الشراكات حدود تطوير المناهج إلى تمكين أعضاء هيئة التدريس عبر التدريب والتأهيل، بما ينعكس على جودة المخرجات التعليمية ويمنح الطلبة فهماً متكاملاً لمسارات الإبداع والبحث والاحتراف المهني، كما تفتح آفاقاً أوسع للتبادل الثقافي، وتربط الطالب بسياقات فنية عالمية تواكب تحوّلات الصناعة الإبداعية العالمية، وتستند هذه الشراكة إلى ثقل أكاديمي راسخ في مجالات عدة ما يمنح البرامج المطورة بعداً تنافسياً يعزز حضور الخريجين في الأسواق المحلية والدولية. وبهذا النهج ستكرّس جامعة الرياض للفنون موقعها كمحرك رئيس لتأهيل جيل مبدع، قادر على تحويل الشغف الفني إلى مسار مهني مستدام، يسهم في تنمية الاقتصاد الثقافي وصناعة مستقبل إبداعي أكثر انفتاحاً وتنافسية ويؤكد أن الاستثمار في الإنسان لم يعد مقتصراً على المعرفة التقليدية، بل بات يتجه نحو بناء عقول مبدعة قادرة على تحويل الفكرة إلى قيمة مستدامة لمنظومة جديدة تعيد تعريف التعليم الإبداعي.

في خلاصة هذا المسار التحولي، تغدو جامعة الرياض للفنون تجسيداً لإرادة وطنية تعيد تعريف الاستثمار في الإنسان بوصفه طاقة إبداع لا تنضب وخطوة تُطلق مكامن الشباب، وتعيد توجيه الشغف نحو أثرٍ مستدام يتناغم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في ترسيخ اقتصاد ثقافي مزدهر وحضور عالمي واثق.

00:33 | 7-04-2026

صمتٌ مثقل... وصلابة خليجية..!

في منعطفٍ حاد من تاريخ الإقليم، تنكشف هشاشة بعض المواقف العربية على نحوٍ مؤسف، إذ يتواصل العدوان الإيراني على دول الخليج بوتيرةٍ لا تعرف التراجع، فيما يقابله صمتٌ مثقل بالخذلان، لا يرقى حتى إلى الحد الأدنى من المسؤولية السياسية. مشهدٌ يختصر اختلال ميزان الإرادة؛ حيث تُترك دول الخليج في مواجهة التهديدات المباشرة، بينما يتوارى الصوت الجماعي خلف حساباتٍ ضيقة، تتجاهل أن ما يُستهدف اليوم ليس جغرافيا بعينها، بل جوهر الأمن العربي كافة.

هذا التراخي لا يمكن قراءته بوصفه موقفًا عابرًا، بل انعكاس لحالةٍ من التآكل السياسي، حيث تحوّلت القضايا المصيرية إلى ملفاتٍ مؤجلة، تُدار بمنطق رد الفعل لا الفعل، وبحساباتٍ ضيقة تتجاهل أن أمن الخليج ليس شأنًا محليًا، بل هو ركيزة من ركائز الأمن القومي العربي بأسره.

وفي قلب هذه المفارقة، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها نموذجًا مغايرًا؛ دولة لم تتخلَ يومًا عن مسؤولياتها تجاه القضايا العربية، بل حملت على عاتقها عبء الدفاع عنها سياسيًا وإنسانيًا وتنمويًا. فمن دعم القضية الفلسطينية على مدى عقود، إلى الوقوف إلى جانب استقرار الدول العربية في أزماتها، وصولًا إلى المبادرات الإنسانية والتنموية في أكثر من ساحة، ظلّت الرياض تتحرك من منطلق ثابت: أن استقرار العالم العربي كلٌ لا يتجزأ.

ولم تكن مواقف المملكة يومًا خاضعة لمعادلات الربح والخسارة الآنية، بل انطلقت من رؤية استراتيجية تدرك أن أي خللٍ في محيطها العربي سينعكس عليها وعلى المنطقة برمتها. لذلك، لم تتردد في اتخاذ مواقف حازمة حين يتهدد الأمن الإقليمي، وفي الوقت ذاته، لم تنكفئ عن أداء دورها الإنساني، حتى في أكثر البيئات تعقيدًا.

أما جامعة الدول العربية التي يفترض بها أن تكون مظلة العمل العربي المشترك، فقد بدت في هذا المشهد شبه غائبة عن بلورة موقفٍ موحد يرتقي إلى مستوى الحدث. تركت تساؤلاتٍ عميقة حول قدرتها على مواكبة التحديات الراهنة، في ظل نظامٍ إقليمي يعيد تشكيل نفسه على وقع الصراعات والتحالفات الجديدة.

ولعل الأخطر من هذا المشهد، أن المسألة لم تعد تقف عند حدود الصمت أو العجز، بل تجاوزته إلى ما هو أشد وقعًا وأعمق أثرًا؛ إذ برزت بعض الأصوات العربية لتتبنى سرديات الموقف الإيراني، وتعيد إنتاج مبرراته، بل وتذهب أحيانًا إلى تبرير سلوكه العدائي تحت لافتاتٍ أيديولوجية أو حساباتٍ سياسية ضيقة. هذا الانحياز لا يمكن قراءته الا انزلاق خطير في وعي الأولويات، وشرعنة التدخلات الخارجية ومنحها غطاءً عربيًا زائفًا. وهو ما يمنح المشروع الإيراني مساحة أوسع للتمدد، مستفيدًا من هذا التشظي الذي يحوّل الصراع من مواجهةٍ واضحة المعالم إلى ساحةٍ رمادية تختلط فيها الحقائق بالذرائع

إن استمرار هذا التباين لا يهدّد فقط تماسك النظام العربي، بل يفتح الباب أمام مزيدٍ من التدخلات الخارجية التي تستثمر في هذا الفراغ. فحين تغيب الإرادة الجماعية، تتقدم المشاريع الإقليمية البديلة، حاملةً معها أجنداتها الخاصة.

ختاماً؛ لا يمكن للمنطقة أن تستعيد توازنها ما لم يُعاد تعريف مفهوم التضامن العربي على أسسٍ عملية، تتجاوز البيانات الشكلية إلى مواقف حقيقية تعكس إدراكًا بأن أمن الخليج هو خط الدفاع الأول عن استقرار العالم العربي. وحتى يتحقق ذلك، ستظل دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، تتحمل عبء المواجهة، في وقتٍ كان يفترض أن يكون فيه هذا العبء عربيًا مشتركًا.

00:06 | 31-03-2026

بروتوكولات الحرب في عصر الذكاء الاصطناعي!

اليوم وفي وقت بات فيه الذكاء الاصطناعي يتسيد الواقع البشري؛ تنتقل القرارات من غرف العمليات المكتظة بالخرائط والتقديرات البشرية إلى ساحات تُدار بمعادلات رقمية معقدة، تعيد التقنيات الذكية فيه رسم بروتوكولات المواجهة بين واشنطن وطهران، وتختصر زمن القرار بين رصد الهدف وتنفيذ الضربة!

في العقود الماضية، كانت الولايات المتحدة تدير حروبها وفق منظومة تقليدية تقوم على تفوق جوي كثيف، وحشد بحري واسع، وغرف عمليات تمتلئ بالخرائط الورقية والتقارير البشرية التي تستغرق ساعات، وربما أياماً من المداولات القيادية، قبل أن تتحول إلى قرار عسكري. كان التخطيط يعتمد على تسلسل هرمي صارم، وتحليل استخباراتي تراكمي، ومداولات مطولة تسبق أي ضربة. ورغم التطور التقني، ظل العنصر البشري هو مركز الثقل في تقدير الموقف وصياغة الخيارات، أما اليوم يتبدل المشهد. فالحرب التي تنفذها الولايات المتحدة ضد إيران تكشف عن طور مختلف من إدارة الصراع، حيث لم تعد الخوارزميات مجرد أدوات مساندة، بل باتت جزءاً فاعلاً في بنية القرار ذاته. أنظمة الذكاء الاصطناعي تقوم بغربلة كميات هائلة من البيانات الاستخباراتية من صور الأقمار الصناعية إلى الاتصالات الملتقطة وتحركات القطع العسكرية في زمن قياسي، لتقدم سيناريوهات متعددة للضربات المحتملة، مع تقدير فوري لنسب النجاح والخسائر الجانبية.

الفارق الجوهري لا يكمن في سرعة التنفيذ فحسب، بل في طبيعة التفكير العملياتي، فالذكاء الاصطناعي يعيد ترتيب الأولويات وفق أنماط سلوكية متوقعة للخصم، ويقترح أهدافاً بناءً على تحليل ترابطي معقد يتجاوز قدرة العقل البشري المنفرد. وبحسب طبيعة الأهداف الإيرانية -سواء كانت منصات صاروخية، أو مراكز قيادة، أو بنى تحتية لوجستية- تُبنى الضربة على قراءة آنية لتبدل مواقعها، لا على صورة ثابتة التقطت قبل ساعات.

تقول جيسيكا دورسي، الباحثة في استخدام الذكاء الاصطناعي والقانون الدولي الإنساني في جامعة أوتريخت الهولندية: إذا نظرنا إلى الحملة ضد تنظيم داعش، فقد نفّذ التحالف نحو ألفي ضربة خلال الأشهر الستة الأولى من الحملة في العراق وسورية، الآن قارن ذلك بالتقارير بشأن هذه الحملة، حيث نُفِّذ العدد نفسه من الضربات -من قبل الولايات المتحدة- خلال الأيام الأربعة الأولى فقط. هذا يوضح حجم وسرعة تنفيذ الأهداف في عصر الذكاء الاصطناعي المتطور. وهذا التحول في السرعة والدقة يعيدان تشكيل بروتوكولات الحرب نفسها، فلم يعد القرار العسكري ينتظر اكتمال الصورة الكاملة للهدف لأن الأنظمة الذكية تتعامل مع الاحتمال بوصفه معطى قابلاً للحساب، لا عائقاً للتردد. كما أن زمن الاستجابة تقلّص إلى حد يجعل عنصر المفاجأة أكثر حدة، ويجعل المجال السيبراني مكملاً للمجالين الجوي والبحري، غير أن هذا التقدم يطرح أسئلة أخلاقية وإستراتيجية عميقة بالعموم: من يتحمل مسؤولية الخطأ حين يكون القرار مبنياً على توصية خوارزمية؟ وكيف يمكن ضبط إيقاع التصعيد إذا كانت سرعة التحليل تقود إلى سرعة الرد؟

إننا أمام حقبة تتوارى فيها الحروب التقليدية البطيئة لتحل محلها حروب الخوارزميات، حيث تصبح البيانات سلاحاً موازياً للصواريخ، ويغدو التفوق في المعالجة الذكية شرطاً للتفوق في الميدان، ومن يعلم كيف ستكون بروتوكولات الحروب مع تقدم هذه التقنيات مستقبلاً.. جنبنا الله جميعاً الحروب ومآلاتها.

00:10 | 17-03-2026

المرأة السعودية تحتفي بثمار التمكين

في الثامن من مارس، يقف العالم أمام محطة رمزية تستدعي مراجعة مسيرة المرأة في التنمية والعدالة والمشاركة العامة. ويأتي يوم المرأة العالمي هذا العام فيما تعيش المرأة السعودية مرحلة مفصلية من تاريخها المهني والاجتماعي، حيث تحوّل التمكين من شعار إلى واقع ملموس ترعاه الدولة ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي جعلت الاستثمار في الإنسان – رجلاً وامرأة – أساساً للتحوّل الوطني.

شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل، متجاوزة مستهدفات مبكرة للرؤية، نتيجة إصلاحات تشريعية وتنظيمية هيأت بيئة أكثر مرونة واستقراراً.

ولم يعد حضور المرأة مقتصراً على المجالات التقليدية؛ فقد دخلت بقوة إلى قطاعات التقنية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وأسهمت في مشاريع وطنية تقودها جهات مثل الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، كما برزت في مجالات الطيران والصناعات العسكرية والعمل الدبلوماسي والنيابة العامة. وفي القطاع الأمني، التحقت السعوديات بوظائف ميدانية وإدارية، مؤكّدات كفاءة مهنية وانضباطاً عالياً، أما في الصحة والتعليم، فقد تعزز حضور المرأة في المواقع القيادية، لتشارك في صناعة القرار وإدارة المؤسسات، في انعكاس واضح لتحول ثقافي يرسّخ معيار الكفاءة بوصفه أساس التقدم.

إن ما تحقّق للمرأة السعودية لم يكن خطوة ظرفية، بل نتاج إرادة سياسية واعية تدرك أن التنمية المستدامة لا تكتمل دون مشاركة فاعلة لنصف المجتمع. وفي يوم المرأة العالمي، تبدو التجربة السعودية نموذجاً لتحوّل مدروس يفتح آفاقاً أوسع لمستقبل تتصدر فيه المرأة مواقع التأثير، شريكاً أصيلاً في صياغة الغد الوطني.

00:12 | 9-03-2026

الانهيار الفوضوي ومقامرة شمشون!

ضربات أمريكية-إسرائيلية تعيد رسم معادلات الردع مع طهران، واعتداءات تتسع رقعتها خارج الحدود، فيما تتمسك المملكة بخيار الحكمة لاحتواء النار وتغليب لغة العقل والمنطق والثبات على موقف لا يتزعزع، هذا إلى جانب الدفاع عن نفسها -بالطبع- إن لزم الأمر دون تردد.

تتجدّد فصول التوتر في الإقليم مع الضربات الأمريكية-الإسرائيلية التي استهدفت مواقع داخل إيران، في سياق تصاعدي تحكمه حسابات الردع وكبح الطموح النووي، وإعادة رسم معادلات النفوذ في الشرق الأوسط، فواشنطن وتل أبيب تنظران إلى تسارع البرنامج النووي الإيراني، وتنامي أذرعه الإقليمية، بوصفهما تهديداً مباشراً لأمن المنطقة والممرات الدولية، بينما ترى طهران في تلك الضربات محاولة لفرض توازن بالقوة وإخضاع لقرارها السيادي، غير أن أخطر ما في المشهد ليس فقط الضربات ذاتها، بل ما أعقبها من انفجار في السلوك الإيراني خارج حدوده، فالهجمات التي طالت منشآت مدنية وحيوية في دول الخليج خلال السنوات الماضية - سواء عبر وكلاء أو أدوات غير تقليدية - حملت رسالة تصعيد تتجاوز الرد العسكري إلى محاولة خلط الأوراق الإقليمية ليبدو المشهد اليوم أقرب إلى منطق «عليّ وعلى أعدائي»، حيث تُستدعى الفوضى كأداة ضغط، وأمن الجوار كورقة استفزاز غاشم، وإشعار المجتمع الدولي بأن كلفة المواجهة لن تبقى داخل الجغرافيا الإيرانية.

المآلات مفتوحة على احتمالات تصعيد يبقي الضربات في إطار الردع المتبادل، أو انزلاق إلى مواجهة أوسع تعيد تشكيل خرائط التحالفات عبر دخول أطراف أخرى، لكن المؤكد أن الداخل الإيراني يقف أمام مفترق طرق تاريخي؛ فاستمرار نهج التمدد والصدام يستنزف الاقتصاد ويعمّق العزلة، فيما يلوح خيار آخر يتمثل في مراجعة إستراتيجية شاملة تعيد تعريف علاقة إيران بجوارها، وتفتح الباب أمام «إيران جديدة» أكثر انخراطاً في التنمية وأقل ارتهاناً لسياسات الاشتباك.

في خضمّ هذا الاضطراب، يبرز موقف المملكة العربية السعودية بوصفه صوت الحكمة والاتزان، فقد أدانت الاعتداءات على أراضيها وأراضي دول الخليج «كافة»، مؤكدة حقها المشروع في حماية أمنها، وفي الوقت ذاته شدّدت على أولوية خفض التصعيد وتجنيب المنطقة ويلات حرب مفتوحة لا طائل منها سوى مزيد من التصدّع والدمار. وهذا النهج المتوازن يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار الإقليم مسؤولية جماعية، وأن الأمن لا يتحقّق عبر المغامرات، بل عبر احترام السيادة وبناء الثقة.

المنطقة اليوم على حافة تحوّل كبير؛ فإما أن تستمر دوامة الردود المتبادلة فتتسع رقعة النار، أو تنبثق من تحت الركام فرصة لإعادة صياغة معادلة أمنية جديدة، وبين الخيارين، يظل صوت العقل هو الرهان الحقيقي على مستقبل أقل اضطراباً وأكثر استقراراً.

00:16 | 3-03-2026

«ترمب».. ملفات على الطاولة ويد على الزناد!

في لحظةٍ إقليميةٍ تبدو حاسمة؛ يقف العالم مترقباً مسار التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، فيما تتقدم المفاوضات الأمريكية الإيرانية على إيقاع التصريحات من جهة وطبول الحرب من جهة أخرى، في موقف لا يخلو من الغموض والحسابات المعقدة، غير أن استشراف المآلات يبدو أقرب إلى المغامرة التحليلية، في ظل ضخ عسكري أمريكي كثيف يعيد تشكيل مشهد الردع في المنطقة، فالانتشار الأمريكي في الشرق الأوسط مصمم ليكون مرناً وقابلاً للتصعيد السريع وبنية ردع متكاملة: قواعد ثابتة، قوة بحرية متحركة، تفوق جوي، ومظلة دفاع صاروخي. لكن تحويل هذه الجاهزية إلى عمل عسكري واسع يظل رهناً بقرار سياسي في واشنطن، وبحسابات معقدة تتعلق بأمن الممرات البحرية، وكلفة الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة تبعث برسائل قوة تتجاوز طاولة التفاوض وبين لغة الدبلوماسية وصوت المحركات النفاثة، يتعذر الجزم: هل نحن أمام تسويةٍ وشيكة، أم إعادة تموضع تمهد لمرحلة أشد تعقيداً؟

في كل مرة تعود فيها التوترات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران إلى الواجهة، تتكشف طبقات معقدة من الصراع تتجاوز الشعارات السياسية إلى حسابات النفوذ والأمن والردع، فالعلاقة بين الطرفين لم تُبنَ على الثقة منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018، بل تشكلت ضمن مسار تصاعدي من العقوبات والردود غير المباشرة، وصولاً إلى مواجهات بالوكالة في ساحات متعددة من الإقليم.

ترتكز الأزمة على ثلاثة محاور رئيسة: البرنامج النووي الإيراني وما يثيره من هواجس غربية بشأن نسب التخصيب والرقابة الدولية، والتمدد الإقليمي عبر أذرع عسكرية في عدد من الدول العربية، وأخيراً أمن الملاحة في الممرات البحرية الحساسة. هذه الملفات تداخلت مع سياق دولي متوتر، حيث تتشابك حرب غزة وملف حزب الله، وأمن الطاقة، وصراع الممرات الإستراتيجية، لتجعل من أي شرارة احتمالاً مفتوحاً لتصعيد أوسع، في مناخ تبرز فيه وساطة عمانية لاحتواء الانفجار كحراك ينطوي على إدراك خليجي بأن الانزلاق إلى مواجهة مباشرة سيحمل أثماناً باهظة على الاستقرار الإقليمي وأسواق الطاقة.

الشروط الأمريكية المطروحة لإنهاء الأزمة واضحة وتتمحور حول ثلاثة تنازلات، وقف تخصيب اليورانيوم والعودة إلى قيود صارمة يمكن التحقق منها دولياً، ثانياً كبح دعم الجماعات المسلحة في الإقليم ووقف الهجمات التي تستهدف المصالح الأمريكية وحلفاءها مع ضمان حرية الملاحة في الخليج وبحر العرب، وتأمين الممرات الحيوية التي يمر عبرها جزء كبير من تجارة العالم، وثالثاً إيقاف البرنامج الصاروخي الباليستي.

انعكاسات التوتر تتجاوز حدود الطرفين في الواقع، وأي اضطراب في مضيق هرمز أو البحر الأحمر ينعكس فوراً على أسعار النفط، وسلاسل الإمداد، وثقة الأسواق، ودول المنطقة تجد نفسها اليوم أمام معادلة دقيقة: احتواء التصعيد مع الحفاظ على توازناتها الإستراتيجية، وضمان أمنها واستقرارها من المهددات المتنامية!

العالم يترقب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي يعيد ترتيب أوراق التفاوض بينما يبقي خيارات الضغط كافة مطروحة، والمشهد الآني يقف عند حافة مفصلية؛ طاولة التفاوض جاهزة، والملفات مفتوحة، غير أن احتمالات المواجهة تظل حاضرة في خلفية الصورة والحشد العسكري الأمريكي أقرب إلى الزناد من أي وقت آخر، أما التعبئة الإسرائيلية فحدّث ولا حرج، كل ذلك في مشهد تلتقي فيه الدبلوماسية مع شبح الحرب في لحظة دولية متناقضة مشحونة بالحذر والانتظار!

00:00 | 24-02-2026

سعيد السريحي.. على ضفاف الغياب!

لا أستحضر هنا اسمَ ناقدٍ عابرٍ في سجل الثقافة السعودية، بل استدعي حالة ثقافية فريدة لعقلٍ شجاعٍ، وأديب نبيل ورجل رفيع في إنسانيته وعطائه، أدرك مبكراً أن الكلمة التزام، وأن النقد ممارسة وعيٍ لا زينة خطاب أو سجالات في صوالين الثقافة وأمسياتها. أديب أسهم في تشكيل الحس الأدبي الحديث، وخاض معركة التجديد وصراعات الحداثة بثبات من يرى في السؤال الصعب شرطاً للتقدّم، وفي الرد على المتشنجين لباقة أدبية تستلهما أجيال لتصنع مشهداً ثقافيّاً مختلفاً.

انحاز السريحي إلى الحداثة باعتبارها أفقاً معرفياً منضبطاً، وقرأ التراث بوعيٍ تاريخي، وتعمّق في الحداثة بصرامة منهجية لواقع لا بد أن يكون (فكان) شاهداً على ازدهارها، لم يأسره تيار، ولم يحتجزه انتماء ولم تحكمه أيديولوجيات؛ لذلك جاء حضوره في سجالات الثمانينات والتسعينات حاسماً وواضحاً، فواجه خطاب التشدد الذي خلط بين الاختلاف والاتهام، وتحمّل محاولات التشكيك في نزاهته الأكاديمية، كما روى بنفسه، ومع ذلك صان الخلاف من الانزلاق إلى الخصومة، وأبقى الحوار في دائرة الحجة، آمن بأن الثقافة تبنى بالبرهان، لا بالتشهير والتعامل بالمثل.

لم يكتب من برجٍ معزول، بل عاش النص وعايش أصحابه على حصير الأدب البسيط الشيق، ففي حديثه لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يقود مستمعه وقارئه إلى منطقة المعنى، يفتح طبقات الدلالة ويسافر بك إلى آفاق لذيذة من جمال المفردات بنكهة جاذبة وإلقاء باذخ في رصانته ونبرته ومخارج حروفه الفريدة، فيعيد للكلمة طاقتها وبهاءها وكأنك تسمعها للمرة الأولى. جمع في حضوره بين ثقة العارف واتزان الحكيم، وأشرك محاوره في توليد الفكرة، ولم يفرضها عليه، وكتب بلغة تجمع الدقة والصفاء. التزم المنهج، ولم يتخلَّ عن حساسيته الجمالية وجعل من النص النقدي عملاً نابضاً بالحياة؛ لأنه يرى في العمل الأدبي كائناً يُفهم قبل أن يُحاكم، ويُقرأ قبل أن يُصنَّف.

برحيل الناقد والأديب الكبير سعيد السريحي -أبي إقبال- خسر المشهد الثقافي صوتاً عقلانياً رفيعاً وفريداً، وحضوراً لا يتكرر، وفراغاً لا يملؤه غيره، لكن بقي أثره الطيب ليترك درساً ملهما: النقد شجاعة فكر، والاختلاف قيمة، والكلمة الصادقة فعل بناء، والنبل حين يتجسّد يكون على هيئة (السريحي).

00:00 | 17-02-2026

إبستين.. حين يُعرّي المال أخلاق البشر!

لم تكن قضية جيفري إبستين واقعة جنائية معزولة بين شطآن جزيرة باذخة في الكاريبي، بل كانت كاشفاً أخلاقياً فادحاً لعالمٍ يختل فيه الميزان حين تُقدَّم الثروة على العدالة، ويغدو الصمت تواطؤاً، وتُختبر إنسانية النخب عند أول تماس مع النفوذ والشهوة والسلطة.

في فضاء يُفترض أن القانون فيه خط أحمر لا يُمس، كشفت ملفات جيفري إبستين عن الوجه الحقيقي لقوة المال حين تتحرر من كل الضوابط الأخلاقية والقانونية، وتعمل في العتمة، حيث تُشترى الذمم، ويُعاد تعريف الصواب والخطأ وفق منطق المنفعة والمتعة لا منطق القيم والضمائر، فلم تكن الحكاية شبكة استغلال جنسي فحسب، بل امتحاناً قاسياً لصدق المجتمعات الحديثة في حماية الإنسان عندما تتشابك الثروة الفاحشة مع النفوذ السياسي والاجتماعي.

الأشد خطورة في ملف إبستين ليس فقط الفعل الإجرامي ذاته، ولكنها البنية التي سمحت له أن يستمر أعواماً دون مساءلة، وهنا تتجلى المأساة الأخلاقية كاملة: حين يمنح المال حصانة غير معلنة، وحين تتحوّل العدالة من قيمة مطلقة إلى قرار انتقائي؛ في تلك المنطقة الرمادية تتراجع المبادئ، ويُعاد تشكيل الضمير ليبرر الصمت، أو التواطؤ، أو حتى الادعاء الأخلاقي الزائف من داخل الدائرة نفسها مهما بلغت مكانتها ومهما رفعت من شعارات إنسانية وأخلاقية إلخ!

لقد عرّت قضية إبستين البشعة هشاشة الخطاب الأخلاقي لدى قطاعات كبيرة من النخب، أولئك الذين يتقنون رفع شعارات العدالة وحقوق الإنسان في العلن، بينما يساومون عليها ويتلذذون بهتكها في الخفاء، وعندما تُفتح أبواب الانفلات بالنفوذ والمال، تنكشف أسوأ غرائز النفس البشرية: نشوة السيطرة، شهوة الامتياز، وتحويل الجريمة إلى حق مكتسب. عند هذه النقطة، لا يعود الانحراف سلوكاً فردياً، بل يتحوّل إلى ثقافة محمية بشبكات المصالح والنفوذ.

إن البعد القيمي في قضية إبستين يتجاوز أسماء الضحايا والمتورطين، ليطرح سؤالاً وجودياً حاداً.. ما جدوى القانون إذا كان يُعلق عند بوابة السلطة؟ وما معنى الأخلاق إذا لم تكن التزاماً، بل قناعاً يُستدعى عند الحاجة ويُخلع عند أول اختبار حقيقي؟ الأخلاق هنا ليست خطاباً تجميلياً، بل ممارسة تبدأ برفض التواطؤ، ولا تكتمل إلا بمحاسبة الأقوياء قبل الضعفاء، وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ لطالما تصدّرت شعارات نخبوية غربية مناهضة لزواج القاصرات -وكلنا ضده، وها هي تنهار أمام ملفات إبستين التي تكشف استغلالاً جسدياً فاضحاً للقاصرات وصغيرات السن يفوق كل تصور، هذا التناقض الصارخ بين الخطاب المزعوم والواقع المظلم يفضح ازدواجية القيم التي تتغنى بها النخب الغربية وتتسيّد تجريم من يمارسها!

لقد أكدت هذه القضية أن الحضارة، مهما بلغت من التقدّم، تبقى هشّة إذا لم تُحمَ القيم بعدالة صارمة لا تعرف الاستثناء، فحين يُترك الإنسان لغرائزه، ويُترك المال بلا قانون، تكون النتيجة عالماً بشعاً وشديد القسوة وفقيراً للإنسانية مهما حاول أن يتزيّن بخطاب التقدّم والتحضّر، تلك الجزيرة الباذخة لم تكن سوى مسرح معتم لانفلات العقل البشري حين يختبئ بعيداً عن أعين العالم، فتولد أبشع الجرائم تحت غطاء الثراء والنفوذ، وعندما تغيب العدالة، لا يبقى من الحضارة سوى قشرة زائفة تخفي وحشاً ينتظر الظل ليكيّفه لغرائزه وملذاته!

00:09 | 10-02-2026

الدولة التي تسبق الأزمات بخطوة.. وحكمة!

في الشرق الأوسط لم تعد التحوّلات الجيوسياسية مجرد تبدّل في خرائط النفوذ أو إعادة توزيع للأدوار، بل باتت اختباراً حقيقياً لمعنى الدولة ذاتها: كيف تفهم سيادتها؟ وكيف تختار اصطفافاتها؟ وبأي أدوات تمارس تأثيرها في إقليم يضج بالصراعات، لكنه في الوقت ذاته يرهق من فائضها؟

خلال عقود مضت، كانت السيادة تُختزل في الخطاب، وتُستدعى عند الأزمات، بينما تُفرغ فعلياً من مضمونها بفعل الارتهان لمحاور أو ارتهانات أمنية واقتصادية. اليوم، يعاد تعريف السيادة بوصفها قدرة الدولة على حماية قرارها، وصيانة استقرارها، ومنع تحويل جغرافيتها إلى ساحة صراع بالوكالة. لم تعد السيادة موقفاً إعلانياً، بل ممارسة عقلانية تتطلب ضبط الإيقاع الإقليمي، لا مجاراته في الفوضى.

أما الاصطفاف فإنّه فقد معناه القديم. لم يعد الانتماء لمحور صاخب أو خطاب أيديولوجي حاد يضمن الأمن أو النفوذ. التجربة أثبتت أن المحاور الصلبة تستهلك حلفاءها قبل خصومها، وتدفع الدول إلى صراعات لا تخدم تنميتها ولا تحمي مجتمعاتها. لذلك، تتقدّم اليوم سياسة التوازن المرن، حيث تُدار العلاقات وفق المصالح، لا الشعارات، ووفق قراءة دقيقة لموازين القوة، لا الانفعالات الآنية.

في هذا السياق، تتغيّر أدوات النفوذ جذرياً. القوة لم تعد حكراً على السلاح، ولا النفوذ يُقاس بعدد الجبهات المفتوحة. النفوذ الحقيقي بات يُصنع عبر الاقتصاد، والدبلوماسية الهادئة، وبناء شبكات المصالح، وامتلاك القدرة على تهدئة الصراعات لا إشعالها. الدولة التي تملك فائض عقل، لا فائض ضجيج، هي الأقدر على التأثير طويل المدى.

هنا، تبرز السعودية نموذجاً للدولة التي أعادت صياغة دورها الإقليمي وفق رؤية استراتيجية عميقة -وهو دور في الأساس محوري وناجح- فلم تنجرّ خلف الاستقطابات الحادة، ولم تجعل من الأزمات منصة لاستعراض القوة، بل تعاملت مع السياسة باعتبارها فعلاً وقائياً يمنع الانفجار قبل أن يحدث، ويحدّ من التدهور قبل أن يستعصي على الاحتواء. هذا النهج لا ينطلق من فراغ، بل من قراءة واعية لتجارب المنطقة، حيث أثبتت الصراعات الممتدة أنها لا تنتج منتصرين، بل دولاً منهكة ومجتمعات مأزومة.

السياسة الوقائية، كما تمارسها الدول الرشيدة، لا تعني التنازل ولا الهروب من المواجهة، بل اختيار توقيت المواجهة وأدواتها بعقل الدولة لا بانفعال الشارع. تعني تقديم الاستقرار بوصفه مصلحة عليا، والتنمية بوصفها خط الدفاع الأول، والحوار بوصفه أداة سيادية لا ضعفاً سياسياً، والشرق الأوسط اليوم يقف على مفترق طرق: إما الاستمرار في استهلاك ذاته بصراعات عبثية، أو الانتقال إلى مرحلة تعلو فيها كلفة الفوضى على إغراءاتها. وفي هذا المشهد، تتقدّم الدول التي تفهم السياسة كفن للحماية لا كإدارة للأضرار، وكحساب طويل الأمد لا كرهان مؤقت.

إن ما تشهده المنطقة ليس نهاية الصراع، بل نهاية وهم أن الصراع هو الطريق الوحيد للنفوذ. وفي زمن التحوّلات الكبرى، لا تنتصر الدول الأكثر صخباً، بل تلك التي تعرف متى تتقدم، ومتى تهدئ، ومتى تجعل من الاستقرار قراراً سيادياً لا شعاراً للاستهلاك، والأهم من ذلك قراءة تاريخ الدول الناجحة والسير على نهجها!

23:55 | 26-01-2026