أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/239.jpg?v=1766066191&w=220&q=100&f=webp

علي بن محمد الرباعي

المضحكة وخاله أبو سمسمية

وقعتْ عينُ (أبو قفل) على كمره الذي نخرت العثّة حوافه، فطلب من زوجته (أم مفتاح) خيطاً وإبرة يخيط بها فتوق كمره؛ علّقتْ بصوت مسموع؛ كمرك من عهد نوح هويه ما تشتري لك كمر كما الناس؛ وتتصدق بالباقي على الضعوف، ردّ عليها؛ الله يِضعِفك على مابك، وأضاف؛ يحقر القرش الذي ما يفيده، كاد يزهق لسانه بشتيمة قاسية؛ فإذا أخوها (مدّسم الجُدران) واقف سدة الباب؛ وما منحهم فرصة يرحبون باللافي، عزم نفسه واستقعد جنب رحيمه، أدرج نظره ويليه، فطزته الإبرة، فوضع إبهامه في فمه؛ وقال؛ شكينا من المُكحلة وزاد جا لها مِرْوِد.

اشتهر (مدسّم الجدران) بعشقه للفنّ، والكيف، وصنع له سمسميّة يعزف عليها ليل الله ونهاره، والقريّة في وجهه يتباشرون به، وإذا صدوا عنه، ما يسمونه إلا السربوت ويصفونه بـ(أبو خوش منكوس). طلب من أخته تتكن البراد، اعتذر منه (أبو قفل) وقال؛ منحن بسامهين بنسرح نقصع عذوق الخريف، وأختك بتسرح تحتشّ للبقرة خُليان، وأضاف؛ الله يلقيك خير، فقام وقال؛ آجل هب لي تعميرة من التنباك اللي جاك البارحة من صاحبك التهامي، ولكي لا يكسرها في نحره تحامل على نفسه، وفك الخريطة، وطلب منه يفرد طرف عمامته، عقدها وكثّر بالخير، وتسلّق جداراً يوصله لساحة المسيد، واعتنز تحت حماطة الظلة وأشعل السجارة، وعينه على زوجة العطوي؛ كلما خرجت وإلا درجت عرفت وش في خاطره، فقالت (يا مدسّم)؛ حمارتنا تباقم تبغي لها فحل يلقحها، تهرجه وهي تمطق باللبانة في فمها وتضحك، أوجعه كلامها، فقال؛ عزّ الله إني أدري من هي اللي تباقم وتبغي الفحل، أخذها عند حبّة قلبه، واعطاها غبار أرجوله.

قبل ما يسرح (أبو قفل) تأكد أنه صمّك باب العُليّة؛ خوفاً تعقبه زوجته (أم مفتاح) وإلا أخوها طويل الذراع، وينثرون غلّته كما يقول؛ وعادتها كلما لاحظته يتحرّز، ناغشته بالكلام؛ وشت العُليّة لا يُكنّها (خزنة بن سليمان) ما غير تلقّط في القراشيع وتداخش يا دُخشان، طردك وسعيك رزق للفيران؟ نظر إليها وزفر من قلبه وقال لها؛ كل شيء لنا به حاجة يا عرقوبة، بعد يجي زمان يدوّر الواحد محش ما يلقاه؛ والله لا يعفي عن القحم اللي ابتلاني بك يا زلقوم الفقر، وما أمداه لسعها بكلمتين إلا وكعّشت راسها، وقامت تصيح وتنوح؛ أنا وش شفت منك يا فقران؛ حتى طمرة راس السنة استر بها ما خلق الله لي ما وجدتنيها، لو ما هيب أمي وجدتي يردون عليّه؛ كان معك كلني القمل، فضحك واقترب خريطة التنباك، وقعد على حافة المتكى وعمّر له من العثري ما يفكك خرمة الراس، ثم خبط بباطن كفه على ركبته، وقال؛ والله ما خليتِ ولا بقيت انتي وامك وجدتك عن العنز اللي رضعت كل حلال القريّة حتى الكلاب ما سلمت منها، وعوّدت ترضع نفسها.

سرح الوادي، والمرجمة بيده؛ ما تهنى طير ولا شبار خير بعذق من ذرته ولا حبّة؛ ولأنّه صاحب قصص، يسحر النسوان بحكاياته الغرامية، فيقبلن عليه فزعة، ولسانه لهن يقطر عسل، وكلما فتر حيلهن قصّد (إن شا الله إنا نسوقك يا الركيب المعفّى، ون ضاقت العثّري زدنا على المدّ جلده) فترتفع المعنويات، ويتعمدن استثارته بالغُنج واللفتات؛ وقلبه أخضر لكن ما يصخى الدراهم، ولكي ينجزنا العمل حكى لهم ليلة تروّح أبوه أُمه وكيف بغى يخج بطنها بالشفرة، سألنه؛ هويه؛ قال؛ مربطة سروالها خط البلدة بقرنب وابى ينفك ما غير فزعت جدتي ودهنته بشحمة من القِرى، فكساها آبي ريال عربي؛ تضاحكن وقلن؛ ما تمزى جدتك؟ فقال؛ وين تمزى، عذق جنب صفحة بنتي كنه في صفحتي.

أفتقد ولده (ساهي) من ليل البارح؟ نشد أمه فين ولدك سبع الفيّه؟ أجابت؛ سرح مع خاله الشرق يحتطبون. علّق؛ الولد ياجي حِراكه من حراك اهله... وأضاف؛ عزّ الله إلا بيضريه على التنباك والشمّة والقربعة، وزاد؛ ولدك تمبل وارشاده في عمره مفلّه، واذا اعتزته ما يجيني إلا متّلي تربيتك يا سمنة القطران؛ وهم في أخذها وعطاها، إلا وهذي دخلته عليهم، فسكت (أبو قفل) خشية أن يكون معمّر الطاسة مع خاله، ويتويه عمره، وبات ليلته الأخيرة في عُليته وبين قراشيعه وطمره، ومع شرقة الشمس والجماعة متقاطرة على المقبرة؛ يا رحام يا الله ما يدوم إلا الله.

ورث (ساهي) المال والحلال، والتف حوله الداشر والفاجر والحظ العاثر، وخلاها هو وخاله أبو سمسمية ألم نشرح، وأمه ثالثتهم ما صدقت تنتسم وتتنسم هوى الحياة، وصارت ترحب بالهامل والعامل والخامل هذا خارج وهذا داخل؛ ونفضوا مرزق الفاني نفضا، وفي صبيحة غبراء، أقبلت عليهم جدّة خضراء القومانية؛ وقلبت عليهم البيت، وفضحتهم من الله وخلقه. سمعت القرية وتسامعت بشتائمها من لسانها السليط؛ وجرّت ساهي مع أذانيه إلى فوق الجناح، وهي تصب فوقه من جحيم القول؛ وتدعي عليه؛ الله يخذلك يا مضحكة إن كان تسبّل حلال آبوك لأولاد الحرام؛ وتخلّي أمك تطبّخ وتنفّخ للسّلَق اللي ما رافقوك إلا طمعة فيك يا هبيلة، وأضافت؛ يا ليت لابوك بدية يشوف ضيعتك وسواد وجهك في حلاله، ردّ عليها؛ منين يبدي والشجاع الأقرع متحبطه بين الصِّلي، ما غير ادعي له بالفكة وبعدها يحلّها الحلال.

00:02 | 2-10-2026

مشاعر غير مُتكلّفَة

أحياناً تغدو الكتابة عن الوطن والحبيبة؛ أشق كتابة. كأن الكاتب لا يجد ولا يجيد من الأبجدية حرفاً، ولا يملك من البلاغة أسلوباً؛ والوطن والحبيبة وجهان لعشقٍ واحد. وإن كان لا يمكننا تحويل الوطن إلى حبيبة؛ إلا أنه لا خير في حبيبة لا تغدو وطناً.

وكيف بالإمكان ضمّ هذه الجهات، وحشرها في أسر الكلمات؛ في وطنٍ يتجاور فيه؛ الواقعي والخيالي، والعقلي والنفسي والروحي، والنسبي والمُطلق، والخاص والعام، والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي والفنّي والرياضي، والمُتقادم والمتجدّد والجديد، والجماعي والفردي؛ والمعرفي والفكري، والمعقول وغير المنطقي؛ وتظل مشاعرنا العفويّة صمام الأمان، والانتماء الذي لا نحتاج إلى تأكيده، مانح شرعيّة التعبير عن ذواتنا بكل ما فيها من تجاورات، عن تطلعاتنا باعتبارنا عُشاقاً تعوّدنا من وطننا تحقيق الإنجازات.

يرتبط الكائن الحيّ بالمكان، الذي فتح عينيه على محياه؛ شأن المولود الذي يصافح وجه أمه بأول نظرة؛ قبل أن تحتضنه أفئدة وأحضان بقيّة عائلته؛ إلا أن المولود مُعدٌّ مُسبقاً ومُزوّد فطريّاً بما يعينه على فراق والدته؛ بخلاف المواطن النابت من أرضه؛ إذ يتعذر عليه أن يكون كامل الأهلية أو الصلاحية متى خرج عن وطنه وكأنه شجرة يراد لها أن تُثمر بعيداً عن تربتها الأولى؛ فلا حياة مكتملة؛ دون وطنٍ يتصل به بعلاقة عضوية، لا تحتمل القطيعة؛ وأحياناً إن غالبته قسوة معيشية؛ يقول؛ يكفيني الماء والهواء؛ وتأمل فجوج الأرض، وبروج السماء.

من ليس له وطن؛ لا جذور له تحميه من اليباس، ولا عزوة تسنده من كل الأجناس؛ ويشعر بأنه عارٍ مهما اكتسى من لباس؛ وللوجود الوطني، معنى كبير على التوصيف؛ لا يقبل التأويلات ولا التنازلات؛ خصوصاً عندما تكون للوطن قيادة وفيّة لشعبها؛ تعيش في وجدانه بالرمزيّة التاريخية، وبالمعايشة الحسيّة؛ فكأن كل شبر من المعمورة ناطق باسم القادة الملوك من عبدالعزيز إلى سلمان، وكل طود شامخ يحمل على كاهله صورةً ناطقة بالعرفان والامتنان.

في ذكرى يوم وحدتنا الوطنية، تضيق مصطلحات المعاجم والقواميس، وتعجز عن توفير ما يلزم من مفردات تليق بالمقام، إذ لا يليق بكل مقام مقال مُستهلك ومُستعاد؛ فالمشاعر المشروعة تريد أن تسكَّ لغتها الخاصة كي لا تشتبه ولا تتشابه مع ما قيل وما سيقال؛ وأنى لها ذلك؟.

الرحيلُ عن الوطنِ مُختبرُ الحنين، والبُعد مسافةٌ مسكونةٌ بالالتفات إلى الوراء؛ وتحريكٌ لأوتار العتب؛ واستسلام للعادة والإعادة؛ في حين أنّ شروق الوطن محرابٌ تستحثُ تلاوات صلواته إلى قبلته النفوس، وغروبه مآذن تتجلى منها أنفاس من رحيق الفردوس؛ وكل وطنٍ لا يحنُّ مواطنوه إليه ليس جديراً بالتذكر ولا تطويق جيده بالذكريات.

تلويحة؛ لم يكن وطني يوماً لأنفسنا فقط، شأن الأوطان التي كُلٌّ منها يدلُّ على نفسه؛ ويشير إلى أناه؛ فهو سخيّ الطبع، كريم السجايا، ونحن معه في حلمه وواقعه وكل أحواله، وإن كان لا يحيّي آمال الإنسان مثل أحلامه، ولا يميتها إلا واقع رتيب خال من الأحلام.

00:00 | 25-09-2026

أبو يَمَن.. وينك يا جِنّي

يحدثُ أن تحتدم مواجهة الذات للذات في ساحة معركة الجسد بين مشاعر ناجمة عن ردود فعل آنيّة على إساءة وبين ذاكرة عامرة ببصماتٍ مشتملةٍ برداء الإحسان المُتبادل، ومن المؤكد أن استجابة الهجمات المرتدة تتفاوت في حجمها وسرعتها ونجاعتها، بحسب تفاوت المُثير، ومن العسير على مرزيٍّ في وطنه أن يُسجّي ضميره، ويقف متبلّداً بين عاطفةٍ ثائرة، ومنطقٍ رخو بالاحتمالات.

أظنُّ وبعض الظنّ ليس إثماً.. أن غالبية السعوديين يرتبطون بعلاقات متينة، وصداقات متجذرة، ومواقف إنسانية مع إخوتنا اليمنيين، وإن على مستوى وجدانيات تتعاطف مع شعب شاركنا لعقود في بناء وطننا، وكنا نعتقد أن لا أهل لنا ولا جيران عرب إلا (شعب أحمد) فأشكالنا ولهجتنا وعاداتنا تتشابه إلى حدّ كبير، إن لم تتطابق؛ بحكم أن البناء القبَلي يؤسس للانضباط السلوكي، ويُعلي شأن الشيمة والرجولية؛ ويهذّب التصرفات أو يحكمها ولو قسرا؛ فالعيب هو العيب من جنوب اليمن إلى شمال المملكة.

ولا ينكر ولا يتنكر أي يمني (ابن ناس) لدور المملكة اقتصادياً في حياة اليمنيين، وبشهادتهم بألسنتهم وأفئدتهم والجيران لبعضها (والجار ذي القربى والجار الجُنب)، و(لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه)؛ ولعلّ أقسى قرار قلب معادلات الأشقاء المالية اتخذه الرئيس الراحل علي عبدالله صالح بالاصطفاف إلى جانب الرئيس صدام حسين إبان غزوه للجارة العزيزة الكويت؛ بحكم الكروكي الذي رُسم بليل، وتهافت الحمقى صباحاً على تنفيذه دون وعي بالعواقب التي لا يمكن درؤها؛ ما كشف عوارهم السياسي؛ وكبّد الشعوب ثمن عنتريات زعامات ليس لها من الزعامة إلا اسمها، وانقطعت أخبار (الخُبرة) الذين ألفناهم؛ إذ على مستوى شخصي؛ وعيت على الحياة؛ والشقيق اليمني حاضر في قُرانا ومدننا ومزارعنا ومراعينا، فهو البناء والمزارع والراعي والعامل والتاجر، ثم المقاول ثم مورّد البضائع المؤتمن، والشريك الناجح؛ وسرعان ما غدا (أبو يمن) جزءًا من نسيجنا الاجتماعي؛ فهو الوافد الأكثر التصاقا بعاداتنا وتقاليدنا؛ يحترم ويقدّس الأعراف الاجتماعية؛ والأخلاق الدينية؛ ويشارك بالرفد في الزواج، ويعشي عن الميّت؛ ويحضر العزاء كأنه من أفراد القرية، وبعدما يعودون إلى بلادهم يجوبون الأسواق للشراء، فاليمني كريم مع نفسه ومع أهله وترى سياراتهم وهي تعبر الحدود تتمايل بأحمال وأمتعة مرصوصة بعناية وإحكام، ثم يعاودون القدوم؛ ونشتم في البيوت والمسارب رائحة البُن الخولاني؛ ونتلذذ بقضم الزبيب الرازقي.

صحيح أن الشعوب لديها قابلية الإذعان للدعاية السياسية، بل وتبنيها، وإن كانت جاهلة بتبعاتها وعواقبها؛ ومن المؤسف أن بعضها لا يتعلّم من التجارب، ولا يراكم الخبرات لتفادي تكرار ذات الأخطاء، وتاريخ اليمن الحديث يوثّق موقف المملكة من الناصرية؛ التي صدّرت قوميتها بقوة السلاح، لكي تدفع الآمنين والمشغولين المشتغلين بلقمة العيش إلى الثورة وحمل السلاح على مكوّن وطني؛ سواءً قبلناه أو رفضناه؛ وليس بالضرورة أنّ حكم العسكر عامل استقرار، وضامن رخاء، إذا ما كاد الشقيق يفيق من صدمات الماضي، حتى داهمته هذه المرة الأيديولوجية المنتسبة إلى فضاء ملغوم وهواء مسموم، وعاد (أبو يمن) مجدّداً يتكبّد أرزاء خطابات تتاجر بالأرض والسماء، واعتنق هويّةً ليست هويّته؛ ومنهجاً يخالف مبادئ مِلّته؛ واستثمر تجار الحرب في دماء الشعب؛ ما يبعث على التساؤل؛ أي شقوةٍ هذه التي كل عقدين أو ثلاثة تعيد شعباً كريماً إلى مربع الأزمات الأوّل؟.

ربما شعرنا بفرق كبير، بين أشقاء وأبناء بلدان صديقة جاؤوا للعمل في بلادنا والبحث عن مصادر رزق بعدما غادرنا أبو يمن في التسعينيات، إلا أننا لاحظنا الفرق، فكل صاحب عمل تعامل مع جنسيّة أخرى كان غالباً يردد (الله يسقي زمن أبو يمن) لأنه يدّ عاملة بأمانة وجودة وأخوّة العيش والملح مقدّسة، ولعل جيراننا لا ينكرون أنهم قاسمونا رحلة الشقاء والرخاء، ولن ينسوا ما بيننا من نخوة وإخاء.

وربما لم نتصوّر ولا نتمنى أن يأتي اليوم الذي تُطلق فيه القذائف وتُوجّه المسيرات من جيران أعزاء نحو بلاد الحرمين وليس المقام مقام مِنّة على فضل نهى القرآن عن نسيانه (ولا تنسوا الفضل بينكم)، ولكنه استنكار واستهجان، على شريحةٍ لا تكاد تمثّل عُشر اليمنيين؛ وهم ضحايا التسييس والأدلجة؛ التي تفعل الأعاجيب؛ ولم تعد المؤامرة نظريّة نؤمن أو نكفر بها؛ بل غدت داعرة؛ تتبرج وتستعرض دناءتها شبه متعريّة؛ وتمد لسانها استخفافاً بوعي عربي عانى من قياداته ومن تصرفاته؛ وصالى الجحيم إلا أنه لم ينضج؛ وها أنا منذ زمن أتخبّر عن شريكنا في الدكان (ناجي) وشقيقه (محمد) وأبعث له برسالة سلام وأسأله (وينك يا جِنّي) كما كان يقول عندما يشعر أني تأخرتُ عليه؛ ولأنه يعشق الشعر الشعبي أختم رسالتي بقصيدة (ويقل علي ولد زايد؛ يا ديرتي يا حبيبه؛ ما ينفعك كوب أسقاك، دام الليالي جديبه).

23:33 | 17-09-2026

سعيد العنقري.. أكثر من حياة ثريّة

لو طرحنا سؤالاً يجول في خواطرنا بماذا تقاس الحياة؟ وما معيار الثراء؟ فالإجابة ستختلف باختلاف ثقافة ووعي من يتصدّر ويتصدّى لها؛ بحكم أن للحياة معنى وقيمة لا يدركهما كل أحد، وللأنفس ثراؤها، الذي لا يوازيه ثراء، ومن صفات إطراء الاستثنائي (كريم نَفْس) وحياة البشر ليست حياة بالمعنى الدِّلالي والجمال بالمُطلق بل تخضع للنسبيّة، فالبعض يعيش حياة كلاسيكية، يشارك غيره هموم الأكل والشرب والنوم والعمل، وحياته وقف على همّ نفسه، والبعض أكسير حياته في حياة وسعادة وسلامة من حوله؛ فتغدو حياته حيوات، بعدد من يضفي عليهم من نفسه الكريمة بما تمثّلته من القِيَم والمبادئ، المتجليّة في قناعاته وسلوكه وتصرفاته، ما أثرى أيامه بما تبناه من مواقف قلّ نظيرها، ولا يستطيعها إلا من ألجم الأنانية بلجام البذل والعطاء، وأشرك المجتمع في خيره، لا عن نظرياتٍ شكليّة، بل من اعتناق جوهريّ.

لا تعلّم أرقى الجامعات كيف يغدو الإنسان (نبيلاً كريماً شهماً)، فالنبلُ والكرم والشهامة (جين وراثي)، أو كروموسومات في نواة، يصطفي الله بها من علِم أزلاً في قلوبهم خيرا، ثم يُكفلهم مبكراً حضن ورعاية والدين أخيار؛ يُنمّون فيهم بذرة الإحسان، ومكارم الأخلاق، كما يهبهم من الذريّة صفوةً يعزّزون ويراعون السيرة والمسيرة بما يحبّه ويرضاه أهل السماء وأهل الأرض، وشتان بين تغدو بهم ومعهم الحياة، أنقى وأرق وأرقى بإكسابهم الثراء معاني من كرم سيرتهم وأخلاقهم، وبين من تغدو الحياة عليهم عبئا أو تغدو بهم عبثا، ومن يتحوّل الثراء على أيديهم إلى نقمة وإشقاء.

في حياتنا نرى من يكسو المال وقاراً، لأنه يشعر بأنه في الحياة قيمة غير مطروحة للسوم، وهناك من يهبهم المال سعراً أو ثمناً شأن سلع الأسواق القائمة على حظوظ (إن قام حظه باع له واشترى له، وإن نام حظه لا شرى له ولا باع)، والعطاء يختلف باختلاف ثقافة وصحة عقل ونفسية المُعطي، فهو ليس نتاج امتلاء وشبع، بل تعبير عن إرادة امتنان للرحمن وللأوطان، باعثها المحبة والرغبة في مد أواصر الخير، انطلاقاً من شعور بالمسؤولية دون طلبٍ من أحد أو توجيه، وتأسيساً على عمق الروابط الاجتماعية والإنسانية غير المتكلّفة، إضافة إلى طموح يستهدف تعميم الخير في المجتمع؛ ليعمّ ويتنامى، ما يعزّز التواصل الإيجابي مع الأجيال، ومن المُكلف جداً على الإنسان أن ينجح في التعبير عن امتنانه إن لم يُرِدْ ويُحبّ، يحُبّ نفسه، وأسرته، ومجتمعه، ووطنه ويريد إسعاد البشرية جمعاء.

ليس المال هو الذي صنع شخصية رجل الأعمال سعيد العنقري، بل هو الذي صنع المال وأدبه وهذب نوازعه الطبيعية التي يستهجنها بتذكّر السنوات الشاقة، وتذكير من حوله بسيرته وسيرة أبيه رحمه الله، بما فيها من دروس صقلت جوهر الروح وكتب لها ذو العرش في الصدور قبولاً. ولذا كان من السهل عليه أن يتحكّم في شرَه الثروة وشرورها، بأدوات منطقيّة وإنسانية وثقافية نابعة من فلسفة لا تتوفر لأي موسر؛ فالعنقري وازن بين شخصيته المثقفة، النخبوية، وبين الشخصية الاجتماعية القريبة من الناس، وبين سيّد المال الذي خبر وعاش وعايش نماذج فتحت قلبه وثقافته ووعيه على تاريخ الأمم وسلوكيات الشعوب، عبر قراءته لهم باللغات والكلمات وبالعلاقات والصداقات، فاكتشف مبكّراً معنى الوجود أمام العدم، وقيمة الحضور إزاء الغياب، فكان التمدّن والتحضّر وكانت الأنسنة.

منذ وعيت على اسم (العنقري) وعيت على مشاريع تنموية، وخلال نصف قرن، لا يُذكر اسمه إلا مقترناً بمشروعٍ أو مبادرة أو عطاء، ما يؤكد على أن شخصه الكريم مُغرمٌ بالوفاء للمكان والإنسان، ولذا اتجه نحو مأسسة العمل الخيري الاجتماعي والثقافي والتطوعي لتحقيق الاستدامة، ولم تكن الاتفاقيات التي وقعتها مؤسسة سعيد العنقري، بالأمس القريب مع التجمع الصحي في الباحة لإنشاء مركز سعيد العنقري لغسيل الكلى وعلاج الأورام المجهز بأكثر من أربعين سريراً يستفيد منها 400 مريض، وما كراسي الزيتون واللوز التي أسّسها في جامعة الباحة، والجمعية التنموية التموينية، وإتمام مبنى النادي الأدبي، والشراكات مع جمعية أدبي الباحة وفرع جمعية الثقافة، وأعمال دون وفوق ذلك بمبالغ مليونية لا يعلمها إلا الله، إلا تأكيداً على أنه (واحدٌ كأَلْف) كما قال ابن دريد الأزدي (وَالناسُ أَلفٌ مِنهُمُ كَواحِدٍ، وَواحِدٌ كَالأَلفِ إِن أَمرٌ عَنا؛ وَلِلفَتى مِن مالِهِ ما قَدَّمَتْ؛ يَداهُ بين أهله لا ما اِقتَنى، وَإِنَّما المَرءُ حَديثٌ بَعدَهُ، فَكُن حَديثاً حَسَناً لِمَن وَعى).

تلويحة: إذا كان تأثير الكثير من المثقفين في مجتمعاتهم بالأقوال، فإن أثر المثقف (أبو سامي) أفعال خالدة، وأعمال جليلة، ومواقف غاية في التهذيب معروفاً أو عِرفاناً، علماً بأن العنقري يفوق شرائح مثقفة؛ قراءةً وتحليلاً واستيعاب معطيات وتحوّلات وسلوكيات ومدّ يدّ. وإن قيل؛ تمدحه لأنه اختارك ضمن أصدقائه، قلتُ؛ تلك تهمةٌ أُثبتها، وذاك شرفٌ أدّعيه.

21:58 | 10-09-2026

يا بيتنا لا دخلك شامت

ما أسعفت الظروف (أبو عقيربان) ليغتني ويجمع من المال ما يسد عوزه ويحميه من شماتة جماعته به. جاود به عمّه في بيوت مكة وهو في مطلع مراهقته؛ وانتبهت له (كهلة الحضران)؛ فتيقنتْ أن (أبو عقيربان) اسم على مسمّى، فاختلتْ به وقالت؛ ما عاد لك نومة تحت الدرج، بس خليك في الدهليز قريب مني تزبّط لي شيشتي وتهفّ عليّه بالمروحة؛ ارتجفت عظامه، وتعالى صوتُ الغريزة؛ وظل يردد؛ أبشري، أدخلته دهليزها فكانت قفلة باب الرزق.

تعمّد (أبو عقيربان) أن يوهم مرته (مربوشة) وعياله (مدعوج الأعيان) و(منشّة الذبّان) أنه لقي له غلّه تسد فازع بيشه ليحفظ كرامته قدامهم؛ وصار يهبط الأسواق؛ يتسبّب في حراج وإلا سمسرة، وكلما عاد للبيت؛ ينبّش ويخرفش؛ وإن شافهم مقبلين عليه من مسراح أو مراح؛ يصك شنطته الحديد؛ ويعيدها إلى الحدّة؛ وكلما تأمل جدران العالية؛ يصمم على خلبها، ومرته تتساءل؛ تخلبها وهي ما بعد أمداها تنوض؛ وهو يردد مثلاً يشوفه أقدس ما ترك له أسلافه (السُّبله المصلوخة يطمع فيها الذيب).

شِرقْ (أبو عقيربان) وهو يشرب لبناً من بقرته جاره المشعوِذ؛ وكانت آخر شربة والشرقة اللي توَته؛ حِزنتْ عليه (مربوشة) وفي داخلها أمل أنه خذ الفقر معه في كفنه؛ وكلها ثقة بأن الله سيغنيها بعدما خلّصها من (قطّاع الساقة) وفي النفس تطلعات إن كان الله هدى ورعانها؛ فهي ما شبعت من الدنيا؛ ومدر ركيبها ما ينحرث من الظمأ وهي طامعة في بغرة؛ تعيد لوجهها صباحته؛ وكثيراً ما تشتغل وهي تقصّد (الله يسقيك يا جرف أم الأيتام بالسيل).

خرجت بعدما انتهت من حدادها؛ تصيح في أخوها (مربّش) ألحقني ياخه؛ فزع من صياحها، وكان يتشرّب في السفل استعداد لصلاة الجمعة؛ فشَرَطْ برطمه الأسفل بالموس، وهو يحلق سال دمه وقام يدور رمادة يضمّد جرحه؛ وخرج متسائلاً وهو متبازي وعمامته في حقوه؛ وشبك يا شعوَة اللي لا يعفي عنك! فقالت؛ ألحق مغزولنا أجهى البيت؛ وقلّع خشب الرصّ؛ وفكك حتى الرادي اللي يسلّيني؛ وبيتنا مخشّف من طافي الشِّرة الله لا يسامحه؛ فتساءل؛ وش يدوّر له صاح الله عليك وعليه؟ أجابت؛ يدوّر غلّة أبوه الله يرحمه؛ علّق؛ الله لا يرحمكم ولا يرحمه؛ صحنا من (أبو عقيربان) وجا له ولد.

سمع جارهم (المشعوذ) الغَلَبة؛ فمدّ رأسه من الخَلْف، شافها تقطف ريحان من التنكة عشان تغرّز عقال أخوها، فتنحنح ليلفت انتباهها فغلبته مؤخرته، وثار مدفعها، علّق؛ كُلّها من سامطة الفراش ما خلت الدجر ينجح؛ فانفرطت تضحك؛ استثمر الموقف، وقال؛ إن طعتِ شوري خليه لأم السكون؛ وبيتك والله عند اللي يعرف قدرك ويروي عِرقك، ومرقدك فوق ذا الصدر اللي كما البحر، ومعنزك على ركبتي، خليه يدوّر غلّة الصفاق اللفّاق ما معه إلا صكّة الركبة.

جفف أخوها جسمه؛ ودهن جروحه بالتنتريون؛ وأقبل عليهم منفعلاً؛ انتي وسفانك الفالتين من يوم قضم (أبو عقيربان) رباطه؛ ضميتكم تحت جناحي؛ وهم بعد كما السارحة اللي هبدها المطر لين هطّلت بروسها؛ ولو كان ماهب آنا أفيّا عليك وعليهم، كان قد أكلكم القمل. وأضاف (إن قلن يا الله في مطر تنفّخوا البدو، وإن قلنا يالله في صحا ضاقوا بني مهمّد)، الله يسويها من عنده ما يسويها إلا هو، واستحب (منشّة الذُّبان) باذنه؛ ونشده؛ وش تنقب عنه يا بو نقّبه، نقّبتك الحدادي؛ ودَبَر الوادي، ما تجي في نصّ أخوك (مدعوج الأعيان) اللي ما يفتون الجماعة به الذِكر؛ ردّ عليه؛ قطع الله ايدك يا خال، أبغي أنُتُج سواة الرجاجيل، ردّ بضيقة؛ إن نتجت لا عاد تركب حمارتكم أركب... علّق (منشّة الذبان)؛ مجار يا خال، أضاف؛ إلا وأنا حمارة؛ اعرف الرجاجيل يا ولدي اللي نُدّانك قد نتجوا وانته تدوّر غلّة واحد ما كان معه؛ إلا ربه وقامته وعلى الله سلامته، عوّد من مكة؛ واستلم أبو جرّة كما جرّة الثوعي؛ يدلى للنسوان روس الأبيار ويتفدى بطونهن؛ نافدا بطنك نافدا بطنك.

أوجعته الشماتة بأبيه فعصب العمامة على رأسه؛ وقام يتهدّد خاله ويقول برّعتك هذي الهبلاء علينا، وش نتلهّم منك من محاقر، وندري ما تحارف على آبي إلا أنت، وجارنا المشعوذ منسبة الفيران، ما كنتم تشبعون إلا في بيتنا لكن وين تغدون من ربي؟ قال الخال؛ هذا وجهي لاخلّي جنّك تسلم، وإلا تشخ عنزكم على لحية خالك، هجم عليه هجمة البعير ونيّبه في كتفه؛ وفتر عمره؛ وانطلق لسانه يستفزع بامه؛ وهي تحاول تفارع ولسانها يلهج؛ (منين ألقاها يا ربي؛ يا بيتنا لا دخلك شامت) ومنسبة الفيران؛ يتفرج عليهم ويشجع الخال؛ زده زده أبو عضاريط.

00:00 | 4-09-2026

الطماع الأعمى أصبح ولا أمسى

أبدت (راضية) لعمتها (مرضيّة) قلقها؛ من واهل يحكها في بطن أيدها الشمال، وعمتها (مرضيّة) خبيرة شعبية في الواهل، ورفة العين؛ فسرت لها الواهل بقدوم ضيفان، واحد ملايكة ومن عيال الحلال، والثاني بينه وبين عيال الحلال مثل ما بين أسفل الوادي وعلو الجبال؛ وما غربت شمس يومها وحلّ عليهن الليل؛ إلا وهي تتلوى من ما غص في بطنها، وعمتها تتنشدها وش قد كلتِ يا اللوقة؟ وتضيف متسائلة؛ يكون شربتِ شيء عند ابن حرام وإلا بنت حرام؟ والا حد نظرك؟ ثم ترفع مستوى العتب واللوم، قائلة؛ الله لا يعفي عنك إن كان بطنك قِرتك، وما تخلين سند!! فأقسمت لها إنها ما ذاقت الذوق، من أمسي إلا قرصها المفتوت وفنجال القشر! علّقت العمّة؛ عليّ عنّا منك ومن طفاستك، القشر اللي رحتِ به وانت عروس (مِدْوِد) مقضى آبوك الرخيص الله يرخصه باطن الدنيا وظاهرها، بغت تردّ عليها؛ ففزت قائمة؛ واستندت على الخصفة؛ وهي تصيح؛ خلاص يا عمّة جاني الطّلْق.

تعجبت (مرضيّة) من زوجة ابنها اللي ما زادت عن الحيلة إلا شبر ونص، كيف جابت اثنين، ولد وبنت، وهي تلف الولد في الحوكة تشاءمت منه وتصفه لنفسها وتقول منين قد ألتقطته ما هب كما ولدي؛ صندحته كما جباهة المسيد؛ ومهادله ما كنها الا مهادل جمل المحضّرة؛ وأضافت بشماتة؛ ومنين لها البطن اللي وسعهم، وشواكلها المزرية لاطية في ضلاعينها كما عنز المصارية، وبين حديث نفس مضحك، وشكوك شيطانية؛ انصرفت لما يقتضيه الواجب؛ و يبيّض وجهها مع زوجة ابنها التي فقدت أمها وهي طفلة رضيعة؛ ولم تتمكن من تمييز جسدي المواليد، فالاتريك يبقبق، وليلتهم أسود من قعر الجحل، وما أيست كهلة الرحمن يطلع نور النهار، فخرجتْ فوق الجناح ولعلعت بالغطاريف، وسرعان ما ضك البيت بالنسوان؛ اللي تهلل وتكبّر، واللي تتهول كيف لقّح (الشبّارة) زوجته باثنين وهو غصبن يزوع أرجوله من الحيلة.

أوصت (مرضيّة) زوجة ابنها، ما تحترك؛ وقالت؛ جارات، بيسدونك في نفسك وفي فروخك اللي كما فروخ الصعو، فضحكتْ وقالت؛ لا تتشمتين ما بيعوضك إلا فروخي، زفرت وعلّقت؛ يا الله في الحيا؛ ما يعوض إلا الله يا نسمة صدري، وتذكرت الفانين فانفرطت تبكي، ولكي تقطع عليها (راضية) حبل موال الحزن المألوف، طلبت منها تناولها الصغار من الميزب ترضعهم؛ سمّتْ بكل اسمٍ عظيم، ولفتها أن عيون الولد مغوّرة، وما برزت مثل عيون أخته؛ حلّت النفاس بنايق صدرها، فرضع الابن من ثدي، وناولت شقيقته الثدي الآخر فصار يزرم زريم الكلبة المجرية، علّقت الجدّة؛ حسودي، وما بيغدي بعميان إلا حُسده.

عاد ابن مرضيّة من غربته، خاطره متنكد، ولا هيا إنه لام نفسه، على بعض تجاوزات الماضي التي كانت شؤوماً عليه، بهذه البليّة، فالطفل الأعمى يحتاج من يصاليه، واستعاد ملامح مولودته اللي كن وجهها شقفه من البدر، فهان عليه وجعه، وعلّق؛ بهواها البنت المهبورة كما الأرض الممطورة، كلٌ وده يحترثها، والمعثورة ينفرون منها يخافون على اللومة تنكسر، وكلّف الفقيه يدرّس (الأعمى) القرآن، وله مع كل جزء يختمه مدّ حنطة ومثله ذرة، وما ختم ربع ياسين، إلا والفقيه ينذّر به ويدعي من ينذّر معه؛ ويدور في المساريب، ودميانه تعطي؛ وكل ما حد نشده؛ وش فقع راسك؟ يلتفت لا يكون الأعمى وراه؛ ثم يستأنف الشتم؛ قطع الله حدانه وجدانه هبدني بالشون سلمت مضاغتي والا يكون وسّدني قبري من ساعتي، سمع والد عميان الصياح فوطى اللي في ايده وأقبل؛ وخرع من دميان الفقيه وتيقن أن ابنه عُميّان الصّلف؛ ما بيخلي حد في حاله، فقام يمسح دمه بعمامته؛ ويقول؛ قطع الله ايد اللاش، وليتها في راسي عن راسك يا ولد عمتي، وأضاف؛ وش سنعه طقك؟ فقال الفقيه؛ كنت أردد عليه (في زجاجة) يقول (في قزازة) مرتين ثلاث ولا أمداني التفت للباقين إلا وهبدة عصاته اللي ظلّمت بالدنيا وانحن ظهيرة، أعجبت المذّن وان كان ما أبداها، وفي داخله يردد؛ خلك تستاهل ليته أشكل واهب فوقها ضفعة ثور حاسر.

كبر عميّان، الزاهد في النسوان، والمشفي للزاد والميلان، ومن يعترضه؛ أو يساومه؛ أمه دعت عليه؛ وصارت القرية تتعوذ منه صبح وعشيّة، يتخمخم من كل بيت ويناغش الذبان في جو السما؛ إن حس بجواره آدمي نغزه بعصاته؛ وإن شعر حوله بدابة نخسها، ويسري على أرجوله يسمر عند السحار، فغدا مرجعاً في الشعوذة، ولم تسلم منه لا ذرّة ولا جرّة ولا حُرمة ولا خُرمة، وما تخيّل الجماعة انه بيجي عليهم يوم ويتطاول على العريفة؛ أثر في قلبه حثمة عليه؛ يوم لقيه متوسد متكاه ومتمدد على جاعده، ومشغّل راديه، ورافع الصوت، ويغني مع (حسين جاسم حبيبي؛ شمعة الجلاس) فاستحبه باذنه ودفه من الدرجة وهو يقول؛ شمعة تشبّك وتشب أهلك يا الأعمى القِلح الطماع، وغصبى تلاحق عمره، وشالها له في قلبه؛ وما هلا غلقوا صلاة الجمعة، تقدم الصفوف؛ وقال؛ إن كان العريفة زافر؛ فأنا الفلكة اللي تشيل الجُوَز والسواري، سكتْ العريفة، وما علّق إلا بقول؛ ابشر بدسمة شاربك، وهو يدرك إنه ما بيريّحه، فاستدعى (شبيب الملغّب) ولزم بايده وقال؛ هبطنا، فردّ عليه ما نيب سامه؛ معي تنك بارود، ودي اشوف له مستودع آمن، فقال العريفة؛ ما دعيتك إلا من شأن البارود؛ وقبّضه عشرة ريالات فضيّة؛ وقال؛ هب لعميان منها ثلاثة وإلا نصها ورصّ التنك في سفله؛ وقل له؛ بنحطه في السفل ونكبس فوقه علف، ونأخذ منه قدر الحاجة؛ ميّس بها عميّان؛ وتالي ليل انتفضت القرية من نومها؛ على طقطقة النيران في بقايا عمران وخشب بيت عميّان؛ وما لقيوا له الأثر.

00:00 | 28-08-2026

الإيلاف وسِعة صدر السياسة السعودية

خصّ الله تعالى مكة المكرمة بخصائص ليست لغيرها من المُدن والبلدان؛ هي البلد الحرام الآمن الأمين، ومحضن سنوي لأكبر تجمّع إنساني، ومركز اقتصادي، وممر تجاري عتيقين، ومنها وإليها رحلات الشتاء والصيف، التي أمّنها تحالف الإيلاف مع قبائل العرب، وكان لهذا النشاط، مرجعية عدليّة، تجلت آثارها في حلف الفضول.

ولا خلاف على أن لمكة أولوية مكان، أوّل بيت وُضع للناس، وأول مهبط للوحي، وكل الأنبياء قدموا حجاجاً وزوّاراً إليها، بحسب الأثر (ما من نبيّ إلا حجّ البيت) وهي بلد مبارك ببركة كعبته (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين) وأم القرى استثناء، فهي استثناء بالمطلق، كون استثنائية غيرها نسبيّة.

وبالذهاب إلى الزمن، نجد أنّ أزمنةً تفوق غيرها من الأزمان، فالسَحَرُ مُفضّلٌ على سائر أوقات الليل والنهار، والجمعة على الأسبوع، ورمضان على الشهور، والحج على الأعوام، كما أن زمن مولد الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام من أعظم الأزمنة، ومبعثه من أخلد المناسبات، ومثلما شرّف الله مكةَ مكاناً ومنزلاً وقبلة، شرّف الزمان المرتبط بها، فقداسة الجغرافيا مرتبطة بقداسة التاريخ.

هذه التراكمية لا ريب أنها حاضرة في وجدان ووعي السياسة السعودية، التي هي استثناء بين السياسات، فمن قلّدهم الله أمانة المسؤولية عن قداسة الأمكنة والأزمنة؛ ليسوا عاديّين بل هم استثنائيون؛ ولا تصح المقارنة بين العادي والاستثنائي، كون الاستثنائي لا يستوعبه إطار، ولا تُجْمِلْهُ أخبار، فهو أقرب للمثاليّة والأسطرة؛ بحكم ما يقوم صُلبه عليه من أرومة كريمة، وتديّن عفويّ غير متكلّف، وعفة نفسٍ إلا عن العلياء والتفرد، وتسامح مع كبرياء هيبة مستحقة، فالضغائن والأحقاد وردود الأفعال والصغائر ليست من صفات الاستثنائيين.

ولا يكاد يحضر موقف سياسي للقيادات السعودية في أي زمن، إلا ويعيدنا إلى الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن، طيّب الله ثراه، إذ إنه الملك الباني للكيان الوطني، ومؤسس قِيَم ومبادئ وأخلاق، وكان موفّقاً في الحرص على البدء من جوار الكعبة المشرّفة؛ والتشديد على حضور أبنائه وأحفاده وأسباطه معه حجاً وعمرةً وزيارة، لتأكيد معاني القداسة والتشريف، لما لكل ذلك من أثر وبركة في القول والفعل وإعلاء الشأن والكلمة؛ وعرفنا بالتواتر أن أولاد الملك عبدالعزيز، كانوا أول من يحضر مجلسه؛ إضافةً إلى حُسن اختيار من يقوم على التنشئة والتربية والتعليم لتتضافر معلومات المدارس، ودروس وخبرات المجالس.

شخصيّة الملك عبدالعزيز، النموذجية، جمعت القلوب حوله، ولم تبايعه القبائل دفعة واحدة في مطلع حكمه؛ بل كانت قبيلة ما تتمهل لتنظر ما يفعل هذا الملك بشيوخ وأعيان القبيلة التي سبقت إلى البيعة، وكلما عادت قبيلة من عند (أخو نورة) تستعرض سجاياه ومناقبه لتنفرج الأسارير، وتتعاقب مسيرات وقوافل المُبايعين، وأفخم بيعة كانت بجوار البيت العتيق؛ فعاد (إيلاف قريش) متجدّداً بملحمة الوحدة والتوحيد، على يد نموذج فريد من الزعماء؛ توفرت فيه (الكاريزما والبساطة) ومما رواه عنه أمين الريحاني في كتابه ملوك العرب (خفّ إلينا الملك عبدالعزيز وفي معيّته اثنان من حاشيته لا يمتازُ ظاهراً إلا بطوله؛ أين أُبهة المُلك وفخفخة السلطان، إنك لا تجدها، وإن أوّل ما يملكك منه ابتسامته؛ التي هي مغنطيس القلوب).

ومما أورده (إنّ في الملك عبدالعزيز ضميراً حيّاً كحلمه، وسرعة خاطر تقارن التيقظ في ذهنه، يبدد بكلمة واحدة غيوم الانقباض في مجلسه... وهو شديد الحافظة؛ ومتيقظ دائماً، ورجل كبير القلب والنفس والوجدان، عربيّ تجسمت فيه فضائل العرب إلى حدٍّ يندر في غيره من الملوك، ومما نقله عن مؤسس الدولة السعودية قوله «لا نسلّم بذرّة من حقوقنا، ولكننا لا نقول في أعدائنا ما يقولون فينا».

عمل الملك عبدالعزيز فور إتمام الوحدة الأقوى، على بث وبعث رسائل الطمأنة إلى القبائل والهجر والقرى والدول؛ وكانت (سعة الصدر) علامة فارقة في مقال ومقام الإمام القائد، إذ ليس في قاموسه انفعال ولا تطاول، فالنهج نهج المعاملة بالفضل حال السلام، وبالعدل إن رفعت الحرب الأعلام، ولذا قيّض الله لمشروعه النجاح والدوام، في حين أخفقت مشاريع ضيقي الصدور، وسيئ الأخلاق، ممن مُزّقوا كل ممزق، لأنها استنكفوا عن النبالة وبُعد النظر، والتعامل بالرفق والحُسنى مع شعوبهم، بل ضيّقوا على الناس فضيّق الله عليهم.

وإنسان الجزيرة العربية، الشرس بحكم ظروف وتضاريس أرضه؛ روّضتْ شراسته طيبة حكامه وحزمهم، ويظل في وجدان الملوك والقادة من آل سعود، إرثٌ من طيب أبيهم الأول، وفي جيناتهم وأخلاقهم الكثير، فهو رمز الاحتواء الأوسع في القرن العشرين، وتحت لوائه من الشعوب والقبائل والمذاهب والطوائف المُسالمة المنتمية، ما يثير التساؤل عن كيفية انصهار الجميع في بوتقة واحدة جعلت من الولاء لمن وحّدها بالحُبّ عنواناً.

تلويحة؛ البلد الذي اختاره قبلةً للمسلمين، ومحجّاً للناس؛ ومهوى أفئدة طاهرة، ومأرز إيمان حيّ وحيوي؛ هو امتداد لإرثٍ أخلاقي متجدّد، لا يُريدُ عُلوّا في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين.

00:01 | 21-08-2026

بالنيّة ما هي بالمظهريّة

صبّحتْ (شفيعة) على عمّتها (مشفوعة) بالخير، والعجوز مسرّحة، تحرك شفاهها بكلمات لا يتضح معناها، وكأنها ناقمة على حِلم شافته في منامها البارحة فنغص عليها، لم تسمع التصبيح؛ فقربت منها وقالت بصوت مرتفع «وش أصبحتِ يا عمّة» انتغزت وقالت؛ أخرعتيني الله يخشعك، وازدادت العجوز احتقاناً وهي تقول؛ يا غبيرة يا دبيرة، بغيتِ تأخذين عقلي اللي ماعاد معي منه ما يملا زبدية القهوة! احمرّتْ وجنات زوجة ابنها الودود، بسبب ردة فعل سيدة الدار، التي لا يجرؤ أحد على استفزازها، فقالت؛ باسرح إن كان لقيت حلفاء وإلا خشاش يابس للبقرة؛ لم تُعلّق كونها أعرف أهل القرية بالوادي المتشقق من اليباس، وكأنها فقوع كعوب أرجل القرويين زمن النجديّة.

اشتلت (شفيعة) قفتها واخترجت المحش من بين حجارة مندر الدرجة، ولفّت حوكتها على رأسها، وأدخلت قدميها في كنادر بلاستيك، إذا دخلها شيء الماء تصدر أصواتاً فاضحة، اجتهدت في مسح المكان، ولم تظفر بقبضة كف من عشب، والغدران تحوم الهمجة على ما بقي من نقيع آسن، وافتقدت أصوات العصافير؛ فذهب بها ظنها إلى أن القريّة أغضبت ربي وإلا ما كان قطع عنها المطر، ظهر عليها الفقيه من السند قائلاً (بعوه) فقبعته بخشبة المحش في المضاغة وعجرمت، فتلفت ليتأكد أن ما حد شافه؛ وانخرط من بين العقش.

يطيب للقحم (شردان)، الذي لم يبق من أنداده ولا مخلوق، أن يفرش جاعداً ويتمدد في ركن الساحة ليرصد السارحات والرايحات؛ وكلما لمحته كهلته استلمته؛ قم من عندك يا شيبة يا هلبة يا المخرّف ما تستحي تتلمح في نسوان خلق الله؛ ويردّ عليها؛ كُلي تراب أربني باكلهنه يا كهلة عثبر؛ ويضيف مُحل رشاي فوق محّالة بيرك، والفراص ينكب، والديك يوذّن مدنّي ما معه قدرة يرفع راسه، علّقت؛ استح على نفسك من ربي، ما تسدنا الشحاحة اللي انحن فيها، وطقت بأيمان؛ ما بقي في سحاريتها ما يرفع الميزان ولا يرخيه؛ ردّ عليها؛ ما تعرفين تدبّرين يا محوقة البركة واستلمها يقصّد (ومنهنّ من تسوى ثلاثين ناقة، ومنهن من تسوى فتيل قعود؛ ومنهن من تدني ويدني لها الغنى، ومنهن من تحدا الغنى بعمود) وكعادته إذا انفعل يشرع في عضعضة براطمه، ثم قال (يا ليت ما مضى من عمري يعود والله لاخلّي جنّك يسلمون)، فقالت؛ قم أطلب ربك يرحمنا خل عنك ما معك إلا كما ..... الديك؛ وأضافت؛ نسيت يوم كنت تتشرد مني في عُليّة أمك؟! ؛ فكّ مشبك حلق الثوب فاندلع؛ وبدا يندف صدره البارزة أضلاعه كعيدان زربه متهالكة ويقول؛ ليتني طاوعت أُمي الله يرحمها، فأوصلتها معه كيس التمباك يوم قالت؛ الله يجعلك لحوقتها، فدخل على السحارية ونثّرها ولفلف ما فيها وزقاب هتافيرها قدام الباب وطلّق من ظهرها ما تقعد فيه إلا ما قعدت.

مرّتْ بهم (شفيعة) وهي رايحة بقفتها الفاضية؛ ألقت عليهم تحيتها العذبة؛ (ولعون)، وهي منكسرة الخاطر، مسحت بطرف الحوكة رشحها الناضح من جبهتها، وصاحت باتلى نشغة في صوتها؛ يا الله في المزى، وشبك يا عمّ (شردان) انحن في وقت، ما لنا فيه إلا مرضاة ربي؛ وانته على ضعيفة الله سمّيتاها وهميتاها؛ وضع سبابته على شفتيه؛ في إشارة تحذير تعني؛ التزام الصمت، وبدع (وش معا زارع الثومة من الثوم فود؛ غير فتق المحاجي لا غمض نونها) فأدارت له ظهرها؛ وهي تحدث نفسها عن سوء الخاتمة مع أزواج ما يخافون الله ولا يتقونه؛ وتذكّرتْ شريك حياتها، ورفيق دربها المغترب في مكة من سنين، ولا تشوفه إلا مرة كل عام، مع رجعة الحجاج إلى أهاليهم.

عدّت من السُّدة، وعين عمتها على القُفّة؛ سبقتها بالهرجة؛ حالفةً إنها ما فرحت من الوادي لا بحشيشة ولا قشيشة، وأضافت؛ تقولين حد ولّع فيه بعود كبريت؛ عادت العمّة لاستحضار تفاصيل الحِلم؛ وما ينفهم منها إلا (صُفة أتلى الزمان) وجدت العمة الفُرصة مواتية لتفجير لُغم القلق المحتقن وتصفية الحسابات مع (شفيعة) وبدأت تلمّح لها أنها ما سرحت تتخلا للبقرة؛ بل لتتسلّى بحليس ومليس ونقّاب الكيس، لم تردْ عليها حشمة اللي في الحرم يدّعي به، وتذكّرت أن في آخر السفل بقية من قصيل الخريف، فاحتزمت بالشرشف، وندرت لتعلف البقرة، التي كادت تنطحها وكأنها تعاتبها لتأخرها عليها.

اقترح العريفة على الفقيه يسرح بهم يتسقون، وقال؛ بكرة الاثنين اسبقنا قبل شرقة الشمس، وطلب من المذّن؛ يشاور (مشفوعة) إن كان أعطتهم البقرة، يتسقون بها، ويتشركونها، حتى يفرجها عليهم، ويعطونها قيمتها، وبغت (مشفوعة) تنشبها في صفا، قالت لها؛ شفيعة أعطيهم يا عمة قبل ما تخرج في السفل؛ ردّت؛ أعطوك عُطة بقرتي والا بقرة أهلك يا ضرسه، تذكّرت حِلمها المُنذر بمخاوف، فقالت؛ يا ديكان البقرة باربعين ريال، وتراني ما اعرف إلا أنت، فقيهك ياكل مال الأيتام وينتزي في الحرام، وعريفتك بطنه أحمر الله ربنا وربه. افتكها من مربطها، فدمعت عين (شفيعة)؛ وخرج الصغار والكبار وراء البقرة مرددين؛ (يا الله ارحمنا وانظر فينا، يا والي ترحم وادينا، من قبل الغدرة تمسينا، والغبرة تحجب ناوينا).

تقدّم الفقيه ليُصلّي، فمغصه بطنه، وخشي يهرّه، فانسحب مدحدر على المجرّة؛ وصوت قربعة معدته تبلغ أسماعهم، فقال الشاعر ساخرا؛ (كريم يا راعد بطول المجرّة) فتضاحكوا، وطلب العريفة أحد يتقدم، يصلّي بهم ويستغيث، فاعتذروا، كونه لا أحد يجيد قراءة الفاتحة؛ فنشدهم؛ عندكم وإلا عندي؟ قالوا ؛ لا والله إلا عندك؛ فقال؛ سووا كما سواتي، فرمى عمامته في قبلة المسقّى، ورمى الحضور عمائمهم، وقال؛ هذي دخالتنا عليك تغيثنا، والله لو انك مكاننا وانحن مكانك ولك حاجة عندنا وطلبتنا ما نردك؛ فهبت شامية، وانقلب لون السماء، ومرّ عليهم أربعين ليلة لا يخرج خارج، ولا يدرج دارج، وغدت الدنيا سما وماء، وخرج العريفة صبيحة اليوم الحادي والأربعين، ولمح الركايب تنزي في بعضها؛ والغدران لها أزلة؛ والضفادع تؤنس الوادي بصوت قرقرتها؛ فرفع بصره إلى السماء مردداً؛ (بالنيّة ما هي بالمظهريّة).

00:07 | 14-08-2026

من التبكيت إلى التنكيت

كان أحد المعارف في زمن الدراسة؛ يعشق الضحك؛ وإن دون سبب؛ فهو كائن ضاحك؛ وإن تعرّض لمظلمة تعالت ضحكاته؛ ولو انضرب في المدرسة يعود إلى طاولته يقهقه؛ بل حتى وهو في سابع نومة ترى ملامح وجهه منفرجة الأسارير؛ وعندما تأتيه نصيحة من كبير أو كبيرة سِنّ؛ بأن كثرة الضحك تُميت القلب؛ يردّ ضاحكاً؛ قلبي ميّت من زمان، فيأتيه الردّ؛ الله يهنيك بقلبك.

وقديماً كان لحضور كبار السن الوقورين في حياة الناس هيبة؛ وكانوا سُلطة يبكّتون كل من يخرج عن النص في مجالسهم؛ ولا يغفرون لمن يتطاول بعبارة أو إشارة؛ وينعتونه، بأقبح الصفات؛ ولو ضحك دون سبب؛ يسمع (ما يضحك إلا الهائمات من النساء وإلا رجالٍ ما تداري العاقبة).

وشخصيات البشر كانت ولا زالت تتوزع بين تراجيدي، وكوميدي؛ وبهلول، والبهلول يوصف بأنه من العارفين؛ وله كرامات، ودعاؤه مُستجاب كما كنا نسمع. ومن الشخصيات الخالدة في الذاكرة (المسحور) وكان شاباً وسيماً افتتنت به بائعة متجولة، فسحرته ليتبعها؛ إلا أن أهله كانوا حريصين على مداواته لدى الفقهاء، ولكنه لم يُشفَ، واحتفظ بمهارة النقد الساخر. وعندما توفي والده تزوجت أمه بعمّه، فقال له أحد الملاقيف؛ مبروك زواج أمك، فردّ عليه؛ عقبال أُمّك.

ولم يكن يحتدّ كبار القرى، أشدّ الاحتداد إلا على خفيف الظلّ، ويعدونه خطراً على نسائهم وعلى قراراتهم. ويلقبونه؛ بمضحك الحريم، ولُبانة اللوطة؛ ويحذرون من دخوله لبيوتهم في غيابهم، وكانوا ينقمون على بعض المُدرسين العرب، الذين كانوا يعتنون بأبدانهم وشعورهم الطويلة، وكان أحد المعمرين متزوجاً بسيدة شابة وجميلة، وكلما لاحظ تحركات للمعلمين، يقطع شغله ويعود للبيت داعياً على من ابتلاهم بهاذولا الأوادم اللي كما التفاح، ويقول؛ بيوزوني ابتني لي محجاة سدة الباب.

وبالطبع كانت النكتة أو التعليق الساخر، يأتيان عفويين وغير متكلّفين، ويبقى الصدى يتردد ويستعاد، ويراعى فيه فنّ القول، وعدم الابتذال أو الإسفاف، والبعض ينكّت على نفسه. وكان قرويّاً ساخراً يستفز العريفة بتعليقاته ومرة سمع أن العريفة نوى السفر إلى مصر ليركّب أسنان، فقال له؛ صد لك قرد وركب رأسه محل رأسك أوفر لك من السفر، كما تصدر النكتة عن رئيس ومرؤوس؛ ولعل من قديم النكات الواردة على لسان حاكم؛ جاءت جواباً على حلاقه الثرثار، فعندما سأل الحلّاق الحاكم؛ كيف يريده يقص له شعره، أجابه: «في صمت».

ولم تغب النكتة السياسية عن الفضاء العربي، ومن ذلك؛ أنّ عربيّاً زار صديقه في بلد عربي؛ ولأن الضيف مهندس سدود، سأل صديقه؛ إيش أشهر سدّ عندكم؟ فأجابه؛ سدّ فمك. ومما يروى عن أحد المثقفين أن مسؤولاً طلب منه يقترح اسماً لأحد السدود، فقال له؛ سدّ الخير، وأحد الطلاب في بلد عربي تأخر في صالة الامتحان عن الوقت، وهو لم يُجب على أي سؤال، فسأله المراقب؛ عن سبب تأخره، فقال؛ أحاول فهم الأسئلة، فقال المراقب؛ ساعتين تحاول أن تفهم، فعلّق الطالب؛ استكثرت عليّ ساعتين والرئيس الذي حكمنا ربع قرن لم يفهمنا إلا في آخر نصف ساعة من عمره الرئاسي.

لا ينتقد المقال النكيتة، إلا أن بعضها مستهلك، وبعضها ثقيل دم، والبعض كلما لقط نكتةً من هنا أو هناك، أعاد بثها وهو يضحك ببلاهة. وليس طبيعياً أن نتحوّل جميعاً في عالمنا العربي إلى (نكتنجية) ومضحكاتية، وإن حدث فربما تكون هناك أسباب يرصدها علماء الاجتماع. والنكتةُ لا تعد بذاتها مستهجنة، بل يأتي الاستهجان من غثاثة روح الناقل أو القائل، وتاريخيّاً دوّن فقهاء كُتب المُلح، والقصص ذات الحكايات الطريفة التي كان يتسلى بها الناس في مسامراتهم، ولا غنى للنفس عن سماع ما يبهجها ويعزز مناعتها، شرط ألا تكون سبباً في أذيته؛ فأحد النخب الخليجية زار رئيس دولة (كثير حماقات)، بمناسبة انعقاد مؤتمر، وعندما انتقل مع السائق قاصدين خيمة الزعيم، مروا بسور طويل، فسأل السائق؛ ماذا خلف هذا السور؟ فأجابه؛ مصحة الأمراض النفسية، وبمجرد انتهى السلام على الرئيس، ابتدر الضيفَ بسؤال؛ ما أبرز ما لفت انتباهك في عاصمتنا؟ فأجاب بثقة وبنوع من المزاح المُبطّن؛ مصحة الأمراض النفسيّة، فنهض محتدّاً، وتبعته حاشيته؛ وظلّ الضيفُ وحيداً لساعات ينتظر مصيراً مجهولاً.

00:00 | 7-08-2026

أنا يا شُعّار ما جيت للقروش

جمعت الصعلكة بين صديقين وألّفتْ بين مشاعرهما؛ أحدهما شاعر، والثاني متذوّق ومُتسلّق؛ وفي منعطف الصُدف؛ لعب الحظ لصالح المتسلق، وتم اختياره مسؤولاً؛ فتنسّكَ، واجتهد لمحو صورة ماضيه الأسود؛ بالرسمنة والنفشة؛ والتشخيص واصطناع الوقار؛ فبلغ النبأ السار صديقه الشاعر، الذي كان قد وقّع معه الفقر عقد شراكة طويل الأمد؛ وضاقت عليه أبواب الرزق بما رَحُبتْ، فقال في نفسه؛ نوصل الرجال، منها تهنئة وتجديد عهد؛ ومنها نشرح له الحال؛ ولن يبخل بحكم العيش والملح، وبحكم سعة اطلاعه؛ اختار من عيون الأدب حكاية تتضمّن حواراً أدبياً دار بين أعرابي ومعن بن زائدة، فقال في نفسه لعلني ببركة ما ورد في الحكاية من أبيات أظفر من صاحبي بحق السفرة، فرتب نفسه، وأقبل مع غيره مهنئاً وشابراً كسوة، ولما توسط المجلس قال؛ أتذكر إذ لحافك جلد شاة، وإذ نعلاك من جلد البعير

فردّ عليه المسؤول؛ ما صدقت.

فقال؛ فسبحان الذي أعطاك بنكاً، وعلمك الجلوس على السرير.قال؛ ما يعطي إلا مستحق.

فقال؛ فلست مُسلّماً إن عشتُ دهراً، على شروى بتسليم وقور. علّق؛ جعلك ما تسلّم لين تقوم ناقة صالح.

فقال؛ سأرحل عن بلاد أنت فيها، ولو جار الزمان على الفقير. قال صاحبه؛ الساعة المباركة.

فعرف أن الرجال ما نوى يفرّحه، فسكت وقعد في آخر كرسي بالمجلس، وعندما خرج المهنئون وبقيا لوحدهما، اقترب منه وقال؛ في خاطرك تحرجني يا سرسري قدام الخلق؛ قم اقلب وجهك وخذ الباب معك، فخرج منكسراً وندم على الفكرة التي لم يكن ختامها أجمل من مبتدئها.

وفي منطقتنا استغل أحد شعراء المناسبات، ذهاب القرية لمعايدة شيخ قبيلة، ورافقهم لتهنئة الشيخ بالعيد، وكان مالي يده من الكسوة، أو الظفر في الحد الأدنى بـ (صحّ لسانك)؛ فارتجل قصيدة مئوية مطلعها؛ (يا الله لا تجعل لساني يكلكلي، ما دام بيري عِدّ تغتر ودلوي ممتلي)، ثم اختلطت عليه ونشب فأشفق عليه الشيخ، ورقّ له قلبه، وعطف على حالته فقال؛ ما قصّرت وإن شاء الله إذا ظهر في العائلة شاعر نجيك إلى بيتك، ونرد لك القصيدة بقصيدة، وعندما عاد لزوجته سألته؛ بشّر؟ فقال؛ الحمد لله إنه ما احتط مشلحي من فوق كتفي.

الشّعرُ وجه آخرٌ للكلام؛ لا يمنح مفاتحه إلا لمن أخلص له، ولم يُشرِك معه غيره، وأبلغ قول الشاعر الكلام الذي ليس مثل أي كلام، وأعلى مراتبه؛ الكلام الذي عليه الكلام؛ وذاك لا يُجيده إلا النوادر ممن هاجسهم حفر الأعماق للوصول إلى صفو النبع وإن كان وحيداً ونبعه على قدّ ظماه. ومن القصائد قصائد خالدة، إلا أنه ليس كل الشعراء يُشغلهم الخلود، فالبعضُ يكتفي بمقابل مالي يحسّن الوضع المعيشي، والبعضُ كما قال أمل دنقل (يعيشُ منتصباً، بينما ينحني القلب يبحث عمّا فقد، والبعض يمضي به العمر منحنياً باحثاً في الطريق عما يقيم الأَوَد).

ولم تكن تكتمل مناسبات الزواج في القُرى، إلا بفلكلور العرضة، وكانت لكسوة الشاعر أولوية من ميزانية العُرس، وعلى قدر ما يخمّن من كسوة ينبري للمديح والإطراء، ويستغرق في إطلاقه الأوصاف الحقيقية والمُبالغ فيها، وصاحب الحفلة يعرف قدر نفسه أكثر من الشُّعار، وبعضهم لا يتورّع عن الخداع؛ فأحياناً يكبر الظرف، ويضع فيه مبالغ من فئات ورقيّة صغيرة لتبدو كثيرة، وإذا انتهت الحفلة وتفرق الناس تنكشف حقائق مؤلمة، ويترقب الشاعر المكلوم، فرصة لينتقم لكبريائه المجروح، وكثيراً ما وردت مفردة (أبو نواس) في الأبيات كناية عن الحيلة.

وكنتُ ولا زلتُ ألتمسُ العذر لتملّق الشاعر الكبير المتنبي، فالفنان رأس ماله موهبته؛ وربما كانت مصدر رزقه، ولعل أبو الطيب من أوائل من فتح للشعراء باب الشرهات على مصراعيه، كما جاء عنه مع (كافور) الذي جعل منه أسطورة ورفعه عالياً: بقصيدته التسوليّة:

لَحا اللَهُ ذي الدُنيا مُناخاً لِراكِبٍ

فَكُلُّ بَعيدِ الهَمِّ فيها مُعَذَّبُ

أَلا لَيتَ شِعري هَل أَقولُ قَصيدَةً

فَلا أَشتَكي فيها وَلا أَتَعَتَّبُ

إِذا تَرَكَ الإِنسانُ أَهلاً وَراءهُ

وَيَمَّمَ كافوراً فَما يَتَغَرَّبُ

فَتىً يَملَأُ الأَفعالَ رَأياً وَحِكمَةً

وَنادِرَةً أَحيانَ يَرضى وَيَغضَبُ

أَبا المِسكِ هَل في الكَأسِ فَضلٌ أَنالُهُ

فَإِنّي أُغَنّي مُنذُ حينٍ وَتَشرَبُ

وعندما لم ينل ما أمّل، ويئس منه، خسف به وبداره الأرض مجازاً؛ بقصيدة:

أُريكَ الرِضا لَو أَخفَتِ النَفسُ خافِيا

وَما أَنا عَن نَفسي وَلا عَنكَ راضِيا

تَظُنُّ اِبتِساماتي رَجاءً وَغِبطَةً

وَما أَنا إِلّا ضاحِكٌ مِن رَجائِيا

وَتُعجِبُني رِجلاكَ في النَعلِ إِنَّني

رَأَيتُكَ ذا نَعلٍ إِذا كُنتَ حافِيا

وَمِثلُكَ يُؤتى مِن بِلادٍ بَعيدَةٍ

لِيُضحِكَ رَبّاتِ الحِدادِ البَواكِيا

وعندما أراد أحد شُعار العرضة الشعبية نفي تهمة الطمع المادي عن نفسه؛ و(الشعراء يقولون ما لا يفعلون) صدح في عرضة بمطلع (أنا يا شُعّار ما جيت من شأن القروش) وكان أحد النقاد الساخرين يجلس جنب الزير يسمع ويحفظ ويحلل، ويعلّق بسرعة بديهة وصوت مسموع فقال؛ أجل وش جيت له تدغبس؟!

00:00 | 31-07-2026