أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/239.jpg?v=1766066191&w=220&q=100&f=webp

علي بن محمد الرباعي

طبيبي وأنا بين العِلمِ والخُرافة

كان طبيب الصحة المدرسيّة قبل ثلاثة عقود صديقاً ومستشاراً لي، بحكم كيمياء الروح، والثقة المتبادلة بيننا، ولما توطّد من وشائج معرفيّة، وما أتحناه لبعضنا من مساحة حرّة لنقاشات، غايتها «الاكتشاف» ووقودها ما نزوّد به بعضنا من مقالات ودراسات، وما يهديني من كتب ومجلات، يعود بها من بلده عقب إجازاته الصيفية.

صادف في أحد اللقاءات، خارج محيط العمل، أن رويتُ له قصة شعبيّة، عن تأكيد جداتنا وأمهاتنا علينا منذ طفولتنا أن نردف اسم «الفقها» بعبارة «الله يذكرهم بالخير»، حينها سألتُ: «ليش»، فأقنعونا أنهم «أولياء الله،» وعناداً أو احتجاجاً قررتُ ما أقول «الله يذكرهم بالخير»، وكان رد الفعل على كلامي غاضباً، وقالت الجدة (رحمها الله): «سيعرف أنك ما قلتها وينتقم منك!»، وكان أحد إخوتي ذا نزعات تمرديّة، فقال: تعال نردد اسم «الفقيه» ونكرره أنا وأنت ونتعمد ما نقول «الله يذكره بالخير»، ونشوف ايش يسوي فينا؟!، وقد كان، ولم تغرب شمس ذلك اليوم، إلا وجبارة الكسور تحيط ذراعي، والميكركوم الأحمر فوق براطمي المشقوقة، لأني ترديت من سطح بيتنا المسلّح.

تركتْ الحادثة في نفسي أثراً، وتلازم في ذهني العقاب الفوري مع كل تطاول على جناب «الصالحين»، وكان من الأحاديث المعززة «من عادى لي وليّاً آذنته بالحرب»، وحاولتُ أن أكفّر عن خطيئتي بالاستغفار والدعاء لهم.

وفي زمن الصحوة واعتناقي لخطابها، كان الصحويون يطلقون على المُعالجين الشعبيين «الشركيين»، فهذاك ساحر، وذاك مشعوذ، والثالث دجّال، وأنا أهزّ رأسي وداخلي يردد «الله يذكرهم بالخير»، لأن الذين يهاجمون لم يستوعبوا الدرس الذي استوعبت بسبب تطاولي على «أولياء الله».

فعلتْ القصة الآنفة فعلها في صديقي الطبيب، وأثارت شجونه، فقال: «بُصّ يا عِلْوة، أنا كنت في كلية الطبّ، ورسبت في مادة الصيدلة ثلاثة مرات، وفي عام التخرج، أصابتني نوبة هلع، ولاحظت أُمي ذلك، وحاولت جهدها، أن أزور مسجد أحد «الأولياء» وأصلي ركعتين، وأمسح على الضريح لأخذ بركاته، وسوف أنجح». وأضاف: «لكني بحكم التخصص رفضتُ، حتى جاء يوم امتحان مادة الصيدلة المنحوسة، فقررتُ الأخذَ بوصيّة أُمي، فاخترتُ وقتاً يكون الناس فيه نائمين، كي لا يراني أحد من أصدقائي»، وأكد أن المفاجأة أنه رأى وسمع وشارك نُخباً من شخصيات البلد الطواف بالضريح والاستغاثة، ثم صلّى الفجر، وذهب إلى الجامعة ليمتحن، فأجاب عن الأسئلة بثقة، ونال أعلى درجة بين زملائه وزميلاته! ذكر الله الدكتور الرياشي بالخير حيّاً وميّتاً، وما أعادني للقصة أن برنامجاً استضاف راقياً، ففند كثيراً من ادعاءات الرقاة، وهاجت وماجت عليه «ردود الأفعال»، خصوصاً من يرون في نشاطهم هذا باب رزق، وأنا لستُ ضدّ رزقهم، لكني لستُ مع تحويل الطب النبوي إلى دراميات تراجيدية بائسة، تشيع في الأوساط المتعلمة الشكوك في العلم والطب الموثّق بالبرهان والتجارب المختبرية.

وزاد الطين بلّة ما جاء عن نظام الطيبات، وتعلّق البعض به، علماً بأن ديننا أكد أن حفظ النفس البشرية من الضرورات، ومن أسباب الحفظ الأخذ بقول الطبيب الثقة، والطبيب الثقة لا يخالف العِلم، ولا يشيع الخرافات، ولا يصادم أقوال الثقات، وأنا بين العِلم والخرافة، ما زلتُ لم أنزع يدي كليّاً من الموروث، ولم أُسلّم أمري مُطلقاً للعلم الحديث، ولذا لا يستغرب أحدكم، لو شافني في محلات العِطارة، أو لمحني مراجعاً لعيادة أحد الرقاة، لينفث عليّ ويخنقني ليردّ لي عقلي الضائع، الذي من يوم عرفت نفسي وأنا أبحث عنه، وأجمل دعوة أسمعها من مُحبّ «الله يرد لك عقلك».

يظل الإنسان ضعيفاً أمام حوادث الزمان، وفي حالة الضعف يثق بكل شيء بما في ذلك خيوط بيت العنكبوت، الذي هو أوهنُ البيوت، وصدق القائل «يقصى على المرء في أيام محنته، حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن»، وأعرف أناساً خسروا صحتهم أو حياتهم أو أزواجهم، بسبب راقٍ لا يخاف الله، أو مفسّر أحلام «مفرنش». تكفون الله يذكركم بالخير خفّوا على عباد الله، وكفاية تدخّل في تفاصيل حياة الغلابة والبسطاء، فالبيوت أسرار، ولو توقف نشاطكم ونشاطكن الله يذكركم بالخير لن يختل نظام الكون، الذي فيه من «المغزّلة» أكثر من الصُحاح وما زال ماشي حاله، دخيلكم «الله يذكركم بالخير».

منذ يومين

باصم ما يخاصم

انقلب (شيمان)، من نومه على جنبه اليمين، إلى الجنب اليسار؛ وفتح عينيه فلمح السَّفر المُتسلل من ثعلبة درفة الباب. انجهر من شعاع الشمس المنعكس على الجدار المخلوب بالشيده؛ انتفر معتزياً (أبو ولدي)؛ وزاد؛ صدق اللي قال من فاته الصباح فاتته الأرباح؛ لفّ العمامة الكورشيه على رأسه، واحتزم بالكمر، وسحب الرصد، وقف فوق العتبة هلّل وكبّر، ثم تنخّم وبصق على يساره؛ أيقن أن الوقت ضحى، فترنم كعادته (يا هابط السوق عصرا والنهار اقفى، الضحوة للفايدة ما هي كما الروحه؛ أنشبت فـ الحُب قلبي والحُب اشناوي) قامت الزوجة بتثاقل ونفسها راس خشمها، أول جملة قالتها؛ بقعى تروح عليك ما بت إلا تتهوّل طوال الليل، كلما غفت عيوني انفرطت، (ألحقوا البقير بتطيح في البير) التفت نحوها وشاف كعشتها كما العقشة، فقال بصوت خافت؛ الله يجعل لسانك بالراعية والله ما خلّيتِ ولا بقّيتِ عن بقر حلِي، ثم غيّر الموضوع ورفع صوته؛ وش هذي السما يا ربي ما فيها لَوَسه؟ وأضاف؛ ليت الفقيه ما يتقحّط كل جمعة (صيّباً نافعاً) لا شفنا لا هاذي ولا ذيك؛ حسّ انه وقع في محذور؛ فاستغفر، ورفع يديه مرددا؛ يا الله انا نجور بك من المنقود؛ ودهر ما ودّنا يعود.

نشدته الزوجة؛ وش انحن فيه من نجم، ردّ بضيقه؛ نجم عصاة بقعا؛ وهي ما زالت تكد شعرها بالمنفاش فوق دوشقها؛ فقالت؛ ترى جارك (خوطان) تُكْلَه؛ وبيره عِدّ؛ وثيرانه ساحليّه؛ اطلبه يبغر الركيب؛ ردّ عليها؛ والله اني ادري وش الركيب اللي محتاج البغرة، علّقت؛ الله ربنا وربّك، فختم الحوار معها بقوله (ان ما سقانا الله متنا من الظما). لملمت الشعر المتساقط من رأسها؛ وكوّرته في باطن كفها؛ وأدخلته في غار بين حجارة جدار البيت من الخارج؛ واحتفشت ثوبها؛ وتواطت على خواشعها؛ فتناقز صغارها نحوها؛ فأسندت رؤوسهم على فخذيها، وبدأت تقصّع الحشرات مصاصة الدماء، وكلما قصعت واحدة، شفطت هوى بفمها وأصدرت صوتاً، ثم مسحت الدم من ظفرها في حرف الدرجة.

زهد (شيمان) في البيت وفي المرة والسفان اللي شعورهم ترحى؛ فطلّ برأسه من فوق الجناح المتهايل، إلا والعريفة يكيل حنطة في أكياس، فقال في نفسه؛ وجبت الدلّة؛ ندر يسعى؛ صبّح عليه بالخير، وسحب المُدّ فأرخى له العريفة يده، ودّه بالكُفيّا؛ وطلب من زوجته تفتّح الأكياس لشيمان؛ لين يرشّق لهم الدّلة؛ استغل دخلة العريفة للشقيق؛ ونشدها؛ وين بيغدي هذا الحَبّ عريفتنا؟ جاوبت؛ بيسعّره عند (ثومان) بكره في سوق الخميس، أردف؛ كيف له؟ فقالت؛ بنديّح نحجّ إن كتب الله؛ طلب من العريفة إبرة الخياط والدبارة؛ وخيّط فتحتي الكيسين؛ وأسندهما على مدماك مجاور لمدخل البيت؛ بقي فوق الهدم حبات قمح؛ ولمح الديك والدجاج مقبلين؛ لقطها بسرعة وقال مخاطباً الديك؛ والله ما تحل لك لا انته ولا نسوانك؛ وأضاف؛ اندر الدمنة تنخش لك دواحيس.

رشف له من الفنجال كم رشفة؛ ونشد العريفة؛ وش طرى عليك بالحج وانت ما تاهب لربي ركعة؟ ضحك وقال؛ تحسبها بالمراكعة يا ذِرى ملجّقة المُقطان؛ ترى ربي ما يحاسب إلا على النوايا، ويا عامل عملك لك. شكى عليه من الوقت؛ ردّ عليه؛ عند الله خير كثير؛ ثم قال؛ افتح حثلك؛ فغرف له من الشطيرة نُصيف طحين؛ وقال؛ الله يفتح لك افلح تفاول مع عيالك؛ وطلّق عظامك في الوادي؛ رُكبك عادت كما رُكب القرحان؛ علّقت زوجة العريفة؛ (يشوف عيب الناس ما شاف عيبه).

لقيها على حالها؛ تقصّع والورعان مغمضين عيونهم؛ ومستسلمين للهرش والفلّاي؛ فنهرها؛ قومي يا بنت متشرّك الدجاجة؛ ردت عليه؛ الله يجعلك دفع وصدقة عن آبي ما تسوى وطية أرجوله في الحيله؛ أفرغ الطحين في غضارة، وشافها ما جت؛ فعجن وسوّى لنفسه مشرّق، وفتّ القرص في سمن أكل وبقّى شويه للصغار؛ ومسح الزفرة في فقوع أرجوله وأطراف لحيته؛ سمعها باقي تحنم وتدعي عليه؛ فقال؛ سبحان من رزقك لسان أطول من لسان الحسيلة في حلّة المواص، فبلعتها على مضض؛ وانطلق من ساعته ولا اثنى ركبته إلا عند (خوطان) قال تراني عند الله ثم عندك.

بغر الركيب بثيران جاره؛ وحرث وثباها صِيب؛ واقترح عليه (خوطان) يحجون مع العريفة؛ فقال؛ مكة ما بتطير من مكانها، لكن ذولا الفروخ اللي ما يسعهم البيت وش يقوتهم، أضاف؛ ثُمّن اغدي أحج وأخلّي بلادي، ووجه لجاره الكلام؛ انته يا خوطان؛ بيرك تغتر وثيرانك في السفل؛ وعيالك الواحد عفاسه كما عفاس أبو قرنين اللي قصّوا به في سوق الخميس؛ ولقمة الوحد منهم تجي لها مدّ، واللي ما يشقى ما يلقى؛ فقال؛ سمّ بالرحمن على الحلّال والعيال؛ سمّى وقال؛ اربّك تحسبني عيّان؟.

حجّ العريفة وابطأ؛ الحجاج عودوا من دور وهو ما ردّ الراس، فقال الفقيه؛ ما معنا إلا نعلّق له المدريهه؛ وندرّه له؛ ربطوا المدمسه بحبل من جهتين وعلقوها في سواري سقف بيت المذّن؛ وسرى الليل وهم اثنين يركبون واثنين ينزلون ويرددون (درّهي مدريهه، يا فرخ البُريها؛ شيخنا بياجي؛ في مور العواجي) وما أصبحت إلا وعريفتهم وكهلته عندهم.

لاحظ الشاعر؛ أن خاطر العريفة ما هو طيب؛ فنشده؛ وشبك من يوم عوّدت من الحج وانت باصم ما تخاصم، فك المشبك عن حلق الثوب؛ وقام يندف صدره؛ ويقول والله يا (ريشان) يا مرة مع مطوّفنا اللي حجينا معه؛ انك تقل شقفة من القمر، وعليها قوام؛ وتلوب لوب؛ وتتحرف وتتصرف وزوجها كما حجر الدياس منبطح على بطنه؛ وانحن اللُّعث اللي معنا الواحدة كما الخصفة ما تتلاقى ذرعانك عليها لا تحيل ولا تزيل فقال الشاعر (أرزاق تصلاك بالبارود وارزاق فيّه) علّق تقوله يا الرفيق أنا أشهد.

وزّع عليهم العريفة حمبص وحلاوة حمبصيّة ملونة؛ وسروا يقضمون؛ وفي الصبح خرجوا من بيوتهم بطونهم منفخة كما القرب؛ وانتشروا في المساريب؛ وما يسمع السامع إلا كما الرُّعد؛ فمرّ بالقرية متشبر؛ وسمع وشاف وشمّ اللي خلاه يرد عمامته على خشمه ويسأل؛ أُسس وش مع الناس كما حمير السوق ما غير تفاقع؟ ردّ عليه شاعر القرية؛ من نعايم ربي وهدايا العريفة؛ فقال؛ (وش تيه النعايم والهدايا اللي ما تجيب إلا الفقعة)؟.

00:02 | 12-06-2026

عندما يعشقك النجاح

يعشق كل أحد النجاح، ويتطلع إليه؛ باعتباره من أجلّ وأثمن مقاصد الحياة؛ وأقدسها في قاموس الناجحين؛ وهناك من يتحقّق له الهدف ويبلغ الغاية؛ بسبب موضوعية طموحه، المتناغم مع إمكاناته؛ فيظفر بمعشوقه، وينال مطلوبه، وهناك من يتعثّر؛ لا بسبب وعورة المسار، بل لرعونة السير؛ أو منافسة وحسد الغير، وهناك من يملّ فيتراجع بحكم أن طول الانتظار يستهلك الطاقة، ويبدد القدرات.

في الطريق إلى النجاح قصص درامية؛ منها الكوميدية ومنها تراجيدية، فالنجاح بطبعه منطقي، يعتمد على مقدّمات، ومنهجيات، وآليات، ليعطي النتائج المرجوّة، وما كل من سار على الدرب وصل، إذ يمكن أن تكون المنعطفات والمنحدرات أخطر مما توقّع، وهناك من بذل للنجاح المُتاح وما لا يُتاح، لكنّه تأبى عليه، فليس كل معشوق عاشق، ولذا يمكن لعاشق النجاح السهل؛ أن يكتفي بنظرةٍ وابتسامة ولقاء عابر.

والفرادة في النجاح التي يحلم بها البعض، مُكلِفة، وربما يقضي الحالم نحبه دون بلوغها؛ إذ (ما كل من طلب الفرادة نالها، ولا كل من قرأ الكتاب فهيمُ)، ويظل نتاج عشقِ النجاح لأشخاص أو جهات سِرّاً مكنوناً، أو لُغزاً مُحيّراً، أو غيباً لا قدرة لمخلوق على استجلاء كُنهه.

بينما حين يعشق النجاحُ شخصاً أو كياناً، تنقلب المعادلة رأساً على عقب؛ فيغدو المستحيل ممكناً، وتتمثل الأحلامُ في الواقع وتصبح حقيقة، فالعاشقُ هنا هو مركز القوة، والمعشوق مصطفى من البشر بأمر خالق البشر، أو مؤهل بكاريزما لا يملك النجاح معها إلا الإذعان له؛ وترديد (هيت لك)، وعندما يعشقك النجاح؛ تتشرب روحك ثمالة أقداحه، ويتسرب إلى شرايينك نمير صباحه.

وبانتهاء موسم الحج، بنجاحٍ منقطع النظير؛ أيقنتُ أن النجاح يعشق وطني، ويشرأبُ إلى معانقة هامة قادته، فالنجاحات في وطني تحيا به، ولا تموت فيه، وإن كان لا نجاح بالمطلق دون دفع ثمن مُستحق؛ عطاءً وبذلاً واختيار أكفّاء أوفياء، واستشعار أمانة المسؤولية، التي لا تغفل عين الله عن حفظ ورعاية من استشعرها.

تلويحة؛ الناجح ربما يخسر لكنه لا ينهزم، ليقينه أن الخسائر ضريبة الأرباح، وأن التضحية أبلغ قيمة للعشقِ المُباح.

00:00 | 5-06-2026

بغينا نعيّد بالثور وتعيّد بالفقيه

خبط العريفة بيده على فخذ المذّن؛ وقال؛ من ذيك المصرّمات يا ديكان؛ ما يعيّدون الناس ويضحّون؛ وتتسامع القُرى أن جماعتي قعدوا بدون عيد؛ والشحاحة واليُسر من ربي، قصرت بنا سمحات ولكن ما تضيق إلا ويفرجها أبو خيمة زرقا؛ التفتْ للجنبيّة المعلّقة في مسمار الزافر المحلّاة بالفضة؛ فطلب منه يندرها له؛ قلّبها بكفه وزفر؛ ثم قال؛ اسمع تهبط بكرة صبح، وعلوّلك لا توقع إلا في سوق الأحد وبتلقى (الفقعسي)؛ سلّم لي عليه؛ وارهن الجنبيّة عنده؛ وخله ينقي لك ثورين من خيرة الثيران؛ ولا تصدر إلا بها؛ قال المذّن؛ أبشر ثم طلب منه يكلّف (شتفان) يسكّنه ويحاوشه لا تنفلت الثيران من ايده؛ فاستقعد؛ وقال؛ حِلْ عنّا بشتفان المتسلبي؛ وجهه وجه كور، وراسه راس ثور؛ ما يعرف ينش الهمجة عن خنفرته؛ لكن خذ معك (فحذان) ساطي وتهاب حتى السكون منه.

لزم الفقعسي لحيته؛ وقال يا عيباه؛ آخذ رهن من رأس قوم، والله لو ما يجي فيها ريال؛ معي لكم ثورين ما لها عندي دور ما ربت إلا في الأصدار بين بِركٍ وكادي؛ ان بغيتم قليم؛ وان اشتهيتم مرق؛ وصدروا بالثيران من المضروم؛ وشعب الأحمر؛ ومروا اسقوها من الكظامة؛ والعريفة يبدي من فوق الجناح ويعود إلى متكاه؛ وفي قلبه كما شويط الذرة؛ وما به بطا إلا والثيران مشرّفة على القرية؛ فنزل حافي بدون زنوبة؛ ومسح على ظهورها، ونشد المذن؛ وشبك عوّدتْ بالجنبيّه؟ ردّ عليه؛ حلف صاحبك الفقعسي لو في رقاب حُمر ما يأخذ من رأس قوم رهن، علّق؛ أنا أشهد ان المطلق يعرف قَدْر المطاليق.

جمع العريفة جماعته بعد العصر؛ وقال؛ الله يعيدنا ويعيدكم رضاه، ورحمة سماه؛ أنا سديد دونكم في كل ما يلزم؛ أما لحمتين من اللحام الثلاث؛ دبّرنا عيدها؛ وأما اللحمة الوسطانية؛ فكلهم مفزرة صدور؛ يدبرون نفوسهم؛ ما يدرج الواحد رقبته إلا ويدرج عمره كله ما كنه إلا جعير؛ فقال الفقيه؛ ثور عمتك (مباركة) يسد قبيلة؛ أطلبه منها بحقه؛ وما قد ردت لك طلب؛ قبلها منه؛ واقترح عليهم ثلاثة جرن يذبحون ويسبّعون الثيران فيها؛ ويفلّحون السُفان بالشِّفار والعُطف عند (أبو مسفر) يسنّها ويحدها، ووصاهم يجمعون هُدوم يسدون فوقها، تلقف ولده الكبير وقال؛ خلّها بكرة؛ ردّ عليه؛ خلوك أعمى يا الكاشر من بيسمه لها بكرة؛ نصلّي ونضحّي قبل ما تقلانا الشمس، وتصنّ ريحة اللحم.

دخل الكبير بيت عمته، ورمى بعمامته في حثل (مبارك) فانتقلها بحركة عجلة؛ ورماها في حثل (مباركة)؛ وقال يا عريفة والله ما ألام أحد يرمي فوق وسطي ريشه؛ اعرف مطلبك؛ لكن يا كبيرنا الثور ثور عمّتك؛ استدوا انت وهي؛ وما نزيد على عمامتك إلا عقال؛ ولا على قعودك إلا شحم رخال؛ بغى ينشده ليش ما يلام، فاكتفى بقول (سوات اللي يقوّز الرمادة)؛ ثم انتخى بجدّه والد عمته مباركة؛ قائلاً؛ يا بنت ثمران؛ وحفيدة قِدْران؛ عندالله ثم عندك حدّتنا عليك الحوادي؛ زمن فقري الله لا يعيده؛ وصاحب الحاجات من قاساها؛ وقيمة الثور عندي؛ تبغينها فَدَر والا مَدَرْ وإلا وبر، وضعت يدها على رأسها؛ مستغيثة بربها، وردّت عليه؛ وش تالرادة بدل ما تاهب لنا يا عريفة عوّدت تتحوّق اللي معنا؟! ؛ ثم أذعنتْ لما تُمليه عليها شيمتها.

خرجت الجدة (مباركة) بطاسة توتيا صغيرة فيها حناء مطحونة معجونة بالماء؛ وما إن اقتربت من ثورها (حُبيش) الذي رافقها عمراً في محراث ودياس؛ حتى خارت قواها ولم تقو على صبغ جبهته بالحناء، وكأنما شَعُر الثور بدنو أجله؛ فأخذ يتشمشم شرشفها وشيلتها؛ وسرعان ما هشلتها وهلّت الدمع وامتد صدى شهيقها من السفل إلى العالية؛ فنزلت حفيدتها وحنّتْ جبهة الثور وظهره بالعشبة البنيّة؛ وكأنه مقبل على زواج؛ فيما الجدّة رفعت كفيها بالدعاء على الفقيه؛ الذي رشّح للعريفة ثورها من بين كل الثيران؛ وكشفت الشرشف والشيلة عن مقدمة الرأس لتستحي منها الملائكة وتصعد به إلى السماء سريعاً؛ وقالت؛ يا الله تجعلها تحوط به ويارب هبها في وجهه.

سمع زوجها (مبارك) الغلبة فمدّ رأسه من البداية؛ ليعرف سبب النحيب؛ فانفرط يضحك على كهلته؛ ولأن محاشمه منتفخة من لقصة نحلة طبت عليه، أول أمس وهو يطهر تحت الشبارقة؛ فقطع الضحك وقام يونّ ويتويّا لنفسه ولخصوته المورّمة مردد (عِلِيت يا مبارك انتفخت خُصاك وغدت كما جرّة الثوعي ما عد أقدر أزوع عمري من ثقلها).

انقسمت القرية على ثلاثة مواقع؛ كل لحمة عيدها في أكبر جرين؛ وأوكلت للفقيه مهمة تكتيف ثور العمة مباركة؛ لنّ معه حيله، يقرأ عليه، وفي غفلة رتح الفقيه لاونه منكب على مؤخرته؛ وخذته رعدة؛ قال؛ العريفة؛ ألحقو الرجّال سمّوا عليه؛ طاح فوق الدم؛ زفوه اثنان من المطاليق؛ وبغوا يحفشون ثوبه يتفقدون مكان الرتحة؛ فاجتبد الثوب وصرّ عليه ركبه؛ وأشار بيده نحو الباب؛ فخرجوا يتضاحكون؛ وما تسبّعت اللحمة، إلا مرته وعيالها بالقشابي يقولون فين سُبعنا؛ قال المذّن؛ جيتم تدورون اللحمة يشتي الدسم الفقيه؛ احسبناه مات وحزّنتم عليه قلنا بنتقسم سُبعه؛ فقالت بانفعال وقهر؛ ما يموت إلا الطيبين.

دقوا المعراض بعد العصر، والشاعر ما هوب دون شيء؛ حاف الفقيه بالقصايد حوف؛ ومنها (حيّ عود طويل الباع يكتال فوق الهاربه؛ مير لا حميت الغارة يعوّد جملنا من سواكن؛ لحيته تمّنه من الخوف الأكبر ويتقنص بها) وفي الليل صفّوا يلعبون والنسوان يخيّلن، فانتشى الشاعر؛ وبدع؛ (متى يحج الذي في راس لقمان بيته؛ وليلة العيد ما يمدي الحُديا تحجه).

00:06 | 29-05-2026

حُجْ يا حاج

خضعت نُخب أدبية وثقافية على مر نصف قرن، لضغط الشعاراتية وشروطها مكرهين، أو بغير رضا وقناعة، إذ ما إن يحلّوا في بلدان، يرى زعماؤها أنهم حماة الدِيَار والدَّيَار، إلا وتحمّلوا وزر الشعار الجانح المُناقض للواقع، وربما رفعوه على رؤوسهم، أو لحّفوا به مناكبهم، أو احتزموه في وسطهم، ليكون عوناً لهم على شدّ الأزر، واستقامة الأوَد، وسدّ الرمق، ولا خلاف على أنّ السياسة والأدلجة تسلّلت إلى كثير مما يعدّه البعض عبادة أو قناعات، وعبثت بالهشّ من العقائد والأخلاق والقيم والمبادئ.

وفي كل عام يفد إلى المملكة ملايين الحجاج، من مذاهب، وطوائف، وبلدان، وتوجهات، ولم تَدْعُ ولا تَدَع بلاد الحرمين أحداً يرفع شعاراً يشيد بجهودها، أو يُثمّن دورها، ولا غفرت لأي ضيفٍ مُسيّس، تعكير صفو غيره من الحجاج، إذ ليس كل قاصدي العبادة ممسوسين بالسياسة، فهاجس المؤمنين أداء شعائرهم بمشاعر إيمانية في فضاء آمن، والعودة من حجهم بغفران الذنب ومحو الخطايا، كما لم تُلزم المملكة حاجّاً بمذهبها ولا فقهها، كونها ترعى وتُعنى بشعيرة الأصل فيها «تقوى القلوب والجوارح».

وما رعاية المملكة لضيوف الرحمن، وعنايتها إلا انطلاقاً من اختصاصها بهذا الأمر الذي سار عليه السلف الصالح من قادة شرُفوا بخدمة الحرمين، والله يصطفي لأشرف المهام أكرم عباده، مثلما يصطفي من الملائكة رُسلاً ومن الناس، ويكفي اليوم أن نتابع وقوف خادم الحرمين الشريفين، وولي عهده الأمين على موسم الحج، وإشرافهما المباشر على أداء القطاعات، التي يقف عليها الوزراء بأنفسهم وعلى مدار الساعة.

والحج المبرور يقوم على تعظيم حُرمة المكان والزمان والإنسان، فالمكان بُذِلَ ويُبذل فيه وعليه، مبالغ لا حدّ ولا حصر لأرقامها، وزُوّد بأحدث وأفضل الوسائل المُعينة على طاعة الله دون عناء، والزمان أيام معدودات، غالباً لا تزيد على أربعة أيام، سرعان ما تنقضي في لمح البصر، ومن جاء بقصد العبادة لن ينصرف للتُرّهات ويدع المثوبة والحسنات، أما الإنسان فإما أن يكون قائماً على خدمة الحجيج، أو مُشاركاً في النسك، أو متبرعاً لعمل الخير، وأداء مهام وظيفية أو تطوعيّة، وكلهم لا علاقة لهم بشأن سياسي ولا أيديولوجي، فالموسم الخيّر لا يتسع إلا لذِكر الله وما والاه.

كانت بلاد الحرمين، وما زالت، وستظل، مهوى أفئدة ومأرز إيمان، ولا ريب أنّ كثيراً من الحجاج تغيّرت قناعتهم، واطرحوا الأدلجة وشعارات التسييس، بحكم الواقع الإيماني الذي عاشوه، والمُعاش الذي شاهدوه، والأدب والاحترام الذي حظيوا به، فالضيوف ضيوف الله، والسعوديون قيادةً وحكومةً وشعباً في خدمة الضيف، والله عزّ وجل، ورسوله المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، والأسوياء من البشر، لا يقبلون من الضيف إساءة الأدب مع المُضيف، لأنها تطاول على الله تعالى، وعلى رسوله عليه السلام، وعلى المسلمين المسالمين الذين وقفوا أعمارهم وأموالهم لأداء فريضة طالما حلموا وتمنوا أن يسعفهم العمر والظروف ليتمكّنوا من أدائها، براءةً للذمة.

ربما يضيف علماء المقاصد في زمن لاحق إلى شروط استطاعة الحج، الاستطاعة بالوعي، وبُعد نظر المسلم في فهم معنى العبادة، وكذا الاستطاعة الروحية، والأخلاقية التي تجعله في ذروة إيمانياته على مستوى اللفظ والسلوك، إضافة إلى الوعي الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، لبلوغ أسمى معاني وحدة الجسد والوجدان، فالحجُّ تجرّدٌ يليقُ بمن قرر الاتصال بالسماوات، لا تصفية حسابات.

موسم الحج لا يحتمل العبث ولا الفوضى، ولا إعطاء كل شخص على هواه، فالنظام أولاً وأخيراً ودائماً، والحجاج قدموا لمقصد العبادة، والمملكة هيأت لهم كل ما يلزم لتحقيق القصد بأيسر وآمن السُّبل. تقبّل الله من الجميع، وأعان ووفق قيادتنا وحكومة بلادنا على أداء ما أُنيط بهم من مسؤوليات خدمة الإسلام والمسلمين.

00:53 | 22-05-2026

«طاح الرخا فـ الديرة»

لم يعد يساكن (رِقْبان) في بيته الواسع لا نسمة ولا دسمة، عدا الرادي؛ والغليون؛ وبسّة سوداء تشاركه ما يجود به عليه جيرانه؛ واعتاد لا يرقد إلا بعدما يسمع نشرة الأخبار، ليستعرض في اليوم التالي مهاراته، وكلما دخل بيتاً من بيوت القرية الذين يستأنسون بهروجه الملفقة؛ يقول؛ ما سمعتم وش قالت إذاعة لندن البارح؛ لكي يُغريهم؛ فيردّ عليه السامع؛ خير إن شاء الله، فيعطيهم رأس الخبر، ويلتفت في راعية البيت ويقول؛ قومي اقدحي لنا البُرّاد.

يستثقل (رِقبان) يوم الجمعة؛ لأن أهل القرية ما ينطلقون إلى مزارعهم والوديان إلا مع الضحى؛ انتبه من نومه على دقّ؛ فطمع في دلة قهوة؛ وتحسّس الصوت؛ وإذا به ثور المذّن يحكّ قرونه في خشب المصراع، وكعادته في الشماتة قال؛ وشبهم بقّ الغيران ما خرجوا من غيرانهم؟ وتذكّر أن يومه يوم جمعة، فقال بينه وبين نفسه خوفاً يسمعه الفقيه ويعزّره؛ حتى ربي خلاه ليوم القيامة؛ بيفجعهم والخلق راقدين كما جماعتي؛ وتهرهم بطونهم من الخرعة لا ردّهم الله؛ ضحك ثم استرجع؛ وردد؛ استغفرك واتوب إليك إن كان عليّه فيها خطيّة؛ وخرج من موضوع الدين فقال؛ ما حد احترك النسوان مخورات؛ والرجاجيل خِربين جربين.

تلهّم واجباته الصباحيّة؛ قام ونفض الهِدم الذي كان ينام عليه، وطواه وحزمه بفتيل؛ وعلّقه فوق الجُباهة ليتشمس؛ والتقط المقشّة وحاق بها الغبار عن حجر عتبة الدار، ثم استقعد؛ ولف عمامته ووضعها تحت كوعه معنازة؛ واحتفش الثوب؛ لتستقبل فخذاه ضوء الشمس المتسلل إليه من بين أغصان سدرة البيت؛ تحالى الدفاة وغفى؛ ودخلت البسة السوداء تحت الثوب المحفوش؛ فانتغز وركلها بقدمه؛ مردداً؛ ما عد عليك إلا تغلقين عليه وهو ما غير كما فتيلة الطباخة.

فتحت جارتهم (مخْلِيَه) باب بيتها إلا وعينها في عينه؛ بادرها بالسؤال المعتاد؛ كيف كهلتكم اليوم؟ ردّتْ عليه؛ تحت الله؛ علّق؛ كلنا تحته؛ الله ياهب معونة على هذي الدنيا يا بنت الحلال، وسبحان من لا تسهى عينه ولا تنام، وكعادته في النبش والتنشاد سألها؛ وين رجالك (قِرْفان) ما له ضيحه؟ جاوبته؛ سرح جُهمة، يحمي الخوخ من الطير والقرود؛ فقال؛ آهي صادقة بيسرح يحمي الخوخ؛ اتفلي في ثمي إن كان ما معه علم ثاني! عرفت إن وده يدخلها في نوايا سيئة؛ فقطعت عليه؛ ونشدته؛ وانت كيف لك غبّشتْ ما هي عادتك، فقال؛ ما يهناني يقومون الخُطلان قبلي، والعريفة مزكّن عليّه؛ أرقب له السارح والرايح والهباط والصّدار؛ سكت وردّ ثوبه على سيقانه؛ ولأن راحلته شجيّة؛ شغب الصوت بطرق الجبل (يقول أبو عسّاف كم نرقد وننبه؛ ما شبعنا فيك يا نوم؛ مرقدي ع الهدم راحة، ولولا مشقات الزمان النوم حالي).

أقبلتْ عليه بدلّتها المحوّجة؛ وصحن تمر صفري تقول الجواهر؛ فصبّت له الفنجال ومدّت؛ فقال؛ من يدّ ما نعدمها؛ رشف؛ وصدح؛ كنها دلة ابن سعود في (الناصرية) فانتشت؛ ولكي تستثير مشاعره الشفيفة؛ قالت؛ (جنّة) تسلّم عليك؛ تربّع في جلسته؛ وقال؛ ايوه فين لقيتيها؛ قالت؛ في الفيض تحتطب وتحتشّ؛ وسكت شويه ثم قال؛ وحيدة وإلا على ذمة رجّال؛ ردّت؛ مات (المرتعد) آتلى أزواجها؛ وميتّم على شلقة عيال كما وصاص تهامة؛ وأضافت؛ إن كان ودّك بها هرّجتوها، حكّ عارضه؛ وقال؛ إنها من كُثر ما عرّست غدت كما مخدّة القهاوي؛ كل يوم في حثل زبون لين تنتفت من الدحيس.

قرر مزارعو القرية يسوّقون بالخوخ الفدري؛ سوق السبت؛ وتقاطرت حميرهم؛ إلى الكبّة؛ ليركبوا في أبلكاش بن بادي؛ وصلوا مع شرقة شمس النهار؛ لا ونّ السوق فايض من عيونه؛ وصدح غرسان المحرّج (في ذا السنة صدت نجوم الربيع، وعاد طلع الخوخ في كل ريع)، وصاح؛ وينكم يا الخواخة؛ طاح الرخا في الديره، قال (قِرْفان) حرّج على خوخي؛ المنثل بريال، ردّ عليه المنثل بنص ريال والله لو انك تسقيه زمزم.

ما جا لهم سوق، وعوّدوا ببضاعتهم إلى رحالهم، وأعلن زرّاعة الخوخ في القرية؛ أنه صدقة لوجه الله، للطير وشبّار الخير، وكل صاحب مزرعة واقف على الجنّاية وصوته يكسّر الحصى؛ كلوا ولا تردكم إلا بطونكم، يومين ثلاثة، وانقلب الحال، دقتهم بطونهم، وسرحوا الوديان يبردون؛ تشوفهم متقعفزين جنب الغدران، وجت الجمعة التالية، وصلى بهم المذّن، نشده العريفة وين رفيقك ما صلّى بنا الجمعة؟ جاوبه؛ استرط له خوخة بعجمتها وله يومين يتعسّر، تشقق ثُمّ القربة من الزحيط؛ افترش فوق حدة البيت وملقيها البحريّة؛ ما كنه إلا ناقة عسّرت على حوارها، فقال؛ وش اغداه ما كان ياكل ببصيرة، ردّ رِقبان؛ منين للفقيه بصيرة عند العيشة يا كبيرنا، فقال؛ الله يديم النعمة طاح الرخا في الديرة؛ وحلّ في الدِّيَر غير أهلها.

00:01 | 15-05-2026

التعصّب للطائفيّة والقبليّة مجافاة للوطنيّة

عوّلتْ أمم على التعليم، لتحقيق التنمية، ورفع مستويات الوعي المجتمعي، ونجحت بالتعليم في تأصيل وتحصين وحدتها الوطنية؛ إلا أنه ليس بالضرورة أن يكون التعليمُ دائماً طريقاً نحو المستقبل، فأحياناً يغدو سالباً ويكتفي بالفُرجة على المتشبثين بعُقد الماضي، خصوصاً إن كان التعليم مُوجّها؛ وكانت الأنساق الماقبل تعليمية (أسرة وعائلة وطائفة وقبيلة) تُغذيه بقيمها المُحتدّة والمثيرة للنعرات التنافسية، والمنافسة العاطفية مدعاة للتعنصر.

ولكي لا يحتدّ القارئ الكريم على المقدمة، أرجو أن يُجيب على السؤال التالي (أيّ المؤثرات تفعلُ فعلها في الفرد والمجتمع وبقوّة، وهل التعليم مؤثّر أوّلي على العاطفة والسلوك والأخلاق)؟ قبل الإجابة؛ يستحسن التذكير؛ أن من أدبياتنا الشعبية (المجالس مدارس) والمجالس أداة توجيه وتأثير في النشء ؛ بل ربما كانت المحضن الأقوى والأشرس في غرس القِيَم والمبادئ، ولو استعدنا المثل (تنقل ضِلع ولا تغيّر طبع) فالطبع ليس كله من الفطرة؛ بل من قابليتنا للتطويع على يد المحاضن الأولى.

بالطبع؛ ومن المنطقي أن نلتمس العذر، لأدبيات القبائل، في زمن ما قبل الدولة، باعتبار أن كلاً يجد في قبيلته الحميّة والنصرة والعزوة؛ إلا أن زمن الدولة احتوى الجميع، وتكفّل بالأمن؛ والتنمية، وردّ المظالم، وكبح الفساد، وإرساء العدل، وكفلت بأنظمتها حقوق المواطنين، ولم تلغِ القبيلة احتراماً لتاريخها المُشرّف، إذ لم تتخلّف قبيلة عن الإسهام في مشروع وحدتنا العظيم.

ولربما لم تتشكّلْ مؤسسات المجتمع المدني مُبكّراً، لكي ينتقل المواطن بقدراته ومواهبه ومهنته وحرفته واهتماماته إليها بسلاسة، ولذا خشي البعض إن خرج من القبيلة، فقدان المكوّن الاجتماعي الأوّلي والذي يرى أنه لا يستغني عنه، وفي بلدان عدة، اشتغل مفكروها منذ التأسيس على (المواطنة) التي هي علاقة بين أفراد ودولة، (مواطن وكيان سياسي) وفق علاقة محكومة بحقوق وواجبات، يحددها النظام؛ وشعار المواطنة، ودثارها (الالتزام) المتمثّل في انتماء وولاء وعطاء.

للطائفيّة عاطفة تدينيّة جيّاشة، مبعثها صحة مذهب؛ وسلامة معتقد؛ وزكاء أخلاق؛ وسمو مبادئ؛ وربما يوقع المذهب المتعصّب في استنقاص الآخرين؛ ممن هم مذاهب شتّى أو طوائف تترا، كما أنّ للقبليّة محفّزات، تدفع للتباهي والفخر والمجاراة والتفوّق؛ ولذلك محاذير ومخاطر كونها مظنة الوقوع في التعنصر والعصبية والازدراء، وإثارة نعرات فتن؛ وإذا كنا نعوّل على التعليم في تخريج مواطنين أسوياء؛ فإن العنصرية بالطائفة والقبيلة والتمييز، يتنافى مع الوطنية؛ وكل ذلك يُلغي وظيفة التعليم، أو يعطّل رسالته؛ فيصبح وسيلة للشهادة والوظيفة، دون تأثير نوعي في بنيات الذهنيات المجتمعية؛ وعلاقاتها العقائدية المُعقّدة.

ومن البدهيات أن لأي إشكالية؛ زمامين؛ الأول؛ نقص في جانب يتمثّل توفير معالجات مبكرة؛ والثاني؛ زيادة ضخ تعبوي يضخّم القبيلة والطائفة أمام قامة الوطن؛ حد أن يجعل منها البعض كياناً موازياً للدولة، إن لم يكن يراها أضخم وأهمّ، وهذا من عمى البصيرة، وجحود النعمة، وعدم تقدير فضل الله علينا حقّ قدره.

ولعل من السهل استدراك قصور المؤسسات المعنيّة، بحفظ هويّة الانتماء للمواطن باعتباره جزءاً من هذا الكيان متمثلة في تفعيل نقابات وجمعيات ومنظمات وهيئات تبدأ منذ مراحل الدراسة الابتدائية عبر عضويات، فيتأسس الوعي المبكّر بالوطن، وتتنامى العلاقة بالاندماج في مؤسساته المدنية (الأهليّة) ما يعزّز دور الفرد والمجتمع في وطنهم، بالعمل والبناء والتنمية والحُبّ.

تلويحة؛ لا يتعامل نظامُ دولتنا مع المواطنين؛ باعتبار قبائلهم ولا عشائرهم ولا مذاهبهم ولا طوائفهم ولا مناطقهم؛ فلماذا نتمسك بالذي هو أدنى وندع الذي هو خير؟!.

00:01 | 8-05-2026

بغينا نركب الجمل وطاح فوقنا   

استحوتْ الشاة المزريّة موعد راعيتها؛ فاستحبت بفمها القرنب، وانفتح المراح؛ اسربت الغنم وراها؛ خروف العيد، وعنز وشاتين مع البهم، وبقيت البقرة وحسيلتها، ومع نزول (بركة الحمديّة) بحلّة المواص، لمحت باب المراح، فانتخت كعادتها (آنا بنت آبي) وشلّها الراقف؛ خوفاً على غنمها التي لا شك أنها نزلت في ركيب (شبّاب الهواوي) ورُعباً من زوجها (حُمران) زلقت بها الزنوبة؛ ففقدتْ توازنها، فطاحت، وانثنت قدمها اليسرى، فانخفعت؛ وانكبّ المواص على شرشفها وكرتتها؛ فقالت؛ عندكم يا ذا النهار.

تحاملت على نفسها، وقدّمت الحلّة بما بقي فيها قدام البقرة؛ تولّف الديك والدجاج، طردته وقالت؛ ما عد عليك إلا هي يا بقان القفا؛ تشاركون النفاس فالها؛ فخرج الديك هارباً للساحات والدجاج من وراءه؛ إلا دجاجتها البيّاضة الأثيرة، عادت لترقد على بيضها فوق العلف الذي يملأ الجزء الأيمن من السفل؛ ويمتد عمقه على مساحة مظلمة، ما حد يسكن يدخلها، إلا وقت شحاحة وإلا لسلسة، دنّقت على الحلّة، لتحت من حافتها، بقايا عجينة يابسة للدجاجة، وما أمداها استوت واقفة؛ حتى ناض عليها ظهرها، فصاحت «يا ظهرك يا عبادة».

ردّت باب السفل، خشيةً على الحسيلة من الكلبة المِجْرِيَة؛ المفرّخة في الخربة؛ وتفقدت شرشفها وملابسها، ثم ارتدت طرف الشرشف على فمها، وما غير شرّفت على الوادي، إلا هذا (شبّاب) مستاق غنمها، ويحذفها بالحصى، غيّرت مسارها من طريق الجمّالة، واعترضت طريقه قبل ما يصل ساحة بيته؛ شاورت له على البيت، ففهم أن زوجته بتسمع وربما تخرج عليه وتوطّي فيه ما وطّى السلقة في خاله؛ فآثر الصمت، فمدّت له باللبانة، فشافها خاتمة وكسوة، هدأ و حط اللبانة بين ضروسه وبدأ يعلك، قال؛ ما ودك تعدين تشربين معي فنجال، لم تردّ؛ واحترفت غنمها، فعلّق؛ والله لو ما تخلّي في الركيب زِنه؛ لكن معي حثمة على (حمران) سقط عليّه؛ وسبقني عليك، أعمى آبوك الطماع، إلا والله ما حقّك إلا هذا الصدر، وخبط بيده على صدره الدالع البارزة ضلوعه؛ فردّت عليه؛ أبشر بالعوض، إن كان ودّك تأخذ (مِفرحة) لولدك (فرحان) فأعجبته الفكرة، طمعاً في شوفتها ويصير له عذر يغدي ويجي.

حاول يقنع (فرحان) هو وأمه بمفرحة، وأمّ فرحان صدّاقة بني زريرة، تجتهد يا غافل لك الله علّام النوايا. طلّق من ظهر أمه؛ لو ما وافق؛ ليظهره من البيت والوادي، وقال مستهزئاً؛ يا فرخان؛ مراحمة (حمران) شكالة ونكالة، ما تدري أن (حمران) سمّاه جدّه (خوطان) باسم جمل من جمال الهجاهجة؛ ردّ عليه؛ مفرحة ما تفرّح يابه تخرع طايفه من الجنّ؛ علّق؛ من هيالتك انت وامك؛ بغت تردّ؛ فقاطعها؛ جدك (حوتان) قد باعوه رفاقته في سوق المخواة بعشرة ريال، وما اعتقله إلا جدي، فصمتتْ.

عاد (حمران) من سوق السبت، بعد الظهر، وطلب من ابنته (مفرحة) تنزّل خُرج الحمارة من فوقها، وتحط الحلس، وتسقيها، كعادة أم مفرحة، تناولت الخرج من بنتها، وحطته قدام أبو مفرحة، أخرج السفرة، وقال؛ ألزمي ملّحي اللحمة وانشريها فوق الحمّالة، ومن فتحة الخرج الثانية، أخرج القسبة، وزبيب رازقي، ولُباب من عند صاحبه علي فقس؛ نشدته؛ كن بيجينا ضيوف، ردّ؛ ضيفي وضيفك الله؛ هذي وُثاقة؛ يمرّنا شابر والا عابر، إلا وفي بيتنا ما نقطع به الشرهة.

ما غربت شمس النهار، إلا ولد آخوها (شِرْكان) في الساحة، رحّبت ومازحته؛ من حصّب لك الطريق يا زفران، بيجي المطر؟ فقبّل رأسها؛ وقال آبي يسلّم عليك وتراه له كم يوم ما يذوق الذُّوق؛ وما على لسانه إلا أخته (بركة) أدخلته، وقالت له؛ عدّ تعشّ معنا ونسري، ردّ؛ إلا نتعشى ونسمر وبكرة يحلّها الحلّال؛ وفوق العشاء؛ قال؛ يا عم حمران، زوجني مفرحة، فقال؛ والله انك وعشرة أنعام يا زفران، لك مفرحة متعافية وانت جلد ومشاش، أخاف ما تقدر فيها؛ علّق؛ والله لا احوسها واحوس أبوها! ردّ عليه؛ تهبى وتخسى آبوها ما قدروا فيه شمطان اللحى يا بو صنّه كما صنّة اللّحام، وبدع (عادتك تقبل توالي الليل يا بو الليول؛ شدّتْ وسارت جِمال البدو باحمالها).

ما أمدى أم مفرحة تصل هي وزفران، إلا والجماعة فوق المقبرة، صاحت وناحت (يا آخي آخياه) وشاركتهم أحزانهم، وعوّدت لبيتها؛ خاطرها متكدر، وحالها يرْحِم، وما به بطى إلا و(شباب الهواوي) وولده (فرحان) هذا مبداهم؛ قال وعينه على أم مفرحة؛ علمنا وسلامتكم؛ جينا مصهّرة في (مفرحة) لفرحان؛ فقال أبوها؛ ردّي عليه يا مرة! استنكر وقال؛ تعقب ما تردّ عليّه حرمة يا الناقص؛ قال؛ همّنك تعلّمني بعلمك، وعينك قاطعة فيها.

امتص غضبهم؛ لأنه ميّس بهم يبدون ما معه عوين إلا الله؛ فقال تقهووا الله يحييكم لحاجة ولغير؛ وانتم فصّلوا وانحن نلبس؛ لكن المرواح حول الليلة، انفرجت الأسارير؛ ومن تالي يوم؛ وشبّاب وثيرانه؛ ومرته وولده في خدمة حمران وبلاده؛ يا شباب معنا محرثة نهار.. ابشر يا الرحيم، معنا سوق سرّح فرحان بالثيران.. ابشر يالرحيم.. معنا دمنة بنرحلها، ودنا بالحمار والحفص.. ابشر يالرحيم.. وذات ظهيرة؛ وصلت معه كيس التنباك؛ فقال يا فرحان؛ المثل يا ولدي يقول (قال لا شربت مرقتها عرفت سنّها؛ قال لا إذا فرّيتها عرفت سنّها) والله ما يحول الحول إلا وهذا الرجّال قد قطّع ظهري وظهر أمك وظهرك، وصرم حالنا وحلالنا؛ ما ينقرب لا ذِكر بخير، وأضاف؛ اختار الله وأنا أبوك؛ بغينا نركب الجمل وطاح فوقنا.

00:01 | 1-05-2026

العالم شركة هاجسها الربحية

مثل ما ينشغل ربُّ أسرة صغيرة، يومياً بقوت عياله، ويجول في الأسواق لاستجلاب الرزق، مما سهّل الرحمان؛ وما أغرى به الشيطان؛ وهكذا طبع الإنسان؛ ولقمة العيش (عند البعض) لا تخضع لمعيار الحلال والحرام، بل معيارها الحرفنة والمهارة، بصرف النظر عن الحِلّيَة من عدمها، علماً بأن في الاعتماد الكُلي على القدرات خللاً عقائدياً؛ فالأرزاق كفلها الله للكل؛ وجعل في الأرض معايش (وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين)، كما أن في الاعتزاز بالمواهب والفهلوة واستباحة مال الغير دون وجه حق؛ مغالطة أخلاقية؛ إذ إنه غالباً ما من نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حقٌّ مُضيّع، كما قال الإمام علي رضي اللهُ عنه وكرّم وجهه.

وعالم السوق الذي نشهده اليوم، لم يكن بهذا التغوّل منذ نشأته، أو تشكّله؛ فهو وُلد تقليديّاً، بمقايضات بسيطة، ثم انتقل إلى بيع وشراء، وأخذ وإعطاء، ثم تطوّر الأمر إلى إقراض، ثم تمويل بفوائد، ثم تحوّل التاجر البسيط إلى مؤسس شركة، والشركة فتحت باب المساهمات، والمساهمات حقّقت الأرباح، وتجاوزت كل ما له جانب عقائدي، أو أخلاقي؛ وطوت أدبيات التعامل، تحت إبط (دعه يعبر دعه يمرّ).

وجدتُ مقولةً للرئيس الأمريكي الثاني والثلاثين (روزفلت) تؤكد على (ضرورة أن يتوحد عمل التجارة العالمية، وألا يتسبب أي إخفاق في عوق الحياة الاقتصادية، في كل بقاع المعمورة)، وهذا في الأربعينيات من القرن الماضي. والملاحظ منذ دخول الألفية الثالثة أن العالم تحول إلى شركة عملاقة، ذات مقرات رئيسية؛ وفروع طرفيّة؛ ذات أقسام وتخصصات ومهام عدة، ولأنه لا شركة ناجحة إلا بمجلس إدارة محترف، ولا إدارة محترفة إلا برأسمال محفّز، ولا رأسمال إلا بتمويلات ضخمة، فلابد من تشريعات تخدم الغاية القصوى للشركة، فيما تتمثل التحديات في نوعية الموظفين والموظفات، وهوى ورزالة وصلافة بعض العملاء والعميلات، ولذا تنتهج الشركة مرونة وجلافة لتغيير السوق، أو استبدال المنتجات، أو تغريم وتبديل العملاء.

والغالب على الظن؛ بأن العالَم تحوّل فعلياً إلى شركة، له حيثيات ومبررات، منها أن الأرقام غدت اللغة الغالبة على لسان السياسيين، فعقد الصفقات هاجس متجدد، ورفع الأسعار من لوازم تفادي الخسائر، وتعزيز الرساميل أمان للمستقبل، والتوسع في النشاط بفتح المزيد من الأسواق، يسهم في سرعة استهلاك منتهي الصلاحية.

ومن أخطر أقسام الشركة (الدعاية والإعلان) ثم (إدارة التسويق والمبيعات)، فأحياناً الشركة تبيع كلاماً، أو مواقف؛ ولخدمة العملاء فضل امتصاص وتنفيس ردود الأفعال، بعيداً عن سمع وبصر العضو المنتدب، أو المدير التنفيذي، الذي ينبغي المحافظة على نفسيته ومشاعره ولياقته ومزاجه ومحفظته.

هناك فضاء واسع؛ لا ناقة له ولا جمل فيما حدث ويحدث؛ وبحكم أن تفكيره منصب على ما يأكل ويشرب ويلبس؛ فالشركة تلبّي تطلعاته، وتحقق أحلامه الغريزية، ولا تبخل على نهمه؛ بل تحوّل كل ما هو قابل للتدوير إلى طعام وشراب ومتعة، وإن عبّر عن امتعاض ما؛ فلأنه أكل ما لم تتعوّد معدته عليه، أو لبس ما ليس على مقاسه، أو ارتدى ما يتنافى مع الذوق العام، وانتهك بروتوكول اللباقة الجمالية.

ولا تتأثر سياسات الشركة بسخط العمال، ولا باحتجاجات الزبائن، ومن مصلحة الشركة بين حين وآخر، افتعال إشكاليات، لرفع أسعار أو تخفيضها، ولا خلاف على أن الصوت الأقوى في مجلس إدارة الشركة، من نصيب مالك الحصص الأكبر من الأسهم، وبحسب حصته يؤثر في قرارات الإدارة، ويضيف ويحذف، ويجمّد ويُرقّي، ويُدني ويُقصِي.

مؤكد أن العالَم الشركة لا يقبل أن يخسر، وهو معني بالتعويض، وتقليل المخاطر، وتفادي الإشكال، وتحسين السُّمعة، ولا ريب أن الموظفين والموظفات المهرة يتبوؤون منزلة رفيعة، وهم محل التقدير، ولهم أولوية في الترقيات، خصوصاً الذين يحققون المستهدفات، ويرفعون نسبة الإنتاجية، ويلتمسون العذر للرئيس؛ ولا غنى للشركة عن التعامل مع قراصنة ولصوص وسماسرة، بالمجافاة تارة وبالمحاباة تارات، وأحياناً بالمواجهة الشكليّة أو الفعليّة، إذ لا تسمح شركة قوامها على مداخليها أن يعطّلها أو يعبث بها أو يتطاول على نظامها وآليات عملها؛ كائن من كان.

وعندما يغدو العالَم سوقاً أو شركة، غايتها المكاسب المالية؛ والربحية المستمرة، يتراجع خطابها المثالي، ويسقط إعلامها الذي طالما سوّق لعنايتها بالحقوق، وكفل حياة كريمة لكل عضو وموظف ومستفيد ومساهم. ومن الطبيعي أنه كلما غدا العالم شركة؛ أن ترتفع أسعار أسهمها؛ ويزيد تمويلها؛ وتتسع أنشطتها؛ وتتضاعف مواردها؛ وكلما تضخمت؛ تضاءلت مكانة الإنسان، إن لم يتحوّل نفسه إلى سلعة؛ بخسة الثمن.

00:00 | 24-04-2026

اكسسوار الحمار..!

لزم (المنفقع) بوصية شيبته، الذي أوصاه قبل يعصره عزران: اقن الحمير يا منفقع ترى عشرة حمير خير من بعير، وتوارثت العائلة (الحِمارة) كابراً عن كابر، لكن المنفقع بحكم خبراته الحمارية، اعتنى بالمذوَد والمقوَد، تدجين، وتمرين، وتصعيب، وأضاف للحمرنة الدِّلالة عليها في أسواق المنطقة، وكلما شافت الحمير (المنفقع) دنّت بروسها، وتحاشت النهيق، وولد النهّاق يتضيعف لا شافه، تفادياً للعنا والردى في عقاب شدا، وترتفع أسهم (المنفقع) في الشتاء، كونه موسم التزاوج، فيعدّ العدة، باختيار (صعب) مخه في ساقه، ويضرّمه أسبوعين، ويجمع له حثل الدِّلال والبراريد ربّ الله تنشطه، ويبيّض وجهه في الموسم.

يشترط (المنفقع) لكل علَوة تلقيح خمسة ريالات، وإذا قال أحدهم بشرط، تلقح حمارتي، يردّ عليه، الله يا هب لك ما هبى للتيس أبو ديس، ويضيف، تبغيني أضمن لك مصقة الحمار؟ ثم يهدأ ويقول، وحق الله ما قد فسد في معبره عبروده، وإذا صبحن عليه النسوان حلوات اللسان بالخير، يقبل منهن ما تيسر ولو منافع متبادلة (فزعة في صرام، والا نقل دمنة، والا دياس) وكثيراً ما يتجمّل بتلقيح حمارة محموم والا معلول أو شوي بدون مقابل، ويطلّق بالثلاث ما يجي فيها لا قرش ولا ريال، وأنها عسيّة.

ويختار (المنفقع) للتلقيح ضحويّة الجمعة، استثماراً لبركة النهار، وليضمن كثرة المتفرجين، فالناس ينبسطون إذا لقحت حمارة؛ لأن كثرة الحمير تكنز الشعير، وتنهز الما من البير، مثل ما قال الأول، ومن يحضر يسوّق له ولحماره (بقمان) اللي ما جا له مثيل، والقرى كلها تتطارى به، ويشترط على أهل الحمارة المشوّلة للتلقيح، الفال الدسم له وللحمار، ويبدّي الحمار على نفسه، فإذا اطمئن أنهم أعلفوا الحمار، اقترب التبسي وتخفّس لين تصرّ إذنه.

ولم يكن الحمّار المنفقع حيّياً، بل أكلح وجه ما يستحي، فيطلب من سيدة البيت، تخطم الحمارة، وتلوي حبلها على شجرة، وتلزّ مقدمتها بين الأغصان، وتشد سلسلتها، وتفتح عيونها ولا تكشر، تخلي بالها من مباقمة الحمارة، ويحذّرها تهزهز والا تمزمز فتخلع خوش الحمار، وإذا انتهى الحمار، يخمش من قاعة الشجرة طينة باردة، ويذرّها حول ذنب الحمارة كي تشفط وتقمط ولا تسقط النطفة.

غدا حمار (المنفقع) كما الجبل، ما يزحزحه عشرة رجاجيل، في زمن شحّت فيه الحمير، وغدا كنّه واحد من عياله، ولم تتوقف عنايته به عند إطعامه وسقيه، بل يندر به الغدران فيغسل بطنه وظهره، ويمرخ ذيله بالسذاب، ويفرك خنافره بالعثرب، لين يذلّي يلقّ ما كنه إلا حصان؛ ولأن المنفقع ما هوب قليل شرّ، استخذّ الناس بحماره، الذي غدت القرية كلها في حاجة إليه فاستخدمهم وطاوعوه حشمة حماره، يحرث ويدمس، ويسوّق وينقل، ويلقّح اللي مكتوفة واللي مشعوفة.

طلبت منه حرمته، يتصدق على ميتّم تبغي (بقمان) يعلو حمارتها، فقال، والله يا الصدقة أنها فيك ما هي فيها، وزاد، ما تعرفينها عين في الفحل وعين في البعل، ومن كثرة دخالتها عليه، قِبِل وقال، خليها تجيبها لي في السفل، ما ودي حد يدري، فيغدي تعب فحلي بلاش، ولم يتمالك (زهدان) ولد الميتم نفسه وهو يشوف الهيالة، فقال لأمه، يا ليتني حمار، قالت، بهوى ربي فيك، وكلن يعوّد لأصله.

غدا بقمان مضرب المثل في القرى، ومقصد الشعار، كل ما جا مناسبة، قال شاعر: (حصان عنتر ما يجاريك يا بقمان، لو كان جده من خيول القياصرة)، وقال آخر: (حي بقمان ذا يشتل حمل البغالة والجمال، والمشاديد من جور الحمولة تضيحك هاربة). وقال في اللعب: (يا حي بقمان يا نسل الحمول المطانيخ، بقمان ما ينتسم في طلعةٍ وانتداري)، وإذا قال المنفقع، اعذروني في الكساوي وإن شاء الله نكسيكم من ظهر بقمان! يردون، والله ما تجينا وش حدّ بقمان في المكاوفة ليل الله ونهاره.

ويا حليل اللي يتعرّض لـ(بقمان) بسوء، أو ينهره ولو انتزى وسط الخريف أو الصيف، فلولاه ما حد عمل ولا زمل ولا صرم ولا حزم، القرية على الله ثم عليه، ولذا غدا الجميع في خدمته ورهن إشارته، اللي يكسيه حِلس شامي، واللي يحط فوق ظهره خُرْج تهامي، واللي يلبسه غطاء رأس مكتّل، والكبيرات يحنّين ظهره وجبهته نهار العيد، والصبايا، ينسجن له مخانف وقلايد ويضفّرن شعر عرفه بالخرز الملون.

زادت اكسسواراته، وصار الكبار والصغار يتنافسون لكسب رضاه، ولم يكن يبخل بظهره ولا بعره ولا قفعته، هذا ينادي، يا منفقع معي حب باغدي أطحنه، فيقول، بين ايديك الحمار وراعيه، وذيك تستفزع، تبغي تروح حطبها من الوادي، فيرد على خشمي دهانة، واللي في نفسه شيء عليه، يقل له، شِل فوق راسك ولا معونة، فاستثقل الفقيه والمذّن، دم الحمار وراعيه، فكادوا له وكمنوا بليل، صرموا له دنقه وأعلفوه لين ضيّع وفقد الطاسة، وسروا به على شعب الجعيره، قائلين، نسدك في حُثلان اللي ما عاد يدري منين ترغي الراغية بفضل بقمان، وفي صباح اليوم التالي عاد عليهم بعافية كل عافية، وحلف حارس الغابة إنه شافه يأكل الجعير ويقصع عظامه كما عيدان الذرة.

00:01 | 17-04-2026