أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/233.jpg?v=1766066119&w=220&q=100&f=webp

صدقة يحيى فاضل

الانقلابات العسكرية النزيهة في أفريقيا...؟!

كما ذكرنا سابقاً، تعتبر قارة أفريقيا ثاني أكبر قارات العالم، بعد قارة آسيا. وهي أكثر قارات العالم معاناة من الانقلابات العسكرية. فمنذ حصول أغلب دول أفريقيا على استقلالها، شهدت 187 انقلاباً عسكرياً، حتى العام 1977م. ووصل العدد إلى حوالى 200 انقلاب، بحلول العام 2023م. تبلغ مساحة القارة الأفريقية 30.2 مليون كيلو متر مربع، ويبلغ عدد سكانها الآن حوالى 1.4 بليون نسمة. وبها الآن 53 دولة «مستقلة»، و9 مناطق تابعة. وقد استقلت معظم هذه الدول بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، سنة 1945م، بعد حركة تصفية الاستعمار (القديم) التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة. ولكن أغلب هذه الدول وقعت في فخ «الاستعمار الجديد» بعد حصولها (رسميا) على الاستقلال، وخلاصها من الاستعمار القديم.

كما أن معظمها ابتلي بأنظمة سياسية هشة، وبحصول انقلابات عسكرية متتالية، بعضها من تدبير المستعمرين الجدد، وبعضها انقلابات تمثل رد فعل شعبيا على أطماع المستعمرين، وأنصارهم، في الداخل. فقارة أفريقيا تتصدر قارات العالم بالانقلابات العسكرية.

وللتوضيح، يمكن تقسيم الانقلابات العسكرية، بناء على أهدافها الحقيقية، الى قسمين رئيسين، هما:

الانقلابات العسكرية الهادفة لتمكين الاستعمار الجديد من البلد المستهدف، ومقدراته. فهذه انقلابات مصطنعة، غالبا ما تكون من صنع المستعمر، وهدفها تحقيق مصالحه، ومصالح أعوانه المحليين، سرا، والامثلة عليها كثيرة.

الانقلابات العسكرية الهادفة لمقاومة الاستغلال الذي يمارسه الاستعمار الجديد، على مقدرات، وموارد، وإمكانات، وحريات البلد المستهدف. وهذه الانقلابات هدفها (الرئيس/الأولى) هو تحقيق المصلحة العامة لشعب الدولة المعنية. والمثال عليها: هو انقلاب الضابط إبراهيم تراوري، الذي أصبح رئيس جمهورية بوركينا فاسو، بدءا من عام 2022م.

والمهم معرفة ما يجري في هذه القارة المنهوبة، خاصة طبيعة الانقلابات العسكرية النزيهة، الهادفة لمقاومة الظلم، الذي يمارسه الاستعمار الجديد، والعدوان على مقدرات، وموارد، وإمكانات، وحريات البلد المستهدف. وهذه الانقلابات هدفها الرئيسي، كما يبدو، هو تحقيق المصلحة العامة لشعب الدولة المعنية، رغم ما تواجهه من عقبات. والمثال عليها: هو انقلاب الضابط النزيه، الوطني/القومي إبراهيم تراوري، الذي أصبح رئيس جمهورية بوركينا فاسو، بدءا من سبتمبر 2022م. والذي بدأ حركة اصلاح كبرى، في بلاده، وأفريقيا، تستحق أن نعرف عنها، ونشيد بها.

**

ولإلقاء بعض الضوء على الانقلابات العسكرية الأفريقية النزيهة، المقاومة للاستعمار، والتي قامت مؤخرا، نلخص ثورة الضابط الشاب النقيب إبراهيم تراوري، في بلاده، بوركينا فاسو، الواقعة في غرب أفريقيا. ومعروف، أن بوركينا فاسو هي جمهورية مغلقة، تحدها ست دول من كل الاتجاهات، هي: مالي، النيجر، بنين، غانا، توجو، ساحل العاج. مساحتها 274223كم2، وعدد سكانها حوالى 24 مليون نسمة. استقلت، عن فرنسا، عام 1960م. كان اسمها «فولتا العليا»، وأعيد تسميتها بـ «بوركينا فاسو» عام 1984م، وتعني «أرض الشرفاء»، باللغة المحلية. وعاصمتها مدينة «واجادوجو» التاريخية.

والإسلام هو الدين السائد في بوركينا. إذ يشكل المسلمون حوالى 64% من مجموع السكان. ويعتبر زعيم بوركينا فاسو الحالي، الضابط الشاب النقيب إبراهيم تراوري أصغر زعيم سياسي في العالم. إذ يبلغ عمره الآن 36 عاما، وهورجل مسلم. ومنذ استقلالها، قام فيها نظام جمهوري رئاسي، وشهدت عدة انقلابات عسكرية، معظمها كان من تدبير القوى الاستعمارية، وحلفائهم المحليين. حيث تستغل فرص الانقلاب، وتغيير النظام السياسي، لصالح قوى الاستعمار الجديد، التي تنشط في غرب أفريقيا.

وبتاريخ 30 سبتمبر 2022م، قاد إبراهيم تراوري انقلابا عسكريا، ضد الرئيس العسكري المؤقت بول هنري دامبيا، معلنا حركة سياسية، أسماها حرب الاستقلال الجديدة.

**

ولد إبراهيم تراوري يوم 14 مارس سنة 1988م، وتخرج من جامعة واجادوجو عام 2009م. وهو، كما ذكرنا- ضابط عسكري مناهض بقوة للاستعمار، ومع الوحدة الأفريقية (هو وطني/قومي). وقد قامت ضده عدة انقلابات عسكرية، نجح في دحرها.

ويمكن تلخيص أهم إنجازات تراوري، وما حققه خلال فترة حكمه البالغة ثلاث سنوات، حتى الآن (2022-2026م) في ما يلي:

حظر وسائل الإعلام الفرنسية في بلاده، بعد طرد القوات الفرنسية، التي كانت مرابطة في بوركينا فاسو.

وقف تصدير الذهب الخام البو ركيني الى أوروبا.

رفع الناتج المحلي لبلاده من حوالى 19 مليارا، الى 22 مليارا. بعد طرد الشركات الغربية المستغلة لاقتصاد بلاده.

خفض رواتب الوزراء والبرلمانيين.

خفض الديون الداخلية للبلاد.

إنشاء منجم ذهب حديث جدا، افتتح سنة 2023م.

دعم زراعة وصناعة القطن الذي تنتجه بلاده.

دعم الزراعة، والمزارعين، بصفة عامة.

إنشاء مطار حديث في العاصمة.

البدء في تنفيذ مشاريع تنموية هائلة.

**

بسبب موقفه من الاستعمار والاستغلال، وقفت فرنسا وأمريكا، وغيرها من الدول الطامعة (بما فيها إسرائيل) منه موقفا مناوئا، وحاولت الإطاحة به، عن طريق عملاء لها داخل الجهاز العسكري البوركينى. لكن هذه المحاولات فشلت، لعدة أسباب، في مقدمتها شعبية تراوري الطاغية، وتزايد التأييد الشعبي (والأفريقي) له، ولعملية التحرر من الاستغلال، واعتبار تراوري بطلا قوميا، يقف ضد الاستعمار، والاستغلال الأجنبي، الذي كان يستشري في بلاده، وغيرها من الدول الأفريقية.

00:00 | 5-04-2026

الانقلابات العسكرية في أفريقيا.. بعضها يخدم الاستعمار وبعضها يقاومه!   

تعتبر قارة أفريقيا ثاني أكبر قارات العالم، بعد قارة آسيا. ومنذ حصول أغلب دول أفريقيا على استقلالها، شهدت 187 انقلاباً عسكرياً، حتى عام 1977م. ووصل العدد إلى حوالي 200 انقلاب، بحلول عام 2023م. قارة أفريقيا تتصدر قارات العالم بالانقلابات العسكرية.

تبلغ مساحة القارة الأفريقية 30.2 مليون كيلو متر مربع، ويبلغ عدد سكانها الآن حوالي 1.4 بليون نسمة. وبها الآن 53 دولة «مستقلة»، و9 مناطق تابعة. وقد استقلت معظم هذه الدول بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، سنة 1945م، بعد حركة تصفية الاستعمار (القديم) التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة. ولكن أغلب هذه الدول وقعت في فخ «الاستعمار الجديد» بعد حصولها (رسمياً) على الاستقلال، وخلاصها من الاستعمار القديم...؟!

كما أن معظمها ابتلي بأنظمة سياسية عميلة هشة، وبحصول انقلابات عسكرية متتالية، بعضها من تدبير المستعمرين الجدد، وبعضها انقلابات تمثِّل رد فعل شعبياً غاضباً على أطماع المستعمرين، وأنصارهم، في الداخل.

وللتوضيح أكثر، يمكن تقسيم الانقلابات العسكرية، بناءً على أهدافها الحقيقية، إلى قسمين رئيسين؛ هما:

الانقلابات العسكرية الهادفة لتمكين الاستعمار الجديد من البلد المستهدف، ومقدراته. فهذه انقلابات مصطنعة، غالباً ما تكون من صنع المستعمر، وهدفها تحقيق مصالحه، ومصالح أعوانه المحليين، سراً. والأمثلة عليها كثيرة.

الانقلابات العسكرية الهادفة لمقاومة الاستغلال الذي يمارسه الاستعمار الجديد على مقدرات، وموارد، وحريات البلد المستهدف. وهذه الانقلابات هدفها (الرئيس/الأولي) هو محاولة تحقيق المصلحة العامة لشعب الدولة المعنية. والمثال عليها: هو انقلاب الضابط إبراهيم تراوري، الذي أصبح رئيس جمهورية بوركينا فاسو، بدءاً من سبتمبر 2022م.

ومعروف، أن معظم الانقلابات العسكرية لها آثار سلبية فادحة على أمن واستقرار وازدهار البلد الذي يبتلى بها. ولكن أخطر الانقلابات، وأكثرها ضرراً، وسوءاً هي تلك التي تدبَّر بليل، من قبل الطامع الأجنبي، وأعوانه، وتهدف لخدمة الاستعمار، وتمكينه من البلد المعني، دون اكتراث بالمصلحة العامة للبلد.

**

ومعظم الانقلابات العسكرية التي قامت في القارة الأفريقية تبين لاحقاً أنها من تدبير المستعمر الطامع، وتهدف لتمكين ذلك المستعمر الأجنبي، وتسهيل تحقيق أهدافه، في البلد الضحية، وإشباع حب التسلط لدى من قاموا بها، من قادة الجيش المعني. والواقع، أن بعض الانقلابات العسكرية التي قامت ضد المستعمر (الغربي) السابق والحالي، وأطماعه، تحولت إلى قوى داعمة للاستعمار، ومطامعه... بعد أن عجز قادتها عن الاستمرار في السلطة، دون مساعدة داعم أجنبي، الذي غالباً ما يكون هو المستعمر السابق، بشحمه ولحمه وقواته، أو غيره. الأمر الذي يضمن لأولئك القادة الاستمرار في السلطة، التي غالباً ما تكون عبارة عن: نظام سياسي ديمقراطي المظهر، ديكتاتوري المخبر والجوهر (A3). وكثيراً ما «يعدل» الدستور، ليتيح لـ«الرئيس» تمديد ولايته لما لا نهاية، وليس الاكتفاء بفترتين.

**

ونادراً ما يخلص الانقلابيون في العمل على تحويل نظام بلادهم من الحكم العسكري (عبر مجلس سيادة عسكري) إلى النظام المدني الشعبي المطلوب، محلياً وعالمياً، بعد مرور «فترة انتقالية»، تتراوح بين 1-3 سنوات. ثم تجرى انتخابات تشريعية ورئاسية، تتمخض عن قيام حكومة «ديمقراطية» وطنية جديدة، إن كانت الانتخابات سليمة، ونزيهة. ولكن، كثيراً ما تكون تلك الانتخابات غير نزيهة، بشكل أو بآخر، وتتمخض عنها حكومة مصطنعة، لا سيما إذا رشح الانقلابيون قائدهم لمنصب الرئيس، و«فاز» ذلك الهمام بمنصب الرئاسة. عند ذلك، تكون البلاد المعنية قد خرجت من سيطرة ديكتاتور، لتدخل تحت سيطرة آخر، ويمسي «التغيير» الذي استحدث (عبر الانقلاب المعني) شكلياً؛ أي مجرد تغيير في الأسماء.

**

وقد يستمر الوضع الجديد لعقد، أو أقل، إذ سرعان ما يقوم انقلاب عسكري جديد آخر يعيد البلاد المعنية إلى المربع الأول، وهكذا... في دوامة سياسية، لها أبعاد وتداعيات سلبية فادحة، على كل مناحي الحياة، سببها العمالة، والخيانة الوطنية، والتحالف مع المستعمر الأجنبي، والطمع في الاستيلاء على السلطة، لخدمة المصالح الخاصة (لقادة الانقلاب) وأيضاً خدمة مصالح رعاتها الأجانب، وتسهيل تحقيق أهدافهم، وأطماعهم، في البلد المعنى. وذلك مثال فقط على أهمية، وخطورة النظام السياسي، وضرورة كونه ممثلاً حقيقياً لشعبه، عاملاً على خدمته، مدافعاً بالفعل عن حياضه. وتلك معضلة سياسية كبرى، تواجه معظم القارة الأفريقية، وغيرها، وتقف حجر عثرة في سبيل تطورها، ونموها، نمواً طبيعياً سليماً، كما حدث في البلاد المتقدمة...

إن من الظلم أن ينهب الاستعمار الجديد موارد هذه القارة، بالتعاون مع الطبقة الأوليغاركية الأفريقية، هنا وهناك. وربما آن الأوان لتدخل فعال من قبل حكماء أفريقيا، ومنظمة «الاتحاد الأفريقي»، لوضع حد لهذه الدوامة المدمرة، والعمل لضمان قيام نظام سياسي وطني حقيقي في كل الدول التي تعاني من هذه الدوامة، يوقف استنزاف موارد القارة، من قبل هذا التحالف الاستعماري-الأوليغاكي، ويحول دون تمكين هذا التحالف من التحكم في رقاب ومقدرات شعوب أغلب دول هذه القارة.

00:16 | 29-03-2026

أفريقيــــا و«الاستعمار الجديد»...!

معروف، أن «القوة»، وقانون الغاب، هي التي تحكم العلاقات الدولية، منذ أن ظهرت الدول، حتى الآن. والتفاوت في مدى القوة بين الدول يؤثر (إيجاباً وسلباً) في العلاقات فيما بينها. ومن ضمن ما ينشأ عن التفاوت في مدى قوة الدول، ظاهرة «الاستعمار» (Colonialism)، والذي يعنى: إقدام دولة أقوى (نسبيّاً) على حكم، واستغلال، منطقة أو «دولة»، أضعف (نسبيّاً) منها، سواء عبر الاحتلال العسكري المباشر، أو الاحتلال السياسي (الاستعمار غير المباشر/ الاستعمار الجديد). وهذه الظاهرة قديمة قدم البشر، والدول، وإن اختلفت أشكالها وأساليبها، من زمن لآخر. ولكن ظاهرة الاستعمار ارتبطت، في العصر الحديث والمعاصر، بحركة الأطماع والتوسع الأوروبي والغربي، في مناطق العالم النامي (الجنوب). فمنذ بداية القرن السابع عشر الميلادي، بدأ الأوروبيون يستعمرون – بالقوة المسلحة – مناطق عديدة، وشاسعة، في العالم النامي، ويخضعونها (مباشرة) لحكمهم، بهدف: استغلال إمكانات هذه المناطق المختلفة، لصالح المستعمر الغربي.

وقد أدّت ظروف الحرب العالمية الثانية، وقيام هيئة الأمم المتحدة، بميثاقها الذي يدعو – ضمن ما يدعو إليه – إلى: تصفية الاستعمار، وضمان «حق تقرير المصير، وحقوق الإنسان» لشعوب العالم – أو كما يقولون... أدّت لتوقف هذه الحركة الاستعمارية، رسمياً... إذ نتج عن ذلك، وعن رفض الاستعمار واستنكاره، حركة تصفية كبرى لهذا الاستعمار، الذي كان يعتمد على الاحتلال العسكري المباشر، لبعض الدول والبلدان، وحكمها (مباشرة) لصالح المستعمِر (بكسر الميم الثانية) والذي يشار إليه – الآن – في أدبيات العلاقات الدولية، بـ «الاستعمار القديم».

وهكـذا، ولّى عهد الاستعمــار القديم، وبدأ «النظام العالمي» الجديد، بـ«الاعتماد المتبادل»، وترابط مصالح دول العالم، ومؤخراً «العولمة». ولكن بدأ منذ الستينيات من القرن العشرين، استعمار من نوع آخر... عرف بـ«الاستعمار الجديد»... الذي بات امتداداً لسلفه، «الاستعمار القديم». بل ثبت أن الاستعمار الجديد أشرس وأسوأ – كثيراً – من سابقه، بالنسبة لمن ينزل بهم.

ويعرف «الاستعمار الجديد» (Neocolonialism)، أو الإمبريالية (Imperialism)، كما يشير البعض إليه، بأنه: سيطرة دولة أقوى (نسبيّاً) على بلد وسكانه، وإخضاع مقدّرات ذلك البلد لإرادة القوى (الأجنبية) واستغلال إمكاناتها المختلفة، لصالح الدولة المهيمنة. وبعض الكتاب يرى أن «الإمبريالية» تعتبر استعماراً غير مباشر... أو استعماراً مخففاً، وشبه خفي... لأن «الإمبريالية» تعني أساساً: فرض الهيمنة السياسية، بما يتبعها من سيطرة اقتصادية واجتماعية. وأبرز «أبطال» الاستعمار الجديد حالياً هي كل من: أمريكا، بريطانيا، فرنسا، بلجيكا، أستراليا، وهولندا.

***

إن وجود دول أقوى، ودول أضعف، لا يؤدي - بالضرورة – إلى نشوء «الإمبريالية» (الاستعمار)... ما لم يعمد الأقوى على السيطرة على بلدان أخرى، وإقامة علاقات «سيد – مسود» معها – إن لم يجد مقاومة تذكر. فتحقيق هذه الرغبة الاستعمارية تصعب عندما توجد مقاومة (وطنية) فعّالة، وتسهل إن لم توجد مثل هذه المقاومة، أو وجد تواطؤ بين الاستعمار وبعض القوى المحلية، المؤثرة. وكما هو معروف، هناك من حيث مدى «قوة» أي دولة على الساحة الدولية «معايير»... تستخدم لتصنيف دول العالم، وأهمها: عناصر القوة الخشنة، زائداً عناصر القوة الناعمة. وبناءً على ذلك، تقسم دول العالم إلى سبعة أنواع، هي – بالترتيب التنازلي -: الدولة العظمى، الكبرى، الكبيرة، المتوسطة، الصغيرة، الصغرى، الدويلة. ولا شك، أن «تأثير» الدولة العظمى (مثلاً) في العلاقات الدولية (وقدرتها على تحقيق أهداف سياساتها الخارجية، بالتالي) أكبر من تأثير وقدرة الدولة الكبرى، وتأثير «الكبرى» أكبر من تأثير وقدرة «الكبيرة»، وهكذا.

ومن حيث مدى «تحكم» الأقوى- نسبياً – في غيره من الدول الأضعف (نسبياً) فإن مدى «التحكم» هذا يتفاوت من حالة لأخرى، إذ يعتمد على عوامل عدة، أهمها: مدى مقاومة النظام السياسي المعني لهيمنة الأجانب، ومدى وعي الشعوب المعنية وحرصها على حقوقها. وهناك عدة أوضاع في هذا الشأن، تتدرج من التحالف، إلى الخضوع التام.

***

إن أهم ما يدفع أية دولة لممارسة «الإمبريالية»، هو: قدرتها (النسبية) على الهيمنة على آخرين (ما لديها من قوة). وغالباً ما يكون هدف المستعمرين الرئيس اقتصادياً بامتياز، يتمثل في الهدف الاقتصادي: المتمثل في: الحصول على ثروات وموارد طبيعية، ومواد خام - بأقل تكلفة ممكنة. وفتح أسواق جديدة لتصريف منتجاتها من السلع والخدمات، والأسلحة. وهناك، بالطبع، أهداف سياسية واجتماعية وأمنية، لا تخفى عن المراقبين.

***

ولقد ساهم الاستعمار القديم في بناء بعض عناصر البنى التحتية في مستعمراته السابقة. كما نشر – عن غير قصد - الكثير من المبادئ والأفكار الإيجابية... مثل: الوعي بضرورة النمو والتنمية، وحتمية الاهتمام بالصحة والتعليم، وضرورة التنظيم والحكم الجيدين، في إطار قانوني بناء، وغير ذلك. وهذه الأفكار والمبادئ تمثل طموحات كل شعوب دول العالم، وخاصة العالم النامي.

ولكن هذه الإيجابية تكاد لا تذكر، أمام السلبيات الضخمة، التي نتجت عن الاستعمار، بنوعيه (الجديد والقديم) بالنسبة للدول النامية بخاصة. فالاستعمار يأخذ من هذه البلدان أضعاف ما قد يعطيها. كما أن الاستعمار الجديد يحاول - في الغالب – عدم نشر المبادئ الإيجابية التي من شأن تبني المستعمرين لها أن ترفع من شأنهم، أو تقوي موقفهم، تجاه الغزاة والمهيمنين. والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى.

***

ويشهد العالم تواجد الاستعمار الجديد بقوة الآن في قارة أفريقيا، وبعض أجزاء من قارة آسيا. والواقع، أن قارة أفريقيا تظل هي أكثر قارات العالم معاناة من الانقلابات العسكرية، التي يمهّد بعضها للاستعمار، بينما يقاومه بعضها الآخر، إذ شهدت، بدولها الـ 53 «المستقلة»، حوالى 200 انقلاب عسكري، منذ استقلال دولها في الستينات من القرن الماضي. هناك دول «مستقلة» رسمياً، ولكن معظم قراراتها ليس بيدها، بل بيد المهيمن عليها، سواء عبر انقلاب عسكري، أو غيره.

أردت كتابة مقال، عن الانقلابات العسكرية الحالية بأفريقيا، فوجدتني أتطرق لظاهرة «الاستعمار الجديد»، التي تعتبر أفريقيا ساحتها الرئيسة الآن. ومعروف، أن الاستعمار الجديد يأتي غالباً عبر انقلابات عسكرية، رغم أن بعض هذه الانقلابات إنما اندلعت- أصلاً- ضد هذا الاستعمار، كما سنوضح في مقال قادم.

00:06 | 22-03-2026

عن الفكر السياسي الإسلامي

بداية، نعرّف «الفكر السياسي الإسلامي» بأنه: ما يكتبه مفكرون، يدعون أن منطلقهم إسلامي، ويتعلق بـ«السياسة»، كلياً أو جزئياً. وتعرف «السياسة» بأنها: الإدارة العليا للبلد -أي بلد- وكل ما يتعلق بها من أمور. فالفكر الإسلامي هو: الأفكار التي يأتي بها مفكرون مسلمون، أو يدعون أنهم مسلمون، وتتعلق بالسياسة، وإدارة الدول. ومعروف، أن من الممكن تعريف كل من الفكر السياسي، والسياسة، بتعاريف تتناول جانباً أو أكثر من جوانب كل منهما. ولكننا هنا، سنعتمد هذين التعريفين، كأساس لمضمون مقالنا هذا.

هناك من يقسّمون «المعرفة» (Knowledge)، في أي مجال، إلى ثلاثة أقسام، حسب طبيعة المعرفة. فهناك المعرفة البديهية: وهي معرفة الإنسان العادي، وتصوره لما يرى. والمعرفة الفلسفية: هي محاولة تحديد «ما يجب أن يكون»، في موضوع ما، وفي مجال ما. ثم هناك المعرفة العلمية: وهي المعرفة الأكثر مصداقية، والناتجة عن البحث العلمي السليم. وبالتالي، يمكن تقسيم المعرفة السياسية إلى ثلاثة أقسام، هي المعرفة السياسية البديهية، المعرفة الفلسفية السياسية، والمعرفة العلمية السياسية. وما ذُكر يلقى ضوءاً أكبر على الفكر (الفلسفة) السياسية.

**

وبداية، يجب أن نفرّق بين ثلاثة أمور متداخلة، في رأينا: الإسلام الصحيح، الخالي من الشوائب التي ألصقها البعض به، التاريخ السياسي الإسلامي، الفكر السياسي «الإسلامي». الإسلام الصحيح كله خير وهدى. ومكانه قلوبنا، وكل جوارحنا. والتاريخ السياسي: هو ممارسة المسلمين للسياسة، خلال الأربعة عشر قرناً السالفة.

**

أما «الفكر السياسي الإسلامي»، منذ انتهاء الخلافة الراشدة، حتى العام 1901م، فهو، كما ذكرنا، ما كتبه من يُعتبرون مفكرين، أو فلاسفة، ويتعلق بالسياسة. ولنا عليه عدة ملاحظات، لعل أهمها ما يلي:

ضعف، أو عدم إلمام كثير ممن كتبوا، بالسياسة. لم يكونوا على علم حتى بأساسيات السياسة، وعلمها. لذلك، كثرت هفواتهم السياسية.

أن معظم كتاباتهم كانت عن «ما يجب أن يكون»، أي التفلسف. وذلك أمر إيجابي، لولا أن معظم ما قالوه يؤدى إلى الديكتاتورية، أو يكرّسها، رغم أن أسوأ ما ينبذه علماء السياسة في العالم أجمع، هو الديكتاتورية.

نفاق بعضهم لحكام معينين، واعتبار ما هم عليه، هو المطلوب، وهو المقبول، رغم انحراف الممدوحين.

معظم الفلاسفة السياسيين، يدعون إلى نظام سياسي معين، باعتباره النظام السياسي الأمثل، في رأيهم. ونجد أن معظم الفلاسفة السياسيين لم يعرفوا هذا المدخل، أو هذه الفكرة الأساسية.

استخدام هؤلاء بعض المصطلحات التي تكرّس الخنوع، وتقود بالفعل إلى الاستبداد.

بعضهم يدعون ضمناً للباطل، ويتجاوزون الحق.

**

لذلك، نعتقد أن الفكر السياسي الإسلامي الصحيح، والمفيد هو الفكر الذي يقول «ما يجب أن يكون» في حالة معينة، منطلقاً من إلمامه التام بـ«علم السياسة»، ومبادئ الإسلام الصحيح، وتجارب الأمم المتقدمة، ومعطيات العصر. منطلقاً من كون: نظام الخلافة الشهير هو نظام بشري أو مدني، قام على اجتهاد عقلاني، وعلى أساس منضبط بمبدأ الشورى الإسلامي، ليحقق مصلحة شرعية، تتمثل في إقامة الحكم الإسلامي في الدولة والمجتمع. وبناءً على ذلك، فإن نظام الخلافة ليس جزءاً من الشريعة أو الوحي، وهو ليس مقدساً كالحكم بالشريعة. وبالتالي، فإن أي نظام سياسي يقوم على أساس شورى، ويحقق المصلحة الشرعية في إقامة حكم مقيد بإطار الشريعة، يعتبر نظاماً إسلامياً، سواء سمّي نظام خلافة، أو إمامة، أو إمارة، أو رئاسة... إلخ.

وبالتالي، يجب نبذ «فكر» أولئك الذين يمجّدون وضعاً سياسياً معيناً، أو يدعون إلى ما يؤدى للاستبداد. وهو أمر لا يتوافق ومبادئ الدين الإسلامي الصحيح.

العبادات والعادات

ومعروف، أن الدين الإسلامي الحنيف الصحيح، بشقيه الكتاب والسنّة، لم يأتِ بنظام سياسي معين. لذا، أصبحت السياسة من مجال «العادات»، وليس «العبادات». وصارت من باب «أنتم أعلم بأمر دنياكم»، وأصبح على المفكرين السياسيين القادمين، مسؤولية إيجاد النظام السياسي الإسلامي الأمثل (النموذج) في النظرية، مستعينين بمعرفتهم بمبادئ الإسلام الصحيح، وللسياسة، وتجارب الأمم المتقدمة، التي لا تتعارض مع الإسلام الصحيح. وبعيداً عن الغوغائية، وسوء المقصد، والنية. أما من يتفلسفون بـ«ما يجب أن يكون»، في رأيهم، محاولين مداهنة هذه الجهة، أو تلك، أو قائلين بما يؤدى إلى الاستبداد السياسي، فلا تستحق كتاباتهم، أن تُقرأ على أنها «فكر سياسي إسلامي».

00:06 | 15-03-2026

«الإسلام» و«السياسة».. نظرة عامة

تبلورت ظاهرة «السلطة السياسية» (السياسة) منذ أن بدأ الإنسان يفكر في «تنظيم» المجتمعات التي يقيمها، ويحيا فيها. حيث نتج عن هذا التفكير ما يعرف الآن بـ«المعرفة السياسية»؛ فالإنسان كائن اجتماعي لا يمكن أن يعيش إلا في جماعة. وهو كائن مفكر.. إذ يتميّز بامتلاك «العقل».. هاتان الخاصيتان جعلتاه -ضمن ما جعلتاه- كائناً سياسياً أيضاً، أدرك أو لم يدرك، شاء أم أبي.

إن المعرفة السياسية (بفروعها الثلاثة؛ البديهية والفلسفية والعلمية) ظهرت كوليد لحاجة البشر إلى الجماعة.. وضرورة تنظيم و«إدارة» هذه الجماعة (سياستها).. وقدرة الإنسان على التفكير والتأمل، بهذا الشأن وغيره، لأنه يمتلك العقل. إن الناس يهتمون بـ«السياسة» (الإدارة العليا العامة لأي بلاد، وهذا تعريفها) لتحقيق هدف رئيسي هام، هو فهم هذه الظاهرة.. التي هي -في الواقع- أهم الظواهر الإنسانية - الاجتماعية في حياة الناس العامة. فللسياسة تأثير هائل وواضح -بالإيجاب والسلب- على كل جوانب الحياة والسلوك الإنساني بعامة.

وأهمية «علم السياسة» بخاصة، والمعرفة السياسية بصفة عامة، تنبع من حيوية وأهمية الظاهرة التي يتناولها.. وحتمية فهمها فهماً علمياً صحيحاً، لدورها الحاسم في حياة البشر، ولكي يتمكّن الإنسان من التأثير فيها، بما يتلاءم وغاياته ومصالحه. وكأي علم آخر، فإن هدف علم السياسة هو الكشف عن الحقيقة في مجال موضوعه.. أي معرفة «ما هو كائن» معرفة موضوعية تامة. ويمكن استخدام هذه المعرفة لتحديد وتوضيح «ما يجب أن يكون» في مجال الظواهر والأمور المعنية. وهنا، نجد أنه كأي علم آخر، سلاح ذو حدين.

***

وفي واقع الأمر، فإن جوهر علم السياسة، ومضمونه العام، يتمحور حول «الحكم» (الإدارة العليا للبلاد -أي بلاد).. حتى أنه يسوغ -في رأينا- أن يوصف هذا العلم بأنه «علم الحكومات». وقديماً كان يُطلق عليه «علم الدولة». ولعل أهم جانبين يتناولهما هذا العلم، بصفة خاصة، والمعرفة السياسية، على وجه العموم، هما: من؟ وكيف؟ أي من يحكم؟ وكيف يحكم؟. علماً بأن «من» هذه تشمل الفرد والجماعة بالمفرد والجمع. أما الـ«کیف» فتتضمن سلوك «من» السياسي، وكيفية إدارته للشأن العام الموكلة له إدارته، والضوابط التي تضمن عدم انحرافه، واستبداده، وعدم تأييده في السلطة.

إن علم السياسة يتناول «من يحكم»، ضمناً وصراحة، في دول العالم المختلفة، وكيف يحكمون.. ومن زاوية «ما هو كائن» أولاً. أي أن علم السياسة يوضح لنا «من يحكم» و«كيف يحكم»، أي من يحكم بالفعل، وكيفية حكمه.. في بلدان العالم المختلفة.. إضافة الى الإجابة على بقية الأسئلة -الأقل أهمية- وهي؛ أين؟ متی؟ لماذا؟ وتلك هي المرحلة الأولى.. مرحلة الفهم. وبناء على فهم ما هو كائن، يمكن للعالم أن يوضح، أو يشرع، أفضل «ما يجب أن يكون» (بالنسبة لمن وكيف). وبالطبع، فإن مدى دقة وصحة وسلامة «ما يجب أن يكون» تعتمد على مدى دقة وصحة وسلامة فهم «ما هو كائن».

***

أما الفلسفة السياسية، فإنها تختص بـ«من» يجب أن يحكم، وكيف ينبغي أن يحكم.. أو ما يجب أن يكون عليه الحكم، بشقيه؛ من؟ وكيف؟ فمنذ أن بدأت الفلسفة السياسية، مع نشوء المجتمعات (الدول) الإنسانية، وقضية فلاسفة السياسة الأولى، بشتى ميولهم ومشاربهم، هي؛ من؟ وكيف؟ -من زاوية ما يجب أن يكون- في رأي الفيلسوف.أما الفكر السياسي الإسلامي.. أي فكر العلماء والفلاسفة والكتاب، الذين يقولون إنهم يقيمون آراءهم ورؤاهم السياسية على مبادئ الشريعة الإسلامية الغراء، فقد استقر على أن «كيفية» الحكم تكون وفق مبادئ الدين الإسلامي الحنيف، رغم أن غالبيتهم لا توضح هذه الكيفية، و«الآلية» التي تضمن إنفاذها بالفعل، في أرض الواقع. أما من حيث «من»، فإنها مسألة ما زال يكتنفها الكثير من الغموض والاختلاف لدى النسبة الأكبر من «مفكري» السياسة المسلمين. والبعض من هؤلاء لا يكترث بقضية «من»، رغم أهميتها الحاسمة، وارتباطها الوثيق بالـ«کیف».. وتلك كانت -وما زالت- أبرز نقاط ضعف وقصور وتخلف فكر أولئك المفكرين.

ومما زاد الطين بلة، أن بعضاً من أولئك الكتّاب تغلب على طروحاتهم واجتهاداتهم، صفات الجهل والنفاق، بل والأخطاء، وضعف العلم بالسياسة، وأسرارها. وهي خطايا يجب ألا يتحمل وزرها الإسلام، بل من يقدمون أنفسهم كمنتسبين إليه. قلة قليلة جداً وتعد على أصابع اليد الواحدة، من المفكرين السياسيين الإسلاميين، بدأت مؤخراً تتعامل مع «من؟» و«کیف؟» بأسلوب علمي ومنطقي وشرعي سلیم.. يرجى أن تنجح طروحاتها.. لتمسى كأطر نظرية ضرورية.. تسهم -إن فعلت- في انتشال ما فيه معظم الأمة العربية والاسلامية من تخلف سياسي.. انعكس بالسلب على جلّ مناحي الحياة العامة، في أغلب تلك البلاد.

00:26 | 8-03-2026

الفكــــر العـــــربي.. الاتجاه الفكري «الأصوب».. !

لا حرج -كما أظن- في استيراد واقتباس ما تحتاج إليه الأمة العربية من النظم والأطر الاجتماعية والقانونية الفعالة المنظمة للحياة العامة، طالما لا يوجد بها ما يخالف الشريعة الإسلامية الصحيحة. إن «التلاقح» الحضاري، أمر ضروري، وهو أحد سنن الله في خلقه. وإن استعانة العرب والمسلمين بمثل هذه الأطر والنظم، واقتباسهم لها (بعد تطويعها بما يتلاءم والنفسية والبيئة العربية) يحقق هذا التلاقح، والتحديث، ويدعم المصالح المشتركة بين أمم العالم المختلفة.

المهم ألا تتحكم المصالح الخاصة، في تحديد ما يجب اقتباسه، في هذا الشأن، من أشياء (حلال)، وما لا يجب... تبعاً لمدى انسجام الشيء المقتبس، مع تلك المصالح. إن المصلحة العامة -والإباحة العقائدية العامة- هي التي يجب أن تكون المحدد الأول والأخير، لما يجب تبنيه، وما لا يجب. وهناك، كما هو معروف، معيار عالمي وإسلامي معروف، تحدد على أساسه المصلحة العامة، ويحدد من يمثلها، ويتحدث باسمها. والمأمول أن يركز المفكرون والمثقفون والمبدعون العرب والمسلمون، في الوقت الحاضر، على محاولة تغيير واقع أمتهم إلى الأفضل، وإلى ما يجب أن يكون عليه هذا الواقع.. وذلك انطلاقاً مما يرون أنه الاتجاه الفكري الأصوب والأكثر فعالية وسداداً.

***

إن قيام المثقفين العرب الحقيقيين بهذه المهمة الضخمة يعتبر ممارسة (مخلصة) للمسؤولية الكبرى الملقاة على عاتقهم، لكونهم عقل الأمة، وضميرها الحي، وحملة مشاعل النور المُشع، لقهر ظلامها الدامس، وتوجيه بوصلة إبحارها في الاتجاه الصحيح. إن قيامهم بهذه المهمة، ونجاحهم فيها، في الواقع، سيقفل الباب في وجه المفكرين «المستغربين» (دعاة التغريب)، وسيبرهن لـ«المتزمتين» و«التلفيقيين» بأن الإسلام هو دين القوة والتقدم، لا دين «الدروشة» والطقوس والأوهام والعجائب.

ونذكر بنص الخيار الرابع، كما ورد في المقال السابق لهذا:

فئة شعارها «الحكمة ضالة المؤمن»، تؤمن بالاعتدال الديني، وتنبذ العنف، وتسعى للنهوض، ولا تتردد في الأخذ بكل ما يمكن أن يفيد، أياً كان مصدره، وكنهه، طالما أنه لا يتعارض (صراحة) مع الدين الإسلامي الصحيح.

***

وكما ألمحنا، فإن جميع المعنيين يدركون صعوبة تعميم وتبني الاتجاه التشخيصي والعلاجي السليم (الذي استقر رأي كثير من العلماء والمفكرين عليه) في الواقع الفعلي.. فالإصرار على هذا الاتجاه (قولاً وفعلاً) سيضع أنصاره وجهاً لوجه في مواجهة أعداء الأمة العربية والإسلامية.. والذين يهمهم أن يظل العالم العربي في تخبط فكري، ومن ثم في فوضى حضارية.. حتى يستمر ضعيفاً، فيسهل عليهم تحقيق مآربهم (المدمرة والقاتلة) في الأرض العربية والإسلامية. وغنيٌّ عن القول إن أعداء الأمتين العربية والإسلامية (المعروفين)، يحاربون هذه الأمة، ويكيدون لها، في كل مجال، وعلى مختلف الصعد، وخاصة على الصعيد الفكري. لذا، فإن المعركة بين أصحاب الاتجاه الفكري الحكيم، المتبنى الصحيح، وأعداء الأمة، ومعتنقي الفكر السلبي، هي من أشرس المعارك.. فموقعة الفكر هي الأهم. ومن ينتصر في جبهة الفكر، غالباً ما يفوز في بقية الجبهات، والعكس صحيح أيضاً.

***

إن ما يمكن أن نشير إليهم بأنصار الاتجاه الحكيم المتبنى من قبل أغلب العلماء، أنصار «الحكمة ضالة المؤمن»، هم -في رأيي المتواضع- أصحاب الاتجاه الفكري الصائب. ويجب أن ننأى بهم عن تهمة «البدع».. طالما لا توجد مخالفة (حقيقية) للإسلام في طروحاتهم. ويمكن اعتبار أصحاب هذا الاتجاه من المفكرين العرب، هم (فعلاً) المثقفين العرب الحقيقيين. ويعتقد أن غالبية هؤلاء، قد اهتدت (منذ أمد، ليس بالقريب)، إلى «الإطار القيمي المرجعي» العام، الذي يجب أن يحكم فكر وسلوك الإنسان العربي بصفة عامة، والمثقف العربي، بصفة خاصة.

وأظن أن من أهم فحوى ذلك الإطار، هي، بصفة عامة: التمسك بمبادئ الدين الإسلامي المعتدل الصحيحة، والالتزام بفكرة الأمة، واحترام رأي الغالبية النزيهة (داخل الإطار المرجعي المعني، والذي يتعين تقنين أسسه، دفعاً للاختلاف، وسوء التفسير)، والحرص على: ضرورة الرقي الفعلي والمستمر بالإنسان العربي -بشتى الطرق المشروعة- ليقف ذلك الإنسان شامخاً ومتفوقاً، وسيداً (في أرضه –على الأقل).

***

ويجب أن يكون هذا الالتزام أبدياً (يتوارث جيلاً بعد جيل)، حتى يتحقق للعرب الاستقلال والتميز، وتبني شخصيتهم في إطار النموذج الأمثل (هذا) بالنسبة لهم. إن الإشكالية تكمن في غياب ذلك الإطار (أو تغييبه) وتجاهل ضرورة تعميمه، في الأرض العربية.. وحتمية غرسه في عقول وأفئدة النشء العربي، ومنذ الصغر. وأيضاً في مسألة صياغة نظم وقوانين منبثقة عنه.. تطبق، ليحيا العربي (فعلاً) في ظل ذلك الإطار.

وبالإمكان -إن تحقق ذلك- إثبات أن العرب لا يقلون (فكراً وإمكانات) عن شعوب اليابان وألمانيا وروسيا وأمريكا والصين.. إلخ. ويبدو أن الحجم العددي لأصحاب هذا الاتجاه الفكري الرابع، ليس ضئيلاً، مقارنة بالحجم العددي لمن ينتمون (فكرياً) للفئات الأخرى. وختاماً، نكرر إن تعميم هذا الاتجاه، بعد الاتفاق النهائي عليه، وعلى أسسه ومبادئه، يمثل تحدياً فكرياً (وسياسيّاً) معروفاً.. على أنصاره دعمه (بالمنطق والحجة) قبل أن تجرفهم التيارات الأخرى، وتلغي، أو تؤجل، مشروعهم، ويعود عالمهم العربي -كما هو حاله الآن- إلى الفوضى الفكرية، ومن ثم إلى التخبط الحضاري.

00:02 | 15-02-2026

الفكــر العــــربي: التوجهات الأربعـة.. !

يكاد يجمع كثير من المراقبين، أن هناك أزمة كبرى، يعاني منها الفكر العربي، بصفة عامة. إذ يرى هؤلاء أن معظم المفكرين العرب متخبطون فكرياً، أو مغتربون (زمانياً ومكانياً) و«متحاربون» فكرياً.. ويتجلّى اغترابهم في قراءة أولئك المفكرين (غير التامة، وغير الصحيحة) للواقع العربي الراهن، والوصفات «العلاجية» التي يقترحونها، لمداواة و«تصحيح» ذلك الواقع. ويتجلى احترابهم في تناقض وتضارب الحلول المختلفة التي يقدمونها. فهم مختلفون تجاه ما يجري في العالم، خاصة الغربي، على ما يجب أن يكون، خاصة في مجالي السياسة والاقتصاد. فقد انقسموا -في رأي هؤلاء المهتمين- إلى أربع فئات، كما يلي:

فئة تنظر إلى الحاضر والمستقبل بعين الماضي فقط، وتنادي بنبذ كل ما هو «أجنبي»، متجاهلة ضرورة «التلاقح»، والتحديث الحضاري، ولزومية الأخذ بأسباب «القوة»... طالما لا تتعارض تلك الأسباب مع الدين. وهذه الفئة توصف بأنها مغتربة زمانياً.

فئة «مستغربة» (Westernized): حيث تنظر إلى الواقع العربي، وأي واقع، (وما يجب أن يكون عليه) من زاوية الفكر الأوروبي وحده، وبناءً على أسس هذه الأيديولوجية الغربية، أو تلك... متجاهلة «الخصوصية» الحضارية للعالم العربي، وغير مكترثة -كثيراً- بالتوجه الديني لغالبية سكانه. وهذه الفئة توصف بأنها مغتربة مكانياً.

فئة واقعة بين غُربتي الزمان والمكان، لأنها تحاول جاهدة «التوفيق» بين التيارين السابقين. ولكنها -في رأي هؤلاء- كثيراً ما تخفق في عملية التوفيق... وتقع - بالتالي- في إشكالية «التلفيق»...

فئة شعارها «الحكمة ضالة المؤمن»، تؤمن بالاعتدال الديني، وتنبذ العنف، وتسعى للنهوض، ولا تتردد في الأخذ بكل ما يمكن أن يفيد، أياً كان مصدره، وكنهه، طالما أنه لا يتعارض (صراحة) مع الدين الإسلامي الصحيح.

***

ورغم بعض التحفظات على مضمون هذا، التقسيم، إلا أنه (بصفة عامة) قريب إلى الصحة، وواقع الحال الثقافي والفكري السياسي العربي الحاضر. ولا شك أن أبرز عيوب الفئة الأولى، هو رفضها للأخذ بكل أسباب القوة والتقدم (الحلال)، والإفراط في التمسك بالشكليات، والتشدد في التفسير، والتغاضي عن «الاستبداد»، بل والترحيب به، وعدم اهتمامها (كثيراً) بـ«الاجتهاد» والاقتباس، الذي يحتمه التطور الزمني، ومخالفتها -بالتالي- لمبدأ إسلامي راسخ، يتجلى في قوله تعالى: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة».

وبالنسبة للفئة الثانية، فترفض غالبية المسلمين طروحاتها التي تختلف (يقيناً أحياناً) مع مبادئ الشريعة الإسلامية الغراء (الصحيحة). هذا بالإضافة إلى عدم اكتراث معظم من ينتمون إلى هذه الفئة، بالفارق الحضاري الواضح، بين الغرب، والشرق العربي المسلم. أما أصحاب الاتجاه التوفيقي، فإن لويهم لبعض الحقائق أحياناً يجعل اجتهاداتهم قابلة للدحض، والرفض.

***

وأعتقد -والله أعلم- بأن أصحاب الاتجاه الرابع (الصحيح) هم الأصوب، أو الأقرب للصحة. ومع ذلك، لا يمكن، ولا يجب، إجبار المفكرين على الالتزام بخط فكري محدد. فالأصح، أن يترك للمفكرين حرية طرح آرائهم، ويترك للعقلاء الاختيار، وفق ما تمليه عليهم عقولهم، وإيمانهم، ومصالحهم المشروعة. لقد وضع الإسلام «المبادئ» و«الأسس» التي يجب أن تحكم حياة المسلمين... وترك معظم «التفاصيل» لعلماء ومفكري الأمة، كي «يجتهدوا» (كل حسب ظروف عصرهم)... ويضعوا التفاصيل المطلوبة، التي تحقق خير وقوة الإسلام والمسلمين.. وتحقق مصالحهم، وتبعدهم عن الاستبداد المدمر. إن المقصود بالاتجاه نحو الحكمة والسلام، ليس هو المزج بين الإسلام وغيره، بنسب معينة، أو التخلي عن ثوابت الدين، وإنما المقصود هو الاجتهاد في وضع واقتباس كل التفاصيل اللازمة للحياة العامة، التي تحقق للإسلام والمسلمين الخير والسلام والمنعة، بدون تعارض بينها وبين مبادئ ومقاصد الإسلام السامية.

***

ومعروف، أن الحياة العامة تحتاج إلى «تنظيم» مستمر.. فكل جانب من جوانب مجالات الحياة العامة الرئيسة (الاقتصاد، السياسة، الأمن، الاجتماع) بحاجة إلى أطر تنظيمية معينة، تقنن نشاطه، وتواكب تطوره، وتدعم رقيه.. ومع الأخذ في الاعتبار الفارق البيئي والاجتماعي، هناك أطر «عالمية».. تنظم كثيراً من جوانب مجالات الحياة، ثبتت صلاحيتها، في كل مكان، وضرورتها ولزوميتها في كل زمان. وقابليتها للتحديث. إضافة الى عدم تعارضها الواضح مع جوهر الإسلام. بل ويحض صراحة على تبني بعضها.

ولا حرج -كما أظن- في استيراد واقتباس كل ما تحتاج إليه الأمة العربية من هذه النظم والأطر، طالما لا يوجد بها ما يخالف الشريعة الإسلامية الصحيحة. بل إن كثيراً منها يحقق جوهر ومقاصد الشريعة الصحيحة.

إن «التلاقح» الفكري، وتبادل الخبرات، والتحديث الحضاري، هو أحد سنن الله في خلقه.. وأن استعانة العرب والمسلمين بمثل هذه الأطر والنظم، واقتباسهم لها (بعد تطويعها بما يتلاءم والنفسية والبيئة العربية) هو شبيه باستيراد العرب والمسلمين للسيارة والطائرة والحاسب الآلي، وأسلوب بناء المساكن والقصور والمدن... إلخ. صحيح، أن هناك فارقاً بين استيراد «الأشياء»، واستيراد «الأفكار». إذ لا يوجد حرج في استيراد الأشياء النافعة. وأيضاً لا يجب أن يوجد حرج في تبنّي الأفكار النافعة، التي لا تتعارض مع مقاصد الشريعة، بل إن كثيراً منها يبدو حلالاً، فضلاً عن كونه ضرورياً. والله أعلم.

23:30 | 7-02-2026

من «إشكاليات» الفكــــر العـــــربي.. !

أعيد في هذه الأيام قراءة كتاب «العقد الاجتماعي» للفيلسوف الفرنسي الشهير «جان جاك روسو». وهذه هي المرة الثانية التي أقرأ فيها هذا الكتاب، الذي فيه الكثير مما يفيد من يفكر في صلاح الشأن العام، لبلاد ما، بصفة عامة. إذ تبنى معظم العالم بعض أفكار روسو هذه، كأساس لنظمه السياسية الراهنة. وما قرأته، حتى الآن، دفعني لإعادة طرح موضوع الفكر العربي، والأزمة التي يعتقد أنه يعاني منها.

إن أصل وجوهر الحياة البشرية، بلا شك، هو فكر وعمل.. والأصل أن الفكر يسبق العمل، ويحدد بالتالي سيره، وطريقه، وضوابطه. وعند الشروع في أي نشاط إنساني، غالباً ما نجد وراءه فكرة معينة، أو يمكن تعيينها. وغالباً ما تبرز حتمية وضع إطار قيمي (مرجعي/ نظري) أو إطار قانوني عام.. يحكم أي نشاط إنساني، ويقننه وينظمه. والأمم والدول لم تتقدم وتتطور وتزدهر (بشكل سليم) إلا بعد تبني أطر قيمية إيجابية مرجعية، أو قوانين إيجابية عامة (متفق عليها سلفاً، بصفة عامة) تحكم نشاط المجتمع، كلياً، أو جزئياً، وتنظم وجوده، وترعى تطوره ونموه في الاتجاه (الصحيح) الذي يحقق مصالح الأغلبية المعنية، ويرضي رغباتها. أو، لنقل، في الاتجاه المطلوب من قبل الغالبية المعنية.

وعندما ننظر إلى عالمنا العربي من هذه الزاوية، ونحاول أن نعرف وضع وملابسات الأطر المرجعية الرئيسة (الأطر الدستورية الأساسية خاصة) في هذا العالم بأجزائه المختلفة، فمن المنطقي أن نفرق أولاً بين «ما هو كائن» فعلاً، وبين «ما يجب أن يكون» في ذلك الوطن الكبير، في هذا الصدد. ولعل أبرز ما يلاحظ على «ما هو كائن»، في أغلب هذا العالم، هو: سيادة أطر قيمية وقانونية.. تعكس مصالح قلة خاصة هنا، وأخرى هناك، ولا تعبّر عن توجه ومصالح الأغلبية، في أكثر الحالات والظروف. وبالإضافة لذلك، يلاحظ عدم وجود مثل هذا الأطر، على المستوى الرسمي، أو سيادة أطر مستوردة (مشوهة)، أو أطر هلامية، في بعض أجزاء هذا العالم. ونتيجة لكل ذلك، أصبح معظم (وليس كل) العالم العربي، في حيرة من أمره، وارتباك وضياع (فكري وعملي). ولا نبالغ، إن قلنا بأن السبب الرئيس لتخلف العالم العربي المشهود (عن بقية أمم العالم، قياساً بما لديه من إمكانات) هو ذلك الضياع القانوني، وهذا التيه الفكري- الدستوري، إن صح التعبير.

***

وعندما نتحول إلى وضعية «ما يجب أن يكون» بهذا الخصوص، فلا بد أن نبحث عن هذا الـ«ما يجب أن يكون»، لدى المفكرين والمثقفين العرب.. فالمفكرون هم عقل الأمة، ومستودع أسرارها وطموحاتها، والمرآة التي تعكس آمال الأمة -أي أمة- وآلامها. والنظرة المتفحصة لـ«اتجاه» معظم المفكرين والمثقفين العرب المعاصرين، في هذا الشأن، توضح -بما لا يدع مجالاً لشك- بأن هناك «تخبطاً»، حتى بين معظم هؤلاء المفكرين. وكثيراً ما يشار إلى هذا «التخبط» بعبارة «أزمة الفكر العربي»، أو ما شابه ذلك. وغالباً ما تتجسد هذه الأزمة في «تناقض» وتضارب الوصفات التي يقدمها المفكرون لعلاج أمراض أمتهم، المعروفة، وعند مواجهة الفكر العربي لحدث أو تطور كبير ما، وعندما يبدي المفكرون العرب (بصراحة واطمئنان) آراءهم.. تجاه بعض قضايا عالمهم العربي وأمتهم الإسلامية. والمقصود هنا الفكر غير الرسمي، أو غير التابع للتوجهات الأيديولوجية لبعض الدول العربية.

***

ويرى بعض المهتمين بهذه القضية الكبرى، أن أزمة الفكر العربي هذه تتجسد في «اغتراب» و«احتراب» معظم المفكرين العرب (الزماني والمكاني) إنه اختلاف ذوي الفكر. ويتجلى الاغتراب في قراءة أولئك المفكرين القاصرة، أو المصلحية، للواقع العربي، والوصفات «العلاجية» التي يقترحونها، أو المقترحة، لمداواة و«تصحيح» ذلك الواقع. وغالباً ما نجد هؤلاء «المفكرين» وهم في حالة حرب فيما بينهم، لعدم قبول كل فئة رؤى الفئات الأخرى. فأزمة الفكر العربي المعاصر، تتجسد -في رأي المتخصصين- في انقسام المفكرين العرب إلى عدة فئات مختلفة، أهمها الفئات الأربع التالية:

(1) فئة تنظر إلى الحاضر والمستقبل بعين الماضي فقط؛ وهي الفئة التي تنادي بنبذ كل ما هو «أجنبي».. متجاهلة ضرورة «التلاقح» والتحديث الحضاري، ولزومية الأخذ بأسباب «القوة».. طالما لا تتعارض تلك الأسباب مع الدين. وهذه الفئة توصف بأنها مغتربة زمانياً.

(2) فئة «مستغربة» (Westernized): وهي التي تنظر إلى الواقع العربي (وما يجب أن يكون عليه) من منطلق الفكر الأوروبي وحده.. وبناءً على أسس هذه الأيديولوجية الغربية، أو تلك.. متجاهلة «الخصوصية» الحضارية للعالم العربي، وغير مكترثة -كثيراً- بالتوجه الديني لغالبية سكانه. وهذه الفئة توصف بأنها مغتربة مكانياً.

(3) فئة واقعة (البعض يقول «حائرة») بين غربتي الزمان والمكان.. وتحاول جاهدة «التوفيق» بين التيارين السابقين.. ولكنها - في رأي هؤلاء- كثيراً ما تخفق في عملية التوفيق... وتقع -بالتالي- في إشكالية «التلفيق».

(4) فئة شعارها العملي «الحكمة ضالة المؤمن»، تؤمن بالاعتدال الديني، والدفع بالتي هي أحسن، وتسعى للنهوض، والتحديث المشروع، ولا تتردد في الأخذ بكل ما يمكن أن يفيد، أياً كان مصدره، وكنهه، طالما أنه لا يتعارض (صراحة) مع الدين الصحيح. ولهذا الحديث تكملة.

23:26 | 31-01-2026

مغامرة سياسية جديدة أزعجت العالم..!

كان قيام الولايات المتحدة يوم 3 يناير 2026م، باحتلال القصر الرئاسي في العاصمة الفنزويلية، واعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، واقتياده إلى أمريكا، ليمثل أمام المحكمة الفيدرالية في نيويورك؛ وهي محكمة مكافحة المخدرات، تطوراً دولياً مذهلاً. وسقط في هذه العملية أكثر من 80 من القوات الخاصة التي تقوم بحراسة الرئيس مادورو وزوجته، في القصر الرئاسي. إضافة إلى مقتل 32 من القوات الخاصة الكوبية التي كانت تساعد في حراسة الرئيس مادورو. والتهمة هي: الاتجار بالمخدرات، وتهريبها إلى أمريكا.

والواقع، أن هذه تهمة باطلة، في رأي معظم الناس، والمتابعين، في ظل الظروف التي وقعت فيها. فهي تهمة سياسية بامتياز. إنه النفط؟! مكافحة المخدرات، والقبض على مروجيها ومعاقبتهم، تعتبر عملاً حميداً، ومشكوراً. لكن، أن يتم غزو دولة عسكرياً، واختطاف رئيسها، واقتياده للقضاء، ومحاكمته، أمر بالغ الخطورة والعدوانية، والاستهزاء بالقوانين والأعراف الدولية، وبالمشاعر الإنسانية السوية.

يقول بعض أنصار الرئيس ترمب إنه صريح... ونقول إن من الصراحة ما قتل. فمنذ توليه السلطة (للدورة الثانية) في يناير 2024م، وهو يصرّح، ويتهدد أمريكا نفسها، أو دولاً أجنبية أخرى، بالويل والثبور، وعظائم المغامرات، والمفاجآت، والأمور. من ضم جزيرة غرينلاند، إلى ضم كندا، وبنما. ومن إقامة ساحل سياحي، وبلاج في غزة إلى الاستيلاء على معادن أوكرانيا، ومن غزو فنزويلا إلى تغيير التعريفات الجمركية الأمريكية مع العالم، وداخلياً، هناك عدة مفاجآت؛ من أبرزها تخفيض وظائف الحكومة الفيدرالية، وقفلها لعدة أيام. إنه رجل، أقل ما يقال عنه إنه مندفع، وغير دبلوماسي، وإن كانت مغامراته تحظى بتأييد من أنصاره... تحقيقاً لمبدأ: مصائب قوم عند قوم فوائد. ونجد بأن بعض أفعاله تتميز فعلاً بعشق أمريكا، وبُعد النظر، وتفانيه في خدمة المصلحة الأمريكية العامة؛ من ذلك حرصه على ضم جزيرة غرينلاند الدنماركية (ثاني أكبر جزيرة في العالم بعد أستراليا: مساحتها 2166000 كم2 وعدد سكانها 56 ألف نسمة فقط).

***

ولو حاولنا هنا معرفة رؤية بعض حلفاء أمريكا تجاه هذه التحركات الترمبية، وبخاصة غزو أمريكا لفنزويلا، وإصرارها على احتلال جزيرة غرينلاند، لرأينا الرفض، والمعارضة. ولنأخذ ألمانيا كمثال على هذا الموقف. غالباً ما تقف ألمانيا مواقف إيجابية، وتكيل المديح تجاه التحركات الأمريكية. ولكن، حصل مؤخراً، ولأول مرة، أن أعربت ألمانيا على لسان رئيسها، عن الرفض التام لهذه التحركات.

إذ وجه الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير انتقاداً لاذعاً للسياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترمب، داعياً العالم لعدم السماح للنظام العالمي بأن (ينحدر، ليتحول إلى «وضع أسوأ»). ⁠

⁠ومشيراً إلى إجراءات الإطاحة بالرئيس ‌الفنزويلي نيكولاس مادور. وقال الرئيس الألماني إن الديمقراطية العالمية تتعرض للهجوم حالياً، كما لم يحدث من قبل.

***

تزامنت تصريحات شتاينماير مع إعلان ترمب، في مقابلة نشرتها صحيفة نيويورك تايمز، أن الولايات المتحدة قد تتولى الحكم في فنزويلا، لعدة سنوات. وقال ترمب إن: «الوقت وحده كفيل بتحديد المدة التي تنوي واشنطن خلالها الإبقاء على سيطرتها على كراكاس». وعندما سُئل عما إذا كان الوضع سيستمر ثلاثة أشهر، أو ستة أشهر، أو سنة، أو أكثر، أجاب: «أعتقد أنه سيستمر لفترة أطول بكثير».

ورغم أن سلطة الرئيس الألماني رمزية، إلا أن تصريحاته تحمل بعض الأهمية. كما أن لديه حرية أكبر في التعبير عن آرائه، مقارنة بباقي السياسيين. ووصف شتاينماير ضم روسيا لشبه جزيرة القرم والغزو الشامل لأوكرانيا، بأنها أحداث شكلت نقطة تحول، «كما إن سلوك ‍الولايات المتحدة يمثل صدعاً تاريخياً ثانياً».

أما الدنمارك، فقد رفضت ضم أمريكا لجزيرة غرينلاند، رفضاً قاطعاً. وهددت بأنه «في حالة غزو غرينلاند، فان حلف ناتو سيتلاشى».

***

لا يشك أحد بأن الولايات المتحدة فعلت ذلك، بسبب رغبتها الجامحة في السيطرة على النفط الفنزويلي، وبالتالي سيطرتها على فنزويلا سياسياً واقتصادياً... الولايات المتحدة طامعة في السيطرة على نفط فنزويلا، التي تعد الدولة الأولى التي لديها أكبر احتياطي من النفط الخام في العالم، الذي تقدر قيمته بنحو 400 مليار دولار. وكانت تستطيع أن تتفاهم مع فنزويلا وتقيم تعاوناً في ذلك المجال، دون الحاجة إلى استخدام السلاح.

ويبدو أن ترمب يريد أن يرهب العالم، ويقول لمن يعارضه إن هذا هو المصير المنتظر لمن يعارضونه. فقد هدد ترمب، في سياق كلامه عن فنزويلا، إيران، وغرينلاند، وكولومبيا، وكوبا. فكلها يمكن -في رأيه- أن يحصل لها ما حصل لفنزويلا. والواقع، أن الولايات المتحدة، التي تتزعم النظام العالمي الراهن، وهي التي صاغت القوانين والنظم الدولية، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ها هي تقوم بهدمها وتجاهلها الآن، لأنها تتعارض مع مصالحها الحالية، ورؤية ترمب. وهذا يذكّر بما تفعله إسرائيل في الأراضي الفلسطينية، ومع الفلسطينيين. فتل أبيب تتجاهل كل القوانين والأعراف الدولية، لأنها محمية ومدعومة من جانب واشنطن، التي تقف دائماً إلى جوارها وتمنع عنها كل القرارات التي تدين إسرائيل، وتعاقبها على أفعالها المنكرة.

23:57 | 24-01-2026

الاستراتيجية «الدفاعية» للعدوان الصهيوني - الاستعماري..!

تتآمر إسرائيل وأعوانها على كل العرب، وعلى مدار الساعة. وقد صرّحت (رسمياً) أن فلسطين هي فقط أرض الانطلاق، فحدود إسرائيل المبتغاة تمتد من النيل للفرات...؟! وهذ أمر معروف للقاصي والداني. وبذلك تشبه الجسم السرطاني، الذي زُرع بالمنطقة؛ نكاية بالعرب والمسلمين. فوجود هذا الكيان، في قلب الأمة العربية، هو عبارة عن مكيدة صهيونية – صليبية، أقيمت للقضاء على العروبة والإسلام. وهذا الكيان، لا يؤمن جانبه، وغادر يجب عدم الوثوق به. إن من يعتقد أن هذا الكيان يمكن أن يكون «صديقاً» للأمة هو واهم، يجهل طبيعة هذا الكيان العدوانية، وسياسته التوسعية.

وكل ذلك نابع من شخصيتهم الجشعة، ونفسية الشخص «الصهيوني» الخبيثة، ومنطلق سلوكياتهم العنصرية. وكما هو معروف، فإن هناك فرقاً بين «اليهودية» و«الصهيونية»؛ فاليهودية مجرد دين، يؤمن به أناس من أعراق مختلفة. أما الصهيونية، فهي حركة سياسية إجرامية، هدفها إقامة «وطن» لليهود، على حساب شعب بأكمله. ويؤمن بها كثير من اليهود، وبعض المسيحيين، وغيرهم. وقد اختيرت فلسطين لإقامة هذا الوطن المزعوم، بحجج هي أوهى من خيوط العنكبوت. ونفذت الصهيونية هدفها باستقدام مئات الألوف من اليهود من شتى بقاع الأرض، ليحتلوا، بمساعدة المستعمر الغربي، منذ عام 1945م، فلسطين بقوة السلاح، ويشردوا أغلب أهل البلاد الأصليين، وينكلوا بمعظم المتبقين. ثم عاثوا في البلاد، قتلاً وتدميراً، ونهبوا ممتلكات الفلسطينيين، واستولوا على بيوت معظمهم. كما أن هؤلاء الغزاة يهدفون للهيمنة على كل المنطقة العربية، من النيل للفرات، واستغلالها لصالحهم، ولصالح أسيادهم المستعمرين الغربيين. إنهم هنا للعدوان على كل جيرانهم.

***

ويستخدمون استراتيجية جهنمية... ذات «ذرائع» مضحكة وتافهة، ومريرة، لتبرير أفعالهم الشريرة، وجرائمهم النكراء؛ من ذلك: محاولتهم استغلال «الهولوكوست»، أي ما حصل لبعضهم بألمانيا، في نهاية الحرب العالمية الثانية، كمبرر لاحتلال فلسطين. ويتهمون كل من يعارض سلوكياتهم، وجرائمهم، بأنه معاد لـ«السامية» (Anti-Simit) رغم أن معظمهم غير ساميين. ولكنهم «أشكناز»، لا يمتّون بأي صلة للمنطقة. وهم يطالبون، بهذه الذريعة، من الآخرين «تأييد» إسرائيل، رغم جرائمها الشنيعة، وهذا ما يعهده الناس عنها، منذ إقامتها عام 1948م. وتظل أمريكا الصهيونية هي قلعتهم، وملاذهم، ومنها يستمدون قوتهم. فقد هيمنوا على مفاصل الدولة الأمريكية، وأصبحوا هم من يحكمون أمريكا، حتى إشعار آخر.

***

ورغم أنها محمية، وآمنة دفاعياً من أمريكا، وأوروبا، الذين يضمنون بقاء إسرائيل، فإن لإسرائيل استراتيجية «دفاعية» ثلاثية الأبعاد؛ أي أنها تمارس استخدام الاستراتيجية ذات الخطط المتتالية. فتبدأ باستخدام الأولى (وهي الآن قيد الاستخدام)، فإن لم تنجح، تلجأ إلى الثانية، فإن لم تنجح تلجأ إلى الثالثة. ويمكن تلخيص مضمون كل استراتيجية كما يلي.

- العمل الدائم والدؤوب لإضعاف الدول العربية، لأقصى ما يمكن، حيث يستغلون ما تحفل به المجتمعات العربية، لبث الفرقة فيما بينها، ودعم الخلافات والصراعات، التي تؤدي إلى الحروب والانشقاقات، وتشجيع الفرقة، وتمزيق وشرذمة الدول العربية فعلاً؛ أي أن هذه الاستراتيجية تهدف، أول ما تهدف، لتمزيق وإضعاف ما تسميهم إسرائيل بـ«الأعداء»...

***

- الاعتماد التام على دعم وحماية أمريكا وأوروبا لإسرائيل. وحث حلفاء إسرائيل للدفاع عن الكيان الصهيوني، وضمان بقائه. فأمريكا والغرب، بعامة، مستعدون دائما للدفاع عن هذا الكيان، الذي صنعوه هم.

- وفي حالة قرب «فشل» هذه الاستراتيجية (الثانية)، تسارع إسرائيل لممارسة الإجراء الأخير في استراتيجيتها، وهو استخدام السلاح النووي، ضد أعدائها العرب، هذا السلاح الأكثر فتكاً وتدميراً، والذي تملك إسرائيل منه حوالي مئتي رأس منه، منذ عام 1970م. والذي تعتبره إسرائيل السلاح الأخير، بعد فشل الاستراتيجيتين الأولى والثانية.

***

والواقع، أن إسرائيل بدأت بإقامة المنشآت النووية، منذ قيامها عام 1948م. وقصتها مع الطاقة النووية طويلة ومرعبة، ومؤسفة. وهي تمتلك الآن ترسانة نووية ضاربة، مكونة من حوالي 200 رأس نووي، ووسائل حملها، وقذفها.

00:04 | 18-01-2026