أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/233.jpg?v=1766066119&w=220&q=100&f=webp

صدقة يحيى فاضل

الفكــــر العـــــربي.. الاتجاه الفكري «الأصوب».. !

لا حرج -كما أظن- في استيراد واقتباس ما تحتاج إليه الأمة العربية من النظم والأطر الاجتماعية والقانونية الفعالة المنظمة للحياة العامة، طالما لا يوجد بها ما يخالف الشريعة الإسلامية الصحيحة. إن «التلاقح» الحضاري، أمر ضروري، وهو أحد سنن الله في خلقه. وإن استعانة العرب والمسلمين بمثل هذه الأطر والنظم، واقتباسهم لها (بعد تطويعها بما يتلاءم والنفسية والبيئة العربية) يحقق هذا التلاقح، والتحديث، ويدعم المصالح المشتركة بين أمم العالم المختلفة.

المهم ألا تتحكم المصالح الخاصة، في تحديد ما يجب اقتباسه، في هذا الشأن، من أشياء (حلال)، وما لا يجب... تبعاً لمدى انسجام الشيء المقتبس، مع تلك المصالح. إن المصلحة العامة -والإباحة العقائدية العامة- هي التي يجب أن تكون المحدد الأول والأخير، لما يجب تبنيه، وما لا يجب. وهناك، كما هو معروف، معيار عالمي وإسلامي معروف، تحدد على أساسه المصلحة العامة، ويحدد من يمثلها، ويتحدث باسمها. والمأمول أن يركز المفكرون والمثقفون والمبدعون العرب والمسلمون، في الوقت الحاضر، على محاولة تغيير واقع أمتهم إلى الأفضل، وإلى ما يجب أن يكون عليه هذا الواقع.. وذلك انطلاقاً مما يرون أنه الاتجاه الفكري الأصوب والأكثر فعالية وسداداً.

***

إن قيام المثقفين العرب الحقيقيين بهذه المهمة الضخمة يعتبر ممارسة (مخلصة) للمسؤولية الكبرى الملقاة على عاتقهم، لكونهم عقل الأمة، وضميرها الحي، وحملة مشاعل النور المُشع، لقهر ظلامها الدامس، وتوجيه بوصلة إبحارها في الاتجاه الصحيح. إن قيامهم بهذه المهمة، ونجاحهم فيها، في الواقع، سيقفل الباب في وجه المفكرين «المستغربين» (دعاة التغريب)، وسيبرهن لـ«المتزمتين» و«التلفيقيين» بأن الإسلام هو دين القوة والتقدم، لا دين «الدروشة» والطقوس والأوهام والعجائب.

ونذكر بنص الخيار الرابع، كما ورد في المقال السابق لهذا:

فئة شعارها «الحكمة ضالة المؤمن»، تؤمن بالاعتدال الديني، وتنبذ العنف، وتسعى للنهوض، ولا تتردد في الأخذ بكل ما يمكن أن يفيد، أياً كان مصدره، وكنهه، طالما أنه لا يتعارض (صراحة) مع الدين الإسلامي الصحيح.

***

وكما ألمحنا، فإن جميع المعنيين يدركون صعوبة تعميم وتبني الاتجاه التشخيصي والعلاجي السليم (الذي استقر رأي كثير من العلماء والمفكرين عليه) في الواقع الفعلي.. فالإصرار على هذا الاتجاه (قولاً وفعلاً) سيضع أنصاره وجهاً لوجه في مواجهة أعداء الأمة العربية والإسلامية.. والذين يهمهم أن يظل العالم العربي في تخبط فكري، ومن ثم في فوضى حضارية.. حتى يستمر ضعيفاً، فيسهل عليهم تحقيق مآربهم (المدمرة والقاتلة) في الأرض العربية والإسلامية. وغنيٌّ عن القول إن أعداء الأمتين العربية والإسلامية (المعروفين)، يحاربون هذه الأمة، ويكيدون لها، في كل مجال، وعلى مختلف الصعد، وخاصة على الصعيد الفكري. لذا، فإن المعركة بين أصحاب الاتجاه الفكري الحكيم، المتبنى الصحيح، وأعداء الأمة، ومعتنقي الفكر السلبي، هي من أشرس المعارك.. فموقعة الفكر هي الأهم. ومن ينتصر في جبهة الفكر، غالباً ما يفوز في بقية الجبهات، والعكس صحيح أيضاً.

***

إن ما يمكن أن نشير إليهم بأنصار الاتجاه الحكيم المتبنى من قبل أغلب العلماء، أنصار «الحكمة ضالة المؤمن»، هم -في رأيي المتواضع- أصحاب الاتجاه الفكري الصائب. ويجب أن ننأى بهم عن تهمة «البدع».. طالما لا توجد مخالفة (حقيقية) للإسلام في طروحاتهم. ويمكن اعتبار أصحاب هذا الاتجاه من المفكرين العرب، هم (فعلاً) المثقفين العرب الحقيقيين. ويعتقد أن غالبية هؤلاء، قد اهتدت (منذ أمد، ليس بالقريب)، إلى «الإطار القيمي المرجعي» العام، الذي يجب أن يحكم فكر وسلوك الإنسان العربي بصفة عامة، والمثقف العربي، بصفة خاصة.

وأظن أن من أهم فحوى ذلك الإطار، هي، بصفة عامة: التمسك بمبادئ الدين الإسلامي المعتدل الصحيحة، والالتزام بفكرة الأمة، واحترام رأي الغالبية النزيهة (داخل الإطار المرجعي المعني، والذي يتعين تقنين أسسه، دفعاً للاختلاف، وسوء التفسير)، والحرص على: ضرورة الرقي الفعلي والمستمر بالإنسان العربي -بشتى الطرق المشروعة- ليقف ذلك الإنسان شامخاً ومتفوقاً، وسيداً (في أرضه –على الأقل).

***

ويجب أن يكون هذا الالتزام أبدياً (يتوارث جيلاً بعد جيل)، حتى يتحقق للعرب الاستقلال والتميز، وتبني شخصيتهم في إطار النموذج الأمثل (هذا) بالنسبة لهم. إن الإشكالية تكمن في غياب ذلك الإطار (أو تغييبه) وتجاهل ضرورة تعميمه، في الأرض العربية.. وحتمية غرسه في عقول وأفئدة النشء العربي، ومنذ الصغر. وأيضاً في مسألة صياغة نظم وقوانين منبثقة عنه.. تطبق، ليحيا العربي (فعلاً) في ظل ذلك الإطار.

وبالإمكان -إن تحقق ذلك- إثبات أن العرب لا يقلون (فكراً وإمكانات) عن شعوب اليابان وألمانيا وروسيا وأمريكا والصين.. إلخ. ويبدو أن الحجم العددي لأصحاب هذا الاتجاه الفكري الرابع، ليس ضئيلاً، مقارنة بالحجم العددي لمن ينتمون (فكرياً) للفئات الأخرى. وختاماً، نكرر إن تعميم هذا الاتجاه، بعد الاتفاق النهائي عليه، وعلى أسسه ومبادئه، يمثل تحدياً فكرياً (وسياسيّاً) معروفاً.. على أنصاره دعمه (بالمنطق والحجة) قبل أن تجرفهم التيارات الأخرى، وتلغي، أو تؤجل، مشروعهم، ويعود عالمهم العربي -كما هو حاله الآن- إلى الفوضى الفكرية، ومن ثم إلى التخبط الحضاري.

00:02 | 15-02-2026

الفكــر العــــربي: التوجهات الأربعـة.. !

يكاد يجمع كثير من المراقبين، أن هناك أزمة كبرى، يعاني منها الفكر العربي، بصفة عامة. إذ يرى هؤلاء أن معظم المفكرين العرب متخبطون فكرياً، أو مغتربون (زمانياً ومكانياً) و«متحاربون» فكرياً.. ويتجلّى اغترابهم في قراءة أولئك المفكرين (غير التامة، وغير الصحيحة) للواقع العربي الراهن، والوصفات «العلاجية» التي يقترحونها، لمداواة و«تصحيح» ذلك الواقع. ويتجلى احترابهم في تناقض وتضارب الحلول المختلفة التي يقدمونها. فهم مختلفون تجاه ما يجري في العالم، خاصة الغربي، على ما يجب أن يكون، خاصة في مجالي السياسة والاقتصاد. فقد انقسموا -في رأي هؤلاء المهتمين- إلى أربع فئات، كما يلي:

فئة تنظر إلى الحاضر والمستقبل بعين الماضي فقط، وتنادي بنبذ كل ما هو «أجنبي»، متجاهلة ضرورة «التلاقح»، والتحديث الحضاري، ولزومية الأخذ بأسباب «القوة»... طالما لا تتعارض تلك الأسباب مع الدين. وهذه الفئة توصف بأنها مغتربة زمانياً.

فئة «مستغربة» (Westernized): حيث تنظر إلى الواقع العربي، وأي واقع، (وما يجب أن يكون عليه) من زاوية الفكر الأوروبي وحده، وبناءً على أسس هذه الأيديولوجية الغربية، أو تلك... متجاهلة «الخصوصية» الحضارية للعالم العربي، وغير مكترثة -كثيراً- بالتوجه الديني لغالبية سكانه. وهذه الفئة توصف بأنها مغتربة مكانياً.

فئة واقعة بين غُربتي الزمان والمكان، لأنها تحاول جاهدة «التوفيق» بين التيارين السابقين. ولكنها -في رأي هؤلاء- كثيراً ما تخفق في عملية التوفيق... وتقع - بالتالي- في إشكالية «التلفيق»...

فئة شعارها «الحكمة ضالة المؤمن»، تؤمن بالاعتدال الديني، وتنبذ العنف، وتسعى للنهوض، ولا تتردد في الأخذ بكل ما يمكن أن يفيد، أياً كان مصدره، وكنهه، طالما أنه لا يتعارض (صراحة) مع الدين الإسلامي الصحيح.

***

ورغم بعض التحفظات على مضمون هذا، التقسيم، إلا أنه (بصفة عامة) قريب إلى الصحة، وواقع الحال الثقافي والفكري السياسي العربي الحاضر. ولا شك أن أبرز عيوب الفئة الأولى، هو رفضها للأخذ بكل أسباب القوة والتقدم (الحلال)، والإفراط في التمسك بالشكليات، والتشدد في التفسير، والتغاضي عن «الاستبداد»، بل والترحيب به، وعدم اهتمامها (كثيراً) بـ«الاجتهاد» والاقتباس، الذي يحتمه التطور الزمني، ومخالفتها -بالتالي- لمبدأ إسلامي راسخ، يتجلى في قوله تعالى: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة».

وبالنسبة للفئة الثانية، فترفض غالبية المسلمين طروحاتها التي تختلف (يقيناً أحياناً) مع مبادئ الشريعة الإسلامية الغراء (الصحيحة). هذا بالإضافة إلى عدم اكتراث معظم من ينتمون إلى هذه الفئة، بالفارق الحضاري الواضح، بين الغرب، والشرق العربي المسلم. أما أصحاب الاتجاه التوفيقي، فإن لويهم لبعض الحقائق أحياناً يجعل اجتهاداتهم قابلة للدحض، والرفض.

***

وأعتقد -والله أعلم- بأن أصحاب الاتجاه الرابع (الصحيح) هم الأصوب، أو الأقرب للصحة. ومع ذلك، لا يمكن، ولا يجب، إجبار المفكرين على الالتزام بخط فكري محدد. فالأصح، أن يترك للمفكرين حرية طرح آرائهم، ويترك للعقلاء الاختيار، وفق ما تمليه عليهم عقولهم، وإيمانهم، ومصالحهم المشروعة. لقد وضع الإسلام «المبادئ» و«الأسس» التي يجب أن تحكم حياة المسلمين... وترك معظم «التفاصيل» لعلماء ومفكري الأمة، كي «يجتهدوا» (كل حسب ظروف عصرهم)... ويضعوا التفاصيل المطلوبة، التي تحقق خير وقوة الإسلام والمسلمين.. وتحقق مصالحهم، وتبعدهم عن الاستبداد المدمر. إن المقصود بالاتجاه نحو الحكمة والسلام، ليس هو المزج بين الإسلام وغيره، بنسب معينة، أو التخلي عن ثوابت الدين، وإنما المقصود هو الاجتهاد في وضع واقتباس كل التفاصيل اللازمة للحياة العامة، التي تحقق للإسلام والمسلمين الخير والسلام والمنعة، بدون تعارض بينها وبين مبادئ ومقاصد الإسلام السامية.

***

ومعروف، أن الحياة العامة تحتاج إلى «تنظيم» مستمر.. فكل جانب من جوانب مجالات الحياة العامة الرئيسة (الاقتصاد، السياسة، الأمن، الاجتماع) بحاجة إلى أطر تنظيمية معينة، تقنن نشاطه، وتواكب تطوره، وتدعم رقيه.. ومع الأخذ في الاعتبار الفارق البيئي والاجتماعي، هناك أطر «عالمية».. تنظم كثيراً من جوانب مجالات الحياة، ثبتت صلاحيتها، في كل مكان، وضرورتها ولزوميتها في كل زمان. وقابليتها للتحديث. إضافة الى عدم تعارضها الواضح مع جوهر الإسلام. بل ويحض صراحة على تبني بعضها.

ولا حرج -كما أظن- في استيراد واقتباس كل ما تحتاج إليه الأمة العربية من هذه النظم والأطر، طالما لا يوجد بها ما يخالف الشريعة الإسلامية الصحيحة. بل إن كثيراً منها يحقق جوهر ومقاصد الشريعة الصحيحة.

إن «التلاقح» الفكري، وتبادل الخبرات، والتحديث الحضاري، هو أحد سنن الله في خلقه.. وأن استعانة العرب والمسلمين بمثل هذه الأطر والنظم، واقتباسهم لها (بعد تطويعها بما يتلاءم والنفسية والبيئة العربية) هو شبيه باستيراد العرب والمسلمين للسيارة والطائرة والحاسب الآلي، وأسلوب بناء المساكن والقصور والمدن... إلخ. صحيح، أن هناك فارقاً بين استيراد «الأشياء»، واستيراد «الأفكار». إذ لا يوجد حرج في استيراد الأشياء النافعة. وأيضاً لا يجب أن يوجد حرج في تبنّي الأفكار النافعة، التي لا تتعارض مع مقاصد الشريعة، بل إن كثيراً منها يبدو حلالاً، فضلاً عن كونه ضرورياً. والله أعلم.

23:30 | 7-02-2026

من «إشكاليات» الفكــــر العـــــربي.. !

أعيد في هذه الأيام قراءة كتاب «العقد الاجتماعي» للفيلسوف الفرنسي الشهير «جان جاك روسو». وهذه هي المرة الثانية التي أقرأ فيها هذا الكتاب، الذي فيه الكثير مما يفيد من يفكر في صلاح الشأن العام، لبلاد ما، بصفة عامة. إذ تبنى معظم العالم بعض أفكار روسو هذه، كأساس لنظمه السياسية الراهنة. وما قرأته، حتى الآن، دفعني لإعادة طرح موضوع الفكر العربي، والأزمة التي يعتقد أنه يعاني منها.

إن أصل وجوهر الحياة البشرية، بلا شك، هو فكر وعمل.. والأصل أن الفكر يسبق العمل، ويحدد بالتالي سيره، وطريقه، وضوابطه. وعند الشروع في أي نشاط إنساني، غالباً ما نجد وراءه فكرة معينة، أو يمكن تعيينها. وغالباً ما تبرز حتمية وضع إطار قيمي (مرجعي/ نظري) أو إطار قانوني عام.. يحكم أي نشاط إنساني، ويقننه وينظمه. والأمم والدول لم تتقدم وتتطور وتزدهر (بشكل سليم) إلا بعد تبني أطر قيمية إيجابية مرجعية، أو قوانين إيجابية عامة (متفق عليها سلفاً، بصفة عامة) تحكم نشاط المجتمع، كلياً، أو جزئياً، وتنظم وجوده، وترعى تطوره ونموه في الاتجاه (الصحيح) الذي يحقق مصالح الأغلبية المعنية، ويرضي رغباتها. أو، لنقل، في الاتجاه المطلوب من قبل الغالبية المعنية.

وعندما ننظر إلى عالمنا العربي من هذه الزاوية، ونحاول أن نعرف وضع وملابسات الأطر المرجعية الرئيسة (الأطر الدستورية الأساسية خاصة) في هذا العالم بأجزائه المختلفة، فمن المنطقي أن نفرق أولاً بين «ما هو كائن» فعلاً، وبين «ما يجب أن يكون» في ذلك الوطن الكبير، في هذا الصدد. ولعل أبرز ما يلاحظ على «ما هو كائن»، في أغلب هذا العالم، هو: سيادة أطر قيمية وقانونية.. تعكس مصالح قلة خاصة هنا، وأخرى هناك، ولا تعبّر عن توجه ومصالح الأغلبية، في أكثر الحالات والظروف. وبالإضافة لذلك، يلاحظ عدم وجود مثل هذا الأطر، على المستوى الرسمي، أو سيادة أطر مستوردة (مشوهة)، أو أطر هلامية، في بعض أجزاء هذا العالم. ونتيجة لكل ذلك، أصبح معظم (وليس كل) العالم العربي، في حيرة من أمره، وارتباك وضياع (فكري وعملي). ولا نبالغ، إن قلنا بأن السبب الرئيس لتخلف العالم العربي المشهود (عن بقية أمم العالم، قياساً بما لديه من إمكانات) هو ذلك الضياع القانوني، وهذا التيه الفكري- الدستوري، إن صح التعبير.

***

وعندما نتحول إلى وضعية «ما يجب أن يكون» بهذا الخصوص، فلا بد أن نبحث عن هذا الـ«ما يجب أن يكون»، لدى المفكرين والمثقفين العرب.. فالمفكرون هم عقل الأمة، ومستودع أسرارها وطموحاتها، والمرآة التي تعكس آمال الأمة -أي أمة- وآلامها. والنظرة المتفحصة لـ«اتجاه» معظم المفكرين والمثقفين العرب المعاصرين، في هذا الشأن، توضح -بما لا يدع مجالاً لشك- بأن هناك «تخبطاً»، حتى بين معظم هؤلاء المفكرين. وكثيراً ما يشار إلى هذا «التخبط» بعبارة «أزمة الفكر العربي»، أو ما شابه ذلك. وغالباً ما تتجسد هذه الأزمة في «تناقض» وتضارب الوصفات التي يقدمها المفكرون لعلاج أمراض أمتهم، المعروفة، وعند مواجهة الفكر العربي لحدث أو تطور كبير ما، وعندما يبدي المفكرون العرب (بصراحة واطمئنان) آراءهم.. تجاه بعض قضايا عالمهم العربي وأمتهم الإسلامية. والمقصود هنا الفكر غير الرسمي، أو غير التابع للتوجهات الأيديولوجية لبعض الدول العربية.

***

ويرى بعض المهتمين بهذه القضية الكبرى، أن أزمة الفكر العربي هذه تتجسد في «اغتراب» و«احتراب» معظم المفكرين العرب (الزماني والمكاني) إنه اختلاف ذوي الفكر. ويتجلى الاغتراب في قراءة أولئك المفكرين القاصرة، أو المصلحية، للواقع العربي، والوصفات «العلاجية» التي يقترحونها، أو المقترحة، لمداواة و«تصحيح» ذلك الواقع. وغالباً ما نجد هؤلاء «المفكرين» وهم في حالة حرب فيما بينهم، لعدم قبول كل فئة رؤى الفئات الأخرى. فأزمة الفكر العربي المعاصر، تتجسد -في رأي المتخصصين- في انقسام المفكرين العرب إلى عدة فئات مختلفة، أهمها الفئات الأربع التالية:

(1) فئة تنظر إلى الحاضر والمستقبل بعين الماضي فقط؛ وهي الفئة التي تنادي بنبذ كل ما هو «أجنبي».. متجاهلة ضرورة «التلاقح» والتحديث الحضاري، ولزومية الأخذ بأسباب «القوة».. طالما لا تتعارض تلك الأسباب مع الدين. وهذه الفئة توصف بأنها مغتربة زمانياً.

(2) فئة «مستغربة» (Westernized): وهي التي تنظر إلى الواقع العربي (وما يجب أن يكون عليه) من منطلق الفكر الأوروبي وحده.. وبناءً على أسس هذه الأيديولوجية الغربية، أو تلك.. متجاهلة «الخصوصية» الحضارية للعالم العربي، وغير مكترثة -كثيراً- بالتوجه الديني لغالبية سكانه. وهذه الفئة توصف بأنها مغتربة مكانياً.

(3) فئة واقعة (البعض يقول «حائرة») بين غربتي الزمان والمكان.. وتحاول جاهدة «التوفيق» بين التيارين السابقين.. ولكنها - في رأي هؤلاء- كثيراً ما تخفق في عملية التوفيق... وتقع -بالتالي- في إشكالية «التلفيق».

(4) فئة شعارها العملي «الحكمة ضالة المؤمن»، تؤمن بالاعتدال الديني، والدفع بالتي هي أحسن، وتسعى للنهوض، والتحديث المشروع، ولا تتردد في الأخذ بكل ما يمكن أن يفيد، أياً كان مصدره، وكنهه، طالما أنه لا يتعارض (صراحة) مع الدين الصحيح. ولهذا الحديث تكملة.

23:26 | 31-01-2026

مغامرة سياسية جديدة أزعجت العالم..!

كان قيام الولايات المتحدة يوم 3 يناير 2026م، باحتلال القصر الرئاسي في العاصمة الفنزويلية، واعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، واقتياده إلى أمريكا، ليمثل أمام المحكمة الفيدرالية في نيويورك؛ وهي محكمة مكافحة المخدرات، تطوراً دولياً مذهلاً. وسقط في هذه العملية أكثر من 80 من القوات الخاصة التي تقوم بحراسة الرئيس مادورو وزوجته، في القصر الرئاسي. إضافة إلى مقتل 32 من القوات الخاصة الكوبية التي كانت تساعد في حراسة الرئيس مادورو. والتهمة هي: الاتجار بالمخدرات، وتهريبها إلى أمريكا.

والواقع، أن هذه تهمة باطلة، في رأي معظم الناس، والمتابعين، في ظل الظروف التي وقعت فيها. فهي تهمة سياسية بامتياز. إنه النفط؟! مكافحة المخدرات، والقبض على مروجيها ومعاقبتهم، تعتبر عملاً حميداً، ومشكوراً. لكن، أن يتم غزو دولة عسكرياً، واختطاف رئيسها، واقتياده للقضاء، ومحاكمته، أمر بالغ الخطورة والعدوانية، والاستهزاء بالقوانين والأعراف الدولية، وبالمشاعر الإنسانية السوية.

يقول بعض أنصار الرئيس ترمب إنه صريح... ونقول إن من الصراحة ما قتل. فمنذ توليه السلطة (للدورة الثانية) في يناير 2024م، وهو يصرّح، ويتهدد أمريكا نفسها، أو دولاً أجنبية أخرى، بالويل والثبور، وعظائم المغامرات، والمفاجآت، والأمور. من ضم جزيرة غرينلاند، إلى ضم كندا، وبنما. ومن إقامة ساحل سياحي، وبلاج في غزة إلى الاستيلاء على معادن أوكرانيا، ومن غزو فنزويلا إلى تغيير التعريفات الجمركية الأمريكية مع العالم، وداخلياً، هناك عدة مفاجآت؛ من أبرزها تخفيض وظائف الحكومة الفيدرالية، وقفلها لعدة أيام. إنه رجل، أقل ما يقال عنه إنه مندفع، وغير دبلوماسي، وإن كانت مغامراته تحظى بتأييد من أنصاره... تحقيقاً لمبدأ: مصائب قوم عند قوم فوائد. ونجد بأن بعض أفعاله تتميز فعلاً بعشق أمريكا، وبُعد النظر، وتفانيه في خدمة المصلحة الأمريكية العامة؛ من ذلك حرصه على ضم جزيرة غرينلاند الدنماركية (ثاني أكبر جزيرة في العالم بعد أستراليا: مساحتها 2166000 كم2 وعدد سكانها 56 ألف نسمة فقط).

***

ولو حاولنا هنا معرفة رؤية بعض حلفاء أمريكا تجاه هذه التحركات الترمبية، وبخاصة غزو أمريكا لفنزويلا، وإصرارها على احتلال جزيرة غرينلاند، لرأينا الرفض، والمعارضة. ولنأخذ ألمانيا كمثال على هذا الموقف. غالباً ما تقف ألمانيا مواقف إيجابية، وتكيل المديح تجاه التحركات الأمريكية. ولكن، حصل مؤخراً، ولأول مرة، أن أعربت ألمانيا على لسان رئيسها، عن الرفض التام لهذه التحركات.

إذ وجه الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير انتقاداً لاذعاً للسياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترمب، داعياً العالم لعدم السماح للنظام العالمي بأن (ينحدر، ليتحول إلى «وضع أسوأ»). ⁠

⁠ومشيراً إلى إجراءات الإطاحة بالرئيس ‌الفنزويلي نيكولاس مادور. وقال الرئيس الألماني إن الديمقراطية العالمية تتعرض للهجوم حالياً، كما لم يحدث من قبل.

***

تزامنت تصريحات شتاينماير مع إعلان ترمب، في مقابلة نشرتها صحيفة نيويورك تايمز، أن الولايات المتحدة قد تتولى الحكم في فنزويلا، لعدة سنوات. وقال ترمب إن: «الوقت وحده كفيل بتحديد المدة التي تنوي واشنطن خلالها الإبقاء على سيطرتها على كراكاس». وعندما سُئل عما إذا كان الوضع سيستمر ثلاثة أشهر، أو ستة أشهر، أو سنة، أو أكثر، أجاب: «أعتقد أنه سيستمر لفترة أطول بكثير».

ورغم أن سلطة الرئيس الألماني رمزية، إلا أن تصريحاته تحمل بعض الأهمية. كما أن لديه حرية أكبر في التعبير عن آرائه، مقارنة بباقي السياسيين. ووصف شتاينماير ضم روسيا لشبه جزيرة القرم والغزو الشامل لأوكرانيا، بأنها أحداث شكلت نقطة تحول، «كما إن سلوك ‍الولايات المتحدة يمثل صدعاً تاريخياً ثانياً».

أما الدنمارك، فقد رفضت ضم أمريكا لجزيرة غرينلاند، رفضاً قاطعاً. وهددت بأنه «في حالة غزو غرينلاند، فان حلف ناتو سيتلاشى».

***

لا يشك أحد بأن الولايات المتحدة فعلت ذلك، بسبب رغبتها الجامحة في السيطرة على النفط الفنزويلي، وبالتالي سيطرتها على فنزويلا سياسياً واقتصادياً... الولايات المتحدة طامعة في السيطرة على نفط فنزويلا، التي تعد الدولة الأولى التي لديها أكبر احتياطي من النفط الخام في العالم، الذي تقدر قيمته بنحو 400 مليار دولار. وكانت تستطيع أن تتفاهم مع فنزويلا وتقيم تعاوناً في ذلك المجال، دون الحاجة إلى استخدام السلاح.

ويبدو أن ترمب يريد أن يرهب العالم، ويقول لمن يعارضه إن هذا هو المصير المنتظر لمن يعارضونه. فقد هدد ترمب، في سياق كلامه عن فنزويلا، إيران، وغرينلاند، وكولومبيا، وكوبا. فكلها يمكن -في رأيه- أن يحصل لها ما حصل لفنزويلا. والواقع، أن الولايات المتحدة، التي تتزعم النظام العالمي الراهن، وهي التي صاغت القوانين والنظم الدولية، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ها هي تقوم بهدمها وتجاهلها الآن، لأنها تتعارض مع مصالحها الحالية، ورؤية ترمب. وهذا يذكّر بما تفعله إسرائيل في الأراضي الفلسطينية، ومع الفلسطينيين. فتل أبيب تتجاهل كل القوانين والأعراف الدولية، لأنها محمية ومدعومة من جانب واشنطن، التي تقف دائماً إلى جوارها وتمنع عنها كل القرارات التي تدين إسرائيل، وتعاقبها على أفعالها المنكرة.

23:57 | 24-01-2026

الاستراتيجية «الدفاعية» للعدوان الصهيوني - الاستعماري..!

تتآمر إسرائيل وأعوانها على كل العرب، وعلى مدار الساعة. وقد صرّحت (رسمياً) أن فلسطين هي فقط أرض الانطلاق، فحدود إسرائيل المبتغاة تمتد من النيل للفرات...؟! وهذ أمر معروف للقاصي والداني. وبذلك تشبه الجسم السرطاني، الذي زُرع بالمنطقة؛ نكاية بالعرب والمسلمين. فوجود هذا الكيان، في قلب الأمة العربية، هو عبارة عن مكيدة صهيونية – صليبية، أقيمت للقضاء على العروبة والإسلام. وهذا الكيان، لا يؤمن جانبه، وغادر يجب عدم الوثوق به. إن من يعتقد أن هذا الكيان يمكن أن يكون «صديقاً» للأمة هو واهم، يجهل طبيعة هذا الكيان العدوانية، وسياسته التوسعية.

وكل ذلك نابع من شخصيتهم الجشعة، ونفسية الشخص «الصهيوني» الخبيثة، ومنطلق سلوكياتهم العنصرية. وكما هو معروف، فإن هناك فرقاً بين «اليهودية» و«الصهيونية»؛ فاليهودية مجرد دين، يؤمن به أناس من أعراق مختلفة. أما الصهيونية، فهي حركة سياسية إجرامية، هدفها إقامة «وطن» لليهود، على حساب شعب بأكمله. ويؤمن بها كثير من اليهود، وبعض المسيحيين، وغيرهم. وقد اختيرت فلسطين لإقامة هذا الوطن المزعوم، بحجج هي أوهى من خيوط العنكبوت. ونفذت الصهيونية هدفها باستقدام مئات الألوف من اليهود من شتى بقاع الأرض، ليحتلوا، بمساعدة المستعمر الغربي، منذ عام 1945م، فلسطين بقوة السلاح، ويشردوا أغلب أهل البلاد الأصليين، وينكلوا بمعظم المتبقين. ثم عاثوا في البلاد، قتلاً وتدميراً، ونهبوا ممتلكات الفلسطينيين، واستولوا على بيوت معظمهم. كما أن هؤلاء الغزاة يهدفون للهيمنة على كل المنطقة العربية، من النيل للفرات، واستغلالها لصالحهم، ولصالح أسيادهم المستعمرين الغربيين. إنهم هنا للعدوان على كل جيرانهم.

***

ويستخدمون استراتيجية جهنمية... ذات «ذرائع» مضحكة وتافهة، ومريرة، لتبرير أفعالهم الشريرة، وجرائمهم النكراء؛ من ذلك: محاولتهم استغلال «الهولوكوست»، أي ما حصل لبعضهم بألمانيا، في نهاية الحرب العالمية الثانية، كمبرر لاحتلال فلسطين. ويتهمون كل من يعارض سلوكياتهم، وجرائمهم، بأنه معاد لـ«السامية» (Anti-Simit) رغم أن معظمهم غير ساميين. ولكنهم «أشكناز»، لا يمتّون بأي صلة للمنطقة. وهم يطالبون، بهذه الذريعة، من الآخرين «تأييد» إسرائيل، رغم جرائمها الشنيعة، وهذا ما يعهده الناس عنها، منذ إقامتها عام 1948م. وتظل أمريكا الصهيونية هي قلعتهم، وملاذهم، ومنها يستمدون قوتهم. فقد هيمنوا على مفاصل الدولة الأمريكية، وأصبحوا هم من يحكمون أمريكا، حتى إشعار آخر.

***

ورغم أنها محمية، وآمنة دفاعياً من أمريكا، وأوروبا، الذين يضمنون بقاء إسرائيل، فإن لإسرائيل استراتيجية «دفاعية» ثلاثية الأبعاد؛ أي أنها تمارس استخدام الاستراتيجية ذات الخطط المتتالية. فتبدأ باستخدام الأولى (وهي الآن قيد الاستخدام)، فإن لم تنجح، تلجأ إلى الثانية، فإن لم تنجح تلجأ إلى الثالثة. ويمكن تلخيص مضمون كل استراتيجية كما يلي.

- العمل الدائم والدؤوب لإضعاف الدول العربية، لأقصى ما يمكن، حيث يستغلون ما تحفل به المجتمعات العربية، لبث الفرقة فيما بينها، ودعم الخلافات والصراعات، التي تؤدي إلى الحروب والانشقاقات، وتشجيع الفرقة، وتمزيق وشرذمة الدول العربية فعلاً؛ أي أن هذه الاستراتيجية تهدف، أول ما تهدف، لتمزيق وإضعاف ما تسميهم إسرائيل بـ«الأعداء»...

***

- الاعتماد التام على دعم وحماية أمريكا وأوروبا لإسرائيل. وحث حلفاء إسرائيل للدفاع عن الكيان الصهيوني، وضمان بقائه. فأمريكا والغرب، بعامة، مستعدون دائما للدفاع عن هذا الكيان، الذي صنعوه هم.

- وفي حالة قرب «فشل» هذه الاستراتيجية (الثانية)، تسارع إسرائيل لممارسة الإجراء الأخير في استراتيجيتها، وهو استخدام السلاح النووي، ضد أعدائها العرب، هذا السلاح الأكثر فتكاً وتدميراً، والذي تملك إسرائيل منه حوالي مئتي رأس منه، منذ عام 1970م. والذي تعتبره إسرائيل السلاح الأخير، بعد فشل الاستراتيجيتين الأولى والثانية.

***

والواقع، أن إسرائيل بدأت بإقامة المنشآت النووية، منذ قيامها عام 1948م. وقصتها مع الطاقة النووية طويلة ومرعبة، ومؤسفة. وهي تمتلك الآن ترسانة نووية ضاربة، مكونة من حوالي 200 رأس نووي، ووسائل حملها، وقذفها.

00:04 | 18-01-2026

الاعتراف المسموم بـ«أرض الصومال»..!

تردد مؤخراً اسم الصومال؛ نتيجةً لاعتراف إسرائيل العدواني المُغرض بما يسمى «أرض الصومال». ومعروف، أن الصومال هي دولة عربية، ذات موقع استراتيجي مميز في شرق أفريقيا. مساحتها 637120كم2، ويبلغ عدد سكانها حوالي 20 مليوناً (دون الصوماليين المقيمين في المناطق الصومالية الأخرى). وعاصمتها مقديشو، وهي جمهورية فيدرالية، من حيث شكل الدولة. أما حكومتها الآن فهي ديمقراطية برلمانية.

وتعتبر «أرض الصومال (Somalnd) الانفصالية جزءاً لا يتجزأ من الصومال الأم، ومن شبه الجزيرة الصومالية. وأعلنت إسرائيل، يوم 26/ 12/ 2025م، اعترافها بـ«أرض الصومال»، كدولة مستقلة ذات سيادة! وسبق أن احتلت إيطاليا الجزء الأكبر من الصومال، بينما احتلت بريطانيا ما يسمى الآن بـ«أرض الصومال»، وهي جمهورية غير معترف بها، أعلنت انفصالها عن الصومال، من جانب واحد، عام 1991م، بعدما سمي بـ«حرب أوجادين»، وعاصمتها مدينة هرجيسة. مساحتها 176120 كم2، وعدد سكانها 6,5 مليون نسمة، وتمتلك ساحلاً بطول 740 كيلومتراً، على خليج عدن، ومدخل المحيط الهندي، مما يجعلها تقع في موقع هام ومتميز.

غالبية الصوماليين مسلمون. فالإسلام هو دين الدولة، ومصدر تشريع رئيسي فيها. واللغة العربية هي اللغة الثانية، بعد اللغة الصومالية (الكوشية). وقد انضمت الصومال إلى جامعة الدول العربية، عام 1974م، تدعيماً لارتباطها السياسي والتاريخي والثقافي بالأمة العربية. وهناك ما يسمى بـ«الصومال الكبرى» ويشمل الآن: دولة الصومال الأم (جمهورية الصومال الفيدرالية)، جيبوتي، شرق أثيوبيا (الإقليم الصومالي)، شمال شرق كينيا، بالإضافة لما يسمى بـ«أرض الصومال». وهناك حركة صومالية تهدف لـ«توحيد الصومال»، وإقامة «الصومال الكبرى». وتلوم هذه الحركة الاستعمار مؤكدة بأنه من تسبب في تقسيم بلادهم.

***

وكما ذكرنا، أعلن رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو، في تحرك خبيث، اعتراف الكيان الصهيوني بجمهورية «أرض الصومال» كدولة مستقلة ذات سيادة. في خطوة اعتبرها رئيس «أرض الصومال» عبد الرحمن محمد عرو، «تاريخية»، كأول دولة تعترف ببلاده. وهذا سرَّه، ولكنه أدخل الحزن والقلق، في قلوب معظم العرب والمسلمين، بل وحتى الأفارقة. لقد جاء هذا الاعتراف نكاية في الصومال، وفي العرب ككل. فهو محاولة صهيونية لاستغلال هذا الموقع الاستراتيجي، ولتطويق العرب من الجنوب الغربي.

وقد لقي هذا الاعتراف المسموم والخطير إدانة عربية، وإسلامية، وأفريقية، واسعة؛ إذ ربط هذا الاعتراف بقضية تهجير الفلسطينيين إلى «أرض الصومال»، وإقامة قاعدة عسكرية إسرائيلية، لتهديد الدول العربية، في هذا الموقع الاستراتيجي الهام، وتمهيداً لإقامة ما يسمى بـ«إسرائيل الكبرى». فوجود إسرائيل عسكرياً في هذا الموقع يسهل لها التحكم في البحر الأحمر، ومضيق باب المندب. وذلك، دون شك، يهدد الأمن القومي العربي تهديداً صارخاً. وأعلنت حكومة الصومال، في قرار برلماني صدر بالإجماع، رفضها القاطع لهذا الاعتراف، بل وكررت رفضها لانفصال إقليم «أرض الصومال» غير المشروع، عنها.

إن هذا الاعتراف يدعم انفصال إقليم «أرض الصومال»، وقد يفتح الباب لاعترافات دولية أخرى. لهذا، كررت جمهورية الصومال تحذيرها للمعنيين، مؤكدة أن هذا الاعتراف يهدد الأمن القومي للصومال وللعرب، ولأفريقيا، داعية لمواجهته، قبل فوات الأوان. كما أصدر مجلس الوزراء السعودي رفضه لهذا الاعتراف، وحرص المملكة العربية السعودية على وحدة وسيادة أراضي الجمهورية الفيدرالية الصومالية. وهناك تصريحات مشابهة، من معظم دول العالم، بما فيها أمريكا.

***

وقد طلبت حكومة الصومال عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي لمناقشة هذا الاعتراف، والتدخلات الإسرائيلية الوقحة في الشؤون الداخلية للصومال. وعقب هذا الاجتماع، صرحت كل الدول الأعضاء بمجلس الأمن عن دعمها لوحدة الصومال، وشجب هذه التدخلات. وحثت حكومة الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، لا سيما مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأفريقي، على اتخاذ مواقف موحدة، لحماية سيادة الصومال، ودعم استقرار منطقة القرن الأفريقي.

إنه اعتراف مليء بالسم الزعاف. فهو تحرك ملغوم، يهدف للإضرار بالأمن الوطني والقومي للعرب. ومن الحكمة إبطاله، بأي ثمن، حتى لا يتكرر. وحبذا لو تشكل جامعة الدول العربية لجنة، ترسل وفداً عربياً إلى «أرض الصومال»، لتلتقي بقيادة هذه المنطقة، وتحاول أن تثنيها عن قبول هذا الاعتراف المغرض، عبر تقديم بدائل أفضل. إنه لخطر فادح، يستحسن تدارك حدوثه.

00:01 | 4-01-2026

«الشيطنة» و«التلميع».. !

ككل‭ ‬العلوم،‭ ‬يحفل‭ ‬علما‭ ‬السياسة‭ ‬والإعلام‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬المصطلحات،‭ ‬التي‭ ‬توصف‭ ‬ظواهر،‭ ‬أو‭ ‬أحداثاً‭ ‬معينة،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬إيجابية،‭ ‬أو‭ ‬سلبية‭. ‬ومن‭ ‬ضمن‭ ‬هذه‭ ‬المصطلحات‭ ‬مصطلحا‭ ‬‮«‬الشيطنة‮»‬‭ ‬و«التلميع‮»‬،‭ ‬اللذان‭ ‬يشترك‭ ‬علما‭ ‬السياسة‭ ‬والإعلام‭ ‬فيهما،‭ ‬إيجاباً‭ ‬وسلباً‭. ‬‮«‬الشيطنة‮»‬‭ (‬Satanize‭) ‬تعني‭ ‬إنزال‭ ‬اللعنة‭ ‬والغضب‭ ‬على‭ ‬شخص،‭ ‬أو‭ ‬ظاهرة‭ ‬معينة،‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬الوصف‭ ‬صادقاً‭ (‬علم‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬كاذباً‭ (‬افتراء‭). ‬أما‭ ‬‮«‬التلميع‮»‬‭ (‬Praising‭) ‬فيعني‭ ‬إسباغ‭ ‬المديح،‭ ‬والتبجيل‭ ‬على‭ ‬شخص،‭ ‬أو‭ ‬ظاهرة‭ ‬معينة،‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬الاستحسان،‭ ‬أو‭ ‬المديح‭ ‬صحيحاً‭ (‬علم‭) ‬ومستحقاً،‭ ‬أو‭ ‬كاذباً‭ (‬افتراء‭) ‬ومدعى‭.‬

ويستخدم‭ ‬مصطلح‭ ‬الشيطنة‭ ‬كأداة‭ ‬سياسية‭ - ‬إعلامية،‭ ‬لتسفيه‭ ‬الموصوف،‭ ‬صدقاً،‭ ‬أو‭ ‬كذباً‭. ‬فالسياسة‭ ‬هنا‭ ‬توجه‭ ‬الإعلام‭ ‬لشيطنة‭ ‬شخص،‭ ‬أو‭ ‬ظاهرة‭ ‬ما‭ ‬معينة‭. ‬وكذلك‭ ‬التلميع،‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬توجه‭ ‬السياسة‭ ‬الإعلام‭ ‬به‭. ‬فتشن‭ ‬حملة‭ ‬إعلامية‭ ‬بالشيطنة،‭ ‬أو‭ ‬التلميع‭. ‬وكثيراً‭ ‬ما‭ ‬يصدقها‭ ‬البعض،‭ ‬بسبب‭ ‬تكرارها‭. ‬فتصبح‭ ‬كأنها‭ ‬حقائق،‭ ‬لا‭ ‬غبار‭ ‬عليها،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬بعضها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إلا‭ ‬مجرد‭ ‬كذب‭ ‬وادعاء‭ ‬وافتراء‭.‬

إن‭ ‬‮«‬السياسة‮»‬‭ ‬هي‭: ‬الأهداف‭ ‬التي‭ ‬يسعى‭ ‬طرف‭ ‬لتحقيقها‭ ‬تجاه‭ ‬طرف‭ ‬آخر،‭ ‬والوسائل‭ ‬التي‭ ‬تتبع‭ ‬لتحقيق‭ ‬هذه‭ ‬الأهداف‭. ‬وفي‭ ‬ممارسة‭ ‬السياسة‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬نشهد‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأكاذيب،‭ ‬ومن‭ ‬ضمن‭ ‬ذلك‭ ‬التلميع‭ ‬والشيطنة،‭ ‬إن‭ ‬كانتا‭ ‬صحيحتين‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬صحيحتين‭.‬

‭***‬

وتعتبر‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الدول‭ ‬استخداماً‭ ‬لمصطلحي‭ ‬الشيطنة‭ ‬والتلميع‭ ‬في‭ ‬خطابها‭ ‬السياسي‭. ‬ورغم‭ ‬وجود‭ ‬إعلام‭ ‬أمريكي‭ ‬مستقل،‭ ‬لكن‭ ‬صوته‭ ‬لا‭ ‬يعلو‭ ‬غالباً‭ ‬على‭ ‬الأصوات‭ ‬الرسمية‭. ‬والأمثلة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تمارسه‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬واضحة‭. ‬فمثلاً،‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية،‭ ‬يبرز‭ ‬سعي‭ ‬واشنطن‭ ‬لتحسين‭ ‬صورة‭ ‬إسرائيل،‭ ‬والتشدد‭ ‬في‭ ‬انتقاد‭ ‬معارضيها‭ ‬أو‭ ‬مستنكري‭ ‬ممارساتها،‭ ‬وهي‭ ‬تصنيفات‭ ‬تخضع‭ ‬غالباً‭ ‬للاعتبارات‭ ‬السياسية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الحقائق‭ ‬الموضوعية‭.‬

وعالمياً،‭ ‬تنعكس‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬روسيا‭ ‬والصين‭ ‬وكوريا‭ ‬الشمالية،‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الجوانب‭ ‬السلبية‭ ‬لخصومها،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬إبراز‭ ‬الجوانب‭ ‬الإيجابية‭ ‬للدول‭ ‬الداعمة‭ ‬لسياساتها‭.‬والواقع،‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬الدول‭ ‬تستخدم‭ ‬الشيطنة‭ ‬والتلميع،‭ ‬سواء‭ ‬بحق‭ ‬أو‭ ‬غيره‭. ‬وهذا‭ ‬يقودنا‭ ‬لتلخيص‭ ‬علاقة‭ ‬عمليتي‭ ‬الشيطنة‭ ‬والتلميع‭ ‬بالدبلوماسية‭.‬

‭***‬

‭ ‬هناك‭ ‬‮«‬وسائل‮»‬‭ ‬عديدة‭... ‬يمكن‭ ‬استخدامها،‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬للدولة‭. ‬وأهم‭ ‬‮«‬الوسائل‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تتبع‭ -‬عادةً‭- ‬لتحقيق‭ ‬‮«‬أهداف‮»‬‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬للدولة‭ -‬أية‭ ‬دولة‭- ‬هي‭ (‬بالترتيب‭ ‬التنازلي‭): ‬الدبلوماسية،‭ ‬والإعلام،‭ ‬والأدوات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬والأداة‭ ‬العسكرية‭ (‬القوات‭ ‬المسلحة‭). ‬ونوجز‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يلي‭ ‬بعض‭ ‬أهم‭ ‬ملامح‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬الوسائل‮»‬‭: ‬

‭- ‬الدبلوماسية‭: ‬هي‭ ‬عملية‭ ‬الاتصال‭ (‬السلمي‭)‬،‭ ‬التي‭ ‬تتم‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬مسؤولي‭ ‬الدول‭ ‬المختلفة،‭ ‬والتي‭ ‬تشمل‭ ‬نقل‭ ‬وجهات‭ ‬النظر،‭ ‬والتفاوض؛‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬لتلك‭ ‬الدول‭. ‬وهي‭ ‬تعتبر‭ ‬الآن‭ ‬أهم‭ ‬الوسائل،‭ ‬على‭ ‬الإطلاق،‭ ‬وأكثرها‭ ‬ضرورة‭ ‬وقبولاً،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬لفظة‭ ‬‮«‬دبلوماسية‮»‬‭ ‬قد‭ ‬أصبحت‭ ‬مرادفة‭ ‬لكلمة‭ ‬‮«‬سياسة‮»‬‭.. ‬والدبلوماسية‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬غالباً‭.. ‬حتى‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬لجوء‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬الوسائل‭ ‬الأخرى،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الأداة‭ ‬العسكرية‭ (‬الصراعات‭ ‬والحروب‭ ‬المسلحة‭).‬

‭***‬

‭- ‬الأداة‭ ‬الإعلامية‭: ‬وتعني‭ ‬مجموع‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬التي‭ ‬تملكها‭ ‬الدولة،‭ ‬بصفة‭ ‬عامة،‭ ‬ومدى‭ ‬فاعليتها‭ ‬وكفاءتها‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬الأهداف‭ ‬السياسية‭ ‬للدولة،‭ ‬وأيضاً‭ ‬مدى‭ ‬تأثير‭ ‬تلك‭ ‬الوسائل‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬وتنفيذ‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭. ‬ووسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬هي‭ ‬المراقب‭ ‬الأول‭ ‬للوقائع‭ ‬والأحداث‭.. ‬والمحلل‭ ‬الذي‭ ‬يعتمد‭ ‬عليه‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬وتفسير‭ ‬تلك‭ ‬الأحداث‭. ‬وفي‭ ‬الدول‭ ‬ذات‭ ‬الحكومات‭ ‬الديمقراطية‭ ‬تكون‭ ‬معظم‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬قناة‭ ‬رئيسية،‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬مشاعر‭ ‬واتجاهات‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬الدولة‭. ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬يطلق‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الوسيلة‭ ‬‮«‬الوسيلة‭ ‬النفسية‮»‬‭ ‬أيضاً‭.. ‬لأنها‭ ‬تخاطب‭ ‬‮«‬عقول‭ ‬وعواطف‮»‬‭ ‬الأفراد‭ ‬والجماعات‭.. ‬هادفة‭ ‬لإقناعهم‭ ‬بوجهة‭ ‬أو‭ ‬وجهات‭ ‬نظر‭ ‬معينة‭. ‬وتتضمن‭ ‬الوسيلة‭ ‬الإعلامية‭ ‬عمليتي‭ ‬الشيطنة‭ ‬والتلميع‭.‬

‭*** ‬

‭-‬الأدوات‭ ‬الاقتصادية‭: ‬أي‭ ‬استخدام‭ ‬وتوجيه‭ ‬بعض‭ ‬الموارد‭ ‬الاقتصادية‭ ‬المختلفة‭ ‬للدول‭ (‬سلباً‭ ‬وإيجاباً‭)‬،‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭. ‬ومن‭ ‬أبرز‭ ‬صور‭ ‬هذه‭ ‬الوسيلة‭: ‬المساعدات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتقنية‭ ‬والمالية‭ ‬المتنوعة،‭ ‬وكذلك‭ ‬المقاطعة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬والهبات،‭ ‬والحظر‭ ‬والحصار‭ ‬الاقتصادي‭... ‬إلخ‭.‬

‭-‬الأداة‭ ‬العسكرية‭: ‬وتعني‭ ‬لجوء‭ ‬حكومة‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ (‬أو‭ ‬التلويح‭ ‬باستخدام‭) ‬ما‭ ‬تمتلكه‭ ‬من‭ ‬قوات‭ ‬برية‭ ‬وبحرية‭ ‬وجوية‭ ‬مسلحة‭... ‬لتحقيق‭ ‬بعض‭ ‬أهداف‭ ‬سياستها‭ ‬الخارجية‭. ‬وعادة‭ ‬ما‭ ‬تلجأ‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الأداة‭ (‬الحرب‭) ‬عندما‭ ‬تستنفد‭ ‬بقية‭ ‬الوسائل،‭ ‬ويثبت‭ ‬فشلها،‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬فاعليتها،‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬ما‭ ‬ترمي‭ ‬إليه‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬أهداف‭. ‬فالدول‭ ‬تلجأ‭ ‬عادة‭ ‬إلى‭ ‬الدبلوماسية،‭ ‬فالإعلام،‭ ‬فالأدوات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وأخيراً‭ ‬الحرب‭. ‬

وإن‭ ‬مدى‭ ‬فعالية‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الوسائل‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬قوتها،‭ ‬ومصداقيتها،‭ ‬وجدواها،‭ ‬وتأثيرها‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬استعمالها‭ ‬الصحيح‭ ‬لتحقيق‭ ‬المصالح‭ ‬العليا‭ ‬لشعب‭ ‬الدولة‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬يضمن‭ ‬حماية‭ ‬تلك‭ ‬المصالح‭ ‬والاهتمامات،‭ ‬والعكس‭ ‬صحيح‭.‬

‭***‬

وجدير‭ ‬بالذكر‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬عمليتي‭ ‬الشيطنة‭ ‬والتلميع‭ ‬تستخدمان‭ ‬أيضاً‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الأفراد،‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬سعي‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬لتحقيق‭ ‬مصالحه،‭ ‬وما‭ ‬يلاقيه‭ ‬من‭ ‬الآخرين،‭ ‬من‭ ‬دعم،‭ ‬أو‭ ‬محاربة‭. ‬وهذا‭ ‬مما‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬يتجسد‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬صور،‭ ‬منها‭ ‬الفرد‭ ‬الواحد،‭ ‬والدولة‭.‬

00:00 | 28-12-2025

نزار مدني يوضح مصالحنا الوطنية ؟!

الدكتور نزار عبيد مدني ليس دبلوماسياً مخضرماً، أو وزيراً فذاً فقط، وإنما هو أيضا أكاديمي مرموق، له مؤلفات قيّمة في مجال تخصصه (العلوم السياسية/‏ العلاقات الدولية). وقد جمع بين ممارسة الدبلوماسية، كمساعد لوزير الخارجية السعودي، وكباحث أكاديمي، في مجال العلاقات الدولية، لا يشق له غبار. وهذا ما يتضح في مؤلفاته الأكاديمية القيّمة، الناتجة عن بحث علمي متعمق، خاصة في شؤون بلاده العزيزة، المملكة العربية السعودية.

وأهم مؤلفاته، هذه الكتب التسعة التالية عناوينها: دبلوماسي من طيبة، قضايا ومواقف في الفكر السياسي، المستقبل: تأملات استشرافية، سعود الفيصل.. حياته وشخصيته، صدى الكلمة.. كلمات ومحاضرات، أوراق من الجعبة، تأملات سياسي متقاعد، مدخل لدراسة السياسة الخارجية السعودية، المملكة العربية السعودية وحقوق الإنسان. ومؤخراً، أصدر معاليه بحثاً قيّماً، ضمه كتاب بعنوان «المصالح الوطنية السعودية: من التنظير إلى التطبيق». وسوف نلقي الضوء على محتويات هذا الكتاب الهام، والقيّم. علما بأنني سأكتب «مراجعة كتاب» (Book Review) في إحدى الدوريات، محللاً استنتاجاته، علمياً.

****

كما يشير عنوان الكتاب، فإن معاليه بدأ بتنظير مفهوم المصالح الوطنية، كما يحددها علم العلاقات الدولية. حيث تحدث عن التأصيل النظري لمفهوم المصلحة الوطنية (في الفصل الأول). ثم طبق مفهوم المصلحة الوطنية ذاك على المصلحة الوطنية السعودية (الفصل الثاني). وفي الفصل الثالث، يتحدث معاليه عما أسماه المصالح الوطنية السعودية الإستراتيجية. وفي الفصل الرابع، يتحدث عن المصالح السعودية التكتيكية. ثم يختم بخاتمة عنوانها: نحو صياغة جديدة للمصلحة الوطنية السعودية.

وفي الواقع، فإن تنظيم هذا البحث يعتبر متميزاً وممتازاً. فالمؤلف هنا، بدأ بتعريف «المصلحة الوطنية» لأي دولة، وكما يحددها علم السياسة والعلاقات الدولية. ثم قسّم «المصلحة الوطنية السعودية» إلى قسمين: المصلحة الوطنية الإستراتيجية السعودية، والمصلحة الوطنية التكتيكية السعودية. وقدم، في نهاية بحثه، توصيات هامة عما ينبغي أن تكون عليه المصلحة الوطنية السعودية، من منطلق خبرة طويلة، وممارسة حكيمة، وولاء تام لوطنه.

****

حسم علم السياسة والعلاقات الدولية الأمر، بأن حدد أهم ما تسعى الدولة، أي دولة، لتحقيقه، خارج حدودها، فأهم أهداف السياسة الخارجية، لأي بلد، تقسّم إلى شقين رئيسيين، هما كالتالي:

- الأهداف القومية الحقيقية: كما يحددها حكام الدولة، وواضعو سياساتها الخارجية. ويلاحظ، أن المقصود بكلمة «الحقيقية»، هو استبعاد الأهداف الوهمية.. أو الأهداف التي قد تدعي الدولة (باطلاً) أنها تسعى لتحقيقها.. وهناك من علماء العلاقات الدولية (الواقعيون)، من يضغطون هذه الأهداف (مجتمعة) في هدف واحد.. هو (في رأيهم): القوة، أو السعي من أجل القوة (Struggle for Power).. والمقصود بـ«القوة» هنا، هو القوة بكل عناصرها، المادية والمعنوية.. أي القوة بنوعيها الخشن والناعم.

****

والتحليل الموضوعي لـ«المصلحة القومية» (الأهداف القومية) يوضح بأن أهم الأهداف القومية، المتفرعة من هذا الهدف الرئيسي، تتلخص في التالي:

- حماية السيادة الإقليمية للدولة، والحفاظ على أمنها القومي:

كل دولة (ممثلة بحكومتها) تسعى، بالطبع، أول ما تسعى، للحفاظ على وجودها وبقائها.. ودفع أي تهديد، حال أو متوقع، يمكن أن يهدد بقاءها، كما تريد. وقد ارتبط وجود الدولة بأمنها.. أي بعدم تهديد كيانها، وأسلوب تواجدها، ومصالحها وقيمها. لذلك، يعتبر الحفاظ على «أمن» الدولة الوطني (أو القومي) من أول الأهداف التي تسعى حكومة الدولة لتحقيقها، على الساحتين المحلية والدولية.

- تنمية إمكانيات القوة للدولة:

ويعني سعي حكومة الدولة إلى تنمية عناصر قوتها، الخشنة والناعمة، لأقصى حد ممكن، وبكل الوسائل الممكنة والمتاحة.

- تدعيم الرفاه الاقتصادي للدولة:

تعمل كل دولة في العالم -تقريباً- على دعم نموها الاقتصادي، وزيادة ثرائها المادي.. فمدى قوتها، على الساحة الدولية، وبالتالي مدى قدرتها على تحقيق أهدافها، يعتمد على عدة عناصر، منها: القوة الاقتصادية. وكثيراً من دول العالم الكبرى تحاول أن تثري بشتى الطرق الممكنة، حتى ولو على حساب الدول الأخرى الأقل قوة، وخاصة الدول النامية (الضعيفة).

- تحقيق «السلام»، وفق شروط الدولة:

وربما يكون من ضمن أهداف الدولة، هو فرض السلام في منطقة أو مناطق معينة، خارج حدودها، وفق شروطها.. وبما يسهم في النهاية في تمكين الدولة من تحقيق بقية أهداف سياستها الخارجية، بتكلفة أقل.

أما الأهداف العقائدية (الأيديولوجية) الحقيقية: فهي الأهداف العقائدية (الأيديولوجية) الفعلية، التي ترمي الدولة إلى تحقيقها.. سواءً أعلنت ذلك، أم أخفته.

****

وانطلاقاً من هذا التنظير، حدد معالي الدكتور نزار، المصلحة الوطنية السعودية العليا، في النقاط التالية:

- المحافظة على وجود الدولة وبقائها وحماية كيانها السياسي واستقلالها.

- الدفاع عن الإسلام، وحماية المقدسات الإسلامية.

- تحقيق أعلى مستوى ممكن من التطور والتقدم للدولة، ومن الرفاه والرخاء للمواطنين: متلازمة النفط والاقتصاد.

أما «المصالح الوطنية السعودية الإستراتيجية»، فقد حصرها المؤلف في التالي:

- المصالح الوطنية الإستراتيجية الخاصة بحدود المملكة الجنوبية.

- المصالح الوطنية الإستراتيجية الخاصة بحدود المملكة الشمالية.

- المصالح الوطنية الإستراتيجية الخاصة بحدود المملكة الشرقية.

و«المصالح الوطنية التكتيكية السعودية» تتجلى في التالي:

- محاربة التطرف والإرهاب.

- البعد الإقليمي للمصالح الوطنية التكتيكية: الانتماء العربي.

- البعد الدولي للمصالح الوطنية التكتيكية: متلازمة استتباب الأمن والسلم والاستقرار على المستوى الدولي، وعلاقات المملكة الدولية.

****

إنه كتاب مهم، ومواضيعه حيوية، تهم الباحثين، وغيرهم، ويستحق المزيد من الدراسة. لذا، ستكون لنا وقفة لاحقة مع هذا الفكر الراقي.
00:10 | 24-08-2025

تنافس روسيا مع الغرب المتنفذ.. !

لو لم يعتبر الغرب المتنفذ (الدول المتزعمة لحلف ناتو بخاصة) روسيا عدواً، أو خصماً أو منافساً قوياً ومختلفاً، لسعى لضمها هي الأخرى عضواً في حلف «ناتو»، لا سيما أن قادة روس طالبوا -بعد انهيار الاتحاد السوفيتي- بتفكيك حلف ناتو كما تفكك حلف وارسو -أو ضم روسيا إلى حلف ناتو- كما ضمت معظم الجمهوريات المنسلخة عن المعسكر الشرقي سابقاً لهذا الحلف. لكن قادة الناتو رفضوا بشدة مجرد التفكير في حل حلف ناتو، بعد انهيار حلف وارسو وزوال الاتحاد السوفيتي عام 1991م. بل عملوا على دعم وتوسيع عضوية الحلف في اتجاه الشرق، حتى أصبح عدد أعضائه 28 دولة الآن، بدلاً من 16 دولة قبل عام 1991م. ومبرر أولئك القادة أن الأخطار التي تواجه ذلك الغرب ما زالت قائمة؛ متمثلة في: الإسلام السياسي، والإرهاب، وفي الدول المناوئة للغرب، وبخاصة: روسيا، الصين، إيران، كوريا الشمالية... وغيرها.

ذلك يدفع لاستطلاع طبيعة «العلاقة» بين روسيا من جهة، والغرب المتنفذ من جهة أخرى. تاريخياً، تعتبر روسيا مختلفة عن أوروبا، وخاصة أوروبا الغربية، رغم أن روسيا تعتبر دولة يورو ـ آسيوية. فالجزء الأهم من روسيا يقع في أوروبا. ولكن روسيا دولة عظمى سابقة كانت -وما زالت- لها طموحات توسعية تجاه الغرب (أوروبا) وتوجهات سياسية مختلفة عن جيرانها في الغرب. الأمر الذي جعل روسيا، على مر التاريخ، دولة مناوئة للغرب المتنفذ بخاصة. ويشهد التاريخ زحف القوات الروسية بداخل العمق الأوروبي. وكذلك غزو بعض دول الغرب لروسيا، ووصول تلك القوات في عدة مرات إلى داخل سانت بطرسبرج ومشارف موسكو. لذا، أصبحت هناك عداوة تاريخية بين الدولة الروسية وجيرانها الغربيين. وفاقم من هذا العداء تحول روسيا لدولة شيوعية مناوئة لكل ما هو غربي، في الفترة 1917- 1991م.

كما ساهمت أزمة أوكرانيا، المتمثلة في غزو روسيا لأوكرانيا، في تعميق العداء الأوربي لروسيا. وأعادت العلاقات الروسية- الأوروبية الى المربع الأول، في العلاقات الصراعية، بين الطرفين.

****

وتعتبر روسيا الاتحادية أكبر دول العالم مساحة، إذ تبلغ مساحتها 17075400 كم2، بما يشمل شرق أوروبا، وحوالي ثلث قارة آسيا، بموارد طبيعية هائلة. وسكانها 146 مليون نسمة. وهي مكونة من 89 منطقة، ويحكمها دستور عام 1993م، الذي يقيم نظاماً رئاسياً تمثيلياً، فيدرالياً، برئيس له صلاحيات تنفيذية واسعة، مع برلمان مكون من مجلسين: المجلس الفيدرالي، وهو مكون من 178 عضواً، والدوما، وعدد أعضائه 450 نائباً. ولا تزال نموذجاً للاتحادات الفيدرالية.

****

بعد زوال الاتحاد السوفيتي حاول الغرب المتنفذ تقسيم روسيا نفسها، بعد أن سلخ منها الجمهوريات الأربع عشرة التي كانت ملحقة بالاتحاد السوفيتي. وما زال التنافس حاداً بين روسيا والغرب المتنفذ. وما زال الأخير يحاول إضعاف روسيا بكل الطرق الممكنة، ومنها تقسيم الاتحاد الفيدرالي الروسي. وقد أشار الرئيس بوتين إلى ذلك كثيراً، مندداً بسياسة الغرب تجاه بلاده.

ذلك يجعل احتمال تحالف روسيا مع الصين أقرب للحصول من تحالفها مع فرنسا أو بريطانيا أو أمريكا. ولولا قوة روسيا العسكرية، وامتلاكها ترسانة هائلة من السلاح النووي، لأصبحت روسيا مجرد دولة هامشية. ولكن إمكانات روسيا جعلتها تنافس على قمة العالم الاقتصادية- السياسية، لتصبح إحدى القوى العظمى التي تشكل الآن نظاماً دولياً من أقطاب متعددة (أمريكا، الصين، روسيا). وبالتالي فإن العلاقة بين روسيا والغرب المتنفذ ما زال يسود فيها الصراع، أكثر من التعاون. وآخر مظاهر هذا الصراع هي: العقوبات الاقتصادية الغربية التي فُرضت على روسيا، بسبب تدخلها في أوكرانيا، وضمها لشبه جزيرة القرم، ومناطق أوكرانيا الشرقية. ورغم ذلك، فإن هناك كثيراً من المصالح المشتركة التي تجمع بين روسيا وزميلاتها من الدول الغربية الكبرى، إضافة إلى نظرة متشابهة تجاه كثير من القضايا ذات الاهتمام المشترك.

وبالإمكان معرفة السياسة الخارجية الروسية نحو منطقة الخليج، أو غيرها عبر مدخل الأهداف/‏ الوسائل. وسيتبين أن روسيا تعتبر هذه المنطقة مهمة جداً، للعالم ككل، وللأقطاب، بصفة خاصة. وسيتبين أن روسيا تحرص من قديم على التواجد بالمنطقة، وأن تكون لها قواعد عسكرية. وهذا هو ما حصل فعلاً، حتى بعد هروب بشار الأسد من سوريا.

****

وعن تورط روسيا في أوكرانيا، يقول عالم السياسة (جون ميرشايمر): «أعتقد أن جوهر ما يحدث هو أن الغرب يدفع أوكرانيا للهلاك، عبر تزيين شهوة التوجه إلى الغرب، والانضمام إليه، ومن ثم الاصطدام مع روسيا، وبالتالي الدمار. وقد اندفع قادة أوكرانيا في هذا الاتجاه. لذا، فإنني أدعو إلى تغيير هذه السياسة، وتبني سياسة تتضمن وضع أوكرانيا على الحياد، ودعم اقتصادها، وإخراجها تماماً من ساحة الصراع بين الغرب وروسيا. ذلك هو الموقف الأفضل لأوكرانيا وشعبها. فبدون التزام «الحياد» بين الجانبين؛ الغربي والروسي، ستدخل أوكرانيا نفسها في دوامة مدمرة. إن ما نعمله، نحن هنا في الغرب، هو أننا نشجع قادة أوكرانيا على التشدد مع الروس، والإصرار على الانضمام إلى حلف ناتو. لقد أوحينا لهم أن الوقت يسير في صالحنا، وأننا سننتصر، في نهاية الأمر، على روسيا بوتن. وأننا سنضم أوكرانيا إلى ناتو، عاجلاً، أو آجلاً. فإن استمروا في تصديق ذلك، فسيقودون بلادهم للهلاك. إن تأليب أوكرانيا، من قبل الغرب، على روسيا، لن ينتج عنه سوى الصراع والحروب. إن من مصلحة أوكرانيا، ومصلحتنا هنا في الغرب، وأيضاً من مصلحة روسيا، ألا تنضم أوكرانيا إلى الغرب، بل تقف على موقف الحياد، لتنجو من التهلكة». ولم تأخذ أمريكا والغرب بهذه النصائح، فحصلت المأساة، وما زالت تتفاقم، يوماً بعد يوم.
00:00 | 10-08-2025

سيــاسـة نـووية حكيـمة.. !

يحظر المجتمع الدولي على دول العالم «غير النووية»؛ ومنها الدول العربية، حتى دراسة الفيزياء والكيمياء والهندسة النووية، كي لا يستغلوا معرفتهم في هذه العلوم لإنتاج أسلحة دمار شامل، وبخاصة الأسلحة النووية... وهناك تشدد أكبر تجاه العرب... لأن ما يعتمل في صدور العرب من غبن وقهر تجاه الصهاينة (يدركه ساسة أمريكا) قد يدفع العرب -أو بعضهم- لاستخدام هذه المعرفة ضد عدوهم الألد (سيما أن هذا العدو يشهر نفس السلاح ضدهم)... ففي ذلك تهديد (خطير) لـ«أمن إسرائيل»...!! كما يقولون.

إن من عجائب، ومظالم، العلاقات الدولية، في العصر الحديث والمعاصر، أن تضع دولة عظمى (أمريكا) كل ثقلها... لكي تضمن «تفوق» وهيمنة دويلة عدوانية مصطنعة (إسرائيل) في كل المجالات، ومنها التسلح بكل أنواع الأسلحة الإستراتيجية، وفى ذات الوقت، تعمل كل ما بوسعها لإضعاف الطرف الآخر (العرب) والحيلولة دون نهوضه... حتى لا يهدد «أمن» إسرائيل... وحتى تمسي بلاده لقمة سائغة للإمبريالية، والصهيونية، وأطماعهما الاستعمارية البغيضة.

وتتجلى هذه العجيبة في: فلسطين والعراق، وسوريا، وغيرها. كما تتجلى بوضوح أكبر في: مسالة التسلح النووي. ففي الوقت الذي يسمح فيه لإسرائيل -بل وتقدم لها كل المساندة الممكنة- بامتلاك حوالي 200 رأس نووي، ووسائل حملها وقذفها في دائرة كبرى... تكاد تغطي كل العالم العربي، من المحيط الى الخليج، فإن أمريكا -وإسرائيل- تقيم الدنيا ولا تقعدها إن شرعت إحدى الدول العربية في أبحاث نووية، أو فكرت في امتلاك بنية نووية للأغراض السلمية!

*****

لقد امتلكت إسرائيل قوة نووية ضاربة، بدعم غربي وأمريكي تقني وسياسي شامل. وما زالت إسرائيل ترفض حتى مجرد خضوع منشآتها النووية للتفتيش الدولي، وتصر -بصفاقة ووقاحة غير مسبوقة- على عدم الانضمام إلى «اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية» (NPT) وتسخر من كل المحاولات العربية (والإقليمية والدولية) الرامية لإقامة «منطقة شرق أوسط خالية من السلاح النووي» (MENFZ).

أما العرب، فقد وقعوا الاتفاقية المذكورة، وصادقوا عليها، دولة بعد أخرى. ومع ذلك، ما زالت بعض الأوساط الأمريكية تعمل على: ضمان خلو العالم العربي من أي معرفة نووية تقنية تذكر. ورأينا ما عملته أمريكا تجاه العراق (بإيعاز من الدوائر الصهيونية) لمجرد أنه كان لديه بعض العلماء القادرين على تطوير سلاح نووي، والذين قتلتهم إسرائيل، أثناء الغزو الأمريكي للعراق... ومجرد إمكانية حيازة العراق للخيار النووي، في المدى الطويل.

****

وتثار من حين لأخر، أقاويل من قبل بعض وسائل الإعلام الأمريكية المتصهينة، بأن المملكة، أو دولة عربية أخرى، لديها منشآت ومواد نووية خطرة، وأنه ينبغي إخلاؤها من هذه التقنية، ومنعها من امتلاك بنية نووية سلمية. وهي أكذوبة... لم يكن هدفها سوى حجب الأنظار عن إمكانيات إسرائيل النووية.

وقد تعامل المسؤولون السعوديون مع هذه الأكاذيب بحكمة وواقعية... أخرست تلك الأبواق، وأحرجت الصهاينة. وقد أكد هؤلاء المسؤولون حق المملكة في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وعدم وجود أي رغبة في امتلاك قوة، أو إمكانية نووية عسكرية، وانعدام الرغبة المطلقة في التسلح النووي، خاصة وأن المملكة وقعت وصادقت على اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية، وغيرها. كما لفتوا الأنظار إلى إسرائيل، وموقفها المشين في المسألة النووية. فالمملكة هي في طليعة الدول الداعية لاستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية فقط. ومما يبرهن حسن نواياها أكثر، في هذا الصدد، قيامها (بتاريخ 16/‏6/‏ 2005م) بتوقيع اتفاق الضمانات، وبروتوكول الكميات الصغيرة، المنبثقة عن اتفاقية حظر الانتشار النووي.

****

أن السياسة النووية السعودية الراهنة جيدة، وإيجابية، وملائمة، – بصفة عامة – للأوضاع النووية والسياسية، المحلية والإقليمية والعالمية. وفيها الكثير من الحكمة، والتأكيد على أن المملكة دولة محبة للسلام. ومن ناحية أخرى، يبدو أننا – كمواطنين- نتمنى ألا تكون «البنية النووية» السعودية - أي: مجموع العلماء والتقنيين، والمنشآت النووية – معدومة، أو ضئيلة جدا. ونتمنى أن يسعى لتطويرها، ودعمها دائما... لتتلاءم والمستوى العلمي والتقني الذي وصلت إليه البلاد، وأن يستمر هدفها – كما هو حاليا – هو: استغلال القوة النووية للأغراض السلمية المختلفة، ومنها: توليد الطاقة وتحلية المياه، وشق الطرق، والتطبيب... الخ.

أما الخيار النووي العسكري، فإن المملكة قد استبعدته تماما. ولكن إصرار بعض المعادين المحتملين على تملك هذا الخيار، وفي مقدمتهم إسرائيل وإيران (وهما على مشارف الحدود السعودية) ربما يجعل من المنطقي إعادة النظر في هذا الاستبعاد – فيما بعد – خاصة إذا لم يتم التوصل إلى السلام العادل المنشود بالمنطقة.
00:04 | 3-08-2025