أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1918.jpg?v=1788191845&w=220&q=100&f=webp

فارس بن حزام

كلما تحركت الأمم المتحدة.. علمنا أن الحوثي في مأزق

في صنعاء، تقاس الأيام ببنادق المليشيا، والناس تعيش واقعاً فجّاً يقترب من الهذيان. هناك، حيث يُعتقل موظف الإغاثة؛ لأنه يحمل كيساً من الدقيق، وتُغلق مكاتب مبعوثي الأمم المتحدة بالشمع الأحمر، وتُصادر الأجهزة، ويُطرد المبعوثون، تبدو المنظمة الدولية مثل شخصية منسية.


تكتفي أروقة مجلس الأمن بالهمس، وترتجف الأصابع عند كتابة رسائل القلق الصامت. فتصاغ بيانات القلق العميق بموازين دقيقة؛ لئلا تخدش حياء الخاطفين، الذين يطردون سفراء السلام، ويسجنون بناة الإنسانية. هي المفارقة، حيث يصبح العبث هو القانون، وتتحوّل المنظمة الموكلة بحماية المستضعفين إلى شاهد زور يلوذ بالصمت كلما أمعنت المليشيا في التنكيل بموظفيها.


يمتد هذا الصمت لأشهر وسنوات، تُنتهك خلالها المليشيا كل الخطوط الحمراء، وتهدّد الملاحة الدولية، وتجوّع المدن. الإحصاءات الرسمية قالت إن أكثر من 73 موظفاً أممياً احتُجزوا تعسفياً. توفي بعضهم تحت التعذيب في سجون صنعاء، ومئات العاملين في المنظمات الإنسانية والبعثات الدبلوماسية أُخفوا قسرياً منذ أعوام. بينما تكتفي أروقة الأمم المتحدة بإحصاء الضحايا، وتدوين الخروقات في تقارير تُحفظ في أدراج النسيان.


في هذا المشهد العبثي، لا تبدو الأمم المتحدة سوى شبح دبلوماسي يتلقى الصفعات تلو الصفعات من مليشيا الحوثي، ويمارس صمتاً طويلاً ومثيراً للريبة. منظمة نائمة لا تُسمع لها جلبة إلا في توقيت واحد يثير السخرية المريرة.


لكن هذا النوم الدبلوماسي الطويل ليس سوى تواطؤ وظيفي يستيقظ فجأة وفق توقيت سياسي مشبوه. يتذكر اليمنيون جيداً عملية الحديدة الواسعة عام 2018. كانت القوات الشرعية، مسنودة بالتحالف، على بعد كيلومترات قليلة من الميناء الاستراتيجي. تهاوت خطوط دفاع المليشيا كقصور من الرمل، وبدا أن نهاية هذا الكابوس باتت وشيكة. وفجأة، استيقظت الأمم المتحدة منتفضة من سباتها الطويل، كمن أصابه مس كهربائي، وتحرّكت الماكينة الأممية بسرعة البرق. طار المبعوثون، وعُقدت الجلسات الطارئة، ولوّح الغرب بالابتزاز السياسي، واجتمعت العواصم، ووُلد اتفاق ستوكهولم على عجل. جرى تقديمه في صيغة خطة للسلام وإنقاذ لليمن، وحقيقته طوق نجاة دولي أُلقي للمليشيا؛ لكي ينقذها من هزيمة محققة، ويبقي شريان الحديدة بأيديها.


عادت الأمم المتحدة إلى صمتها. لم تتحرّك لتنقذ تعز من حصار السنوات. وبين الحديدة وتعز تتجلّى الصورة؛ المنظمة الدولية، التي تغض الطرف عن حصار المدن وتجويع الملايين واختطاف موظفيها، تمتلك مجسات حساسة تستيقظ فوراً عندما يضيق الخناق العسكري على المليشيا. فصرنا أمام مشهد صريح. معادلة رياضية عكسية، يفهمها أصغر طفل في شوارع تعز والحديدة، وتحوّلت إلى قانون يمني ثابت: كلما استيقظت الأمم المتحدة من سباتها وعلا صراخها الإنساني، علمنا يقيناً أن المليشيا في مأزق عسكري.

منذ يومين

من وحي «ليب».. صراع البرمجية السعودية الإيرانية

صراع البرمجيات السياسية بين المملكة وإيران، هذا أول ما يطرأ على البال مع استضافة الرياض اليوم عمالقة التقنية في معرض «ليب 2026».

ومن خلال صراع البرمجيات تتشكّل صورة كبرى تتجاوز الصراع التقليدي على النفوذ الإقليمي أو الانقسام الطائفي القديم. إنها الآن صورة إدارة بلدين يطبّقان نظامَي تشغيل متناقضين تماماً؛ أحدهما صمّم ليصنع الاتصال والرخاء، ويركّز على الكفاءة. سريع في معالجة بياناته، ومنفتح على التطبيقات العالمية. برمجة موجهة للمستقبل. يعمل «كود» رؤيتها الاقتصادية والاجتماعية على تصفير الأخطاء. والهدف تحقيق الاستقرار والرفاهية للمستخدمين. والآخر، يعمل على نظام تشغيل قديم ومغلق. «كوده» الأساسي مبرمج على العقيدة، وتصدير الأزمات، وتغذية المليشيات. هذا النظام يرفض التحديثات الخارجية، ويعتبر أي اتصال بالشبكة العالمية تهديداً له. لقد صمّم ليزرع العزلة والفوضى.

البرمجة السعودية الحديثة تمثل نظام تشغيل متطور يعتمد على البناء والانفتاح، والربط بالنظام العالمي. رؤية المملكة وإن كانت في مظهرها خطة اقتصادية، لكنها تقوم على تحديث شامل لنظامَي العمل والحياة. فكرتها جوهرية ببساطتها؛ تحويل الثروة النفطية إلى أصول مستدامة، وجذب عمالقة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وخلق مئات الآلاف من فرص العمل للشباب، وتحويل المنطقة إلى مركز خدمي يربط القارات الثلاث. هذا البرنامج لا يرى جيرانه أعداء يجب اختراقهم بقدر ما هم شركاء محتملون في شبكة تجارية واقتصادية واسعة، وركيزتها الاستقرار والازدهار المشترك، فهما الضمانة الوحيدة لحماية الاستثمارات الضخمة.

في المقابل، تعمل إيران عبر برمجيات ذات طبيعة مغايرة تماماً. صمّمت للاختراق والتفكيك والتعطيل. أمضى النظام سبعة وأربعين عاماً من عمره، ولم يطور نموذجاً اقتصادياً أو تكنولوجياً يمكن تصديره للعالم. تفرغ لتطوير «فيروسات» تمثلت في المليشيات الطائفية والشبكات المسلحة في العالم العربي. هذه البرمجة الإيرانية تعمل بأفضل كفاءة عندما تكون الدول ضعيفة أو ممزقة؛ فهي تتغذى على الفراغ السياسي في بغداد وبيروت وصنعاء، كما تغذت في دمشق سابقاً. وحين يخترق البرنامج دولة ما، يجلب معه الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، لا الجامعات الحديثة، ولا المعامل التقنية. والنتيجة النهائية تكون بفصل تلك الدول عن النظام المالي العالمي، وعزل شعوبها في ظلام اقتصادي دامس.

طوال خمسة عقود، واجهت المملكة هذا الفيروس الإقليمي باستراتيجية «الاحتواء الفعّال». لم تعجز الرياض عن الرد بالمثل، لكن قادتها أدركوا مبكراً أن الدخول في حرب برمجيات هجومية مدمرة سيؤدي إلى إرباك نظامها التنموي الخاص. حوادث عدة شهدتها المملكة، والجاني واحد. أحدها، عدوان على منشآت أرامكو عام 2019، لم تنجر إليه الرياض ليخدم أجندة خصمها الفوضوية، ومضت في مسارين؛ عزل دبلوماسي للخطر الإيراني، ومواصلة العمل على بناء البنية التحتية للاقتصاد الجديد. وهذه فكرة البرمجة السعودية؛ الرد على محاولات التعطيل يكون بتسريع معدلات النمو والبناء. وحتى عندما رعت الصين الاتفاق السعودي الإيراني، كانت تلك محاولة سعودية جديدة لفرض بروتوكول حماية، يربط استقرار طهران بمصالح اقتصادية حقيقية، واختبار مدى قدرة النظام الإيراني على تعديل «أكواده» البرمجية من الثورة إلى الدولة.

المشهد الواضح، والخاضع لعشرات الاختبارات، يؤكد أن الرابح في المنطقة ليس من يملك ترسانة أكبر من الصواريخ العتيقة، أو من يستطيع تهديد ممرات الملاحة الدولية. الرابح هو من يملك الاقتصاد الأقوى، والتعليم الأفضل، والقدرة على دمج شبابه في الاقتصاد الرقمي العالمي. وهذا خيار المملكة أن تستثمر في المستقبل خدمة لشعبها وللمنطقة، وألا تنشغل بصراعات الماضي. تطور برمجيات لتواكب العصر. فيما اختارت إيران أن تبقى رهينة برمجية قديمة تؤدي حتماً إلى شاشة الموت الزرقاء.

20:21 | 31-08-2026