أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1890.jpg?v=1778067387&w=220&q=100&f=webp

منى عبد المحسن العيبان

هل تستطيع شركاتنا التعليمية إدارة المدرسة الحكومية؟

حين صدر نظام التعليم العام الجديد، توقفت طويلًا أمام إحدى أهم المساحات التي فتحها لمستقبل التعليم في المملكة: إتاحة إسناد بعض المهمات التعليمية، وإدارة أو تشغيل بعض المؤسسات التعليمية، إلى القطاع الخاص وغير الربحي، وفتح المجال أمام المستثمر المحلي والأجنبي للمشاركة في هذا القطاع.


بالنسبة لي كصاحبة تجربة في التعليم الحكومي وفي التعليم الخاص لأكثر من ثلاثة عقود، لم تكن المسألة مجرد مادة تنظيمية جديدة، وإنما سؤالًا أكبر يستحق أن نطرحه على أنفسنا نحن العاملين في التعليم: هل أصبحت شركات التعليم السعودية قادرة فعلًا على إدارة مدارس حكومية؟


أعتقد أن الإجابة لم تعد كما كانت قبل عشرين عامًا. فالقطاع التعليمي الخاص في المملكة تغيّر كثيرًا. انتقل في جزء معتبر منه من المدرسة الفردية التي يديرها مالكها بخبرته واجتهاده، إلى شركات ومجموعات تعليمية تمتلك هياكل مؤسسية، وإدارات تنفيذية، وأنظمة للجودة والحوكمة، وخبرات في بناء المناهج والبرامج الإثرائية، وتدريب المعلمين، وقياس الأداء، والتحول الرقمي، وإدارة المرافق، والتسويق، وخدمة المستفيد.


وبعض هذه الشركات يدير اليوم شبكات من المدارس تضم آلاف الطلاب ومئات المعلمين والموظفين، وتتعامل مع التعليم بوصفه منظومة متكاملة لا مجرد فصول ومعلمين وكتب دراسية.


وهنا تحديدًا أرى أهمية التحول الذي يؤسس له النظام الجديد. فالسؤال لم يعد: من يقدم التعليم، الحكومة أم القطاع الخاص؟


هذه ثنائية تجاوزتها الاقتصادات الحديثة. السؤال الأهم أصبح: من يستطيع تقديم تعليم أفضل، بكفاءة أعلى، وفي إطار معايير الدولة وأهدافها ورقابتها؟


وهذا هو جوهر الشراكة التي نحتاج إليها. حين تدير شركة تعليمية خاصة مدرسة حكومية، فإن الدولة لا تتخلى عن مسؤوليتها عن التعليم، ولا تتحول المدرسة الحكومية إلى مدرسة خاصة، كما قد يتبادر إلى ذهن البعض.


الدولة تظل صاحبة السياسة والمعايير والمناهج الوطنية والرقابة والمساءلة، لكنها تستفيد من قدرة القطاع الخاص على التشغيل، وسرعة القرار، والمرونة الإدارية، واستقطاب الكفاءات، وتطوير الخدمات، وقياس النتائج. إنها ببساطة تنقل السؤال من: «كم ننفق على المدرسة؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «ماذا تحقق المدرسة مقابل ما ننفقه؟»


وهنا يدخل الاقتصاد إلى الفصل الدراسي. فالتعليم واحد من أكبر مجالات الإنفاق والاستثمار طويل الأجل، وأي تحسن في كفاءة تشغيل آلاف المدارس لا يمثل وفرًا ماليًا فقط، وإنما قيمة اقتصادية تتضاعف آثارها عبر السنوات.


فحين تستطيع جهة متخصصة أن تدير الموارد البشرية بصورة أفضل، وترفع كفاءة استخدام المبنى والتجهيزات، وتشتري الخدمات بطريقة أكثر مرونة، وتقلل الهدر التشغيلي، وتربط المكافأة بالأداء، وتستثمر التقنية في العمليات اليومية؛ فإننا لا نتحدث عن تخفيض تكلفة وحسب، وإنما عن إعادة توجيه المال من التشغيل غير الكفء إلى جودة التعليم نفسها.


وهذه، في تقديري، واحدة من الأفكار التي تنسجم بعمق مع التحولات الاقتصادية التي تعيشها المملكة في ظل رؤية السعودية 2030؛ فالدولة لم تعد تنظر إلى القطاع الخاص باعتباره مقاولًا ينفذ خدمة محددة، وإنما شريكًا في التنمية، وصانعًا للوظائف، ومصدرًا للابتكار، ورافعة لرفع كفاءة الإنفاق وجودة الخدمات.


لكنني، وأنا أنتمي إلى قطاع التعليم الخاص الآن، وأعرف حجم التطور الذي شهده، لا أرى أن مجرد كون الشركة «تعليمية» يجعلها مؤهلة لإدارة مدرسة حكومية. .!هذه النقطة مهمة جدًا.


فتح المجال للقطاع الخاص ينبغي ألا يتحول إلى سباق على العقود، وإنما إلى سباق على الكفاءة.


ليس المطلوب شركة تستطيع دفع الرواتب وتشغيل المبنى ووضع جدول الحصص. هذه أبسط وظائف الإدارة المدرسية. المطلوب شركة تستطيع أن تقدم نموذجًا تعليميًا أفضل؛ ترفع نواتج التعلم، وتصنع بيئة مدرسية جاذبة، وتطور المعلم، وتكتشف الموهبة، وتعالج التعثر، وتبني شخصية الطالب، وتستخدم التقنية بذكاء، وتتواصل مع الأسرة، وتقيس أثر كل ما تفعله.


بمعنى آخر: لا نريد «مشغّل مدارس»، وإنما صانع مدرسة جيدة.


وأظن أن شركات تعليمية سعودية وصلت بالفعل إلى درجة من النضج تجعلها قادرة على خوض هذا التحدي. لدينا اليوم خبرات تراكمت عبر عقود، وقيادات تعليمية سعودية متمرسة، وتجارب في الاعتماد المدرسي الوطني والدولي، وممارسات متقدمة في الجودة والحوكمة، ومدارس تنافس في المسابقات المحلية والدولية، وشركات استثمرت في التقنية والمحتوى والتدريب والأنشطة وبناء الهوية التعليمية. وما كان القطاع الأهلي يستورده كاملًا من الخارج قبل سنوات، أصبح اليوم قادرًا على تطوير جزء كبير منه محليًا، بل وتقديم نماذج تستحق أن تُنقل وتُدرس.


ولعل من الدلالات المهمة على هذا النضج أن هيئة تقويم التعليم والتدريب وقّعت في أبريل الماضي اتفاقيات للاعتماد المدرسي الوطني مع ثماني شركات تعليمية تشمل 38 مدرسة وأكثر من 5600 طالب وطالبة. هذه ليست نهاية الطريق بالتأكيد، لكنها مؤشر على انتقال القطاع من مفهوم الترخيص والتشغيل إلى ثقافة القياس والاعتماد والجودة والمساءلة.


ومع ذلك، فإن إدارة مدرسة حكومية ستكون الاختبار الحقيقي.


فالمدرسة الخاصة تعمل في سوق اختياري؛ ولي الأمر يستطيع أن يأتي إليها أو يغادرها. أما المدرسة الحكومية فهي مسؤولية وطنية تجاه كل طالب، باختلاف ظروفه وقدراته وبيئته الاجتماعية والاقتصادية. ولهذا فإن الشركة التي تنجح في مدرسة أهلية متميزة في مدينة كبيرة ليست بالضرورة قادرة تلقائيًا على إدارة مدرسة حكومية في قرية صغيرة، أو مدرسة ذات كثافة طلابية مرتفعة، أو بيئة تحتاج إلى تدخلات تربوية واجتماعية مختلفة.


ومن هنا أتمنى أن تبدأ التجربة السعودية – إذا مضت في هذا الاتجاه – بالنماذج لا بالتعميم.


يمكن اختيار مجموعة متنوعة من المدارس، وإسناد تشغيلها إلى شركات تعليمية مؤهلة بعقود قائمة على مؤشرات أداء واضحة: مستوى تحسن الطلاب، جودة التدريس، تطور أداء المعلمين، الانضباط، رضا الأسرة، الأنشطة، البيئة المدرسية، كفاءة الإنفاق، ونسبة التحسن السنوي. وبعد ثلاث أو خمس سنوات لا نسأل الشركة كم برنامجًا نفذت، ولا كم دورة تدريبية أقامت، وإنما نسأل السؤال الذي يستحقه الوطن: هل أصبحت هذه المدرسة أفضل؟


إذا كانت الإجابة نعم، فليتوسع النموذج. وإذا كانت لا، فالعقد نفسه يجب أن يسمح باستبدال المشغّل. وهذه إحدى أهم مزايا النموذج؛ فالدولة تحاسب على النتيجة، والشركة تعرف منذ اليوم الأول أن استمرارها مرتبط بما تصنعه داخل المدرسة لا بما تكتبه في تقاريرها.


وأرى كذلك أن هذه الخطوة يمكن أن تصنع قطاعًا اقتصاديًا تعليميًا سعوديًا جديدًا يتجاوز الصورة التقليدية للتعليم الأهلي. فبدل أن يكون نمو الشركات التعليمية مرتبطًا فقط بشراء الأراضي وبناء مدارس جديدة وجذب مزيد من الطلاب القادرين على دفع الرسوم، يصبح أمامها سوق آخر قائم على الخبرة التعليمية ذاتها: إدارة المدارس، تطوير المعلمين، المحتوى، القياس، التقنية التعليمية، الخدمات الطلابية، الأنشطة، الاستشارات والتشغيل.


وهنا قد تولد شركات سعودية متخصصة، ووظائف نوعية، واستثمارات جديدة، ومنتجات تعليمية قابلة للتصدير مستقبلًا إلى المنطقة. وقد نصل إلى يوم لا نتحدث فيه فقط عن مدرسة سعودية متميزة، وإنما عن نموذج سعودي في إدارة المدارس تستطيع شركاتنا تقديمه خارج المملكة أيضًا.


ولهذا فإنني أرى في النظام الجديد فرصة كبيرة للشركات التعليمية، لكنها في الوقت نفسه مسؤولية أكبر. فلقد أمضى القطاع الخاص سنوات طويلة يطالب بمزيد من التمكين والمرونة والثقة. واليوم، حين تفتح الدولة أمامه مساحة بهذا الحجم، يصبح عليه أن يثبت أنه لا يبحث عن حصة أكبر من سوق التعليم فقط، وإنما يستطيع أن يتحمل حصة أكبر من مسؤولية التعليم.


نعم، أعتقد أن شركاتنا التعليمية قادرة. لكن الشركة التي تستحق إدارة مدرسة حكومية ليست الأكبر مبنى، ولا الأكثر فروعًا، ولا الأعلى رسومًا، وإنما تلك التي تستطيع أن تتسلم مدرسة اليوم، ثم تعيدها بعد سنوات إلى الدولة وقد أصبح معلمها أفضل، وطالبها أكثر معرفة وثقة وشغفًا، وبيئتها أكثر جودة، وتشغيلها أكثر كفاءة.


عندها فقط لن يكون القطاع الخاص قد أدار مدرسة حكومية؛ سيكون قد شارك الدولة في صناعة مدرسة المستقبل.

00:00 | 23-08-2026

ثلاث درجات.. وطالب واحد!

طالب واحد، درس اثني عشر عامًا في مدارسنا، وتعلّم من مناهجنا، واختبر وفق أنظمتنا، ثم نصل معه إلى نهاية الرحلة فلا نستطيع أن نتفق على مستواه!


يحصل على 96% في الثانوية العامة، فنقول له: أنت متفوق. ويدخل اختبار القدرات لأكثر من مرة ويحصل على 74% كأفضل درجة، فتتغير الصورة. ثم يدخل الاختبار التحصيلي، فيخرج برقم ثالث. وحين يتقدم إلى الجامعة، نضع الأرقام الثلاثة في معادلة جديدة، ونخرج له برقم رابع اسمه «النسبة الموزونة»!


نحن أمام أدوات قياسية تقيس طالبًا واحدًا وتقدمان عنه صوراً مختلفة إلى حد كبير. وإذا كان هذا التفاوت يتكرر مع أعداد من الطلاب، فعلينا حينها ألا نحمّل الطالب وحده مسؤولية تفسيره، وإنما أن نراجع أدواتنا ومعاييرنا.


والسؤال الذي يستحق أن نطرحه بشجاعة: من نصدّق؟


هل المدرسة بالغت في تقدير الطالب طوال سنوات؟ أم أن اختبارًا معياريًا في ساعات محدودة لم يستطع أن يعكس مستواه الحقيقي؟


وإذا كانت لكل أداة فلسفتها وما تقيسه، فلماذا تبدو الفوارق أحيانًا كبيرة إلى درجة تجعل الطالب نفسه لا يعرف أين يقف؟


أنا مع اختبارات القياس، ومع وجود أدوات وطنية معيارية تحقق العدالة بين الطلاب، ولا أرى أن الحل في إلغاء اختبار القدرات أو التحصيلي. لكنني في الوقت نفسه أعتقد أن علينا ألا نتعامل مع الفجوة بين نتائج المدرسة وهذه الاختبارات وكأنها أمر طبيعي لا يستحق التوقف.


لأن المشكلة ليست في وجود ثلاثة اختبارات، بقدر ما هي في وجود ثلاث رسائل مختلفة تصل إلى الطالب عن مستواه.!


نحن هنا لا نتحدث عن أرقام فقط، وإنما عن ثقة طالب بنفسه، وعن خياراته الجامعية، وعن تخصص قد يحلم به سنوات ثم يكتشف عند بوابة الجامعة أن الـ96 التي كان يحتفل بها لم تعد 96، وأن تعريف التفوق الذي عاش معه في المدرسة مختلف عن تعريفه عند القبول الجامعي.!


وهنا يأتي السؤال الأصعب:


إذا كانت الدرجة المدرسية لا تستطيع وحدها أن تخبرنا عن مستوى الطالب، فلماذا لا نراجع طريقة بنائها؟


وإذا كانت اختبارات القدرات والتحصيلي تكشف فجوات لا تظهر في نتائج المدارس، فلماذا لا تعود نتائجها إلى المدرسة باعتبارها أداة تطوير، لا مجرد بوابة للجامعة؟


درجة الثانوية هي حصيلة سنوات من الدراسة والاختبارات والواجبات والمشاركة والتفاعل، بينما تقيس الاختبارات المعيارية جوانب أخرى في وقت محدد وبأدوات مختلفة. ومن الطبيعي لذلك ألا تتطابق النتائج تمامًا، لكن ليس من الطبيعي أن نتعايش مع فجوات كبيرة دون أن نسأل عن أسبابها.!


أتصور أننا بحاجة إلى مشروع وطني لتقليص هذه الفجوة، يبدأ من تحليل نتائج كل مدرسة ومقارنتها بنتائج طلابها في القدرات والتحصيلي.


فالمدرسة التي يتخرج منها الطلاب بمعدلات مرتفعة باستمرار بينما تأتي نتائجهم المعيارية أقل بكثير، تحتاج إلى أن تسأل نفسها: ماذا نقيس؟ وكيف نقيس؟ وهل درجاتنا تعكس فعلًا مستوى أبنائنا؟


وفي المقابل، يجب أن نستمر في تطوير الاختبارات المعيارية نفسها، ودراسة قدرتها على قياس ما نريد قياسه فعلًا، ومدى اتساقها مع ما يتعلمه الطالب ومع المهارات التي يحتاجها في الجامعة والحياة.


ليس المطلوب أن يحصل الطالب على 95 في كل اختبار. الاختلاف طبيعي، لأن أدوات القياس مختلفة. المطلوب ألا تكون المسافة بين هذه الأدوات واسعة إلى الحد الذي تجعلنا أمام ثلاث صور متناقضة لطالب واحد.!


لإن بعد اثني عشر عامًا من التعليم، يستحق أبناؤنا «كلمة سواء» بين المدرسة والقياس والجامعة؛ معيارًا أكثر اتساقًا، ودرجة أكثر صدقًا، وصورة يعرف الطالب من خلالها أين يقف فعلًا.


فلا المدرسة ينبغي أن تمنحه ثقة زائفة، ولا الاختبار ينبغي أن يسلبه ثقة يستحقها.


فالدرجة ليست مكافأة نمنحها للطالب كي يسعد، وليست عقوبة نخفضها كي نثبت صرامتنا؛ إنها رسالة نقول له من خلالها: هذا مستواك، وهذه قدراتك، وهذا ما تحتاج إلى تطويره.


طالب واحد، ومنظومة تعليمية واحدة، ووزارة واحدة؛ فلماذا لا نقترب من معيار واحد يقول له بصدق:


هذا أنت.. وهذا ما تملك.. ومن هنا تبدأ.؟!

00:08 | 16-08-2026

لماذا لا نستثمر في المعلم؟

في كل مرة يثار فيها الحديث عن تطوير التعليم، تتكرر الكلمات ذاتها: الخطط، والإستراتيجيات، والمسارات، والحوكمة، والكفاءة، والمؤشرات، والدمج، وإعادة الهيكلة، والتحول الرقمي. وكأن مستقبل التعليم كله يكمن في اللوائح والبرامج والأنظمة.

لكن السؤال الذي يتوارى دائماً خلف هذا الضجيج الإداري هو: ماذا قدمنا للمعلم نفسه؟

فالمدرسة ليست مبنى، ولا منصة، ولا مؤشراً رقمياً، هي إنسان يقف كل صباح أمام طلابه، يحمل على كتفيه مسؤولية بناء الأجيال. وإذا كان الجميع يتفق على أن المعلم هو حجر الزاوية في العملية التعليمية، فلماذا لا ينعكس هذا الاتفاق في المزايا التي يحصل عليها؟

معظم الموظفين في القطاعات المختلفة يجدون أمامهم أبواباً متعددة لتحسين دخلهم؛ مكافآت، وبدلات، وحوافز، وبرامج تميز، وفرص استشارية، أو مزايا وظيفية متنوعة. أما المعلم، ففي الغالب لا ينال سوى راتبه الشهري، مهما اجتهد أو تميز أو ابتكر.

لماذا لم نفكر يوماً في صناعة مصادر دخل إضافية للمعلم ترتبط بخبرته ومهنته؟ لماذا لا يكون للمعلم نصيب من البرامج الوطنية، أو المشاريع التعليمية، أو المحتوى الرقمي، أو الاستشارات التربوية، أو المبادرات المجتمعية التي تستثمر خبراته؟ إن الاستثمار في المعلم ليس منحة، إنما استثمار في جودة التعليم نفسها.

ومن المؤلم أن يتحول بعض المعلمين إلى باحثين دائمين عن الجوائز المحلية أو الإقليمية والدولية، ليس لأن التنافس العلمي غاية بحد ذاته، وإنما لأن الجائزة قد تمنحهم عائداً مالياً يعوض شيئاً من احتياجاتهم. فالجوائز وجدت للاحتفاء بالتميز، لا لتصبح وسيلة لتحسين الدخل.

والأشد إيلاماً، أن يضطر معلم آخر إلى ممارسة عمل إضافي بعد انتهاء دوامه، أو في عطلاته، ليؤمن مستوى معيشياً أفضل لأسرته. حينها لا نخسر وقت المعلم فحسب، ولكن نخسر جزءاً من طاقته الذهنية، وشغفه، وقدرته على التجديد داخل الفصل الدراسي. فالمعلم الذي ينشغل بالبحث عن مصدر رزق آخر، لا لأنه يرغب، بقدر ما هو مضطر لذلك، يرسل لنا رسالة تستحق أن نتوقف عندها ونحن نتحدث عن جودة التعليم

والأمر لا يقف عند ذلك. فكل عام نحتفل بالمعلم، ونكتب عنه أجمل العبارات، ونقيم حفلات التكريم، ونمنحه الدروع والشهادات. لكنها، في النهاية، تظل مكافآت معنوية تنتهي بانتهاء المناسبة. أما التكريم الحقيقي فهو أن يشعر المعلم بأن مهنته تمنحه جودة حياة أفضل، وفرصاً أكبر، ومستقبلاً أكثر استقراراً.

وهناك سؤال آخر يستحق أن يُطرح بهدوء وموضوعية، خاصة مع توسع نماذج التوظيف عبر الشركات في بعض الأعمال المرتبطة بالتعليم، وما يتردد بين الحين والآخر عن التوجه نحو أنماط تعاقدية أكثر مرونة. فإذا كان هذا هو المسار المستقبلي، فلماذا لا تكون مهنة التعليم نموذجاً جاذباً للعقود لا أقل منها؟ ولماذا لا يتمتع المعلم بالمزايا التي اعتاد أن يحصل عليها أصحاب العقود في كثير من القطاعات الأخرى، من حوافز أداء، وتأمينات ومزايا تنافسية، وفرص نمو وظيفي أكثر مرونة؟ إن القضية ليست في نوع العقد بقدر ما هي في القيمة التي يمنحها المجتمع لمن يحمل رسالة التعليم. فإذا كنا نتطلع إلى استقطاب أفضل الكفاءات والمحافظة عليها، فإن أي نموذج وظيفي جديد يجب أن يبدأ من جعل مهنة التعليم أكثر جاذبية، لا مجرد تغيير شكل العلاقة الوظيفية.

وثمة سؤال لا يقل أهمية: إلى متى سيظل دوام المعلم وإجازاته تحت المجهر، وكأنهما المشكلة الكبرى في التعليم؟ فبين حين وآخر يظهر نقاش جديد حول البصمة، أو تمديد وقت الدوام، أو تقليص الإجازات، أو تشديد إجراءات الحضور والانصراف، بينما يغيب النقاش نفسه عن طبيعة المهنة وما تتطلبه من جهد ذهني ونفسي يمتد إلى ما بعد نهاية اليوم الدراسي.

فالمعلم لا يغادر عمله عندما يغلق باب الفصل؛ إذ يصحح، ويخطط، ويتابع، ويتواصل مع أولياء الأمور، ويحمل هم طلابه معه إلى المنزل. والمطلوب ليس إعفاء المعلم من الالتزام، فالالتزام أساس كل مهنة، وإنما أن ننظر إلى مهنته بوصفها من أكثر المهن استنزافاً للإنسان، وأن نبني أنظمة الدوام والإجازات على فهم طبيعة هذه الرسالة، لا على افتراض أنها وظيفة مكتبية يمكن قياسها بساعات الحضور وحدها.

لابد أن نعلم أن الإجازة السنوية أو الفصلية، هي حق إنساني قبل أن تكون ميزة وظيفية. ومع ذلك، يبقى المعلم من أقل الموظفين قدرة على اختيار توقيت إجازته، إذ تفرض عليه في وقت محدد لا يملك تغييره، مهما كانت ظروفه الأسرية أو الصحية أو الاجتماعية. وقد يكون هذا مناسباً لتنظيم العام الدراسي، لكنه لا يمنع من التفكير في حلول أكثر مرونة تمنح المعلم مساحة أوسع لإدارة حياته.

حتى برامج التطوير المهني تحتاج إلى مراجعة. فكم من معلم يدخل دورة تدريبية لأنها إلزامية لا لأنها ملهمة؟ وكم منها يُقدَّم في أوقات الإجازات، في الوقت الذي ينتظر فيه المعلم أن يستعيد شيئاً من راحته بعد دوام يوم مدرسي شاق أو بعد عام دراسي طويل؟ التدريب الحقيقي ليس ساعات حضور، هو تجربة معرفية ممتعة، يقدمها أفضل الخبراء، وتفتح أمام المعلم آفاقاً جديدة، لا أن تتحول إلى عبء إضافي.

لقد أنفقنا كثيراً على تطوير المناهج، والمنصات، والاختبارات، والأنظمة، وهذا أمر مهم، لكن الاستثمار الأكبر ينبغي أن يكون في الإنسان الذي يمنح كل هذه المشاريع الحياة. فالمعلم الراضي، والمحفَّز، والمطمئن مادياً ومهنياً، هو القادر على تحويل أي خطة إلى واقع.

ربما حان الوقت لأن يتغير السؤال. بدلاً من أن نسأل: كيف نطور التعليم؟ لنسأل أولاً: كيف نجعل مهنة التعليم أفضل مهنة يمكن أن يحلم بها الشاب السعودي؟

فحين يصبح المعلم هو المشروع الأول، ستصبح بقية المشاريع أكثر نجاحاً، وأقل تكلفة، وأطول أثراً.

00:00 | 9-08-2026

حين تعيش الإدارة في الوهم... تموت المؤسسات بصمت

في كل بيئة عمل هناك معركة لا تُرى في التقارير الرسمية، ولا تظهر في العروض البراقة، ولا تتحدث عنها نشرات الإنجاز السنوية.


معركة يعيشها القائد الحقيقي حين يجد نفسه محاصراً بإدارة عليا لا تعرف الواقع، ولا تسمع الميدان، ولا تشعر بالمعاناة اليومية التي تُستهلك فيها الأعصاب والأعمار.


أسوأ ما يمكن أن يواجهه القائد ليس ضعف الفريق، ولا قلة الإمكانات، ولا حتى ضغط السوق، بل أن يعمل تحت إدارة تعيش في فضاء مختلف، تتحدث بلغة لا تشبه الناس، وتبني قراراتها على أحلام معلبة وشعارات محفوظة، بينما الأرض تحترق وتهتز تحت أقدام العاملين.


تجدهم مولعين بعبارة «التفكير خارج الصندوق»، وكأن الصندوق الحقيقي هو الواقع نفسه..!


يريدون حلولاً مبهرة، وقفزات خارقة، وتحولات فورية، بينما الموظف بالكاد يجد نظاماً مستقراً أو صلاحيات واضحة أو بيئة عمل آدمية تساعده على الإنجاز.


وحتماً الإدارة التي لا تنزل للميدان تتحول مع الوقت إلى ماكينة تنظير لا تمت للواقع بصلة.


اجتماعات طويلة، عروض ملونة، كلمات ضخمة عن الرؤية والاستدامة والابتكار، ثم حين تقترب من التفاصيل تكتشف أن لا أحدَ يعرف ماذا يحدث فعلاً داخل كيانات المؤسسة.


بعض القيادات العليا وليست التنفيذية، لا تدير المؤسسات، بل تدير الوهم!


يبيعون الحلم للمالكين، وللإعلام، وللموظفين، وأحياناً لأنفسهم أيضاً.


يتحدثون عن «التحول الكبير»، بينما الموظفون غارقون في التخبّط..


يتحدثون عن «تمكين الإنسان»، بينما أفضل الكفاءات تفكر يومياً في الاستقالة!


يتحدثون عن «ثقافة النجاح»، بينما بيئة العمل نفسها طاردة لأي شخص صادق يريد أن يعمل بضمير.


ثم تأتي اللحظة المعتادة في نهاية العام.


تتعثر المشاريع. تفشل الخطط. تتبخر الوعود. فتبدأ مسرحية التنصل الكبرى.


فجأة يصبح الخطأ خطأ «الفريق التنفيذي»، ويتحول القائد الميداني إلى كبش فداء، ويُقال بكل برود: «لم نجد فريقاً قادراً على تحقيق الرؤية».


أي رؤية هذه التي وُلدت أصلاً بعيداً عن الواقع؟


وأي خطط تلك التي صاغتها مكاتب مغلقة لا تعرف كيف يعيش الموظفون فعلاً؟


المؤلم أن كثيراً من المؤسسات لم تعد تثق بخبرة أبنائها، بل أصبحت تؤمن أكثر بالشركات الاستشارية التي تبيع الكلام الفخم في قوالب أنيقة.


ملايين تُدفع لدراسة «الواقع»، بينما الموظف البسيط كان قادراً أن يشرح المشكلة الحقيقية في عشر دقائق لو أن أحداً قرر الاستماع إليه. لكن الاستماع للفريق المجتهد متعب ومضيعة للوقت. أما التعاقد مع شركة استشارية فمريح؛ لأنه يمنح الإدارة العليا غطاءً أنيقاً للفشل القادم.


والكارثة أن هذه النوعية من القيادات لا تخسر المشاريع فقط، بل تخسر البشر!


تخسر القادة الحقيقيين الذين يمشون على الأرض. تخسر أصحاب الخبرة الذين يعرفون تفاصيل العمل. تخسر المخلصين الذين تعبوا وهم يحاولون حماية المؤسسات من الانهيار البطيء.


ومع الوقت، لا يبقى إلا المصفقون، الذين يجيدون ترديد المصطلحات الحديثة، والتقاط الصور، وكتابة التقارير الوردية، بينما الحقيقة في الداخل مختلفة تماماً.


المؤسسات بكل تخصصاتها لا تنهار دائماً بسبب قلة المال، بل تنهار أحياناً بسبب فائض الوهم.


وحين تصبح الإدارة العليا منفصلة عن الناس، فإن كل شيء يتحول إلى عرض مسرحي ضخم: أهداف لا تُحقق، خطط لا تُنفذ، اجتماعات لا تنتهي، وموظفون يزدادون إنهاكاً يوماً بعد يوم.


القائد الحقيقي لا يحتاج أن يفكر «خارج الصندوق» طوال الوقت. أحياناً كل ما يحتاجه أن ينزل إلى الأرض، أن يسمع، أن يرى، أن يعيش الواقع كما هو، لا كما يظهر في شرائح البوربوينت؛ لأن المؤسسات لا تُدار بالشعارات، ولا بالأحلام المباعة بالجملة، ولا بالتنظير الفج.


المؤسسات تُدار بالبشر، وحين نخسر البشر، نخسر كل شيء.


ومن أكثر المشاهد قسوة داخل المؤسسات، أن تتحول «كفاءة الإنفاق» إلى سكين يُسلَّط فقط على الموظفين والقيادات الوسطى، بينما تبقى امتيازات الإدارة العليا منطقة محرّمة لا يقترب منها أحد.


ففجأة تبدأ قرارات التقشف: تقليص حوافز، إلغاء بدلات، تجميد ترقيات، ضغط على الرواتب، وتحميل الموظفين أعباء إضافية تحت شعارات «إعادة الهيكلة» و«رفع الكفاءة».


لكن المثير للسخرية أن هذه الصرامة المالية لا تصل أبداً إلى المكاتب العليا، ولا تمس المكافآت الضخمة، ولا العقود الفاخرة، ولا النسب التي تُصرف وكأن المؤسسة حق خاص لفئة محددة.


الأسوأ أن بعض الإدارات تتعامل مع الموظفين وكأنهم بند تكلفة يجب خنقه، لا بشراً يحملون المؤسسة على أكتافهم كل يوم.


يرون أن النجاح الحقيقي هو كم استطاعوا اقتطاعه من جيوب من تحتهم، لا كم استطاعوا بناء بيئة تحفظ الكرامة والعدالة والانتماء.


وحين يشعر العاملون أن التقشف لا يُطبق إلا عليهم، وأن «الكعكة» محفوظة دائماً للأعلى، فإن الولاء يموت بصمت، ويتحول العمل إلى مجرد حضور بارد بلا روح؛ لأن الإنسان قد يتحمل التعب، لكنه نادراً ما يغفر الظلم.


ولهذا، فإن مسؤولية إنقاذ المؤسسات لا تقع على الموظفين وحدهم، ولا على القادة الميدانيين الذين يُستنزفون كل يوم وهم يحاولون ترميم ما تُفسده القرارات البعيدة عن الواقع.


المسؤولية الحقيقية تبدأ من مجالس الإدارات والمساهمين؛ لأن الصمت الطويل على القيادات المنفصلة عن الميدان لا يصنع نجاحاً، بل يصنع انهياراً مؤجلاً.


على مجالس الإدارات أن تسأل بصدق: هل تصلنا الحقيقة كما هي، أم كما يريد البعض تلميعها؟


هل تُقاس النتائج بواقع المؤسسة، أم بعدد العروض والاجتماعات والشعارات؟


هل تُحمى الكفاءات، أم تُدفع بصمت نحو الاستقالة والإحباط؟


وهل أصبحت بعض المناصب العليا وسيلة لحماية الامتيازات الشخصية أكثر من كونها مسؤولية أخلاقية ومهنية؟


المؤسسات لا تحتاج مزيداً من الخطب الحالمة، تحتاج قيادات تمشي على الأرض، تعرف الناس، وتفهم الألم قبل أن تكتب الخطة.


وحين تغيب الرقابة الحقيقية، وتُترك المؤسسات رهينة للوهم والتنظير وحماية المصالح، فإن الخسارة لا تكون في الأرقام فقط، بل ستكون في البشر الذين كانوا يوماً قادرين على صنع الفرق ثم غادروا بصمت.


فالموظف قد يصبر على ضغط العمل، وعلى قلة الموارد، وعلى صعوبة الطريق، لكنه لا يستطيع أن يعمل طويلاً تحت إدارة لا تراه، ولا تسمعه، ولا تشعر أصلاً بوجوده.

00:00 | 2-08-2026

نظام التعليم الجديد.. والبداية التي لم تكتمل بعد

ليست الأنظمة الكبرى تلك التي تثير الجدل يوم صدورها، ولكنها التي يتضح أثرها بعد سنوات من تطبيقها. ونظام التعليم العام الجديد ينتمي إلى هذا النوع من الأنظمة؛ فهو لا يمثل مجرد تحديث تشريعي، بقدر ما هو بداية مرحلة جديدة في تاريخ التعليم السعودي، بعد أكثر من خمسين عاماً من العمل بالسياسة العامة للتعليم المقرة سابقاً. غير أن هذه البداية، على أهميتها، لم تكتمل بعد.


فالذي صدر مؤخراً، هو الإطار النظامي العام، أما الصورة النهائية فلن تكتمل إلا عندما تصدر اللوائح التنفيذية، وتتحول النصوص إلى ممارسات داخل المدرسة، ويعرف المعلم، ومدير المدرسة، وولي الأمر، والمستثمر، كيف ستنعكس هذه المواد على واقع التعليم اليومي.


إن إلغاء السياسة العامة للتعليم ليس مجرد إلغاء لوثيقة تنظيمية، هو إعلان عن انتقال التعليم من مرحلة كانت تُدار بوثيقة مرجعية استمرت عقوداً، إلى مرحلة أكثر مرونة، يصبح فيها النظام هو الإطار، بينما تمنح اللوائح التنفيذية القدرة على مواكبة المتغيرات دون الحاجة إلى انتظار نصف قرن آخر لإعادة البناء. وهذه في تقديري إحدى أهم الرسائل التي يحملها النظام الجديد.


ولعل أهم ما يميز هذا النظام أنه لم يستبدل وثيقة بأخرى، ويلغي جميع القرارات ويجعلها في قرار واحد، إنما غيّر فلسفة التشريع التعليمي نفسها. فالسياسة العامة للتعليم كانت إطاراً مرجعياً طويل الأمد، أما النظام الجديد فقد بنى هيكلاً تشريعياً أكثر مرونة، يضع المبادئ الكبرى، ويترك للوائح التنفيذية مساحة واسعة للتطوير كلما تغيرت احتياجات المجتمع وسوق العمل. وهذا في حد ذاته انتقال من تعليم يتغير كل عدة عقود، إلى تعليم يستطيع أن يراجع أدواته باستمرار دون الحاجة إلى إعادة بناء المنظومة من جديد.


ومن يقرأ مواده يلحظ أن التعليم لم يعد يُنظر إليه باعتباره خدمة تقدمها الدولة فحسب، بل حقاً يكفله النظام لكل طفل، حين أكد مجانية التعليم في المؤسسات الحكومية، وجعل التعليم الإلزامي يمتد حتى الخامسة عشرة، مع تحميل الجهات المختصة مسؤولية التعامل مع كل من يحرم طفلاً من هذا الحق أو يتسبب في انقطاعه عنه. وهذه ليست مادة نظامية عابرة، هي تحول في النظرة إلى التعليم باعتباره أحد الحقوق الأساسية التي تقوم عليها التنمية.


وفي المقابل، حمل النظام تحولاً اقتصادياً لا يقل أهمية عن التحول التربوي، عندما فتح المجال بصورة أوسع لمشاركة القطاع الخاص، ولم يقتصر الأمر على تنظيم المؤسسات التعليمية الخاصة، بل امتد إلى الاستثمار في الأصول التعليمية، وإتاحة نماذج جديدة لإدارة بعض المدارس الحكومية. وهنا يبرز سؤال مشروع، لا يحمل رفضاً ولا تأييداً: هل المجتمع مستعد لهذه المرحلة؟


في تقديري أن القضية لا تتعلق بقدرة القطاع الخاص على الإدارة؛ فقد أثبت نجاحه في قطاعات عديدة. لكن المدرسة الحكومية ليست مشروعاً تجارياً بالمعنى التقليدي، هي مؤسسة ترتبط بثقة الأسرة، وبمفهوم العدالة التعليمية، وبحق الطفل في الحصول على تعليم مجاني وعالي الجودة.


لذلك فإن نجاح هذه الخطوة لن يقاس بصدور النص النظامي، وإنما بقدرة التطبيق على طمأنة المجتمع بأن جودة التعليم، وتكافؤ الفرص، والهوية الوطنية، ستظل مبادئ ثابتة، مهما اختلفت نماذج التشغيل.


ومن الجوانب اللافتة أيضاً أن النظام لم يعد ينظر إلى التعليم باعتباره مسؤولية وزارة التعليم وحدها، حيث جعله مشروعاً تشترك فيه جهات متعددة، من الاقتصاد والاستثمار والمالية والصحة والثقافة، إلى القطاعين الخاص وغير الربحي. وهذه ليست مجرد إعادة توزيع للاختصاصات، وإنما تعبير عن قناعة جديدة بأن التعليم أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية، لا قضية تعليمية فقط.


لكن يبقى السؤال الأهم: هل يكفي النظام وحده لإحداث التحول المنشود؟ الإجابة، في رأيي، هي: لا.


فالأنظمة ترسم الاتجاه، لكنها لا تصنع الواقع. والمواد النظامية تضع المبادئ، أما التفاصيل التي يعيشها الميدان فتولد داخل اللوائح التنفيذية.


ولهذا أحال النظام كثيراً من القضايا إلى لوائح وضوابط ستصدر تباعاً، وهي التي ستجيب عن الأسئلة التي يتداولها المختصون اليوم:


كيف ستدار المدارس الحكومية إذا تولى تشغيلها القطاع الخاص؟ وما حدود صلاحيات القيادات المدرسية؟ وكيف ستنظم العلاقة مع المعلمين؟ وما شكل التقويم، والمسارات، والاعتماد، وجودة الأداء؟


لهذا أعتقد أن المئة والثمانين يوماً المقبلة ستكون أهم من يوم صدور النظام نفسه. ففيها ستتضح الفلسفة التنفيذية، وستظهر قدرة اللوائح على ترجمة المبادئ إلى واقع عملي، وستبدأ المنظومة التعليمية أول اختبار حقيقي لهذا التحول.


بعد أكثر من خمسين عاماً لي في التعليم طالبة وموظفة، يمكنني القول إن المملكة لم تغيّر نظاماً للتعليم بقدر ما أعادت تعريف الطريقة التي يُدار بها التعليم. غير أن الطريق ما زال في بدايته. فنجاح هذا النظام لن يقاس بعدد مواده، ولا بحجم ما أحدثه من اهتمام، ولكن بقدرته على أن يصبح جزءاً من الحياة اليومية داخل المدرسة، وأن يشعر الطالب بتحسن تعليمه، ويجد المعلم بيئة أكثر تمكيناً ورفاهية وحافزاً، وتلمس الأسرة جودة أعلى، ويرى المجتمع أن التعليم السعودي انتقل فعلاً من مرحلة الإصلاح إلى مرحلة التجديد المستدام.


لذلك، فإن الحكم على النظام اليوم سيكون متعجلاً، تماماً كما أن الاحتفاء به باعتباره حلاً نهائياً سيكون مبالغة!


لقد انتهت مرحلة كتابة النظام، وبدأت مرحلة أصعب؛ مرحلة كتابة اللوائح، ثم اختبارها في الميدان. وخلال المئة والثمانين يوماً المقبلة ستتضح ملامح كثيرة ما زالت معلقة: كيف ستدار المدارس؟ وكيف ستنظم الشراكات؟ وكيف ستوازن المنظومة بين حق الطفل في التعليم، ودور الاستثمار، وجودة المخرجات؟ عندها فقط سنعرف إن كنا أمام نظام جديد فحسب، أم أمام تعليم جديد بالفعل؟


فالنظام صدر.. أما التعليم الجديد، فما زال يبدأ.

00:02 | 26-07-2026

أمس.. زُفَّ بعضُ الياسمين

أمس زُفَّت ابنتي شهد لزوجها الغالي عبدالعزيز..

وأنا أكتب اليوم، لا أشعر أن يوماً واحداً فقط يفصلني عن تلك اللحظة. كأنني عبرت عمراً كاملاً في ليلة واحدة.

ليلة أمس كانت ترتدي ثوبها الأبيض، وكانت تبتسم تلك الابتسامة التي تعرفها الأمهات جيداً؛ مزيج من الفرح والحياء والدهشة.

أما أنا، فكنت أنظر إليها وأرى كل النسخ القديمة منها مجتمعة في وجهها: الطفلة التي كانت تركض نحوي، والتلميذة التي كانت تخبئ أوراقها في حقيبتي، والشابة التي كبرت بهدوء حتى وقفت أمامي امرأة تستعد لبدء حكايتها الخاصة.

في تلك الليلة التي تسبق زواج الابنة الوحيدة، لا تشعر الأم بأنها تفقد أحداً، ولا بأنها تودّع أحداً. إنها تقف فقط على حافة زمنين؛ زمن كانت فيه يد صغيرة تتعلق بأصابعها، وزمن ستصبح فيه تلك اليد قادرة على أن تمسك حياة كاملة وحدها.

هذه الليلة ليست ليلة حزن، هي ليلة دهشة. كيف مرّت السنوات بهذه السرعة؟ كيف تحوّلت تلك الطفلة التي كانت تنام على كتفها إلى امرأة ترتدي ثوبها الأبيض وتمضي نحو بيت آخر؟

الأم في هذه الليلة لا تبكي على الرحيل، إنما تتأمل الرحلة. تتذكر أول يوم حملتها فيه، أول ضحكة، أول كلمة، أول حقيبة مدرسية، أول نجاح، أول انكسار، وكل المرات التي كانت تركض إليها لتختبئ من العالم بين ذراعيها. ثم تكتشف فجأة أن الأمومة ليست أن نُبقي أبناءنا معنا إلى الأبد، ولكن أن نُعدّهم جيداً للحظة التي يستطيعون فيها أن يرحلوا.

وما أجمل هذا الرحيل حين يكون امتداداً للحب، لا انقطاعاً عنه.

أكتب هذه الكلمات، بينما يبدو كل شيء حولي هادئاً على غير عادته، إلا قلبي. ليس فيه حزن، وليس فيه فرح كامل أيضاً. إنه شعور يصعب تسميته؛ شيء يشبه الوقوف على ضفة عمر طويل، والنظر إلى السنوات وهي تمضي أمامي كأنها مشهد واحد.

أتساءل: متى كبرت ابنتي شهد؟

متى عبرت كل تلك الأعوام التي كانت فيها طفلة تمسك يدي، وتسألني عن الأشياء الصغيرة، وتملأ البيت بصوتها وضحكتها وحكاياتها؟

الأمهات لا ينتبهن إلى الزمن. نحن نقيس العمر بطريقة مختلفة؛ بأول خطوة، وأول شهادة نجاح، وأول حفلة ميلاد، وأول مرة تنام فيها ابنتنا بعيداً عنا. نكتشف فجأة أن الأيام لم تكن أياماً، بل كانت خيوطاً هادئة تنسج إنساناً جديداً.

لم يكن الأمس يوم زفاف فقط. كان يوماً تجلس فيه الأم مع الزمن وجهاً لوجه. تكتشف أن السنوات لم تضِع، وأن التعب لم يذهب سدى، وأن كل لحظة حب، وكل نصيحة، وكل خوف، وكل دعاء، كانت تبني هذه اللحظة دون أن تشعر.

أمس، أدركت أن الأمومة ليست أن نحتفظ بأبنائنا قريبين منا، بل أن نمنحهم من الحب ما يكفي ليذهبوا إلى حياتهم مطمئنين. وأن نجاح الأم لا يقاس بقدرتها على الإمساك، ولكن بقدرتها على الإطلاق.

غداً، ستبدأ ابنتي شهد فصلاً جديداً من حياتها، وأدرك الآن أن أجمل ما في الأمومة أنها تعلمنا فن الإفلات الجميل. أن نربي أبناءنا جيداً، ثم نمنحهم شجاعة الذهاب إلى حياتهم الخاصة.

بعد أن هدأ كل شيء، وعدت إلى البيت، كان المكان هو المكان نفسه، لكن شيئاً رقيقاً تغيّر فيه.

غرفة شهد ما زالت كما هي. كتبها في مكانها. تفاصيلها الصغيرة ما زالت تنبض بحضورها.

لكنني شعرت أن البيت قد تعلّم معنى جديداً للفراغ؛ ذلك الفراغ الذي لا يؤلم، بل يدعو إلى التأمل.

لقد كبرت ابنتي.

وهذه هي الحقيقة التي كانت تختبئ في كل السنوات الماضية.

أمس، لم تغادرني شهد. فالبنات لا يغادرن أمهاتهن أبداً. إنهن فقط يوسعن حدود القلب، ويمنحنه عنواناً آخر للحب.

أمس، زُفَّ بعض الياسمين إلى بيت جديد، وبقي عطره هنا.. في كل زاوية، وفي كل ذكرى، وفي قلب أمٍ تعرف الآن أن أجمل الأدوار في الحياة هي تلك التي نؤديها بحب، ثم نقف جانباً لنرى ثمارها تمضي لتصنع ربيعها الخاص.

في هذه الليلة بعد أن عدت من الزواج، مررت بين الغرف ببطء. نظرت إلى أشياء كثيرة لا تعني لأحد شيئاً، لكنها بالنسبة لي عمر كامل: كتاب قديم، صورة عابرة، قطعة صغيرة نسيتها شهد منذ سنوات. كم يبدو البيت ممتلئاً بالذكريات! وكم يبدو القلب ممتلئاً بالامتنان.

الامتنان لله أولاً، لأنه منحني شرف أن أكون أماً لهذه الفتاة الجميلة، ثم منحني لحظة أراها فيها وهي تبدأ حياتها بثقة ومحبة.

أدرك الآن أن البنات يشبهن الياسمين؛ لا يمكن احتجازه في حديقة واحدة. يكبر، ويزهر، ثم يمضي ليعطر مكاناً آخر.

وغداً.. سيمضي بعض ياسميني إلى بيته الجديد.

أما أنا، فسأبقى هنا، أبتسم لكل السنوات التي مرت، وأهمس في سري: اذهبي يا شهد.. وكوني كما كنتِ دائماً.. نوراً هادئاً، وقلباً يشبه الربيع، وأثراً طيباً يترك الياسمين في كل درب يمر به

بارك الله لك يا شهد أيامك المقبلة، وجعل بيتك عامراً بالمودة والسكينة، وجعل فرحي بك ممتداً بامتداد دعائي لك.

فالأمهات، في النهاية، لا يملكن إلا هذا الفن الجميل: أن يزرعن الورد في قلوب أبنائهن، ثم يبتسمن عندما يرينه يزهر في مكان آخر.

00:00 | 19-07-2026

جيلٌ يقرأ بصعوبة.. فمن المسؤول؟

حين يصل طالب أو طالبة إلى نهاية المرحلة الابتدائية وهو لا يقرأ بطلاقة، أو يكتب فقرة مليئة بالأخطاء، أو يعجز عن التعبير عن فكرة بسيطة بلغة سليمة، فهذه ليست مشكلة طالب، هي مشكلة نظام تعليمي ينبغي أن يتوقف أمام نفسه بشجاعة.


ليس من المقبول أن نقنع أنفسنا بأن هذه حالات فردية، بينما الميدان التربوي يشهد، عاماً بعد آخر، تراجعاً ملحوظاً في مهارات القراءة والكتابة لدى أعداد ليست قليلة من الطلاب والطالبات. والمعلمون والمعلمات يعرفون ذلك، وأولياء الأمور يلمسونه، والجامعات بدأت تستقبل أثره، وسوق العمل سيدفع ثمنه لاحقاً.


وأقول هذا من واقع تخصصي في اللغة العربية، ومن خلال سنوات طويلة قضيتها في تدريسها. لقد أصبحت أؤمن أن اللغة العربية خسرت كثيراً حين فقدت هويتها بوصفها مجموعة مهارات متكاملة، لكل واحدة منها وقتها وأهميتها، وتحولت إلى منهج واحد يحاول أن يفعل كل شيء في وقت لا يكفي لشيء.


كان الخط درساً يُربّي الصبر والدقة، ولم يكن مجرد تحسين للشكل. وكان الإملاء تدريباً يومياً يصنع الثقة في الكتابة، لا اختباراً عابراً. وكانت القراءة مشروعاً متدرجاً لبناء قارئ، لا مجرد نصوص تُقرأ ثم تُطوى صفحاتها. وكان التعبير مساحة يتعلم فيها الطالب كيف يفكر قبل أن يتكلم، وكيف يرتب أفكاره قبل أن يكتبها. ثم تأتي القواعد والنحو والأدب والبلاغة بعد أن يقف الطالب على أرض لغوية صلبة.


أما اليوم، فقد ازدحمت المهارات داخل كتاب واحد، وضاق الزمن عنها جميعاً، فخرجت مهارات أساسية من الصفوف الأولى وهي لم تكتمل بعد. وحين يضعف الأساس، لا ينبغي أن نستغرب ضعف البناء كله.


ليس المطلوب أن نحشو الطلاب بمعلومات أكثر، بقدر أن نمنحهم وقتاً أطول لإتقان المهارات التي لا غنى عنها. فاللغة لا تُكتسب بسرعة، ولا تُبنى بالمشروعات والأنشطة وحدها، وإنما بالممارسة اليومية، والتكرار، والتقويم المستمر، والتدرج الذي يحترم طبيعة التعلم.


إن أكبر خطأ يمكن أن نقع فيه هو أن نتعامل مع ضعف القراءة والكتابة بوصفه مشكلة معلم، أو طالب، أو أسرة. الحقيقة أن القضية أكبر من ذلك بكثير. إنها قضية منهج، وأولويات، وفلسفة تعليم وقرار من جهة أعلى. فاللغة العربية ليست مادة ضمن الجدول، هي الأداة التي يتعلم بها الطالب جميع المواد الأخرى. وإذا تعطلت الأداة، تعطل ما بعدها.


لسنا بحاجة إلى الدفاع عن اللغة العربية لأنها لغة القرآن فحسب، بل لأنها لغة التفكير أيضاً. فالطالب الذي لا يقرأ جيداً لن يفهم جيداً، والذي لا يكتب جيداً لن يعبر عن نفسه جيداً، والذي لا يمتلك لغة قوية لن يمتلك أدوات التعلم التي يحتاجها في كل تخصص، مهما كان.


لقد آن الأوان أن نسأل السؤال الذي تجنبناه طويلاً: هل حققت طريقة تقديم اللغة العربية اليوم النتائج التي كنا نطمح إليها؟ وإذا كانت الإجابة لا، فلماذا نخشى المراجعة؟


مراجعة المناهج ليست اعترافاً بالفشل، هي احترامٌ للنتائج. والقرارات التربوية لا تُقاس بحسن النوايا، وإنما بما تصنعه في عقول الطلاب والطالبات.


أعيدوا للغة العربية شخصيتها. أعيدوا للخط مكانته، وللإملاء حضوره، وللتعبير مساحته، وللقراءة زمنها، وللكتابة تدريبها. لا لأننا نريد استنساخ الماضي، ولكن لأننا نريد مستقبلاً يتخرج فيه الطالب والطالبة وهما يمتلكان أول حق من حقوقهما التعليمية: أن يقرآ، وأن يكتبا، وأن يفكرا بلغتهما بثقة واقتدار.


ولنتذكر أن كل إصلاحٍ تعليمي يبدأ من اللغة، وكل تعثرٍ فيها يمتد أثره إلى كل مادة، وكل جامعة، وكل مهنة، وكل مستقبل. فليس مؤلماً أن يخطئ الطفل في القراءة، المؤلم أن نعتاد هذا الخطأ حتى يصبح طبيعياً!

00:20 | 12-07-2026

الثانوية العامة.. الضحية التي ذبحناها بأيدينا

لم تخسر وزارة التعليم مرحلة كما خسرت المرحلة الثانوية. وقد تبدو هذه الجملة قاسية، لكنها تصبح أقل قسوة حين ننظر إلى ربع قرن من التغييرات التي تعاقبت على هذه المرحلة دون أن تمنحها فرصة للاستقرار.


تبدلت الأنظمة، وتغيرت المسميات، وتعاقبت المشاريع، بينما بقي الطالب هو الثابت الوحيد في كل هذه التجارب، يدفع وحده ثمن كل انتقال من رؤية إلى أخرى، ومن نظام إلى آخر.


جيل كامل عرف الثانوية العامة مدرسةً لها شخصية وهيبة ورسالة. كانت ثلاث سنوات واضحة المعالم، يعرف الطالب فيها طريقه، ويعرف المعلم رسالته، ويعرف ولي الأمر ما ينتظر ابنه.


كان التخصص العلمي أو الأدبي قراراً تربوياً يسبقه توجيه واستعداد وميول، لا نتيجة لتشابك اللوائح وتبدل المسارات. وكانت المدرسة أكثر من فصول دراسية؛ كانت مجتمعاً تربوياً حياً، تتشكل فيه الشخصية كما تتشكل المعرفة، وتولد فيه الثقة بالنفس قبل أن تتراكم الدرجات. في الإذاعة الصباحية، وفي النشاط، وفي الحوار، وفي المنافسات، وفي علاقة الطالب بمعلمه ومديره، كانت هناك مدرسة تصنع الإنسان قبل أن تمنحه شهادة.


وكانت السنة الثالثة تمثل ذروة ذلك البناء. لم تكن اختبارات الوزارة سهلة، لكنها كانت واضحة وعادلة؛ الجميع يخضع للاختبار نفسه، والجميع يعلم أن المدرسة هي التي علّمت، وهي التي قيّمت، وهي التي تتحمل مسؤولية مخرجاتها. لذلك كانت الشهادة الثانوية تحمل وزناً تربوياً واجتماعياً يتجاوز الورقة التي تُطبع عليها.


ثم بدأ شيء يتغير، حتى اختفت الثانوية التي عرفناها!


ليست المشكلة أن المرحلة الثانوية تطورت، فالتعليم لا يعيش بلا تطوير، وإنما المشكلة أن التطوير تحول إلى حركة دائمة لا تعرف الاستقرار. الثانوية المطورة، ثم النظام الفصلي، ثم المقررات، ثم المسارات، وكل مشروع كان يُقدَّم بوصفه الحل المنتظر، ثم يرحل قبل أن يُمنح الوقت الكافي لقياس أثره، ليأتي مشروع آخر يبدأ من جديد.


ومع مرور السنوات، لم يعد السؤال: أي الأنظمة أفضل؟ بل أصبح السؤال الأهم: لماذا لم تستقر المرحلة الثانوية يوماً حتى تبني هويتها وتراكم خبراتها؟


لكن الخسارة الكبرى لم تكن في تغيير الأنظمة، بل في تغيير فلسفة المرحلة نفسها.


لقد بدأنا، من حيث نشعر أو لا نشعر، نسحب الوظائف الأساسية من المدرسة، ثم نستغرب بعد ذلك أنها فقدت مكانتها. كلما فقدنا الثقة في قدرة المدرسة على أداء مهمة، نقلنا تلك المهمة إلى خارجها. لم نعد نكتفي بما تقيسه المدرسة، فأنشأنا اختبارات أخرى. ولم نعد نكتفي بما تبنيه المدرسة من خبرات، فأصبحت المنصات والبرامج الخارجية جزءاً من رحلة الطالب اليومية. ولم نعد نكتفي بما تغرسه المدرسة من قيم المشاركة، فتحولت ساعات العمل التطوعي لدى كثير من الطلاب إلى متطلب إداري يُنجز في منصة أكثر مما يُعاش في بيئة المدرسة.


وهكذا لم تعد المدرسة مركز المشروع التعليمي، بل أصبحت واحدة من محطاته.


وهنا تبدأ المفارقة المؤلمة. فالطالب يدرس في مكان، ويُقاس في مكان آخر، ويستعد في مراكز تدريب، ويجمع إنجازاته في منصة، ثم يُطلب من المدرسة أن تتحمل وحدها مسؤولية بناء شخصيته ومستواه العلمي. أي عدالة تربوية في أن تتوزع أدوات صناعة المستقبل بين جهات متعددة، ثم تبقى المدرسة وحدها موضع المساءلة؟


الأخطر من ذلك أن الرسالة التي تصل إلى الطالب لم تعد كما كانت. حين يعلم منذ الصف الأول الثانوي أن شهادته ليست الكلمة الأخيرة في مستقبله، وأن الطريق إلى الجامعة سيمر باختبارات أخرى خارج مدرسته، فإنه يبدأ، من حيث لا يشعر، في إعادة ترتيب أولوياته. تصبح المدرسة واجباً يومياً، بينما يصبح المستقبل الحقيقي في مكان آخر. ولا يحتاج أحد إلى أن يقول له ذلك صراحة؛ فالنظام كله يهمس له بهذه الرسالة كل يوم.


وحين تضعف قيمة الشهادة الثانوية في معادلة القبول، تضعف معها مكانة المدرسة نفسها. وتتعرض المدارس لضغوط متزايدة حتى لا يشعر طلابها بأن سنواتهم الثلاث ذهبت هباءً، فيتسع في بعض البيئات قدر من التساهل في منح الدرجات، لا لأن المعلمين فقدوا مهنيتهم، ولكن لأن النظام نفسه جعل الشهادة أقل قدرة على حسم مستقبل الطالب.


وهنا لا يعود الرقم معبراً بالقدر نفسه عن مستوى التعلم، بقدر ما يصبح أحياناً محاولة للتخفيف من شعور الطالب بأنه سيبدأ معركة جديدة خارج المدرسة. والمشكلة ليست في المعلم ولا في المدير، وإنما في منظومة قللت من أثر الشهادة، ثم استغربت أن تتغير النظرة إليها.


ولعل أخطر ما حدث خلال هذه السنوات أن الأسرة نفسها بدأت تنظر إلى المدرسة بعين مختلفة. قبل أعوام، كان الأب يقول لابنه: اجتهد في المدرسة، فهي طريقك إلى الجامعة.


أما اليوم، فكثير من الأسر تبدأ حديثها مع أبنائها بسؤال مختلف: متى ستلتحق بدورة القدرات؟ ومتى ستبدأ الاستعداد للتحصيلي؟ قد تكون هذه الدورات نافعة، لكن تحولها في وعي المجتمع إلى الطريق الأهم للمستقبل يكشف أن مركز الثقل انتقل من المدرسة إلى خارجها. وهذه ليست ملاحظة على الطلاب أو الأسر، بل مؤشر يستحق أن نتوقف عنده طويلاً.


أما الطالب، فقد أصبح يحمل فوق كتفيه ما لم تحمله أجيال سابقة. يدرس مقررات المدرسة، ويستعد لاختبارات أخرى، ويلتحق بالدورات، ويلاحق المنصات، ويجمع ساعات التطوع، ويعيش تحت ضغط المقارنات، ثم نطالبه في الوقت نفسه أن يستمتع بأجمل سنوات عمره، وأن يبني شخصيته، وأن يكتشف ميوله، وأن يحافظ على صحته النفسية.


لقد تحولت المرحلة التي كان يفترض أن تكون مصنعاً للإنسان إلى مرحلة مثقلة بالاستحقاقات، يركض فيها الطالب من مهمة إلى أخرى، حتى غابت متعة التعلم، وتراجع الشعور بأن المدرسة هي المكان الذي تُصنع فيه الحياة قبل أن تُصنع فيه الشهادة.


وليس المقصود من هذا كله رفض التطوير، ولا التقليل من قيمة القياس، ولا الاعتراض على العمل التطوعي، فلكل منها أهداف يمكن أن تضيف قيمة حقيقية.


لكن الخلل يبدأ حين تتحول الأدوات إلى بديل عن المدرسة، وحين يصبح كل مشروع جديد خطوة إضافية في سحب الدور الذي أنشئت المدرسة أصلاً لتقوم به. فالتعليم لا يُقاس بعدد المنصات، ولا بعدد المبادرات، ولا بعدد الأنظمة التي نتنقل بينها، يُقاس بقدرته على بناء إنسان واثق بنفسه، مؤمن بمدرسته، معتز بمعلمه، وقادر على الانتقال إلى الجامعة وهو يشعر أن السنوات التي قضاها في الثانوية كانت هي التي صنعته.


الثانوية العامة ليست ثلاث سنوات تسبق الجامعة، بل هي آخر محطة يتشكل فيها الإنسان قبل أن يتخصص. فيها تُبنى الثقة، وتتضح الميول، وتترسخ المسؤولية، ويتعلم الشاب والفتاة كيف يواجهان الحياة قبل أن يواجها التخصص. فإذا ضعفت هذه المرحلة، فلن تعوضها جامعة، ولن يصلحها برنامج تدريبي، ولن تعيد إليها أي منصة ما فقدته من روحها.


بعد أكثر من خمسة وعشرين عاماً، ربما لم يعد السؤال الذي نحتاجه هو: ما النظام القادم؟ بل سؤال أكثر شجاعة وصدقاً: كيف نعيد المدرسة إلى قلب المشروع التعليمي؟ كيف نستعيد الثقة في المرحلة الثانوية؟ وكيف نجعل الطالب يشعر أن مستقبله يبدأ من فصله الدراسي، لا من خارجه؟


إن التاريخ لا يتذكر أسماء الأنظمة التعليمية بقدر ما يتذكر الأجيال التي صنعتها. والوطن لا يخسر حين يغيّر اسم نظام، لكنه يخسر كثيراً حين تضيع المرحلة التي كانت تصنع إنسانه. ولذلك فإن الثانوية العامة لا تطلب اليوم مشروعاً جديداً، ولا مسمى جديداً، ولا دليلاً إجرائياً جديداً؛ إنها تطلب شيئاً واحداً فقط.. أن نعيد إليها الثقة التي سحبناها منها، لأن المدرسة التي نفقد الثقة بها، لن يثق بها طالب، ولن ينهض بها وطن.

00:00 | 3-07-2026

بين أساليب التعليم وجودة التعليم.. هل تغيّر الاسم أم تغيّر الواقع؟

كلما صدرت حركة ترقيات أو إعادة هيكلة في قطاع التعليم، انشغل الناس بمسميات جديدة لم تكن مألوفة من قبل؛ مستشار أول أساليب تعليم، خبير جودة تعليمية، مستشار بناء وتحصيل، خبير تطوير تعلم، وغيرها من الألقاب التي تتكاثر عاماً بعد عام. ويتكرر السؤال ذاته: ماذا تعني هذه المسميات؟ وما الفرق بينها؟ وهل أحدثت فرقاً حقيقياً في الميدان؟

في الترقيات الأخيرة لوزارة التعليم، لفت انتباه كثيرين ترقية أربعة موظفين إلى المرتبة الخامسة عشرة على وظيفة «مستشار أول أساليب تعليم». وربما كان السؤال الأهم ليس لماذا تمت ترقية أربعة أشخاص على المسمى نفسه، فذلك أمر تنظيمي معتاد في الوظائف المتخصصة، بل: ما الذي يضيفه هذا المسمى إلى التعليم نفسه؟

الحقيقة أن مفهوم «أساليب التعليم» في أدبيات الإدارة الحكومية الحديثة أوسع من مجرد التدريس داخل الفصل الدراسي. فهو يشمل كل ما يتعلق بطرائق نقل المعرفة، وتصميم البرامج التعليمية والتدريبية، وبناء المبادرات التوعوية، وتطوير أدوات التعلم وقياس أثرها. ولهذا نجد مثل هذه المسميات في جهات متعددة، وليس في وزارة التعليم وحدها.

لكن الإشكالية ليست هنا. الإشكالية أن التعليم العربي عموماً، والسعودي خصوصاً، أصبح في بعض مراحله أسيراً للمسميات أكثر من انشغاله بالنتائج. فكل عدة سنوات يظهر مصطلح جديد، وإدارة جديدة، ومسمى جديد، ثم يختفي ليحل محله مسمى آخر. مرة نتحدث عن الجودة التعليمية، ثم عن نواتج التعلم، ثم عن التحصيل الدراسي، ثم عن التميز المؤسسي، ثم عن الأداء المدرسي، ثم عن البناء المعرفي، ثم عن أساليب التعليم.

وفي كل مرة نشعر وكأننا أمام مشروع جديد، بينما المدرسة ذاتها ما زالت تنتظر معالجة تحدياتها القديمة، والمعلم ما زال يواجه أعباء متزايدة، والطالب ما زال يبحث عن تعليم أكثر إلهاماً وأقرب إلى حياته.

ليست المشكلة في المصطلحات؛ فلكل علم لغته، ولكل مرحلة أدواتها ومفاهيمها. لكن المشكلة حين تتحول المصطلحات إلى غاية بحد ذاتها، أو حين يصبح تغيير الاسم إنجازاً يُحتفى به أكثر من تغيير الواقع.

فالمدرسة لا يهمها كثيراً إن كان المسؤول يحمل لقب مستشار أساليب تعليم أو خبير جودة تعليمية. ما يهمها أن تجد دعماً حقيقياً يرفع مستوى التعلم. والمعلم لا يشغله كثيراً اسم الإدارة التي تتبعه بقدر ما يشغله أن يحصل على تدريب نافع وصلاحيات واضحة وبيئة عمل مستقرة. والطالب لا يسأل عن الهيكل التنظيمي للوزارة أصلاً؛ لأنه يريد في النهاية درساً جيداً، ومعلماً متمكناً، ومنهجاً يفتح له أبواب المستقبل.

لقد أمضينا سنوات طويلة في تطوير الهياكل والمسميات والأنظمة، وربما آن الأوان لأن نعود إلى السؤال البسيط الذي يسبق كل شيء: ماذا يحدث داخل الفصل الدراسي؟

هناك تبدأ القصة الحقيقية للتعليم، وهناك تُقاس النتائج الفعلية، وهناك يتحدد نجاح أي وزارة أو فشلها.

أما المسميات، مهما بدت براقة ومتجددة، فستظل مجرد لافتات إدارية إذا لم تنعكس آثارها على الطالب والمعلم والمدرسة والمنهج.

المفارقة أن التعليم ليس علماً غامضاً حتى نختبئ خلف هذا الكم من المصطلحات. فالعالم كله يعرف أن أي نظام تعليمي ناجح يقوم على أربعة أركان واضحة: معلم جيد، ومنهج جيد، ومدرسة جيدة، وقيادة تعليمية جيدة. وما عدا ذلك أدوات مساندة وليست جوهر القضية.

لكننا في كثير من الأحيان نتعامل مع الأدوات وكأنها هي القضية نفسها.

نستهلك أوقاتاً طويلة في إعادة تسمية الإدارات، وإعادة تصنيف الوظائف، وإعادة إنتاج المفاهيم، بينما يزداد شعور الميدان بأن أحداً لا يسأله السؤال الأهم: ماذا تحتاجون فعلاً؟

هل يحتاج المعلم إلى مسمى جديد أم إلى تخفيف الأعباء الإدارية التي تسرق وقته من التدريس؟

هل يحتاج الطالب إلى إدارة جديدة أم إلى منهج أكثر ارتباطاً بالحياة؟

هل تحتاج المدرسة إلى لقب مستحدث أم إلى صلاحيات وموارد تمكنها من أداء رسالتها؟

المشكلة أن البيروقراطية بطبيعتها تعشق المسميات. فالمسمى يعطي شعوراً بالحركة حتى لو لم يتحرك شيء. ويمنح انطباعاً بالتطوير حتى لو بقي الواقع كما هو. ولهذا تتكاثر الألقاب أسرع مما تتكاثر الحلول.

ولنكن أكثر صراحة؛ المواطن لا يعنيه كثيراً وجود مستشار أول أو خبير أول أو قائد أول أو مشرف أول. ما يعنيه أن يرى ابنه يخرج من المدرسة أكثر معرفة وثقة وقدرة على المنافسة. وما يعنيه أن يجد المعلم محترماً وممكناً ومتفائلاً بمهنته. وما يعنيه أن تصبح المدرسة مكاناً للتعلم لا مصنعاً للتقارير والمنصات والنماذج.

فالتعليم لا ينهض بمسمى جديد، إنما بفكرة جيدة تُطبق، ومعلم يُمكَّن، ومدرسة تُدعم، وطالب يجد في تعلمه معنى وقيمة وأملاً للمستقبل.

لقد وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها التعليم محاطاً بطبقات كثيفة من المصطلحات واللوائح والهياكل، حتى كاد الأصل يختفي خلف التفاصيل.

ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يسبق كل مسمى جديد وكل إدارة جديدة وكل وظيفة جديدة هو: ما الأثر الذي سيشعر به الطالب داخل الفصل الدراسي؟

إذا لم تكن هناك إجابة واضحة ومباشرة عن هذا السؤال، فالأرجح أننا لا نطور التعليم، بل نطور اللغة التي نتحدث بها عن التعليم.

التعليم لا يحتاج مزيداً من الأسماء. التعليم يحتاج مزيداً من النتائج. يحتاج أن نكف عن تدوير المصطلحات، وأن نعود إلى المكان الذي تبدأ منه الحكاية كلها: معلم يشرح، وطالب يتعلم، ومدرسة تنجح في صناعة المستقبل.أما ما عدا ذلك، فقد يكون مهماً.. لكنه ليس التعليم نفسه.

00:01 | 29-06-2026

التقييم الوظيفي.. ينتصر لمن ويظلم من..؟!

في نهاية كل عام وظيفي يعود المشهد ذاته: مدير يجلس أمام نموذج التقييم، وموظف ينتظر النتيجة، وإدارة موارد بشرية تجمع الدرجات وتحوّلها إلى أرقام وتقارير.


وبين هؤلاء جميعًا يبقى السؤال القديم حاضرًا: هل تقويم الأداء الوظيفي يقيس الأداء فعلًا، أم أنه أصبح طقسًا إداريًا يتكرر لأن الأنظمة اعتادت عليه؟


فكرة التقييم في أصلها نبيلة ومهمة. فلا مؤسسة تستطيع التطور دون أن تعرف مستوى أداء موظفيها، ولا موظف يستطيع تحسين أدائه دون تغذية راجعة صادقة توضح نقاط القوة وفرص التحسين.


لذلك نشأت أنظمة التقييم لتكون أداة تطوير قبل أن تكون أداة محاسبة، وأداة بناء قبل أن تكون وسيلة تصنيف. لكن المشكلة لا تكمن في المبدأ، بل في التطبيق!


فالمدير المباشر، وهو الحلقة الأهم في عملية التقييم، ليس دائمًا مؤهلًا للقيام بهذا الدور بالشكل الصحيح. فكثير من المديرين يتعاملون مع التقييم باعتباره عبئًا إداريًا يجب الانتهاء منه قبل الموعد المحدد، فيلجؤون إلى التقديرات المتوسطة أو المرتفعة للجميع هروبًا من النقاشات والاعتراضات. وبعضهم يقع تحت تأثير العلاقات الشخصية أو الانطباعات الأخيرة أو المواقف العابرة، فيصبح التقييم انعكاسًا للمشاعر أكثر من كونه انعكاسًا للأداء.


وفي المقابل، لا يخلو الطرف الآخر من المشكلة. فالكثير من الموظفين ينظرون إلى التقييم باعتباره شهادة تقدير لا أداة قياس. فإذا حصل على درجة مرتفعة اعتبرها حقًا طبيعيًا، وإذا انخفضت درجته رأى في ذلك ظلمًا شخصيًا أو استهدافًا مباشرًا. وهنا تضيع فلسفة التقييم الحقيقية بين توقعات الموظف وحسابات المدير.


أما الإشكالية الأكبر فهي أن بعض نماذج التقييم صُممت وكأنها تصلح للجميع، رغم أن الواقع الوظيفي أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.


فليس من المنطقي أن يُقيَّم موظف جديد ما زال يتعلم أساسيات العمل بالمعايير ذاتها التي يُقيَّم بها خبير أمضى عشرين أو ثلاثين عامًا في المهنة. وليس من المنطقي أيضًا أن تُعامل الخبرات التراكمية الطويلة وكأنها لا تضيف شيئًا إلى معادلة الأداء.


وهنا يبرز سؤال مشروع: هل يجب أن يستمر التقييم السنوي لكل موظف مهما بلغ من الخبرة والكفاءة؟


الإجابة ليست سهلة. فمن جهة، لا يوجد موظف فوق المراجعة أو المساءلة أو التطوير، فالأداء الوظيفي ليس حالة ثابتة. ومن جهة أخرى، فإن التعامل مع أصحاب الخبرات الكبيرة بالطريقة ذاتها التي يُعامل بها الموظف المبتدئ قد يفقد التقييم معناه ويجعله إجراءً شكليًا لا أكثر.


ربما يكون الحل في تغيير فلسفة التقييم لا إلغائه. فالموظف الجديد يحتاج إلى تقييم تفصيلي يقيس الالتزام والتعلم والإنجاز. أما الموظف الخبير فينبغي أن يُنظر إلى أثره المؤسسي، وإسهامه في نقل المعرفة، وقدرته على صناعة الفرق وتطوير العمل. فمعايير النجاح تختلف باختلاف المراحل المهنية، بينما تصر بعض النماذج الحالية على استخدام المقياس ذاته للجميع.


كما أن المشرّع أو الجهة المنظمة مطالبة بمراجعة بنود التقييم بصورة مستمرة، لأن كثيرًا من النماذج الحالية وُضعت في سياقات مختلفة عن واقع العمل اليوم. تغيرت الوظائف، وتطورت الأدوات، وظهرت أنماط جديدة للإنتاج والقيادة والعمل عن بُعد، بينما بقيت بعض مؤشرات التقييم أسيرة مفاهيم تقليدية لا تعكس الواقع بدقة.


ومن أكثر الممارسات إثارة للاستغراب أن تُلزم بعض الجهات المديرين بتوزيع التقديرات وفق نسب محددة سلفًا؛ فيُطلب منهم أن يكون عدد الحاصلين على الدرجة الكاملة محدودًا، وعدد آخر في الفئات الأدنى، بينما توضع الغالبية في المنطقة الوسطى بغض النظر عن مستوى الأداء الحقيقي. في هذه الحالة لا يعود المدير مقيمًا للأداء، يصبح موزعًا للحصص. وقد يجد نفسه أمام فريق متميز بأكمله، لكنه يُجبر على خفض درجات بعضهم فقط لأن النموذج يتطلب ذلك، أو أمام فريق متواضع الأداء فيُمنح بعض أفراده درجات أعلى لإكمال النسبة المطلوبة. وهنا ينتقل التقييم من كونه أداة للعدالة إلى عملية حسابية مصطنعة تسيء إلى الموظف وتحرج المدير في آن واحد.


والأخطر من ذلك أن هذه السياسة تهدم الثقة بين الموظف ورئيسه المباشر. فالمدير الذي يعرف حقيقة أداء موظفه ويضطر إلى منحه درجة أقل مما يستحق يفقد جزءًا من مصداقيته أمام فريقه، بينما يشعر الموظف بأن جهده لم يكن هو معيار الحكم الحقيقي. وعندما تفقد العدالة حضورها في التقييم، يفقد التقييم نفسه قيمته وتأثيره، ويتحول إلى إجراء بيروقراطي لا أكثر.


والحقيقة أن المدير الناجح يجب أن يكون شاهدًا على الأداء لا منفذًا لحصص رقمية مفروضة عليه، لأن العدالة لا تُبنى على النسب، بل على استحقاق كل موظف لما قدمه فعلًا.


ومن أوجه الخلل التي تتكرر في بعض بيئات العمل أن يفاجأ الموظف في نهاية العام بدرجة متدنية أو ملاحظات جوهرية لم يسمع عنها طوال أشهر السنة. وهذه الممارسة تطرح سؤالًا مهمًا: أين كانت الإدارة طوال تلك الفترة؟ فإذا كان الموظف مقصرًا فعلًا، فإن مسؤولية المدير لا تقتصر على رصد القصور، بل تمتد إلى التنبيه والتوجيه وتقديم الدعم اللازم لمعالجته. أما الانتظار حتى موعد التقييم السنوي ثم إبلاغ الموظف بأن أداءه كان ضعيفًا طوال العام، فهو أقرب إلى تسجيل الأخطاء منه إلى إدارة الأداء.


والأشد قسوة أن تترتب على هذا التقييم آثار وظيفية كبيرة كحرمان من مزايا أو عدم تجديد عقد أو تعطيل فرص الترقية، بينما لم يُمنح الموظف فرصة حقيقية لتصحيح مساره. فالعدالة الإدارية تقتضي أن يكون هناك حوار مهني دوري، ومراجعات ربع سنوية أو نصف سنوية، وخطط تحسين واضحة، بحيث يعلم الموظف أين يقف، وما المطلوب منه، وكيف يمكنه تدارك أوجه القصور قبل أن تتحول إلى عقوبة متأخرة. فالتقييم الناجح لا يفاجئ الموظف بنتيجته، بقدر ما يجعله يعرفها مسبقًا لأنه عاش تفاصيلها خطوة بخطوة طوال العام.


إن تقويم الأداء الوظيفي سيبقى ضرورة إدارية لا غنى عنها، لكن قيمته الحقيقية لا تكمن في النماذج والدرجات، ولكن في عدالته وموضوعيته وقدرته على عكس الواقع. فالتقييم الذي لا يفهمه الموظف، ولا يحسنه المدير، ولا يواكب الواقع الذي صُمم من أجله، يتحول من أداة تطوير إلى مصدر تذمر وإحباط.


وحينها لا يكون السؤال: كم حصل الموظف من درجة؟ سيكون: ماذا أضاف هذا التقييم للمؤسسة وللموظف ولجودة العمل؟ فإذا لم تكن هناك إجابة واضحة، فقد يكون الوقت قد حان لإعادة النظر في فلسفة التقييم كلها، لا في درجاته فقط..!

00:00 | 21-06-2026