أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1807.jpg&w=220&q=100&f=webp

سلمان بن سهيل العطاوي

نموذج المرونة اللوجستية لقطاع المعارض السعودي

في لحظات التحوّل الكبرى يتقدّم الواقع ليعيد تشكيل مفاهيم الاقتصاد ويكشف مواطن القوة والضعف في آنٍ واحدٍ، ويؤكد أن الاعتماد على مسار لوجستي وحيد يحمل في داخله هشاشة كامنة قد تبدو ساكنة في أوقات الاستقرار ثم تنكشف مع أول اختبار حقيقي، وحين يتعطّل الممر يتوقف معه إيقاع قطاع كامل، وتتجمّد سلسلة من القرارات والاستثمارات التي بُنيت على افتراض الاستمرارية.

ويُعد قطاع المعارض من أكثر القطاعات حساسية لهذا الدرس، إذ ترتبط الفعالية بموعد، ويرتبط الموعد بسمعة، وترتبط السمعة برأس مال معنوي تراكمي يتشكّل عبر سنوات من الثقة، وجناح يتأخر أو تجهيز يتعطل أو شحنة تتأخر ساعات قليلة قد يتحوّل إلى أثر اقتصادي واسع، فتغدو اللوجستيات العمود الفقري لقيمة الحدث، ويصبح الزمن عنصراً أصيلاً في معادلة الاستثمار، من هنا يبرز سؤالان استراتيجيان: كيف يتحوّل قطاع المعارض السعودي إلى نموذج جاهزية دائم؟ وكيف تصبح المرونة اللوجستية ركيزة تنافسية تعزّز مكانة المملكة في السوق العالمي؟

الإجابة تبدأ بفهم تكلفة الهشاشة؛ فالمسار الواحد يمنح انطباعاً بالكفاءة من حيث توحيد الإجراءات وتقليل التعقيد، غير أن هذا التبسيط يخفي نقطة ضعف مركزية تُعرف اقتصادياً بنقطة الفشل الوحيدة، حيث يتحوّل أي تعطل محدود إلى شلل شامل، وتتراجع القدرة التفاوضية نتيجة محدودية الخيارات، فيما تبقى الخبرة المحلية في موقع التابع لسلاسل إمداد خارجية، فتتحوّل الكفاءة الظاهرية إلى اعتماد طويل الأمد يقيّد القرار ويحد من مرونته، في المقابل يتشكل نموذج المرونة اللوجستية بوصفه انتقالاً من الاعتماد إلى التمكين، ومن رد الفعل إلى الاستعداد الاستباقي، ويرتكز هذا النموذج في السياق السعودي على ثلاث دعائم مترابطة؛ أولها بناء نظام بيئي وطني متكامل للخدمات اللوجستية المرتبطة بالمعارض، يشمل شركات التجهيز وبناء الأجنحة وتقنيات الصوت والإضاءة والنقل والتخزين والتأمين، بحيث ترتبط هذه المنظومة بعقود طويلة الأمد مع مراكز المعارض، فتتحوّل إلى شبكة تشغيل وطنية عالية الاستجابة، يجد فيها المنظم الدولي شريكاً قادراً على التحرك السريع، ويجد فيها الاقتصاد الوطني فرصة لتعميق المحتوى المحلي وتوليد وظائف نوعية تتناغم مع مستهدفات رؤية 2030، أما الدعامة الثانية فتتمثل في إنشاء مخزون استراتيجي من المعدات والتجهيزات الأساسية عالية الاستخدام، محفوظاً في مستودعات قريبة من مدن المعارض الكبرى، إذ يتحوّل المخزون في بيئة متقلبة إلى أصل استراتيجي يمنح القطاع قدرة على التوريد الفوري، ويصنع فارقاً واضحاً بين انتظار شحنة عابرة للقارات وامتلاك تجهيزات جاهزة للتشغيل في أي لحظة، وهو فارق يعيد تشكيل حسابات المخاطرة لدى المنظمين الدوليين، وتأتي الدعامة الثالثة في تنويع المسارات الجغرافية للإمداد، مستفيدة من الموقع الاستراتيجي للمملكة على البحر الأحمر والخليج العربي، ومن شبكة مطارات دولية متقدّمة، حيث يسهم تعدد المنافذ في تعزيز الكفاءة وخلق مرونة تشغيلية واسعة، ومع تكامل هذه المسارات تتحول المملكة إلى مركز توزيع إقليمي يخدم فعالياتها وفعاليات المنطقة، ويمنح القطاع عمقاً استراتيجياً متجدداً، وعندما تكتمل هذه الدعائم يتغيّر معيار التقييم في السوق العالمي، فتُقاس قوة المراكز بدرجة جاهزيتها اللوجستية وقدرتها على إدارة الاستمرارية في مختلف الظروف، ويصبح القرار التشغيلي أكثر استقلالاً، ويتحرر التخطيط من التأثر بمتغيرات خارج نطاق السيطرة الوطنية، كما تنشأ صناعة خدمات لوجستية متخصصة قابلة للتصدير، تدخل من خلالها الشركات السعودية في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية، فتتحوّل المرونة إلى أصل إنتاجي وعنصر قوة تنافسية مستدامة، والمشهد الراهن عابر بطبيعته، غير أن درسه عميق الأثر، والمرونة اللوجستية تمثّل شرطاً أساسياً للتنافس في اقتصاد سريع التقلب، وقطاع المعارض السعودي يقف أمام فرصة تأسيسية لترسيخ نموذج متكامل يقوم على الشراكات الوطنية والمخزون الاستراتيجي وتعدد المسارات، نموذج يرفع الجاهزية إلى مستوى جديد، ويمنح المملكة موقعاً متقدماً في خريطة المعارض العالمية، حيث تُقاس قوة الوجهات بعدد خياراتها وقدرتها على تحويل التحديات إلى ريادة مستدامة.

منذ يوم

المعارض المتخصصة

تُعدُّ المعارض المتخصصة أداة اقتصادية فاعلة، تجمع المنتجين والمستثمرين وصُنّاع القرار في بيئة مهنية، يمتد أثرها الاقتصادي ليشمل تحريك الاستثمار، وتحفيز الابتكار، وخلق فرص العمل، وتعزيز التنافسية.

فمن جانب تحفيز الاستثمار وجذب رؤوس الأموال، تشكّل المعارض المتخصصة منصة مثالية لعرض الفرص الاستثمارية، حيث تلتقي الشركات الناشئة بالمستثمرين وصناديق الاستثمار، مما يسرّع صفقات قد تستغرق شهوراً، كما تستفيد هيئات تنمية الاستثمار من هذه المعارض للترويج للمناطق الاقتصادية الخاصة، مما يزيد تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وينعكس إيجاباً على الناتج المحلي وميزان المدفوعات، ثم إن خلق فرص العمل وتعزيز المهارات بتنظيم معرض كبير يحتاج إلى أيدٍ عاملة ماهرة في اللوجستيات والتسويق والأمن والتقنية، مما يخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، ومن جانب آخر هو دعم الابتكار وتسريع نقل التكنولوجيا، فالمعارض المتخصصة مسرح رئيسي لعرض التقنيات الجديدة، وتتيح شراكات بين الشركات الناشئة والكبرى والجامعات، مما ينقل المعرفة ويسوق الابتكارات، ويقلص الفجوة بين الابتكار وتسويقه، ويزيد العائد على البحث والتطوير، ويخلق دورة فاضلة من الإبداع. وقد تُعقد في المعارض صفقات بمليارات الدولارات، مثل معرض كانتون الصيني الذي يجمع آلاف العارضين والمشترين، هذا يقلل تكاليف البحث عن شركاء، ويعزز كفاءة سلاسل التوريد، كما تساعد المعارض الشركات الصغيرة والمتوسطة على اختراق الأسواق الخارجية بتكلفة أقل، مما ينوع الصادرات، والمعارض التي تستقطب آلاف الزوّار الذين يحتاجون للسفر والإقامة والطعام والترفيه، مما ينشط قطاعات الخدمات ويدر إيرادات أكثر

وأيضاً مشاركة الشركات في المعارض تعرضها للمنافسة المحلية والدولية، مما يحفزها على تحسين الجودة والابتكار وخفض التكاليف، فالمعارض تتيح مقارنات موضوعية، مما يرشد المستهلكين ويجبر المنتجين الأقل كفاءة على التطور. كما تعمل كنظام إنذار مبكر لتعديل الاستراتيجيات، وبعض الصناعات تحدد مواعيد إطلاق منتجاتها حسب جداول المعارض.

وأخيراً، تبقى المعارض المتخصصة محركات اقتصادية مستدامة تجذب الاستثمارات، وتخلق الوظائف، وتنقل التقنيات، وتنشط سلاسل القيمة الحكومات التي تستثمر في بنية المعارض وتدمجها في استراتيجياتها التنموية، فتجني ثماراً تفوق التكاليف، إنها تحقق مكاسب للجميع؛ ولذا ينبغي أن تكون أولوية لأي اقتصاد يسعى للتنافسية والازدهار.

00:07 | 6-07-2026

توأمة المعرض الرقمي!

في البداية، يطرح السؤال نفسه: ما هي توأمة المعرض الرقمي؟

التوأمة الرقمية للمعرض تعني إنشاء نسخة افتراضية مطابقة تماماً للمعرض المادي، مع ربط لحظي بينهما عبر حساسات وبيانات، يمكن للزائر الحقيقي والزائر الافتراضي (من أي مكان في العالم) التفاعل مع المعرض في وقت واحد، وفتح المنتجات، والتحدث مع مندوبي المبيعات، بل وتجربة السلع عبر الواقع المعزز. وله عدة أبعاد، منها أولاً: الأبعاد الاقتصادية والتي تساهم في خفض التكاليف بشكل كبير،

فالمعرض التقليدي يستهلك نفقات ضخمة: إيجار أرض، بناء أجنحة، نقل معدات، وتذاكر سفر وإقامة، أما في التوأمة الرقمية، فتكلفة البرمجة تُدفع مرة واحدة وتُستخدم لسنوات، والزوّار يحضرون من منازلهم. لقد أظهرت تجارب مثل معرض «هانوفر ميسه» الألماني أن التوفير يصل إلى 70% من الميزانية التشغيلية، مع زيادة عدد الزوار بنسبة 200% بسبب إزالة الحواجز الجغرافية.

ثانياً: فتح مصادر دخل جديدة، فإلى جانب رسوم المشاركة التقليدية والتذاكر والرعاية، يضيف المعرض المتوأم اشتراكات سنوية للوصول إلى المحتوى الرقمي (ندوات، عروض، كتالوجات) وبيع بيانات وتحليلات سلوك الزوّار للعارضين (من الأكثر قيمة؟ كم من الوقت قضى؟)، وخدمات واقع معزّز مدفوعة ورعاية رقمية متميّزة داخل البيئة الافتراضية أيضاً.

إذاً، توأمة المعرض الرقمي هي ضرورة اقتصادية في زمن ترتفع فيه التكاليف وتتسع الأسواق العالمية، من يتبنى هذه التقنية مبكراً يحقّق أرباحاً أعلى، ويوسع قاعدة جمهوره، ويضمن استمرارية دخله، والأرقام تتحدث عن نفسها: عائد استثمار قد يتجاوز 250% في السنة الأولى، مع فرص نمو متزايدة في السنوات التالية، وأخيراً الاستثمار في التوأمة الرقمية هو الاستثمار في مستقبل صناعة المعارض، ونصيحتي للمستثمر، إذا كنت منظّماً لمعرض، فخطواتك العملية، أن تبدأ بتجربة صغيرة: ثم تحوّل جزءاً واحداً من معرضك إلى توأم رقم وقس العائد بدقة بتتبع توفير التكاليف وزيادة الزوار والإيرادات، وعليك أيضاً أن توسّع تدريجياً مع الاحتفاظ بنسخة فعلية مصغرة لمن يريد الحضور الفعلي.

00:07 | 15-06-2026

وطن الرسالة... من خدمة الحجاج إلى فرحة العيد..

في قلب العالم وعلى أرض اختصّها الله بشرف عظيم، تقف بلادنا المباركة المملكة العربية السعودية بوصفها وطن الرسالة ومهبط الوحي، وحاضنة أقدس البقاع، ووجهة أفئدة المسلمين من كل أنحاء العالم، في هذه البلاد المباركة، حيث يتجلى مفهوم الدولة التي تحمل على عاتقها رسالة إنسانية ودينية وحضارية تمتد إلى العالم الإسلامي بأسره، فمنذ تأسيسها، وهي تبني مشروعها على ركيزة راسخة خدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن، وتسهيل رحلة الإيمان بكل ما تملكه من قدرات وإمكانيات جعلت من التنظيم، والتقنية، وإدارة الحشود، والاقتصاد الموسمي، أدوات لخدمة الإنسان قبل كل شيء، إنه اختبار عالمي لإمكانات التنظيم البشري حين يبلغ أعلى درجات التعقيد ومع ذلك، فإن ما يحدث على أرض الواقع يقدم نموذجاً مختلفاً تماماً تعقيد يُدار ببساطة، وكثافة تُضبط بانسيابية، وتدفق بشري هائل يتحوّل إلى حركة منظمة وهنا أتحدث عن ملايين البشر يتحركون في وقت واحد، في مساحات محدودة، وبمسارات متقاطعة، وتفاوت لغوي وثقافي هائل.

ومع ذلك، فإن النظام التشغيلي القائم نجح في تحويل هذا التعقيد إلى تدفق منظم يعتمد على إدارة مسارات الحركة بدقة هندسية بتوزيع الكثافات البشرية بشكل ديناميكية واستخدام البيانات اللحظية في التوجيه والتكامل بين الجهات التشغيلية والأمنية والصحية وإدارة المخاطر قبل وقوعها، وتتجلى قيمة التجربة السعودية في إدارة الحج كأحد أهم النماذج العالمية في إدارة الحشود الكبرى بمنظومة متكاملة تشمل التخطيط طويل المدى للبنية التحتية وتطوير الأنظمة التقنية الذكية وإدارة البيانات الحية للحركة البشرية والتكامل بين الأمن والصحة والخدمات مع بناء ثقافة ووعي لدى الحاج نفسه كجزء من النظام...

نعم وبكل فخر واعتزاز، نقف نحن السعوديون أمام هذا الشرف العظيم الذي خصّ الله به بلادنا المباركة، حيث جعلها مهوى أفئدة المسلمين، ومقصد ضيوف الرحمن من كل فج عميق، تقبل الله من الحجاج صالح الأعمال، وكتب لهم الأجر والرضوان، وجعل أيامهم عامرة بالقبول والسكينة والبركة

ويأتي العيد بعد الحج محمّلاً بمعنى مختلف فهو عيدٌ يكتسب قدسيته من قربه من موسم عظيم، ويأخذ بُعده الاجتماعي من امتداد أثر الحج في النفوس، حيث تعود الأسر إلى بيوتها وهي أكثر صفاءً وأكثر امتناناً وأكثر قرباً من الله ومن بعضهم البعض، فبعد أيام الحج وكامتداد لفرح إيماني عميق، لكنه في السياق الوطني يتحوّل إلى لوحة من البهجة العامة التي تشمل المدن والقرى، وتلتقي فيها القلوب على المحبة والصفاء، ترى الشوارع تتزيّن، والمجالس تعود إلى دفئها، والأسر تفتح أبوابها للتهاني والزيارات، وكأن الوطن كله يدخل في حالة من التآلف الإنساني الذي يعكس قوة المجتمع السعودي وتماسكه ولله الحمد والشكر.

فهي فرحة وطن يعتز بقيمه، ويحتفي بهويته، ويجعل من المناسبات الدينية مساحة لتعزيز الوحدة والتراحم في البيوت، في الأحياء، في الساحات العامة، وفي الفعاليات التي تنتشر في مختلف المناطق، تتجلى صورة مجتمع يعرف كيف يفرح دون أن ينسى جذوره، وكيف يحتفل دون أن يغفل عن قيمه، كما أن العيد يعكس جانباً حضارياً مهماً، حيث تتحوّل الفعاليات والأنشطة إلى منصات للترفيه المنظم، الذي يراعي الأسرة ويخاطب جميع الفئات، في مزيج يوازن بين الفرح والمسؤولية، وبين الترفيه والهوية، وهذا ما يجعل العيد في السعودية ليس فقط مناسبة اجتماعية، بل تجربة وطنية متكاملة تعكس تطور المجتمع ووعيه.

كل عام وقيادتنا الرشيدة بخير وصحة وعافية، حفظ الله خادم الحرمين الشريفين وأدام عليه لباس العز والتمكين، ووفق سمو ولي العهد وسدد خطاه لما فيه خير الوطن ورفعة شأنه، وكل عام وشعب المملكة العربية السعودية في أمن وأمان وازدهار، وطن يزداد رفعة واستقراراً، ويواصل مسيرته المباركة بثبات وطموح يليق بمكانته بين الأمم.

حفظ الله بلادنا، وأدام عليها نعمة الأمن والإيمان، وجعل أيامها أعياداً متجدّدة بالخير والبركة.

00:16 | 1-06-2026

إعادة توزيع هيكلية لخارطة الثقة في سوق المعارض العالمي

حين أُعلن عن تأجيل معارض أبريل ومايو ويونيو وُصف المشهد بالخسارة والانتكاسة غير أن القراءة الاقتصادية المختلفة ترى في التأجيل لحظة إعادة توزيع للثقة بين المنظمين والمراكز المستضيفة، فالأزمات في سوق المعارض تكشف مستوى الجاهزية وتعيد فرز المواقع التنافسية وتمنح الأكثر استعداداً موقع الصدارة..


إلا أن هناك فرقاً جوهرياً بين التأجيل والإلغاء، فالإلغاء يبدد رأس المال المستثمر وينهي العلاقة بالسوق، أما التأجيل فيبقي الاستثمار داخل الدورة الاقتصادية ويضع المنظم في حالة بحث عن يقين تشغيلي جديد، فالطلب يتراكم في انتظار بيئة أكثر استقراراً، وفي أوقات الاستقرار تتقدم قيمة مالك المساحة، وفي أوقات الاضطراب تتعزز قيمة صانع الحل، إذ يتمحور السؤال حول ضمان استمرارية الحدث بكفاءة رغم المتغيرات، والجهة القادرة على تقديم هذا الضمان تتحول من مستضيف إلى شريك استراتيجي..


إن التحرك السريع وتقديم حلول مرنة يمنحان ميزة تنافسية واضحة عبر إعادة هندسة الرزنامة وطرح تواريخ بديلة مدروسة، تمنح المنظم يقيناً زمنياً وعبر بناء منظومة لوجستية محلية متكاملة تعزز الاعتماد على الخدمات الوطنية في التجهيز والتخزين والنقل والتقنيات بما يعيد تشكيل سلاسل الإمداد على أسس أكثر متانة، إضافة إلى تقديم دعم تشغيلي احترافي يساعد المنظم على إعادة هيكلة فعاليته وفق المعطيات الجديدة ويؤسس لرأس مال علاقاتي طويل الأمد، وهنا تنتقل القيمة من مساحة مؤجرة إلى منظومة متكاملة لإدارة المخاطر والاستمرارية، والعائد الحقيقي لهذه الاستجابة يقاس بأصول استراتيجية بعيدة المدى تتمثل في تراكم سمعة المسار عبر سوابق نجاح في إدارة الفعاليات المؤجلة وتعميق سلاسل القيمة الوطنية ودخول الشركات المحلية في شبكات التوريد الدولية، إضافة إلى ترسيخ صورة المركز بوصفه وجهة لإدارة استمرارية الأعمال بما يعزز الثقة الاستثمارية مستقبلاً.


وفي هذا السياق تبرز السعودية نموذجاً متقدماً، حيث أرست رؤية 2030 بنية تحتية متكاملة وبيئة تنظيمية مرنة وكفاءات وطنية قادرة على الابتكار تحت الضغط، ليتحول سؤال المنظم العالمي من البحث عن بديل مؤقت إلى البحث عن شريك طويل الأمد، وتغدو تأجيلات هذا الربيع محطة ضمن دورة اقتصادية أكبر يعاد فيها توزيع المشهد مع تغير الظروف، فيما تخرج الجهات التي تمتلك سرعة القرار ومرونة التنفيذ بأصل استراتيجي أثمن من الإيراد الموسمي، وهو ثقة السوق الممتدة عبر الزمن.

00:26 | 25-05-2026

نموذج المرونة اللوجستية لقطاع المعارض السعودي

في لحظات التحوّل الكبرى يتقدّم الواقع ليعيد تشكيل مفاهيم الاقتصاد ويكشف مواطن القوة والضعف في آن واحد، ويؤكد أن الاعتماد على مسار لوجستي وحيد يحمل في داخله هشاشة كامنة قد تبدو ساكنة في أوقات الاستقرار ثم تنكشف مع أول اختبار حقيقي، وحين يتعطل الممر يتوقف معه إيقاع قطاع كامل، وتتجمّد سلسلة من القرارات والاستثمارات التي بُنيت على افتراض الاستمرارية.

ويُعد قطاع المعارض من أكثر القطاعات حساسية لهذا الدرس، إذ ترتبط الفعالية بموعد، ويرتبط الموعد بسمعة، وترتبط السمعة برأس مال معنوي تراكمي يتشكل عبر سنوات من الثقة، وجناح يتأخر أو تجهيز يتعطل أو شحنة تتأخر ساعات قليلة قد يتحوّل إلى أثر اقتصادي واسع، فتغدو اللوجستيات العمود الفقري لقيمة الحدث، ويصبح الزمن عنصراً أصيلاً في معادلة الاستثمار، من هنا يبرز السؤال الإستراتيجي: كيف يتحوّل قطاع المعارض السعودي إلى نموذج جاهزية دائم، وكيف تصبح المرونة اللوجستية ركيزة تنافسية تعزز مكانة المملكة في السوق العالمية؟

الإجابة تبدأ بفهم تكلفة الهشاشة؛ فالمسار الواحد يمنح انطباعاً بالكفاءة من حيث توحيد الإجراءات وتقليل التعقيد، غير أن هذا التبسيط يخفي نقطة ضعف مركزية تُعرف اقتصادياً بنقطة الفشل الوحيدة، حيث يتحول أي تعطل محدود إلى شلل شامل، وتتراجع القدرة التفاوضية نتيجة محدودية الخيارات، فيما تبقى الخبرة المحلية في موقع التابع لسلاسل إمداد خارجية، فتتحوّل الكفاءة الظاهرية إلى اعتماد طويل الأمد يقيّد القرار ويحد من مرونته، في المقابل يتشكل نموذج المرونة اللوجستية بوصفه انتقالاً من الاعتماد إلى التمكين، ومن رد الفعل إلى الاستعداد الاستباقي، ويرتكز هذا النموذج في السياق السعودي على ثلاث دعائم مترابطة؛ أولها بناء نظام بيئي وطني متكامل للخدمات اللوجستية المرتبطة بالمعارض، يشمل شركات التجهيز وبناء الأجنحة وتقنيات الصوت والإضاءة والنقل والتخزين والتأمين، بحيث ترتبط هذه المنظومة بعقود طويلة الأمد مع مراكز المعارض، فتتحوّل إلى شبكة تشغيل وطنية عالية الاستجابة، يجد فيها المنظم الدولي شريكاً قادراً على التحرك السريع، ويجد فيها الاقتصاد الوطني فرصة لتعميق المحتوى المحلي وتوليد وظائف نوعية تتناغم مع مستهدفات رؤية 2030، أما الدعامة الثانية فتتمثل في إنشاء مخزون إستراتيجي من المعدات والتجهيزات الأساسية عالية الاستخدام، محفوظ في مستودعات قريبة من مدن المعارض الكبرى، إذ يتحول المخزون في بيئة متقلبة إلى أصل إستراتيجي يمنح القطاع قدرة على التوريد الفوري، ويصنع فارقاً واضحاً بين انتظار شحنة عابرة للقارات وامتلاك تجهيزات جاهزة للتشغيل في أي لحظة، وهو فارق يعيد تشكيل حسابات المخاطرة لدى المنظمين الدوليين، وتأتي الدعامة الثالثة في تنويع المسارات الجغرافية للإمداد، مستفيدة من الموقع الإستراتيجي للمملكة على البحر الأحمر والخليج العربي، ومن شبكة مطارات دولية متقدّمة، حيث يسهم تعدد المنافذ في تعزيز الكفاءة وخلق مرونة تشغيلية واسعة، ومع تكامل هذه المسارات تتحوّل المملكة إلى مركز توزيع إقليمي يخدم فعالياتها وفعاليات المنطقة، ويمنح القطاع عمقاً إستراتيجياً متجدداً.

وعندما تكتمل هذه الدعائم يتغيّر معيار التقييم في السوق العالمية، فتُقاس قوة المراكز بدرجة جاهزيتها اللوجستية وقدرتها على إدارة الاستمرارية في مختلف الظروف، ويصبح القرار التشغيلي أكثر استقلالاً، ويتحرر التخطيط من التأثر بمتغيرات خارج نطاق السيطرة الوطنية، كما تنشأ صناعة خدمات لوجستية متخصصة قابلة للتصدير، تدخل من خلالها الشركات السعودية في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية، فتتحول المرونة إلى أصل إنتاجي وعنصر قوة تنافسية مستدامة، والمشهد الراهن عابر بطبيعته، غير أن درسه عميق الأثر، والمرونة اللوجستية تمثل شرطاً أساسياً للتنافس في اقتصاد سريع التقلب، وقطاع المعارض السعودي يقف أمام فرصة تأسيسية لترسيخ نموذج متكامل يقوم على الشراكات الوطنية والمخزون الإستراتيجي وتعدد المسارات، نموذج يرفع الجاهزية إلى مستوى جديد، ويمنح المملكة موقعاً متقدماً في خريطة المعارض العالمية، حيث تُقاس قوة الوجهات بعدد خياراتها وقدرتها على تحويل التحديات إلى ريادة مستدامة.

00:15 | 18-05-2026

لماذا تحتاج «الرياض» لضبط ساعات المعارض..؟!

في الرياض تُقام المعارض لتفتح أبواب العاصمة على اتساعها، وتمنح الاقتصاد إيقاعاً متجدّداً، يمتد من القاعات إلى الشوارع، حيث تتحوّل الفعالية إلى طاقة تنعكس على الفنادق والمطاعم ووسائل النقل والوجهات الترفيهية، ويتحوّل الزائر إلى عنصر فاعل في دورة إنفاق تعزز نمو القطاعات المرتبطة بالحدث. الرياض اليوم تقدّم نموذجاً وطنياً متكاملاً، وكل معرض يُقام على أرضها يخلق أثراً يتجاوز حدود الأجنحة، ويرفع نسب الإشغال، ويطيل مدة بقاء الزائر، ويزيد متوسط إنفاقه، ويدعم فرص العمل للشباب السعودي، إن هذا التفاعل بين الحدث والمدينة يعكس وعياً اقتصادياً مهماً ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، ويعزّز مكانة العاصمة مركزاً إقليمياً للأعمال والسياحة، ومن منطلق التكامل الحضري وحرصاً على تجربة استثنائية للزائر، وبحكم تخصصي وخبراتي الطويلة الممتدة في هذا القطاع الحيوي والمهم، فإنني أطرح رؤية تقوم على افتتاح المعارض في وقت مبكر من الصباح، على أن ينتهي اليوم الرسمي لها عند الساعة السابعة مساء، وانتهاء المعارض عند السابعة مساءً مع البدء المبكر يتيح للزائر فرصة استكشاف المدينة والتفاعل مع وجهاتها الحيوية مثل بوليفارد رياض سيتي والدرعية والقدية، ويمكنه من تحقيق توازن بين العمل والترفيه، كما أن الافتتاح المبكر يسهم في استثمار كامل ساعات النهار في الفعاليات واللقاءات التجارية، مما يزيد الإنتاجية ويعزز العوائد الاقتصادية، إضافة إلى التخفيف من الازدحام المروري عبر توزيع تدفق الزوار على ساعات أطول، ومراعاة راحة كبار السن والعائلات، وإتاحة المجال للمعارض الدولية التي تستضيف وفوداً من مناطق زمنية مختلفة، ومن هذا المنطلق يبرز الرأي الاقتصادي الداعم لاعتماد توقيت منضبط لانتهاء المعارض عند الساعة السابعة مساءً، إن هذا التوجه يعزز التكامل بين الفعالية والمدينة، ويحوّل المعرض إلى محرك حضري ينعكس أثره على المطاعم والمقاهي والأسواق والمرافق الترفيهية، كما أنه يزيد متوسط إنفاق الزائر، فيتحول من زائر ليوم واحد إلى زائر ليوم ونصف ينفق على العشاء والتسوق والترفيه والسكن، ويخلق فرص عمل جديدة في قطاع الخدمات الليلية والضيافة والمواصلات، ويتعزز هذا التوجه عبر دور تنظيمي فاعل تقوده الهيئة العامة للمعارض والمؤتمرات بالتنسيق مع وزارة السياحة السعودية لضمان مواءمة جداول المعارض مع المواسم السياحية والفعاليات الكبرى، بما يحقق أعلى عائد اقتصادي للمدينة. أما البيانات فتمثل الركيزة الاستراتيجية لهذا التحوّل، إذ يسهم توحيدها تحت إشراف الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي في بناء منظومة حوكمة متقدمة تضمن حماية المعلومات، وتعزز التحليل الدقيق للأثر الاقتصادي، وتدعم الترويج الذكي للرياض وجهةً متكاملةً للأعمال والترفيه. ومن الحلول العملية لتحقيق هذا النموذج، نذكر اعتماد سياسة وطنية لساعات المعارض تصدرها الهيئة العامة للمعارض والمؤتمرات، وإطلاق منصة وطنية موحدة للبيانات، وإعداد تقارير الأثر الاقتصادي، وتفعيل التكامل الرقمي مع منظومات السياحة، وتحفيز الشراكات مع القطاع الخاص عبر حوافز استثمارية، إلى جانب التنسيق مع تطبيقات المواصلات لربط بيانات المعارض بخدمات التنقل، والعاصمة اليوم هي مدينة تفكر برؤية وطن وتعمل بعزيمة دولة وتحلم بطموح قيادة، وكل معرض يُختتم على أرضها عند السابعة مساءً يفتح مساءً اقتصادياً جديداً، ويضيف لبنة في مسيرة تنويع الاقتصاد السعودي، ويجسّد ثقة وطن يعرف طريقه نحو المستقبل.

وتبقى الرياض عاصمة للإلهام، ونموذجاً وطنياً متكاملاً، حيث تكون المعارض بوابات لنهار مثمر وليالٍ لا تنسى.

00:18 | 4-05-2026

مستقبل الفعاليات السعودية بعد التحديات..!

على مشارف قطاع المعارض والمؤتمرات السعودي ثمة قصة اقتصادية تُكتب الآن بحبر الطموح ومداد التحوّل، لم يعد الحديث عن التحديات التي تعترض هذه الصناعة في منطقتنا خبرًا عابرًا في نشرات الأسواق، بل صار فصلاً ملموسًا في سجل التجربة، فقبل أعوام ليست بالبعيدة ضربت الجائحة (كورونا) جذور المشهد الاقتصادي العالمي، فاهتزت له أركان هذا القطاع، وأُجبر الجميع على إعادة هندسة أولوياتهم وفق معادلة بقاء صارمة، وما إن بدأنا نلمح منحنى التعافي يتسلل إلى الرسوم البيانية، حتى أطلت التحديات الجيوسياسية برأسها من جديد، تاركة بصماتها على كلفة الشحن، ومرونة الإمداد، واستقرار الممرات الاستراتيجية التي تتنفس منها التجارة الدولية...

لكن ما يحدث هذه المرة يختلف في ملمسه الاقتصادي وعمقه المؤسسي، لم تعد المعضلة تدور في فلك التنفيذ من عدمه بل انتقلت إلى صميم الجدوى التشغيلية، إلى القطاع اللوجستي، ذاك الظل الاقتصادي الذي يحمل على كاهله تدفق المواد والتجهيزات والخدمات، إنه رأس المال الخفي الذي بدونه تتحوّل أرض المعارض إلى مساحات صامتة، مهما بلغت فخامة بنيانها...

من هنا، يمكننا أن نقرأ تحوّلات السوق من منظور تحليل الاستثمار نفسه: منظور المنظم الذي يبني العرض والطلب، ومنظور المقاول الذي يحوّل الميزانيات إلى أصول ملموسة، كلاهما يدير اليوم محفظة مخاطر تتطلب سيولة عالية في المرونة، وعمقًا استراتيجيًا في قراءة المؤشرات، وسرعة دوران في التكيّف مع سوق لم تعد تعرف الاستقرار مألوفًا...

لكن وسط ضبابية التوقعات، تنبلج فرصة اقتصادية فريدة، بل إن ملامحها صارت أكثر تحديدًا من ذي قبل لإعادة هيكلة القطاع وفق أصول أكثر صلابة وجاذبية استثمارية...

إن صناعة المعارض والمؤتمرات الجديدة هي منتج اقتصادي وطني يصنعه روّاد القطاع أنفسهم، عبر ترسيخ دعائم لا تراوغها الرياح الاقتصادية العاتية، أولى هذه الدعائم هي الحوكمة بوصفها تصنيفًا ائتمانيًا، في عالم الاستثمار، فغياب الأطر التنظيمية الواضحة والحوكمة الرشيدة يعني خفضًا مباشرًا للتصنيف الائتماني للقطاع بأكمله، مما يُضعف ثقة مجالس إدارات الشركات الكبرى، ويُعطل تدفق رؤوس الأموال الجريئة، ويقيد مضاعفات النمو، وفي المقابل، بناء منظومة حوكمة شفافة وفاعلة، سواء في الكيانات العملاقة أو في الشركات المتوسطة ومشاريع ريادة الأعمال. هو بمثابة إصدار سندات ثقة في مستقبل القطاع، وشرط أساسي لا غنى عنه لأي عائد استثماري حقيقي ومستدام...

أما المحور الثاني فيتعلق بالسياسات التسعيرية، تلك المعادلة الخوارزمية لعدالة السوق، ففي بيئة الأعمال المتطورة، يعتبر السوق، وتوازن قواه، سياسات تسعير مدروسة وشفافة، قائمة على بيانات حقيقية لا على تخمينات مزاجية، تخلق بيئة تنافسية صحية قادرة على جذب العارضين والموردين، كما أنها تمنح جميع الأطراف، منظمين، عارضين، وموردين، حصة عادلة من القيمة المضافة، فتتحوّل دورة المعرض الواحد إلى محرك اقتصادي مصغر يعود بالنفع على الناتج المحلي.

ويظل المحور الثالث هو بناء الأطر والأنظمة الاستراتيجية التي لا تكتفي بإدارة الحاضر، بل تستشرف المستقبل، هذه الأطر هي بمثابة البنية التحتية التنظيمية التي تعزز روح التنافسية وتُعظم الحصة السوقية للمملكة كوجهة عالمية للفعاليات؛ فبقدر ما تكون البيئة التنظيمية واضحة ومحفزة للاستثمار الأجنبي والمحلي، بقدر ما تتضاعف قدرة القطاع على جذب اللاعبين العالميين الجدد، وتتسع قاعدة الاستثمار، وتتنوع مصادر الدخل، محققة بذلك قيمة مضافة ضخمة تصب في صميم الاقتصاد الوطني وتنويع قاعدته...

نحن نقف اليوم على عتبة دورة اقتصادية جديدة لهذا القطاع الحيوي المهم جدًا نجاحه بكفاءة الإنفاق، ومتانة العوائد، وجودة المنظومة التي تدير دورة رأس المال من البداية إلى النهاية، لم يعد السؤال: هل ستعود أرقام القطاع للارتفاع؟ فالارتفاع قادم لا محالة...

السؤال الجوهري والأعمق أثرًا هو: بأي نموذج عمل سيعود، ومن سيمسك بزمام قيادة هذا التحوّل الاقتصادي ليجعل من المملكة مركز جاذبية عالميًا دائمًا لصناعة المستقبل؟

والإجابة عن هذا السؤال تكمن، بكل ثقة ووضوح، في جوهر التحوّل الوطني الذي تعيشه بلادنا اليوم، إنها رؤية المملكة 2030، وسواعد أبنائها وبناتها الطموحين، الذين صاروا صُنّاعًا لها ومهندسين لتفاصيلها.

23:59 | 26-04-2026

في أروقة المعارض تولد الصفقات.. وتُصاغ ملامح الغد..!

تُعرف المعارض الصناعية بأنها فعاليات اقتصادية متخصصة، تُنظم بصورة دورية؛ لعرض المنتجات الصناعية، والتقنيات الحديثة، والخدمات المرتبطة بالقطاع الصناعي أمام جمهور مهني متخصص يشمل المستثمرين، والموردين، وصُنّاع القرار، والخبراء الفنيين. وتمتاز بتركيزها على قطاعات إنتاجية محددة، وبتنظيم فعاليات معرفية مصاحبة كالمؤتمرات وورش العمل، إضافة إلى توفير بيئة مباشرة للتفاوض وعقد الاتفاقيات التجارية، وتؤدي هذه المعارض وظائف اقتصادية متعددة، فهي تعزز كفاءة التسويق الصناعي، وتختصر الزمن اللازم للوصول إلى الشركاء والعملاء، وتسرّع عمليات التعاقد، وتدعم الابتكار عبر عرض أحدث التقنيات، كما تسهم في تحسين الصورة الذهنية للصناعة الوطنية على المستوى الدولي، وفي إطار التحوّل الاقتصادي، سعت المملكة إلى بناء قاعدة صناعية متنوعة وقادرة على المنافسة عالمياً، وهو ما انعكس في توسع إقامة المعارض الصناعية في مدن رئيسية مثل الرياض وجدة والدمام مستفيدة من البنية التحتية المتقدمة، والمناطق الصناعية الحديثة، وشبكات النقل والخدمات اللوجستية المتطورة.

كما أسهمت جهات حكومية رئيسية في دعم هذا التوجه، من بينها وزارة الصناعة والثروة المعدنية، والهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية (مدن)، والهيئة السعودية للمعارض والمؤتمرات، حيث عملت هذه الجهات على تطوير البيئة التنظيمية، وتسهيل إجراءات الاستثمار، وتعزيز جودة الخدمات المرتبطة بتنظيم المعارض واستضافتها.

ومن الناحية الاقتصادية تمثل المعارض الصناعية نافذة استراتيجية لجذب الاستثمار المحلي والأجنبي، إذ تتيح عرض المشروعات الصناعية الجديدة، والحوافز الاستثمارية، والمزايا التنافسية التي توفرها البيئة الاقتصادية السعودية. كما تسهم في تعزيز المحتوى المحلي من خلال تمكين المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وربطها بسلاسل الإمداد الكبرى، ودعم التصنيع المحلي بما يقلل الاعتماد على الواردات ويعزز الاكتفاء الذاتي في عدد من القطاعات..

وتبرز أهمية المعارض أيضاً في نقل المعرفة والتقنية، إذ تستضيف شركات عالمية تعرض أحدث الابتكارات في مجالات الأتمتة، والتصنيع الرقمي، والطاقة المتجددة، والذكاء الاصطناعي الصناعي، مما يرفع كفاءة المصانع الوطنية، ويدعم التحول نحو المصانع الذكية، ويعزز جاهزية القطاع الصناعي لمتطلبات الاقتصاد المعرفي..

كما يسهم قطاع المعارض في دعم الاقتصاد غير النفطي عبر تنشيط السياحة الاقتصادية، وزيادة إشغال مرافق الضيافة، وتحفيز قطاع النقل والخدمات اللوجستية، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، مما يعكس الأثر الممتد لهذه الفعاليات على مختلف القطاعات الاقتصادية.

وترتبط المعارض الصناعية ارتباطاً وثيقا بالبرامج التنفيذية المنبثقة عن رؤية 2030، فهي تسهم في رفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة الصادرات غير النفطية، وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة الوطنية.

وعليه، يمكن القول إن المعارض الصناعية في ظل رؤية المملكة 2030 تمثّل أداة تنموية متكاملة تتجاوز دورها التقليدي كفعاليات تجارية، لتصبح ركيزة استراتيجية في مسار التحول الصناعي والاقتصادي، فهي تجمع بين الاستثمار والمعرفة والتقنية في فضاء واحد، وتسهم في ترسيخ مكانة المملكة مركزاً صناعيّاً إقليميّاً، بما ينسجم مع طموحاتها نحو اقتصاد متنوع ومستدام.

00:15 | 20-04-2026

السعودية مركز الفعاليات العالمي..

مع الأوضاع الراهنة التي أعادت رسم خرائط حركة الطيران وسلاسل الإمداد، وجعلت كل قرار مشاركة دولية محسوباً بحذر، لم يكن قطاع المعارض بمنأى عن الرياح العاتية، لكن المشهد السعودي كان استثناء يعيد تعريف القاعدة، وبينما تراجع آخرون، تقدمت المملكة، ليس لأنها محصّنة ضد الاضطراب فحسب، بل لأنها اختارت أن تكون أكثر مرونة من الأزمة، فاستثماراتها العميقة في البنية التحتية بمثابة شرايين بديلة حين انسدت الشرايين الرئيسية، وحين قلّ الإقبال على الفعاليات الاستهلاكية، نمت في أراضيها فعاليات الطاقة والأمن والخدمات اللوجستية، كما لو أنها تقرأ نبض المرحلة بلغة مختلفة.


ومع هذه التحديات فإن المشهد لا يعكس تراجعه بل إعادة تشكيل للقطاع بروح التحول الوطني، فبينما تتأثر المعارض الاستهلاكية والترفيهية كأول الغيث تنمو بقوة فعاليات الطاقة والأمن السيبراني والخدمات اللوجستية وكأنها تقرأ خريطة رؤية 2030 التي جعلت من هذه القطاعات عماد التنويع الاقتصادي.


وفي هذا السياق، تبرز المملكة بفضل الله ثم البنية التحتية العملاقة التي أرساها سيدي ولي العهد، مهندس التطوير، في موقع أكثر توازناً، مدعومة بربط جوي عالمي جعل المملكة بوابة ثلاث قارات، رغم تعقيدات الممرات.


ثم أن موسم الفعاليات حوّل استضافة 17 ألف فعالية أعمال سنوية إلى أسلوب حياة اقتصادي.


كما أن الطاقة الاستيعابية الصاعدة بأكثر من 300 ألف متر مربع من مساحات العرض موزعة على مدن اقتصادية ومناطق لوجستية ووجهات سياحية تتحدث بلغة جودة الحياة.


ولأن رؤية المملكة 2030 أعادت تعريف علاقة الوطن بالتحديات، ركّزت على القيمة المضافة التي تترك بصمتها في الناتج المحلي، وفرص العمل وجودة الحياة.


هي رؤية ملكية وضعت الإنسان والاقتصاد والوطن في قلب كل قرار، وقيادة آمنت بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُبنى بثقة وإتقان، وعليه، فإن التحدي الحقيقي أمام قطاع المعارض والمؤتمرات في المرحلة المقبلة لا يكمن في استمرار النشاط من عدمه، لأن استمرار النشاط أصبح حقيقة واقعية بفضل الله ثم بفضل رؤية طموحة لا تعرف التراجع.


ويبقى التحدي الأعمق والأجمل هو: القدرة على إدارة التعقيد المتزايد بكفاءة، وتحويل كل عقدة في الطريق إلى درس في المرونة، فلم يعد نجاح الفعالية مرتبطاً فقط بجودة التنظيم، وهي أساسية بلا شك، بل أصبح مرتبطاً بقدرة القائمين عليها على:


- استيعاب المتغيرات الإقليمية بوعي القائد


- بناء نماذج تشغيل أكثر مرونة واستدامة


- تحويل الأزمات إلى فرص نمو مستقبلية


وفي هذا الإطار بالذات، تبرز بلادنا المباركة المملكة العربية السعودية كواحدة من أكثر الأسواق جاهزية لإعادة تعريف دور هذا القطاع، كمحرّك اقتصادي حيوي، يمتلك خاصية التكيف مع الأزمات، ويصنع من رمال المتغيرات طرقاً جديدة نحو المستقبل.


هذا هو الدرس السعودي في زمن الاضطراب: لا ننتظر انقشاع الغيم، بل نتعلم كيف نبني تحت المطر.

00:05 | 13-04-2026