أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1807.jpg&w=220&q=100&f=webp

سلمان بن سهيل العطاوي

شراكة «العام والخاص» تعزز صناعة المعارض والمؤتمرات..

يشهد قطاع المعارض والمؤتمرات في المملكة العربية السعودية تحولًا متسارعًا، مدعومًا باستثمارات إستراتيجية ضمن رؤية المملكة 2030 التي تضع تنويع الاقتصاد وتنمية القدرات البشرية في صميم أهدافها، ولا يقتصر هذا التحول على تنظيم الفعاليات فحسب، بل يمتد إلى بناء منظومة متكاملة من البنية التحتية والمرافق والخدمات القادرة على استضافة الفعاليات المحلية والدولية وتعزيز حضور المملكة في صناعة الملتقيات العالمية، وفي قلب هذا التحول تأتي الشراكات بين القطاعين العام والخاص بوصفها ركيزة أساسية لتمويل وتشغيل وتطوير البنية التحتية، إذ تجمع الخبرة الحكومية في التخطيط والتنظيم مع قدرة القطاع الخاص على الاستثمار والابتكار وإدارة العمليات بكفاءة، بما يسهم في توزيع الأدوار والمسؤوليات وتعزيز استدامة المشاريع، وقد شكلت القمة الدولية للمعارض والمؤتمرات التي استضافتها الهيئة العامة للمعارض والمؤتمرات في الرياض منصة مهمة لترجمة هذا التوجه إلى شراكات عملية، من خلال جمع ممثلين من جهات محلية ودولية وتوقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم لدعم البنية التحتية وتطوير صناعة المعارض والمؤتمرات، كما عكست القمة اهتمامًا متزايدًا من الشركات الدولية بالسوق السعودية ورغبتها في توسيع حضورها داخل المملكة، بما يدعم نقل الخبرات وتطبيق المعايير العالمية، وتتعدد نماذج الشراكة بين التمويل والتشغيل وإدارة المرافق، ويقدم صندوق الفعاليات السعودي نموذجًا يجمع بين مشاركة القطاع الخاص وتمويل الصندوق، بما يساعد على تنفيذ المشاريع وتوفير بنية تحتية قادرة على خدمة الفعاليات الكبرى، وتكتسب هذه النماذج أهميتها من قدرتها على توزيع المخاطر والاستفادة من خبرات القطاع الخاص، بحيث لا تتحمل الجهات الحكومية أعباء الإنشاء والتشغيل كاملة، بل تتوزع المسؤوليات وفق طبيعة كل مشروع، كما تتيح هذه الشراكات الاستفادة من التقنيات الحديثة وأساليب الإدارة المتقدمة وتحسين الصيانة والتشغيل على المدى الطويل، بما يحافظ على جاهزية المرافق ويرفع قدرتها على المنافسة، ولا تقتصر آثار تطوير قطاع المعارض والمؤتمرات على قاعات الفعاليات، بل تمتد إلى قطاعات السياحة والضيافة والنقل والخدمات والتقنية، وتفتح فرصًا أمام المنشآت الوطنية والكفاءات السعودية، وتسهم في توطين المعرفة والخبرة وربط الاقتصاد المحلي بالأسواق الدولية، كما تمنح المدن السعودية فرصًا أوسع لاستقطاب الاستثمارات والفعاليات وتنمية ميزاتها التنافسية، وتترجم هذه الشراكات مستهدفات رؤية المملكة 2030 من خلال رفع الكفاءة التشغيلية وتوسيع قاعدة الاستثمار واستقطاب الخبرات العالمية وتعزيز دور الكفاءات الوطنية في صناعة الفعاليات، فاستدامة القطاع لا تعتمد على المرافق وحدها، وإنما على منظومة متكاملة تجمع التمويل والتشغيل والمعرفة والتقنية والموارد البشرية، ومن هنا فإن نجاح الشراكات لا يقاس بحجم الاستثمارات وحده، وإنما بقدرتها على صناعة قيمة مستدامة من خلال رفع كفاءة المرافق وتطوير الخدمات وتوسيع قاعدة الموردين المحليين وتأهيل الكفاءات وتعزيز حضور الشركات السعودية في سلسلة القيمة المرتبطة بالمعارض والمؤتمرات، ومع استمرار نمو القطاع تصبح الشراكات وسيلة لتبادل المعرفة وبناء الثقة وتطوير الحلول المبتكرة، وصولًا إلى منظومة فعاليات وطنية متقدمة تعكس طموح المملكة وتدعم اقتصادها المتنوع وتعزز مكانتها في صناعة المعارض والمؤتمرات عالميًا.

00:31 | 26-10-2026

من الرياض إلى جازان.. معارض تصنع مستقبل المدن السعودية   

أقف اليوم على رأس أرض المعارض في العاصمة الرياض، حاملاً خبرة سنوات في قطاع المعارض والمؤتمرات، وشاهداً بفخر على تحوّل هذه الصناعة إلى محرك تنموي يمتد أثره من قاعات الفعاليات إلى المدن والمجتمعات، ومع رؤية المملكة 2030، أصبحت المعارض جزءاً من منظومة التنمية الوطنية، تسهم في إعادة تشكيل خريطة النشاط الاقتصادي، وتفتح أمام المدن السعودية مساحات جديدة للنمو والاستثمار، وتمنح كل مدينة فرصة لصناعة ميزتها التنافسية وفق إمكاناتها ومقوماتها، وفي تجربتي العملية، لمست تركّز الطاقة الاستيعابية للمعارض والمؤتمرات في الرياض ومكة المكرمة والمنطقة الشرقية، وهو امتداد طبيعي لما تتمتع به هذه المدن من بنية تحتية متقدمة ومطارات وسعة فندقية ومراكز اقتصادية، وقد شهد قطاع الفعاليات نمواً متسارعاً، مدفوعاً بالطموح الوطني نحو توسيع صناعة المعارض والمؤتمرات وتعزيز حضور المملكة على خارطة الفعاليات العالمية، وأرى في هذا النمو فرصة واسعة لانتقال اقتصاد الفعاليات إلى مدن أخرى، بما يحقق توزيعاً أكثر توازناً للفرص ويعزّز الحراك الاقتصادي في مختلف مناطق المملكة، كما وتملك كل مدينة مقوّمات تمنحها حضوراً خاصاً في خريطة الفعاليات؛ فالمدينة المنورة تستند إلى مكانتها الدينية وحركة الزوّار، والعُلا تقدّم تجربة عالمية تجمع الثقافة والتراث والسياحة، وعسير تستثمر طبيعتها الجبلية في مؤتمرات السياحة والاستدامة، بينما تمتلك نجران إرثاً حضارياً وموقعاً يؤهلها لدور مهم في التجارة الإقليمية. ومن هذا التنوع يمكن بناء شبكة وطنية متكاملة تتكامل فيها المدن، وتتعدد فيها الفرص، وتتسع فيها دائرة الأثر الاقتصادي، وتحتل جازان مكانة خاصة في رؤيتي، لما يمثله مشروع «جيدانا ووترفرونت» وما يتضمنه من مركز مؤتمرات متعدد الأغراض من خطوة مهمة في ربط صناعة المعارض بالتنمية العمرانية، فالمشروع يجمع الواجهة البحرية والضيافة والتجزئة والمساحات العامة في منظومة واحدة، ويخلق دورة اقتصادية تبدأ من الاستثمار في البنية التحتية، ثم استقطاب الفعاليات والزوّار والمستثمرين، وصولاً إلى تنشيط التجارة والخدمات ورفع قيمة الأصول في محيط المشروع، وهنا يصبح مركز المؤتمرات نقطة انطلاق لنمو حضري واقتصادي يمتد أثره إلى المجتمع والمدينة لسنوات طويلة..

ومن موقعي العملي، أدرك أن اقتصاد المعارض ينتج أثراً متدرجاً يبدأ من الإنفاق على التنظيم والتشغيل، ويمتد إلى الفنادق والنقل والمطاعم والتجزئة، ثم يصل إلى جذب الاستثمارات وتوطين الكفاءات وتعزيز صورة المدينة، وكلما انتقلت الفعاليات إلى مدن جديدة، انتقلت معها هذه الدورة الاقتصادية، وأصبحت جزءاً من اقتصاد المدينة وحياة سكانها..

وتكتمل هذه المنظومة حين تترافق البنية التحتية مع التشغيل الذكي والكفاءات الوطنية والتكامل مع القطاعات الاقتصادية المحلية، وتوفر تقنيات الذكاء الاصطناعي فرصاً واسعة لرفع الكفاءة، وتحسين تجربة الزوار، وإدارة التدفقات، وقياس الأثر الاقتصادي بدقة، ويبقى الاستثمار في أبناء الوطن أساس هذا التحوّل، لأن المعرفة حين تتحوّل إلى مهارة وخبرة محلية تصبح قوة اقتصادية مستدامة، وتصنع قدرة متجددة على استضافة الفعاليات وإدارتها بمستوى عالمي.

ومن أرض المعارض بالرياض، أطمح إلى تطوير نموذج سعودي في التشغيل والابتكار، وتبادل الخبرات مع المدن الأخرى، وبناء منظومة ذكية تجعل كل فعالية فرصة لإضافة قيمة حقيقية إلى اقتصاد المدينة ومجتمعها، وأرى المستقبل في شبكة وطنية تربط الرياض بجازان والعلا وعسير والمدينة المنورة ونجران، لتتكامل القدرات وتتوزع الفرص وتتوسع المملكة في استضافة الفعاليات العالمية.

إن المعارض في رؤيتي جسور تربط المعرفة بالاقتصاد، والاستثمار بالمدن، والفرص بالمجتمعات، وحين تلتقي الإرادة بالرؤية، تستطيع مدننا أن تصنع مستقبلها بأيدي أبنائها، ويصبح هذا الوطن العظيم أكثر حضوراً وتأثيراً في خريطة الاقتصاد العالمي.. حفظ الله وطننا، وأدام عليه عزّه ورفعته.

00:04 | 19-10-2026

معرض ليب.. محرك اقتصادي عالمي من قلب الرياض

انطلقت فعالية «ليب» في الرياض عام 2022، لتتحول خلال سنوات قليلة إلى واحدة من أبرز منصات التقنية عالمياً، إلى جانب ملتقيات دولية كبرى مثل CES وMWC وGITEX


وتحمل تسميتها دلالة اقتصادية عميقة، فهي تعبّر عن القفزة التي تصنعها المعرفة حين تلتقي بالإرادة والرؤية الاستثمارية، وهو ما تجسده مسيرتها المتصاعدة منذ نسختها الأولى، لقد بدأت «ليب» بمشاركة إقليمية، ثم توسعت عاماً بعد عام، حتى استقطبت نسختها الخامسة أكثر من 1800 شركة تقنية، و1900 مستثمر، و600 شركة ناشئة، مع حضور تجاوز 201 ألف مشارك من مختلف أنحاء العالم. وتعكس هذه الأرقام مكانة المملكة كمنصة اقتصادية عالمية تربط الأسواق، وتجمع رؤوس الأموال والخبرات، وتفتح المجال أمام الشراكات التجارية والاستثمارية، وفي قلب «ليب» تدفقات استثمارية قاربت 15 مليار دولار، شملت البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والتصنيع التقني، ورأس المال الجريء. كما أطلقت شركة «هيوماين» منظومة من الشراكات مع شركات تقنية عالمية لتطوير مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والبنية السحابية والنماذج والحلول المؤسسية، ويؤكد هذا الحجم من الاستثمارات أن «ليب» أصبحت منصة اقتصادية تولّد فرصاً تمتد آثارها إلى النقل والفنادق والمطاعم والخدمات اللوجستية، كما ويظهر أثرها الاقتصادي بوضوح؛ فقد حققت نسخة 2025 أثراً يُقدّر بنحو 820 مليون دولار، بينما تجاوز الأثر التراكمي للفعالية بين 2022 و2025 حاجز 1.9 مليار دولار، كما وصلت نسب إشغال فنادق الرياض إلى 99% خلال أيام الحدث، مع وصول نحو 50 ألف ضيف دولي، بما يعكس قدرة اقتصاد المعارض على تنشيط قطاعات الضيافة والنقل والخدمات.


وتأتي منصة DeepFest، المنعقدة بالتوازي مع «ليب» بالشراكة مع الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (SDAIA)، لتضيف بعداً اقتصادياً ومعرفياً مهماً. فقد جمعت أكثر من 100 متحدث من 17 دولة و100 علامة عالمية، إلى جانب أكثر من 50 جلسة متخصصة تناولت الذكاء الاصطناعي الوكيلي، وتكامل الأنظمة، والروبوتات، ويؤكد مسؤولو SDAIA أن المملكة تتجه نحو تبني نهج «الذكاء الاصطناعي أولاً»، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من تصميم الخدمات والمنتجات، مع استخدام أكثر من 80% من الموظفين للذكاء الاصطناعي بصورة منتظمة في أعمالهم اليومية، كما تسهم «ليب» في نمو سوق إدارة الفعاليات في السعودية، التي يُتوقع أن ترتفع من 9.450.2 مليون دولار في 2024 إلى 19.561.3 مليون دولار بحلول 2033، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 8.42%، وتدعم التقنيات الذكية هذا النمو من خلال مؤشرات أداء تعتمد على RFID وNFC، فتسهم في خفض أوقات الاستجابة والتخطيط والتكاليف، ورفع الإيرادات لكل زائر.. وتتحول التذاكر الرقمية كذلك إلى أدوات تفاعلية تتيح طلب الطعام وشراء المنتجات وتلقي توصيات مخصصة، مع دعم أكثر من 80 لغة، ما يرفع الإنفاق الفردي ويمنح الرعاة بيانات أكثر دقة لقياس العائد على استثماراتهم..


وهكذا تمثل «ليب» امتداداً لمسيرة اقتصادية سعودية تحتفي بالمعرفة والابتكار والتجارة، وترجمة معاصرة لروح الأسواق التي كانت تلتقي فيها القوافل بالعقول ومع استهداف المملكة الوصول إلى 40 ألف فعالية بحلول 2030.

01:04 | 12-10-2026

حراس الأمن في إدارة الحشود وتعزيز التجربة الزائرية في المعارض الدولية..

تتشكّل المعارض الدولية كمدن مؤقتة تنبض بالحركة، تتعانق فيها أروقة الابتكار مع أزقة الدهشة، وتتحاور فيها اللغات عبر المصافحة والنظرة. هذا العالم المصغر، الذي يختزل الكوكب في أمتار مربعة، يحمل في جوهره تناقضاً جميلاً: الانفتاح على الآخر مع الحاجة إلى ضبط الإيقاع الجمعي. من هنا، يبرز السؤال المحوري: كيف يتحوّل حارس الأمن من عنصر ثابت في المشهد إلى مهندس للتدفق الزائر، يعيد تشكيل تجربة الزائر من لحظة وصوله حتى مغادرته؟ يتتبع هذا البحث تلك الرحلة التحويلية، مفككاً المهام التي ينهض بها الحارس، والتحديات التي تواجهه، والإستراتيجيات التي تصنع من وجوده حضوراً فاعلاً في ذاكرة الزائر.

يرتكز البناء التحليلي لهذه الدراسة على تمايز جوهري بين فلسفتين أمنيتين، الفلسفة الأولى، الأمن التقليدي بردعه، تنظر إلى الجمهور بوصفه كياناً يحتاج إلى مراقبة وضبط، فيقف الحارس عند حدود الفضاء، صامتاً كالتمثال. في المقابل، تقدم الفلسفة الثانية، الأمن الموجه للخدمة باستباقه، تصوراً مغايراً تماماً؛ فالحارس هنا يتحرك داخل الحشد، يستشعر مزاجه، ويستبق احتياجاته. يجد هذا التصور دعمه النظري في دراسات إدارة الحشود، وتحديداً نظرية السلوك الجماعي التي تكشف كيف تنتقل المشاعر داخل الجماعة كالتيار الكهربائي، ومفهوم الذكاء الحشدي الذي يفترض قدرة الجمهور على التكيف الذكي عندما يجد توجيهاً إنسانياً رشيقاً.

في قلب هذه الفلسفة، يقف الأمن الوقائي، الذي يتعامل مع الأزمة قبل ولادتها، محولاً الحارس من مستقبل للطوارئ إلى مانع لحدوثها أصلاً.

وتتوزع مهام الحارس في فضاء المعرض على أربعة فصول متشابكة، يكتب فيها الحارس دوره الجديد. البوابة حكاية أولى تختصر العلاقة بين الزائر والمكان؛ هنا يطبق الحارس أنظمة الدخول الإلكتروني ويتحقق من السلامة العامة، لكن بروح تستقبل وتؤمن في آن واحد، محولاً إجراءات الفحص من لحظة توتر محتملة إلى لحظة عبور سلسة، مانعاً التكدس عند العتبة الأولى. في قلب المعرض، حيث تتزاحم الأجساد والفضول، يتحوّل الحارس إلى ملاح بشري يقرأ حركة الموجة الزائرة قبل اشتدادها، يوجه عبر ممرات الطوارئ والمناطق المزدحمة، يعيد توزيع الكثافات بتدخلات ناعمة، ويمنع التدافع عبر استشعار مسبق لنقاط الاختناق، فينساب الزوّار كأن حركتهم منسقة بلا أوامر. عندما يخترق صوت إنذار أو تسقط حالة طبية أرضاً، ينكشف المعدن الحقيقي للحارس؛ يتطلب هذا المشهد تحوّلاً فورياً من المراقبة الهادئة إلى الفعل الحاسم، عبر تنفيذ إجراءات الإخلاء بخطوات ثابتة، وفتح مسارات آمنة، والتعامل مع الحالات الطبية بمعرفة إسعافية أولية تحفظ الحياة قبل وصول المختصين.

ويكتمل المشهد بالوجه الآخر للأمن وهو الطمأنينة، حيث يؤدي الحارس دور السفير الأمني، يجيب عن الأسئلة، يرشد التائهين، ويمتص التوتر بلغة هادئة، محولاً العلاقة من علاقة سلطة إلى علاقة ثقة، فيرى الزائر في الحارس مصدر أمان ومعلومة معاً.

خلف هذه الكفاءة الظاهرة، يخوض الحارس معارك صامتة تستنزف الجسد والروح، وتتكشف ثلاث جبهات رئيسية. يفرض إيقاع المعرض ساعات طويلة من الوقوف والانتباه.. مع تغيّر مستمر لنوبات العمل، وهذا الإجهاد الجسدي المتراكم يهدّد قدرة الحارس على البقاء في حالة تأهب ذهني كامل، فيصبح التحدي هو الحفاظ على اليقظة داخل جسد أنهكه التعب.. يتعرّض الحارس يومياً أيضاً لمشاعر متناقضة من الزوّار: الغضب، الإحباط، الخوف، الارتباك؛ يجد نفسه أمام زائرين غاضبين من انتظار طويل، أو مخالفين يرفضون التوجيه، وهنا تتحوّل اللحظة الأمنية إلى لحظة دبلوماسية، حيث يتعيّن على الحارس أن يضبط انفعالاته ويحتوي غضب الآخرين دون التنازل عن مبادئ السلامة. تقدّم قاعات التدريب سيناريوهات منضبطة، بينما يقدم الميدان فوضى خلاقة؛ حالات الهلع الجماعي، والتدافع المفاجئ، وسلوك الحشود المتغير بلا سابق إنذار، تكشف محدودية البروتوكولات الجامدة.. كما ويواجه الحارس هنا تحدياً معرفياً: كيف يترجم النظرية إلى فعل حي وسط زحام يفرض منطقه الخاص؟ تكمن الإجابة في المرونة الميدانية، تلك القدرة على الارتجال المدروس التي تفصل بين الحارس الناجح والحارس الذي يتقن الحفظ فقط.

00:24 | 5-10-2026

صفر نفايات وإعادة تدوير مواد البناء والأثاث المستخدم في الأجنحة

في قلب مدينة تستعد لاستقبال معرض دولي، تقف أجنحة تحولت من هياكل مؤقتة تُهدم بعد انتهاء الفعالية إلى بيان حي لفلسفة صفر نفايات، حيث يلتقي الإبداع المعماري بالوعي البيئي لتروى قصة مدهشة عن بناء وأثاث يولدان من جديد مرة بعد أخرى دون أن يفقدا روحهما أو جمالهما.


في المفهوم التقليدي، تعني نهاية المعرض بداية الانهيار، جرافات تهدم، حاويات تبتلع، مكبات تتمدد، بينما في نموذج صفر نفايات يتغير السؤال جذرياً، إذ نسأل كيف نحصد هذا. تخيل جناحاً بُني بالكامل من ألواح خشبية مثبتة بمسامير قابلة للفك، خالياً من المسامير اللاصقة والخرسانة المسلحة، وعند انتهاء الفعالية يفككه فريق متخصص قطعة قطعة، مرقماً كل عنصر برمز يشبه الباركود يحمل تاريخه الكامل، مصدر الخشب، عمره، عدد مرات استخدامه، بصمته الكربونية، فتصبح العملية حصاداً معمارياً يستخرج موارد ثمينة من مبنى اكتمل دوره.


وفي ركن من الجناح يجلس الزوار على مقاعد مصنوعة من أبواب قديمة أُعيد تشكيلها، كل خدش على سطحها سطر في سيرة ذاتية جماعية. طاولة المؤتمرات الكبيرة أرضية مستودع سابق صقلت وكشفت عن عروق خشب ظلت مخفية لعقود، بينما الأثاث المصمم بنظام التحول الدائم يدهش أكثر، كرسي ينفصل إلى مسند وطاولة صغيرة، رفوف تتحول إلى صناديق نقل، مكتب استقبال يطوى ليصبح منصة عرض، وكأن كل قطعة صممت بعمر افتراضي يتجاوز الحدث الواحد، ممثلة تجيد أدواراً متعددة على مسارح مختلفة.


حتى الخرسانة التي تبدو مستحيلة إعادة التدوير وجدت طريقها للثورة عبر كتل متشابكة تعمل بنظام الضغط والتوازن، كما في العمارة القديمة دون ملاط، وعند الفك تعود الكتل لمخزونها لتستخدم في أساسات أو جدران استنادية أو تطحن لتصبح ركاماً لخرسانة جديدة، فيما يثبت الحديد بوصلات ميكانيكية قابلة للفك ليعود لأفران الصهر بطاقة أقل بنسبة سبعين بالمئة من إنتاج حديد جديد. وخلف الكواليس تعمل شبكة معقدة من اللوجستيات العكسية، شاحنات تصل محملة بمواد من مواقع هدم سابقة في اللحظة ذاتها التي تغادر فيها شاحنات أخرى بمواد الفك، مستودعات مؤقتة تعمل كمستشفيات مواد، هنا يعالج خشب مصاب بالرطوبة، هناك يعاد طلاء معدن صدئ، في زاوية ثالثة تُخاط أقمشة كانت جدراناً لتصبح وسائد، أشبه بدورة دموية صناعية تضخ الموارد من حيث تتوفر إلى حيث تحتاج دون توقف أو هدر، فالرقم الذي يذهل الزوار دائماً، جناح بمساحة ألف متر مربع بنظام صفر نفايات يكلف بناء أولياً أكثر بنسبة خمسة عشر إلى عشرين بالمئة من التقليدي، لكنه يعود باستثمار يفوق أربعين بالمئة عند حساب قيمة المواد المستعادة، وتكاليف التخلص المتجنبة وقيمة البيع اللاحقة للمواد في سوق المواد المستعملة المعمارية المزدهر، والأكثر إثارة أن بعض الأجنحة تتحول بعد انتهاء المعرض إلى بنوك مواد، مخازن مفتوحة للمجتمع المحلي، يمكن لأي شخص فيها شراء باب أو نافذة أو ألواح بسعر رمزي، فيتحول الجناح من مساحة عرض نخبوية إلى مورد شعبي. وفي العمق، تكمن الفلسفة الأعمق من التدوير، صفر نفايات في الأجنحة ترفض منطق الاستخدام الواحد الذي تسلل لعالم البناء، وتستعيد حكمة الأجداد الذين كانوا يبنون بيوتهم لتدوم قروناً وينقلون أعمدتها الخشبية من جيل لجيل. وحين تغادر آخر شاحنة محملة بمواد الجناح المفكك، تبقى في الموقع أرض نظيفة وذاكرة جميلة ومواد تسير نحو حياة جديدة. وهنا تكمن الدهشة الحقيقية، عندما نعيد تعريف النفايات نكتشف أنها كانت موارد تنتظر من يفهم لغتها.

00:16 | 28-09-2026

لماذا تفشل بعض المعارض؟

في المشهد الاقتصادي الواسع، تقف المعارض التجارية كحكايات تُروى عن نبض الأسواق وحيوية القطاعات، وتحمل في تفاصيلها وعداً باقتصاد أكثر اتصالاً ووعياً، غير أن بعض هذه الحكايات تفقد بوصلتها، فتتحول إلى فصول مكررة تختم سطورها قبل أن تبدأ أثرها، وحين أتأمل بعض هذه الفعاليات من موقعي، أرى أن الفشل لا يكمن في ضعف الحضور أو تواضع الصفقات، بل في غياب الروح التي تمنح المعرض معنى يتجاوز صفوف الأجنحة وصخب الممرات، إذ يصبح الحدث جسداً بلا ذاكرة وحركة بلا وجهة...


إنني أدرك أن الإدارة التي تنظر إلى المعرض بوصفه مناسبة لجمع الإيرادات الفورية تشبه من يقرأ صفحة واحدة من كتاب ضخم ويظن أنه امتلك الحكاية كلها، فالمعرض في جوهره كائن اقتصادي حي يتنفس من علاقات ممتدة تتشكل بين العارضين والزوار وصناع القرار، وحين تُختزل هذه العلاقات في معادلة حسابية باردة، تذبل القيمة الحقيقية للحدث وتتحول أيامه إلى عداد زمني منتظر الانتهاء، ويغيب الإدراك بأن الأثر الاقتصادي الأعمق يتولّد من تراكم الثقة وبناء الجسور بين الفاعلين في السوق، وهذه الجسور تحتاج إلى زمن أطول من أيام المعرض كي تكتمل ملامحها وتؤتي ثمارها.


أما الفجوة الثانية، فتتجلى في انفصال تصميم المعرض عن وجدان الزائر، إذ تُبنى الأجنحة وفق تصورات الإدارة عن اهتمامات الجمهور دون إنصات فعلي لأسئلته وتطلعاته، فيسير الزائر في متاهة لا تعرف منطقه ولا تلمس شغفه، وحين يضيع هذا الإحساس بالاتجاه، يتحول التجول إلى عبور بارد يبحث عن مخرج، ويفقد المعرض فرصة أن يكون رحلة اكتشاف تترك أثرها في الذاكرة الاقتصادية للأفراد، فيخرج الزائر محمّلاً بانطباع عابر سرعان ما يتبخر مع أول خطوة خارج البوابة.


يُضاف إلى ذلك ابتعاد المعارض عن منظومة الإبداع الوطني، فحين تعمل الفعاليات في عزلة عن الجامعات ومراكز البحوث وحاضنات الأعمال، تفقد صلتها بشريان الابتكار الذي يضخ الحياة في الاقتصاد، ويصبح المعرض واجهة تكرر ما هو كائن بدل أن يستشرف ما هو ممكن، وهذه العزلة تحرم الزائر من لحظة الدهشة التي تصنع الفرق بين حدث يمر وحدث يبقى، كما تحرم العارضين من فرصة التفاعل مع عقول جديدة تحمل أسئلة مغايرة ورؤى غير مألوفة تدفعهم نحو تطوير منتجاتهم وخدماتهم.


وأرى أيضاً أن غياب الذاكرة الرقمية للمعرض يجعله تجربة مبتورة تبدأ من العدم وتنتهي إليه، فكل تفاعل يسجله الزائر يملك قيمة كامنة يمكن أن تتحول إلى معرفة تراكمية توجه الدورات اللاحقة نحو الأفضل، وحين تهمل الإدارة التقاط هذه البيانات، تفقد القدرة على التعلم من تجربتها، فتعيد الأخطاء ذاتها دورة بعد أخرى، وكأن التاريخ يبدأ من الصفر مع كل افتتاح، ويصبح المعرض بلا ذاكرة مؤسسية تحفظ دروس الماضي وتستثمرها في صناعة مستقبل أكثر نضجاً.


في العمق، يُمثّل فشل المعارض قصوراً في فهم تحولات الاقتصاد المعرفي. أرى المعرض الناجح أقرب إلى جامعة مكثفة تختزل الزمن وتكثّف المعرفة، وأقرب إلى مختبر مفتوح تلتقي فيه الفكرة بالتمويل والرؤية بالتطبيق، وحين تدرك الإدارات هذا المعنى، تتحول من إدارة أحداث عابرة إلى صناعة أثر ممتد يتجاوز أيام المعرض إلى ذاكرة الاقتصاد نفسه، وهناك يكمن الفرق بين حدث يُحصي زواره وأثر يُحصي تحولاته.


وضمن هذه القراءة التحليلية، تتجلى المملكة العربية السعودية نموذجاً استثنائياً في تجاوز اختلالات المعارض التقليدية، إذ استطاعت أن تعيد تعريف وظيفة المعرض من حدث تجاري موسمي إلى منصة تنموية شاملة تمتد آثارها إلى الاقتصاد الوطني.


ختاماً، تُجسّد المعارض السعودية روح الرؤية الطموحة، محققةً قفزات نوعية في الاستثمار والابتكار من خلال منصات استراتيجية تعيد تشكيل ملامح الاقتصاد الوطني، والبنية التحتية المتطورة، والشراكات العالمية، كما تواصل المملكة ترسيخ مكانتها وجهةً رائدة للأعمال والسياحة، وهذا الزخم الناجح هو امتداد لعزيمة قيادة رشيدة نحو مستقبل أكثر ازدهاراً.

19:24 | 20-09-2026

«الخوارزميات» تسبق خطوات زوّار أرض المعارض..

في اللحظة التي تتقاطع فيها التقنية مع الاقتصاد، تولد تجارب استثنائية تعيد تعريف العلاقة بين الفضاءات الكبرى وجمهورها، ومن قلب هذا التقاطع انبثقت فكرة التطبيق الرقمي الذي أطلقته أرض المعارض ليكون شاهداً على عصر جديد تمتلك فيه الخوارزميات مفاتيح التوجيه، وتتحوّل فيه الأروقة إلى مسارات ذكية تُصمم لكل زائر على حدة، فالمعارض في جوهرها منظومات معرفية هائلة الحجم، وتكمن التحديات الحقيقية في قدرتها على مخاطبة كل عقل بلغته الخاصة.

تمثّل المنصات الرقمية الذكية تحوّلاً جوهرياً في هندسة تجربة الزائر داخل الفضاءات الاقتصادية الكبرى، إذ أصبحت المعارض منظومات تفاعلية معقدة تتطلب أدوات توجيه قادرة على استيعاب التباين الواسع في اهتمامات الزوّار وأهدافهم، وانطلاقاً من هذه الرؤية أطلقت أرض المعارض تطبيقاً رقمياً خاصاً يعتمد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لإعادة تشكيل رحلة الزائر من لحظة دخوله البوابة حتى مغادرته، فيتحوّل المعرض من فضاء استهلاكي عام إلى تجربة معرفية مخصصة تتفوق على أي نموذج معارض منافس، ويعتمد التطبيق في جوهره التقني على تحليل بيانات الزائر السلوكية والاهتماماتية قبل وصوله إلى موقع الحدث، إذ يقدّم عند التسجيل مجموعة من الاستفسارات الذكية التي تستخرج منها الخوارزميات أنماط التفضيلات القطاعية والمجالات الصناعية الأكثر صلة باهتماماته، ومن ثم يبني التطبيق مساراً ديناميكياً يتكيف لحظياً مع حركة الزائر داخل الأجنحة، فإذا أبدى الزائر اهتماماً مطولاً بجناح معين اقترحت المنظومة أجنحة مكملة تعزّز الفهم المعرفي، وإذا رصدت الخوارزميات ازدحاماً في منطقة محددة أعادت توجيه الزائر نحو مسارات بديلة تضمن استمرارية التدفق وتقلل زمن الانتظار، وهذه الاستجابة اللحظية تحول التجربة من طابع عشوائي إلى رحلة هندسية دقيقة تحقق أعلى كفاءة زمنية ومعرفية ممكنة.

وتتجلّى القيمة التنافسية لهذا التطبيق في قدرته على تحويل المعرض من حدث موسمي إلى منصة بيانات استراتيجية، فكل تفاعل يسجله الزائر يغذّي قاعدة بيانات ضخمة تمكّن الإدارة من فهم الخرائط الحرارية للاهتمامات، وتحديد الأجنحة الأكثر جذباً، ورصد الفجوات في التغطية القطاعية، وهذه المعرفة التراكمية تمنح أرض المعارض ميزة تفاوضية أمام العارضين والمستثمرين، إذ تصبح قادرة على تقديم تقارير دقيقة عن سلوك الجمهور وأنماط الطلب المستقبلي، فيتحوّل التطبيق من أداة توجيه إلى مختبر ذكاء تسويقي يرفع القيمة الإدراكية للمعرض ككل، إذ يمتد الأثر الاستراتيجي للتطبيق نحو تعزيز المكانة الريادية لأرض المعارض في المشهد الاقتصادي الإقليمي، فالتجربة المخصصة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي تعيد تعريف علاقة الزائر بالمعرض من متلقٍّ إلى مشارك فاعل في تصميم رحلته المعرفية، وهذا التحول النوعي يرفع معدلات الرضا ويضاعف احتمالات العودة ويحفز التوصية الاجتماعية، ومع تراكم هذه المؤشرات الإيجابية تترسّخ صورة أرض المعارض كوجهة ذكية رائدة تحتكر التميّز التجريبي في قطاع تتساوى فيه العروض الصناعية غالباً، لتظل التجربة الرقمية هي الفارق الجوهري الذي يصنع التفوق.

إن إطلاق هذا التطبيق يمثل انتقالاً من إدارة المعارض بمنطق المساحات إلى إدارتها بمنطق الخوارزميات، ومن قياس النجاح بعدد الزوّار إلى قياسه بعمق التجربة وجودة التفاعل، وأنا أرى في هذه النقلة تجسيداً عملياً لفلسفة الذكاء الاقتصادي التي أؤمن بها، إذ نستثمر في التقنية لتعظيم العائد المعرفي للزائر، فيتحوّل المعرض إلى بيئة تعلّم ذكية تتكيّف مع عقل كل زائر على حدة، وهذه القدرة على التخصيص العميق تمثّل الحد الفاصل بين معرض يمر به الزائر ومعرض يبقى في ذاكرته.

00:19 | 14-09-2026

«المعرض» مدرسة ميدانية للتعليم والتوعية

في كل عام تُخصص ميزانيات ضخمة لاستقطاب المستثمرين والعارضين وتُوجه استثمارات ملموسة نحو تطوير البنية التحتية وتعزيز الحضور الدولي وتقوية العلاقات الحكومية، بيد أن تأملي العميق في ديناميكيات هذا القطاع قادني إلى حقيقة جوهرية مفادها أن الصفقة الأكثر أثراً لا تُبرم مع شركة متعددة الجنسيات فقط كما لا تُعقد مع صندوق استثماري إقليمي أيضاً بل تنشأ مع طفل في الثانية عشرة من عمره يعبر بوابات المعرض للمرة الأولى محملاً بالفضول المعرفي والتوق إلى الاكتشاف، وانطلاقاً من هذا الإدراك أكتب هذا المقال مستنداً إلى إطار تحليلي يقوم على الذكاء الاقتصادي متجاوزاً الخطاب التقليدي حول المسؤولية المجتمعية الذي يُوظف غالباً كعنصر تجميلي في التقارير السنوية، إذ أتناول هنا ديناميكيات النمو التي تمتد عبر الأجيال متجاوزاً أفق الربع السنوي الضيق، كما وتشير بيانات مراكز دراسات ريادة الأعمال إلى أن نسبة كبيرة من رواد الأعمال الناجحين عالمياً بدأوا شغفهم بزيارة معرض صناعي خلال طفولتهم، وتحمل هذه الإحصائية دلالة منهجية عميقة أراها جوهرية في فهم طبيعة المعارض، فالمعارض تمثل جامعات تختزل عشر سنوات من التعليم النظري في ثلاثة أيام من المشاهدة المباشرة والتفاعل الحسي، وعندما نغلق الأبواب أمام الطلاب أو نفرض رسوماً تفوق قدراتهم فإن الخسارة تتجاوز التكلفة التشغيلية المباشرة لأننا نقتلع بذوراً معرفية كان يمكن أن تتحول إلى منظومات صناعية متكاملة بعد عقدين.


لقد تناول الاقتصاديون سلاسل التوريد السلعية التي تربط المواد الخام بالمصانع والأسواق، بيد أنني أتحدث هنا عن مفهوم أعمق أسميه سلسلة توريد المعرفة فالمعرض المفتوح مجاناً للطلاب يُنتج مواطنين مستنيرين اقتصادياً، وهي ضرورة تنموية تتجاوز الخطاب الإنشائي، وحين يشاهد الطالب آليات تصنيع المحركات أو برمجة الخوارزميات أو تحول الأفكار إلى منتجات قابلة للتسويق فإنه يختصر الزمن اللازم لاكتشاف قيمته السوقية المستقبلية، وهذا الاختصار المعرفي يحد من البطالة الهيكلية الناتجة عن فجوة المواءمة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، فالطالب الذي يدخل المعرض مجاناً اليوم هو المهندس الذي يتجنب إهدار خمس سنوات في تخصص لا يتوافق مع احتياجات السوق لأن عينه أدركت تلك الاحتياجات بشكل مباشر، وهذا الترشيد في رأس المال البشري يُشكل عائداً استثمارياً حقيقياً وقابلاً للقياس على المدى الطويل.


أطرح هنا ما أسميته النظرية التراكمية للنبض الاقتصادي، فكل طفل يتحرك في أروقة المعرض مجاناً يتعرض لنبضة اقتصادية تُشكل وعيه، وهذه النبضات تتراكم لتتفجر لاحقاً في صورة قرارات اقتصادية كبرى، والطفل الذي يشاهد روبوتاً صناعياً يتحرك أمامه اليوم يعود بعد خمسة عشر عاماً مستثمراً في شركة روبوتات أو مشترياً لمنتج ذكي أو مؤسساً لمصنع يعتمد هذه التقنية، والتذكرة المجانية هنا تمثل ترخيصاً لاستكشاف المستقبل، ومن منظور اقتصادي يعادل هذا إنشاء قاعدة بيانات عملاء تبدأ قبل تأسيس الشركة التي سيؤسسها هذا الطفل مستقبلاً، إنه استثمار في الطلب المستقبلي على منتجات وخدمات لم تُخترع بعد، وهنا يتجلى الفرق بين المدير الذي يقرأ الأرقام في الميزانية والقائد الإستراتيجي الذي يقرأ الأرقام في المستقبل، فالأول يرى تكلفة التذكرة المجانية بينما الثاني يرى قيمة الخيار الاستثماري طويل الأمد.


وتثبت دراسات علم نفس المستهلك أن التفضيلات التجارية تتشكل في سن مبكرة وأن الطفل المرتبط بعلامة تجارية إيجابياً يكون أكثر ميلاً لشرائها بنسبة 70% في كبره، وهذا تسويق طويل الأمد يكلف اليوم مبلغاً لكل زائر طالب ويُدر بالمقابل أكثر بعد عقد، إنه أذكى استثمار تسويقي متاح لكنه يتطلب صبراً إستراتيجياً، ومن هنا أرى ضرورة إعادة تعريف العارض الناجح فالنجاح يُقاس ببناء حضور في الوعي الجمعي يضمن البيع مستقبلاً إضافةً إلى المبيعات الآنية.


أرى أن عبارة «نحن نصنع مستقبل البلاد» تمثل تحولاً جذرياً في فهم هوية أرض المعارض، وأرض المعارض في تصوري مركز إشعاع حضاري يتجاوز الوظيفة التجارية، فالمستثمر الأجنبي يتجنب الاستثمار في بلد لا يشاهد أطفاله التكنولوجيا بأعينهم ولا يلمس شبابه الابتكار بأيديهم، والدولة التي تستثمر في الوعي الاقتصادي لأبنائها تجذب الاستثمارات بفضل رأس مالها البشري المتعطش للتطور، وأنا على يقين بأن الاستثمار في الوعي الاقتصادي يمثل أعلى عائد يُقرأ في تطور الناتج المحلي الإجمالي بعد عشرين عاماً وفي انخفاض معدلات البطالة وفي ارتفاع مؤشرات الابتكار والتنافسية العالمية، فالميزانية العمومية تقيس ما حدث بينما الوعي الاقتصادي يصنع ما سيحدث، واختياري الإستراتيجي يضعني في معسكر صناع المستقبل لا في معسكر عدادي الحاضر.

00:18 | 31-08-2026

تحول إدارة المعارض في زمن الذكاء الاصطناعي

بصفتي رئيساً تنفيذياً لأرض المعارض في العاصمة الرياض، أجدني أتأمل في ستة تساؤلات جوهريّة تترسّخ في أفق صناعتنا خلال العقد المقبل: أين تلتقي حدود الكفاءة الحسابية مع تعقيدات الأسواق الديناميكية؟ كيف نستوعب سلوك الزوار عبر بيانات رقمية، بينما تبقى السياقات الثقافية والإنسانية متعذرة على الخوارزميات؟ ما مصير الخبرات الإدارية المتراكمة أمام سرعة التعلم الآلي وتطور نماذجه؟ كيف نعيد تشكيل فن التفاوض مع الشركاء وأصحاب المصلحة في ظل أنظمة ذكية تتنبأ بالاتجاهات؟ هل تتحول المعارض إلى منصات تنبؤية بحتة، أم تظل ساحات للصدف الإبداعية والفرص الناشئة؟ وما الأدوار الجديدة التي تتطلبها إعادة تعريف القيادة في صياغة التبادل الاقتصادي والثقافي بين الأمم؟

خلال العقد القادم، تتولى الأنظمة الذكية مهام تسعير المساحات وفق تحليل لحظي للعرض والطلب، وتحديد مواقع الأجنحة بما يعزز التفاعل بين العارضين والزوار، وتقنيات الاستشعار والرؤية الحاسوبية تضبط تدفقات الحشود بدقة، وتقيم رضا الزوار عبر رصد أنماط حركتهم وتفاعلاتهم، والنماذج التنبؤية، المعتمدة على سجلات تاريخية ومتغيّرات آنية، تنبئ بأعداد الحضور، مما يتيح تحسين توزيع الموارد ورفع الكفاءة التشغيلية. وفي المقابل، تتعاظم أهمية القيادة البشرية في بيئة تزداد تعقيداً، فالقرارات المصيرية بمواقف غير مسبوقة تستند إلى رصيد معرفي متراكم وحدس عملي ناتج عن احتكاك دائم بالأسواق، وهو ما تفتقر إليه النظم الرقمية، كما أن الابتكار يقتضي رؤية متجاوزة للنماذج السائدة، وبناء الشراكات الاستراتيجية يحتاج إلى مصداقية تنبثق من التفاعل الوجاهي المباشر والتفاوض مع كبار أصحاب المصلحة يتطلب استيعاب إشارات ثقافية واقتصادية دقيقة تعجز البرمجيات عن فك رموزها وتحويلها إلى قرارات نافذة...

يتبادر إلى الذهن سؤال مركزي: هل نبحث عن مشرف على الجداول التشغيلية، أم عن مهندس للتجربة الاقتصادية المتكاملة؟ الجواب يستقر بوضوح عند الخيار الثاني...

المعارض الحديثة تتحوّل إلى منصات حية لخلق القيمة، حيث يتجاوز القائد وضعية التنسيق اللوجستي ليصنع منظومات استثمارية متكاملة، ويستعين بالذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة، ويوجه طاقته وذكاءه العاطفي نحو ابتكار تجارب تفاعلية تعمق الروابط بين العرض والطلب، وتصنع فرصاً اقتصادية جديدة، وتعيد تعريف الهوية البصرية للحدث...

في سياق المملكة العربية السعودية، حيث تحمل رؤية 2030 طموحات تنموية هائلة، تمثل المعارض أحد أعمدة تنويع الاقتصاد وتعزيز المكانة الدولية. ومن موقعي القيادي، أرى أن دور المنظمين يتطور ليصبحوا سفراء للفرص الاستثمارية ورواداً في ابتكار نماذج فعاليات تتلاءم مع التحولات العالمية. هذه القيادة تتجاوز إدارة الحشود والمساحات لتشمل إثراء البيئة الاقتصادية، ورفع تنافسية السوق المحلي، وجذب الاستثمارات النوعية، وعندها يتحقق التكامل الخلاق بين دقة الأنظمة الآلية وعبقرية الحدس الإنساني، فتبقى اللمسة الإنسانية جوهر النجاح وسر تميز معارضنا، ويظل الإنسان -وليس الأداة- صانع التجربة الاستثنائية التي تترك أثراً عميقاً في ذاكرة الزوار والعارضين على حد سواء.

00:08 | 3-08-2026

مؤشر المعارض الوطني..

أصبحت المعارض اليوم في المملكة العربية السعودية إحدى الركائز الرئيسة التي تعكس حيوية الاقتصاد الوطني، وتسهم في تعزيز الاستثمار، وتوسيع الشراكات، ونقل المعرفة، واستقطاب الخبرات العالمية، ومع تسارع وتيرة التنمية، تحولت هذه الفعاليات إلى منصات تجمع بين الطموح والابتكار، وتفتح آفاقاً جديدة أمام القطاعات الاقتصادية والصناعية والخدمية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030. ويؤكد هذا الحراك المتنامي أن صناعة المعارض تجاوزت دورها التقليدي، لتغدو محركاً للتنمية الاقتصادية، وأداة فاعلة في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وتنافسية، يعزز مكانة المملكة مركزاً إقليمياً وعالمياً للأعمال والفعاليات، وبحكم خبراتي الطويلة والممتدة ومتخصصاً في قياس الأثر التنموي، أرى أن إنشاء مؤشر وطني لصناعة المعارض يمثل خطوة إستراتيجية تنسجم مع مسيرة التحوّل الاقتصادي القائم على المعرفة. ويأتي هذا المؤشر بوصفه منظومة متكاملة توفر معلومات دقيقة تدعم صناعة القرار، وتعزّز الاعتماد على التحليل العلمي في رسم السياسات وتطوير القطاع....

ينطلق المؤشر من قياس الأثر الاقتصادي الشامل للمعارض، متجاوزاً الإيرادات المباشرة إلى رصد الآثار الممتدة عبر سلاسل الإمداد، بدءاً من خدمات الإقامة والنقل، ووصولاً إلى الترجمة والتجهيزات التقنية والخدمات المساندة، ويمنح هذا الترابط صورة واضحة عن إسهام قطاع المعارض في الناتج المحلي، ومدى دعمه لتنويع القاعدة الاقتصادية، كما يمتد دوره إلى قياس جودة الاستثمارات والصفقات التي تنشأ خلال المعارض، مع التركيز على التحوّل نحو التصنيع المشترك، والشراكات البحثية، والاستثمارات ذات القيمة المضافة، بما يعكس جاذبية المملكة مركزاً إقليمياً للأعمال، ويسهم في تعزيز ثقة المستثمرين ودعم نمو رأس المال الوطني والدولي، وفي جانب الموارد البشرية، يقيس المؤشر حجم مشاركة الكفاءات الوطنية في الوظائف المتخصصة، مثل التخطيط الإستراتيجي، والتصميم، وتقنية المعلومات، الأمر الذي يوفر مؤشرات دقيقة تساعد على توجيه برامج التأهيل والتدريب، وتعزز انتقال سوق العمل نحو المهارات المعرفية والابتكارية.

كما يرصد المؤشر نسبة الاعتماد على المنتجات والخدمات الوطنية في تنظيم المعارض، بما يشمل التجهيزات، والخدمات الإعلامية، والمواد الغذائية، وهو ما يمنح صناع القرار رؤية أوضح لدور القطاع في دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، ورفع مستوى المحتوى المحلي، ويولي المؤشر اهتماماً بقياس الإنفاق السياحي المصاحب للمعارض، مع التمييز بين المدن الرئيسة والمناطق الواعدة، بما يدعم التوازن التنموي بين المناطق، ويعزز دور المعارض في تنشيط الحركة السياحية والاقتصادية في مختلف أنحاء المملكة.

ولا يقتصر التقييم على رضا الزوّار والعارضين، وإنما يشمل كفاءة التواصل، ومدى تحوّل اللقاءات المهنية إلى شراكات مستدامة، بما يعكس جودة بيئة الأعمال، ويعزز مكانة المملكة وجهة مفضلة للفعاليات والاستثمار، كذلك يشمل المؤشر قياس الحضور الإعلامي الإيجابي للمعارض، إلى جانب متابعة تطبيق معايير الاستدامة في إدارة الفعاليات، مثل كفاءة استخدام الطاقة، وإدارة المخلفات، والمحافظة على الموارد، الأمر الذي يرفع القدرة التنافسية للمعارض الوطنية، ويعزّز فرص استقطاب الفعاليات الدولية..

وتتجاوز أهمية المؤشر حدود الرصد والمتابعة إلى استشراف المستقبل من خلال تحليل البيانات التاريخية واستخلاص الاتجاهات، بما يساعد الجهات الحكومية والقطاع الخاص على التخطيط المبكر، وتوجيه الحوافز نحو القطاعات الأكثر نمواً، وبناء قاعدة معرفية تدعم الدراسات الاقتصادية المستقبلية....

وفي الختام، يمثل المؤشر الوطني لصناعة المعارض بوصلة إستراتيجية تقود تطوير القطاع، وتربط بين المعرفة والاستثمار، والاستدامة والإعلام، والوظائف والتنمية الاقتصادية، بما يعزز مكانة المملكة مرجعاً عالمياً في اقتصاد الفعاليات، ويجعل المعارض رافداً مؤثراً في تحقيق مستهدفات التنمية الشاملة.

00:05 | 27-07-2026