أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1776.jpg?v=1770304478&w=220&q=100&f=webp

فراس طرابلسي

محامي | كاتب رأي

الأرجنتين.. ثقافة الفوز حتى الصافرة

ليست كل الفرق التي تفوز هي الأفضل طوال المباراة، كما أن التفوق لا يُقاس دائماً بعدد الدقائق التي يسيطر فيها فريق على الملعب. أحياناً يكفي أن تعرف كيف تبقى في المباراة، وأن تحتفظ بأعصابك وأدواتك إلى اللحظة التي يبدأ فيها الآخرون استعجال النهاية. وهذه، باختصار، هي الثقافة التي أوصلت الأرجنتين إلى نهائي كأس العالم مرة أخرى.

أمام إنجلترا، بدت المباراة متجهة إلى نهاية مختلفة. تقدّم الإنجليز، وأغلقوا المساحات، وبدأت ملامح التأهل تلوح أمامهم. لكن الأرجنتين لم تتعامل مع التأخر بوصفه حكماً نهائياً، ولم يتحوّل الوقت المتناقص إلى مصدر للذعر. انتظرت، وضغطت، وواصلت البحث عن الثغرة، حتى أدركت التعادل في الدقائق الأخيرة، ثم خطفت هدف الفوز في الوقت بدل الضائع، بمساهمتين حاسمتين من ليونيل ميسي، لتتأهل إلى النهائي.

وما حدث أمام إنجلترا لم يكن واقعة منفصلة. أمام مصر، عادت الأرجنتين من وضع بالغ الصعوبة وحسمت المباراة في الوقت القاتل، وفي مواجهة سويسرا احتاجت إلى وقت إضافي قبل أن تفرض خبرتها وتحجز مقعدها في نصف النهائي. ومع تكرار المشهد، لم يعد من المبالغة الحديث عن سمة أرجنتينية واضحة: هذا الفريق لا يعتبر المباراة منتهية ما دامت الصافرة لم تُطلق.

ويمكن تسمية ما يحدث في النهاية بـ«عشر دقائق ميسي». وليس المقصود أن الرجل يفعل كل شيء وحده، وإنما أن حضوره يمنح زملاءه يقيناً بأن فرصة أخرى ستأتي، وأن تمريرة واحدة قد تغيّر مسار بطولة كاملة. أمام إنجلترا ظل تحت الرقابة فترات طويلة، لكنه أعاد تمركزه، وتحرك في المساحات التي تؤلم خصمه، ثم صنع اللحظتين اللتين قلبتا المباراة. فالعبقرية هنا ليست في المهارة وحدها، بل في الاحتفاظ بالصفاء الذهني عندما يصبح الملعب كله مشبعاً بالتوتر.

وهذا هو الفارق بين فريق يلعب جيداً، وفريق يعرف كيف يفوز. الأول قد يسيطر، ويصنع الفرص، ويتقدم في النتيجة؛ أما الثاني فيمتلك، إلى جانب ذلك، الصبر والخبرة والقدرة على تغيير الخطة واستثمار اللحظة التي يبدأ فيها الخصم بالتراجع أو الخوف أو الاكتفاء بما حققه. حاولت إنجلترا حماية تقدّمها، فتراجعت أكثر مما ينبغي، بينما تعاملت الأرجنتين مع كل متر تخلت عنه بوصفه مساحة جديدة للهجوم.

وفي الحياة أيضاً، لا يذهب النجاح دائماً إلى صاحب البداية الأقوى، ولا إلى الأكثر ضجيجاً أو موهبة. كم من مشروع بدأ متأخراً، ثم سبق غيره لأن أصحابه لم يفقدوا التركيز؟ وكم من إنسان امتلك فرصة النجاح ثم بدّدها لأنه استعجل الاطمئنان قبل النهاية؟ الفارق كثيراً ما يُصنع في «الدقائق العشر الأخيرة»؛ حين يتعب الآخرون، أو يطمئنون، أو يظنون أن النتيجة أصبحت ملكاً لهم.

ثقافة الفوز لا تعني إنكار التعب، ولا الادعاء بأن الهزيمة مستحيلة، وإنما تعني ألا تمنح خصمك نهايتك قبل أن يفرضها عليك. تعني أن تحتفظ بخطة بديلة، وأن تظل قادراً على المحاولة حين تضيق المساحات، وأن تدرك أن الأدوات التي لم تستخدمها بعد قد تكون أهم مما استخدمته منذ البداية.

ولهذا، فإن أجمل ما قدّمته الأرجنتين في هذه البطولة لم يكن الأهداف المتأخرة وحدها، بل درسها المتكرر في إدارة الأمل. فهي قد لا تكون الأفضل في كل دقيقة، لكنها تعرف أي الدقائق يجب أن تكون فيها الأفضل. وميسي ورفاقه لا يستعجلون الاحتفال، ولا يصدقون أن المباراة انتهت لمجرد أن خصمهم بدأ يصدق ذلك.

فالمنتصر الحقيقي ليس دائماً من يبدأ أقوى، بل من يبقى قادراً على تغيير النتيجة حتى آخر لحظة. وميسي ورفاقه، أثبتوا مجدّداً تفوقهم على كل الفرق في هذه البطولة، من حيث إتقان فن اللعب حتى صافرة النهاية.

منذ 8 ساعات

وصية ترمب العسكرية.. هل تبقى أوامر الرئيس بعد غيابه؟

حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أنه ترك تعليمات بالرد على إيران إذا نجحت أي محاولة لاغتياله، بدا الخبر للوهلة الأولى وكأنه وصية عسكرية ستبقى نافذة حتى بعد غياب صاحبها. فالرئيس يتحدث عن قرار مصيري يتعلق باستخدام القوة العسكرية، ويبدو من ظاهر التصريح أن تنفيذ تلك التعليمات قد أصبح معلقًا على وقوع حدث معين، لا ببقاء الرئيس في منصبه.


غير أن هذا الخبر يثير سؤالاً دستورياً أكثر أهمية من الخبر نفسه: هل يملك رئيس الولايات المتحدة أن يترك أوامر عسكرية ملزمة تُنفذ بعد وفاته أو فقدانه لمنصبه؟ أم أن سلطته تنتهي بانتهاء ولايته الدستورية، لتبدأ سلطة رئيس جديد يملك كامل الحرية في اتخاذ القرار من جديد؟


وهنا ينتقل النقاش من السياسة إلى القانون؛ فالمسألة في النظام الأمريكي لا تتعلق بما يريده رئيس، وإنما بما يسمح به الدستور، وبالحدود التي تقف عندها إرادة الأشخاص حين تبدأ سلطة المؤسسات.


ولأن النظام الدستوري الأمريكي لا يحتمل فراغاً في قمة السلطة، وضع الدستور الأمريكي آلية واضحة وفورية لما يحدث عند غياب الرئيس. فإذا توفي الرئيس، أو أُقيل، أو استقال، تنتقل الرئاسة إلى نائب الرئيس بحكم الدستور، فلا يتولى المهمة بصفة مؤقتة، بل يصبح رئيساً كامل الصلاحيات، يملك وحده سلطة القرار، بما في ذلك القرارات العسكرية الأكثر حساسية. وقد نظم التعديل الخامس والعشرون من الدستور الأمريكي، المُقرّ عام 1967، آلية انتقال السلطة وحالات عجز الرئيس عن ممارسة مهامه، بما لا يترك مجالاً للفراغ أو للتنازع على من يملك القرار.


وهنا تكمن المفارقة الدستورية التي يغفل عنها كثيرون، فنائب الرئيس في النظام الأمريكي لا يصبح منفذاً لإرادة سلفه، ولا حارساً على وصيته السياسية، وإنما يصبح صاحب القرار الدستوري الجديد. وله أن يعتمد الخطط العسكرية الموضوعة، أو يعدلها، أو يوقفها بالكامل إذا رأى أن المصلحة الوطنية تقتضي ذلك.


فالدستور الأمريكي في انتقال إدارة الدولة من الرئيس لنائبه، يورّث السلطة، لكنه لا يورّث إرادة من غادرها.


ومنذ اللحظة التي تنتقل فيها السلطة، تنتقل معها كامل المسؤولية الدستورية. فالرئيس الجديد لا يرث قرار الحرب، وإنما يعيد تقييم المشهد وفق المعطيات القائمة، ثم يتخذ قراره هو. ذلك أن سلطة استخدام القوة العسكرية في الولايات المتحدة مستمدة من كون الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة بموجب المادة الثانية من الدستور الأمريكي، وهي صفة تنتقل بالمنصب لا بالشخص، فتثبت لمن يتولى الرئاسة وتنقطع عمّن غادرها.


بل إن سلطة الرئيس العسكرية ليست مطلقة، فالدستور الأمريكي يجعل إعلان الحرب من اختصاص الكونغرس، كما وضع قانون صلاحيات الحرب الفيدرالي الصادر عام 1973 قيوداً على استخدام الرئيس للقوة العسكرية دون الرجوع إلى الكونغرس خلال مدة محددة. وهذا يؤكد أن القرار العسكري في الولايات المتحدة محكوم بمنظومة متوازنة من الصلاحيات بين الرئيس والكونغرس، لا بإرادة فردية تمتد إلى ما بعد المنصب.


وإذا كانت السلطة تنتقل دستورياً من رئيس إلى آخر، يبقى سؤال أكثر دقة: هل يختلف الأمر إذا جاء الرئيس الجديد من الحزب نفسه، أم من الحزب المنافس؟ والجواب أن الدستور الأمريكي لا يميّز بين الحالتين، فالرئيس الجديد، أيّاً كان انتماؤه الحزبي، لا يتلقى سلطاته بوصفه امتداداً لمن سبقه، وإنما بوصفه صاحب الاختصاص الدستوري الأصيل منذ اللحظة التي يدخل فيها البيت الأبيض. وله أن يُبقي على سياسات سلفه إذا رآها محققة للمصلحة الوطنية، وأن يعدلها أو يلغيها إذا تغيرت الظروف. فالمعيار في النظام الأمريكي ليس هوية الرئيس السابق أو انتماءه الحزبي، وإنما تقدير الرئيس القائم للمصلحة العامة وقت اتخاذ القرار.


لذلك، فإن ما وُصف إعلامياً بوصية ترمب العسكرية لا يعدو أن يكون توصيفاً سياسياً لتوجه أو تعليمات محتملة، أما دستورياً فلا يكتسب أي أثر ملزم بمجرد غياب الرئيس، إذ تستمر مؤسسات الدولة في أداء اختصاصاتها، بينما تنتقل سلطة القرار كاملة إلى الرئيس القائم. وبذلك، فإن ما يبقى بعد الرئيس في الولايات المتحدة ليس أوامره، وإنما الدستور الأمريكي الذي يحدد من يملك سلطة اتخاذها.

00:02 | 12-07-2026

المنتخب المصري.. حين يكسب الخاسر احترام العالم

في كرة القدم، ليست كل هزيمة سقوطاً، وليست كل خسارة نهاية حكاية. أحياناً يخرج الفريق من البطولة، لكنه يخرج أكبر مما دخل؛ أكثر احتراماً، وأكثر حضوراً، وأكثر إقناعاً بأن ما حدث لم يكن ومضة عابرة، بل بداية مشروع يستحق أن يُبنى عليه.

وهذا، في تقديري، ما فعله المنتخب المصري في مباراته الأخيرة أمام الأرجنتين. فقد لعب منتخب مصر مباراة كبيرة، بل بطولة كبيرة، منذ بدايتها وحتى لحظاتها الأخيرة. ظهر منظماً، شجاعاً، واثقاً، لا يلعب بعقلية الفريق الذي ينتظر المفاجأة، بل بعقلية الفريق الذي يصنعها. وفي خمس مباريات، قدم صورة مختلفة عن المنتخب العربي القادر على مجاراة الكبار، لا بالاندفاع العاطفي، بل بالانضباط، والاختيارات الفنية الجيدة، والروح التي تجعل العالم يلتفت.

والإنصاف يقتضي هنا الإشادة بالمدرب حسام حسن قبل اللاعبين، فقد بدا المنتخب المصري فريقاً يعرف ماذا يريد، لا مجموعة مواهب تنتظر لحظة فردية. اختياراته كانت واضحة، وقراءته لكثير من فترات البطولة كانت شجاعة، والأهم أنه صنع شخصية للمنتخب داخل الملعب؛ شخصية لا تخاف الاسم الكبير، ولا ترتبك أمام التاريخ، ولا تلعب وكأنها جاءت لتودع بشرف، بل لتنافس بجدية.

أما اللاعبون، فقد أثبتوا أن الجيل الحالي يملك شيئاً أكبر من الحماس والطموح. ويمتلك القدرة على مقارعة أقوى المنتخبات في العالم، والوقوف أمام بطل كبير كالأرجنتين دون شعور بالنقص أو الرهبة. هؤلاء الشباب لم يقدموا مباراة جيدة فحسب، بل قدّموا إعلاناً واضحاً بأن مصر قادرة على الحضور في البطولات العالمية لا كضيفة عابرة، بل كمنافس حقيقي إذا استمر البناء وحُفظ المشروع من الانفعال.

نعم، كانت هناك أخطاء تحكيمية مؤثرة، ومن حق الجمهور المصري أن يغضب منها. فالظلم التحكيمي، حين يقع، لا ينبغي أن يُدفن تحت عبارات المجاملة. لكن الخطأ الأكبر أن تتحوّل الأخطاء إلى نظرية مؤامرة كاملة، وكأن خروج المنتخب لم يكن له سبب إلا أن العالم اجتمع على إقصائه. هذه القراءة تظلم المنتخب قبل أن تظلم الحكم؛ لأنها تختصر مباراة عظيمة في غضب، وتختصر مشروعاً واعداً في مظلومية.

الحقيقة أن المنتخب المصري لم يخسر لأنه أقل قيمة أو حضوراً من الأرجنتين، بل لأنه وصل إلى لحظة كان يمكن أن تُدار بصورة أفضل. فقد قدم المنتخب المصري واحدة من أفضل مبارياته في البطولة، وكان في فترات طويلة الطرف الأكثر تنظيماً والأقرب إلى فرض إيقاعه على اللقاء، لكنه اصطدم في النهاية بخبرة منتخب يعرف كيف يدير اللحظات الحاسمة. وحين تقدّم المنتخب المصري، كان يحتاج إلى خطة بديلة تُحسن إدارة ما تبقى من المباراة، وتغلق المساحات، وتحافظ على أفضلية النتيجة، بينما نجحت الأرجنتين في توظيف خبرتها الطويلة في مثل هذه المباريات لتقلب موازين اللقاء في دقائق معدودة. وهذا لا ينتقص من قيمة ما قدمه المنتخب، بل يؤكد أن الفارق لم يكن في الموهبة أو الشجاعة، وإنما في إدارة التفاصيل التي كثيراً ما تحسم مباريات الكبار.

ولم يكن مكسب المنتخب المصري داخل الملعب وحده. فقد كان لافتاً ذلك الالتفاف الجماهيري الكبير حوله، لا من المصريين فقط، بل من جماهير عربية واسعة رأت في هذا المنتخب صورة قريبة منها، وحلماً مشتركاً يخصها. في مدن عربية كثيرة، كان الناس يشجعون مصر كما لو كانت تلعب باسمهم، وهذه اللحمة العربية الجميلة كانت واحدة من أجمل صور البطولة، لأنها ذكّرتنا أن كرة القدم، في لحظاتها الصادقة، قادرة على جمع ما تفرقه السياسة والحدود.

لقد خسر المنتخب المصري بطاقة التأهل، لكنه كسب احترام العالم. وهذه ليست جملة تعويضية لجمهور حزين، بل حقيقة رياضية. فالفريق الذي يقف أمام الأرجنتين بهذا المستوى، ويجبر العالم على متابعته باحترام، لا يحتاج إلى نظرية مؤامرة كي يثبت قيمته. قيمته ظهرت في الملعب.

ما يحتاجه المنتخب المصري اليوم ليس الوقوف طويلاً عند مباراة مضت، بل البناء على ما كشفت عنه من إمكانات كبيرة. فالتجارب العظيمة لا تُقاس بنتيجة واحدة، وإنما بما تتركه من دروس، وبما تفتحه من آفاق للمستقبل. وإذا أحسن المنتخب قراءة هذه التجربة، فإنه لن يكون قد خسر بطاقة تأهل فحسب، بل سيكون قد وضع حجر الأساس لمرحلة أكثر نضجاً وحضوراً في البطولات العالمية المقبلة.

لقد خرجت مصر من البطولة، لكنها لم تخرج من الذاكرة. خسرت النتيجة، لكنها كسبت شيئاً لا تمنحه صافرة حكم ولا تلغيه أخطاء التحكيم: احترام العالم.

00:01 | 10-07-2026

وزارة العدل.. حيث يلتقي الذكاء الإداري بالذكاء الاصطناعي

من أصعب ما يواجه كاتب الرأي أن يكتب عن جهة ينتمي إلى منظومتها المهنية. ففي تلك اللحظة، تختلط مشاعر الانتماء بواجب الحياد، ويصبح التحدي الحقيقي ألا تتحول الإشادة إلى مجاملة، ولا يتحول الحرص على الموضوعية إلى تجاهلٍ لمنجز يستحق أن تُقال فيه كلمة حق. ولعل هذا تماماً ما وجدته وأنا أتابع، بحكم عملي في مهنة المحاماة، التحولات المتسارعة التي تشهدها وزارة العدل. فمن يلامس المنظومة العدلية بصورة يومية يدرك أن ما يحدث لم يكن مجرد توسع في الخدمات الرقمية، أو تحديث للإجراءات، أو تطوير للتشريعات، بل مشروع تحول مؤسسي متكامل يعيد رسم العلاقة بين العدالة والتقنية، وبين جودة القرار وسرعة الوصول إلى الحق.


وما يزيد الكتابة عن هذه المرحلة صعوبة أنها لا تسمح لك بالوقوف عند إنجاز بعينه. فكل مشروع يقود إلى مشروع آخر، وكل مبادرة تبدو امتداداً لما قبلها، حتى أصبح من الصعب النظر إلى الذكاء الاصطناعي، أو التحول الرقمي، أو تجربة المستفيد، أو العدالة الوقائية، بوصفها مشاريع منفصلة، لأنها في حقيقتها أجزاء متكاملة من رؤية واحدة تتجه بالمنظومة العدلية نحو المستقبل.


غير أن أكثر ما استوقفني في هذا المسار لم يكن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى العمل العدلي، فالتقنية أصبحت متاحة للجميع، وإنما الكيفية التي اختارت بها وزارة العدل توظيفه. فهناك فرق كبير بين مؤسسة تستخدم الذكاء الاصطناعي، ومؤسسة تعيد بناء طريقة عملها على أساسه. وفي تقديري، فإن هذا هو الفارق الذي بدأت ملامحه تتشكل بوضوح في التجربة العدلية السعودية، وهو ما يجعل الحديث اليوم لا يدور حول مشروع تقني جديد، بقدر ما يدور حول مرحلة جديدة في تطور العدالة نفسها.


لذا، فإذا أردنا أن نلخص المرحلة التي تعيشها المنظومة العدلية اليوم في عبارة واحدة، فربما أمكن القول إن وزارة العدل لا تنتقل من الورق إلى الشاشة، فهذه المرحلة تجاوزتها منذ سنوات، وإنما تنتقل من رقمنة العدالة إلى ذكاء العدالة. وبين المرحلتين فرق جوهري لا يكمن في الأدوات، بل في الفلسفة.


فالرقمنة تهدف إلى تسريع الإجراءات، وتبسيط الخدمات، وتقليل الوقت والجهد، وهي مرحلة حققت فيها الوزارة إنجازات جعلتها من أكثر الجهات الحكومية تقدمًا في التحول الرقمي. أما ذكاء العدالة فهو مرحلة أكثر عمقاً، مرحلة تصبح فيها البيانات عنصرًا في صناعة القرار، والتحليلات أداة لرفع جودة المخرجات، والذكاء الاصطناعي شريكًا في تحسين الأداء، واستشراف التحديات، وتعزيز كفاءة المنظومة بأكملها.


ولهذا، فإن الذكاء الاصطناعي في وزارة العدل لا يُنظر إليه بوصفه مشروعاً تقنياً مستقلاً، بل بوصفه امتداداً طبيعياً لمشروع عدلي متكامل، غايته أن تصبح العدالة أكثر سرعة في الوصول إلى الحق، وأكثر دقة في معالجة الوقائع، وأكثر قدرة على خدمة الإنسان، دون أن تمس جوهرها أو استقلالها. وهذا، في تقديري، هو الفارق الحقيقي بين رقمنة العدالة.. وذكاء العدالة.


ومن المؤكد أن ما يميز هذا التحول أنه لم يكن استجابة متأخرة لموجة الذكاء الاصطناعي العالمية، بل استمرار وتطوير لرؤية مؤسسية بدأت ملامحها تتشكل قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي عنواناً رئيسياً في مختلف القطاعات. فاستحداث وحدة متخصصة بالذكاء الاصطناعي داخل وزارة العدل لم يكن مجرد قرار تنظيمي، وإنما رسالة واضحة بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُستعد له. فالوزارة لم تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه تقنية جديدة تضاف إلى قائمة المبادرات، وإنما بوصفه أحد الممكنات الإستراتيجية التي ستعيد تشكيل العمل العدلي خلال السنوات القادمة.


ولهذا لم يكن مستغرباً أن ترتبط بهذه الرؤية مفاهيم مثل الجاهزية للمستقبل، والتمكين المؤسسي، وجودة المخرجات، وتحليل البيانات، والتحليلات المتقدمة، لأنها جميعًا ليست مشاريع مستقلة، بل أجزاء من فلسفة واحدة تقوم على بناء منظومة عدلية قادرة على التعلم والتطور واتخاذ القرار بكفاءة أعلى. فالسبق الحقيقي لا يكون في امتلاك التقنية، وإنما في امتلاك الرؤية التي تعرف كيف توظفها، ومتى توظفها، ولأي غاية توظفها.


ولذلك، فإن المستفيد الحقيقي من هذا التحول لن يكون الوزارة وحدها، بل كل من يقف على أبواب العدالة. فالمتقاضي لن يلمس الذكاء الاصطناعي بوصفه تقنية معقدة، وإنما سيشعر به في اختصار الإجراءات، وسرعة الوصول إلى الخدمة، ودقة المعلومة، وسهولة رحلته داخل المنظومة العدلية. والمحامي سيجد أدوات أكثر ذكاءً في البحث والتحليل واستدعاء الأنظمة والسوابق، بينما سيستفيد القاضي من بيئة تقنية تختصر الأعمال المتكررة، وتمنحه وقتًا أكبر للتأمل في الوقائع وصناعة الاقتناع القضائي. وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للتقنية، فهي لا تستبدل الإنسان، وإنما تمنحه فرصة لأن يمارس أفضل ما لديه.


ولعل من أكثر المفاهيم نضجًا في هذا التحول مفهوم العدالة الوقائية، وهي فكرة تتجاوز الدور التقليدي للقضاء في الفصل في النزاعات إلى محاولة الحد من نشوئها أصلًا. فحين تصبح المنظومة أكثر قدرة على قراءة البيانات، وتحليل الأنماط، ورصد المؤشرات المبكرة، وتعزيز الامتثال، فإنها لا تنتظر الخصومة حتى تقع، بل تعمل على تقليل أسبابها قبل أن تصل إلى أروقة المحاكم. وهذه نقلة فكرية عميقة، تعكس انتقال العدالة من إدارة النزاع إلى الإسهام في الوقاية منه، وهو ما يرسخ الاستقرار القانوني والاجتماعي معاً.


ولا يقتصر أثر هذا التحول على الخدمات أو الإجراءات، بل يمتد إلى جوهر العمل العدلي نفسه. فالتمكين المؤسسي الذي تتبناه وزارة العدل لا يعني تمكين التقنية بقدر ما يعني تمكين الإنسان من التقنية. فكلما أصبحت البيانات أكثر تكاملاً، والتحليلات أكثر دقة، والمعلومة أسرع في الوصول، ارتفعت جودة المخرجات، وأصبح القرار أكثر إحاطة، والحكم أكثر جودة، والعمل العدلي أكثر كفاءة. وهنا لا يصبح الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الخبرة القانونية أو الاجتهاد القضائي، وإنما شريك في الارتقاء بهما، بما يجعل جودة العدالة نفسها هي المستفيد الأول من هذا التحول.


ولا تقف مستهدفات هذا التحول عند حدود المحاكم أو أطراف الخصومة، بل تمتد إلى الاقتصاد الوطني بأكمله. فالعدالة لم تعد تُقاس بعدد الأحكام التي تصدر، بل بمقدار الثقة التي تبنيها. وكلما أصبحت المنظومة العدلية أكثر قدرة على استثمار البيانات، وتسريع الإجراءات، ورفع جودة المخرجات، ازدادت ثقة الأفراد في حماية حقوقهم، وازدادت ثقة المستثمر في البيئة النظامية، وتعززت قدرة قطاع الأعمال على اتخاذ قراراته في مناخ قانوني أكثر استقراراً ووضوحاً. ومن هنا، فإن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي داخل المنظومة العدلية ليس استثماراً في التقنية فحسب، بل استثمار في الثقة، والثقة هي أول ما تُبنى عليه الاقتصادات قبل أن تُبنى عليه الأسواق.


وفي تقديري، فإن القيمة الحقيقية لما تشهده وزارة العدل اليوم لا تكمن في إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المنظومة العدلية، بل في إعادة تعريف الدور الذي يمكن أن تؤديه التقنية في خدمة العدالة. فحين تصبح البيانات مصدراً لرفع جودة الأحكام، والتحليلات أداة لتعزيز القرار، والتقنية وسيلة لتقريب الحق إلى صاحبه، فإننا لا نكون أمام مشروع رقمي جديد، بل أمام مرحلة جديدة في تطور العدالة السعودية. وإذا كانت بعض المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي لأنها تواكب المستقبل، فإن وزارة العدل تبدو وكأنها توظفه لتسهم في رسم ملامحه، مقدمةً نموذجاً سعودياً رائداً يبرهن أن التقنية تبلغ أعلى قيمتها حين تُسخّر لخدمة العدالة والإنسان معاً.

22:03 | 6-07-2026

اللص لم يعد يراقب منزلك فحسب.. بل يراقب «الستوري» الخاص بك

لم يعد أخطر ما يهدّد خصوصية الإنسان هو اللص الذي يقف أمام منزله، ولا ذلك الذي يراقب تحركاته من بعيد. ففي كثير من الأحيان، أصبح صاحب المنزل نفسه هو من يتولى هذه المهمة دون أن يشعر. فهو يخبر الجميع متى غادر، وأين سافر، وكم سيغيب، ثم يوثق ذلك كله بالصوت والصورة، وينشره طواعية على وسائل التواصل الاجتماعي، وكأنه يكتب تقريراً يومياً مفتوحاً لكل من يشاهده.

هنا تتغير قواعد اللعبة تماماً.

فاللص الذي كان يحتاج قديماً إلى أيام، وربما أسابيع، حتى يتأكد من خلو المنزل من أصحابه، لم يعد بحاجة إلى كل ذلك. يكفيه اليوم أن يراقب «الستوري» الخاص بك، ليعرف ما كان يحتاج في الماضي إلى مراقبته بنفسه.

وقد أعادت واقعة متداولة أخيراً في إحدى الدول العربية هذا السؤال إلى الواجهة، بعدما كشفت التحقيقات عن سرقة منزل إحدى الأسر المعروفة إثر سفر أفرادها إلى خارج البلاد، بينما كانت تفاصيل الرحلة تُنشر تباعاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي. والمفارقة أن الجناة لم يكونوا غرباء، بل من أشخاص يعرفون الأسرة ويتابعون ما تنشره. فكان «الستوري» كافياً لتأكيد خلو المنزل، وتحوّلت المعرفة إلى وسيلة للاستطلاع، ثم إلى جريمة.

لكن القصة في حقيقتها لم تكن قصة سرقة.. بل قصة وعي.

فاللصوص لم يتطوروا وحدهم.. بل نحن أيضاً تطورنا في مساعدتهم.

في تقديري، لم تعد المشكلة في تطور أساليب الجريمة بقدر ما أصبحت في تراجع وعينا الأمني أمام اندفاعنا لنشر كل تفاصيل حياتنا. لقد دخلنا دون أن نشعر عصر الكرم الرقمي؛ حيث أصبح بعض الناس أكثر سخاءً في مشاركة تفاصيل حياتهم مما ينبغي، بينما الحقيقة أن اللصوص وحدهم هم الذين استفادوا من هذا التطور أكثر مما استفدنا نحن.

تبدأ القصة بصورة من المطار، ثم «ستوري» من وجهة السفر، ثم تعليق عابر يقول: «إجازة عشرة أيام». وفي اللحظة نفسها، يبدأ شخص آخر في جمع هذه التفاصيل، لا ليشاركك فرحتك، بل ليبني منها خريطة كاملة لحياتك.

ولعل أخطر ما كشفته تلك الواقعة أن الخطر لا يأتي دائماً من الغرباء، بل قد يأتي أحياناً ممن يعرفونك جيداً، ويتابعونك أكثر مما تظن. فالثقة قيمة عظيمة، لكنها لا تُغني عن الحذر، والصداقة لا تعني أن كل تفاصيل حياتك يجب أن تكون متاحة للجميع.

وفي علوم الأمن، هناك حقيقة لا تتغير: أخطر المعلومات ليست دائماً المعلومات السرية، بل المعلومات الصغيرة التي تبدو بلا قيمة إذا نُظر إليها منفردة، لكنها تصبح شديدة الخطورة عندما تُجمع معاً. صورة، وموقع، وموعد سفر، ومدة غياب.. وفي النهاية تتشكل أمام المجرم صورة شبه كاملة عن حياتك اليومية.

وهنا يبدأ ما يعرف أمنياً بالاستطلاع المفتوح (OSINT)؛ حيث لا يحتاج المجرم إلى اختراق هاتفك أو حساباتك، لأنك تكفلت بنفسك بتزويده بالمعلومات التي يحتاجها.

ولهذا، لم يعد الحديث عن الخصوصية مجرد شأن اجتماعي أو خيار شخصي، بل أصبح جزءاً من الأمن الوقائي. فالقانون سيلاحق الجاني ويعاقبه، لكنه لن يستطيع أن يمنع الإنسان من منح المجرم معلومات لم يكن ليصل إليها لولا أنه نشرها بنفسه.

وليس المقصود أن نتوقف عن مشاركة لحظاتنا الجميلة، وإنما أن ندرك الفرق بين مشاركة الذكرى، ومشاركة المعلومات التي قد تتحوّل إلى مخاطر أمنية على الإنسان وأسرته وممتلكاته.

ولعل ما يدعو للتأمل أن بعض المستخدمين أصبحوا أكثر حرصاً على حماية كلمات مرور حساباتهم البنكية من حرصهم على حماية تفاصيل حياتهم اليومية، مع أن الأخيرة قد تكون الطريق الذي يبدأ منه الضرر كله. فالأمن الرقمي لا يبدأ من كلمة المرور فقط، بل يبدأ من سؤال بسيط ينبغي أن يسبق كل منشور:

هل يحتاج الناس فعلاً إلى معرفة هذه المعلومة؟

وهنا يظهر الجانب القانوني الذي كثيراً ما يُغفل. فالإفراط في نشر المعلومات الشخصية قد لا يكون مخالفة في حد ذاته، لكنه قد يفتح الباب لسلسلة من الجرائم اللاحقة؛ من السرقة والاحتيال، إلى انتحال الشخصية، والهندسة الاجتماعية، والابتزاز الإلكتروني. ولهذا، فإن الوعي الأمني اليوم لم يعد مسؤولية الجهات المختصة وحدها، بل أصبح مسؤولية كل مستخدم يحمل هاتفاً في جيبه.

وفي المملكة العربية السعودية، حيث ننعم ولله الحمد بمجتمع ينعم بدرجة عالية من الأمن والاستقرار، تبقى هذه النعمة دافعاً لمزيد من الوعي، لا سبباً للتهاون. فالأخذ بالأسباب لا ينتقص من الثقة في أمن الوطن، بل يجسّدها، ويعكس وعياً بأن الوقاية كانت وستبقى الشريك الأول للأمن.

فالخصوصية اليوم لم تعد تعني أن تغلق باب منزلك فقط، بل أن تعرف أيضاً متى تغلق كاميرا هاتفك، ومتى تؤجل النشر، ومتى تحتفظ ببعض التفاصيل لنفسك. فليس كل ما نعيشه يستحق أن يُنشر، وليس كل ما يُنشر يستحق أن يُعرف.

وقد لا تستطيع أن تمنع وجود اللصوص.. لكن تستطيع أن تتوقف عن العمل لديهم مرشداً سياحياً.

00:00 | 3-07-2026

العقار السعودي... حين تُعيد التشريعات رسم السوق

قد يظن البعض أن موافقة مجلس الوزراء على اللائحة التنفيذية لتملك غير السعوديين للعقار تتعلق بحق التملك وحده، بينما أراها في حقيقتها تشريعاً يعيد تعريف السوق العقارية السعودية بأكملها. فهي لا تضيف مساراً جديداً للتملك فحسب، بل تعكس انتقال السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، يكون فيها التشريع أداةً للتنمية الاقتصادية، لا مجرد وسيلة لتنظيم العلاقة بين البائع والمشتري.

ولذلك، فإن النظر إلى هذا التنظيم من زاوية السماح بالتملك فقط، يحجب جزءاً كبيراً من الصورة. فالأسواق العقارية العالمية لم تصبح جاذبة لأنها فتحت باب التملك، بل لأنها نجحت في بناء منظومة قانونية مستقرة، وإجراءات واضحة، وشفافية عالية، وثقة متبادلة بين جميع أطراف السوق. فالثقة هي السلعة الأولى التي يبحث عنها رأس المال، والتشريع هو أول من يصنعها.

ومن هذا المنطلق، فإن أول المستفيدين من هذه المرحلة قد لا يكون المستثمر الأجنبي، بل السوق العقارية السعودية نفسها. فكلما اتسعت دائرة المشترين المحتملين، ارتفع سقف المنافسة بين المطورين، ولم يعد الموقع والسعر وحدهما معيار النجاح، بل أصبحت جودة التصميم، وكفاءة التنفيذ، ومستوى الصيانة، وإدارة المجمعات السكنية، وتجربة المالك بعد الاستلام، عوامل حقيقية في صناعة القيمة.

كما سيحفّز هذا التنظيم قطاعات اقتصادية مساندة، مثل إدارة الأملاك، والتقييم العقاري، والتمويل، والتأمين، والخدمات القانونية والهندسية، وهو ما يضيف عمقاً اقتصادياً أكبر للقطاع العقاري، ويخلق فرصاً مهنية واستثمارية تتجاوز بيع الوحدات السكنية نفسها.

غير أن أكثر ما يلفت الانتباه في هذا التنظيم، في تقديري، ليس قدرته على جذب رؤوس الأموال، وإنما قدرته على جذب المالك طويل الأجل. فالسوق لا تحتاج إلى مشترٍ عابر يبحث عن مكسب سريع، بقدر حاجتها إلى مالك يضيف قيمة حقيقية للمدينة، ويستثمر فيها، ويصبح جزءاً من اقتصادها. فهناك فرق كبير بين سوق تنمو بالمضاربة، وسوق تنمو بالاستقرار.

وقد يتساءل المواطن: ماذا يعني هذا التنظيم بالنسبة لي؟ والإجابة أن نجاحه الحقيقي يجب أن ينعكس على جودة المنتج العقاري، واحترافية المطور، وتحسن الخدمات، ورفع كفاءة إدارة المجمعات السكنية، واستقرار السوق، لأن المواطن هو المستفيد الأول من أي سوق أكثر نضجاً وشفافية، قبل أن يكون المستثمر.

لكن نجاح هذه المرحلة لن يتحقق بمجرد فتح باب التملك، فالتشريع الجيد يحتاج إلى تطبيق أكثر جودة. وهنا تصبح الرقابة عنصراً مكملاً للنجاح، لا عائقاً أمامه. فالرقابة الفاعلة هي التي تمنع المضاربات غير الصحية، وتحول دون أي ارتفاعات مصطنعة في الأسعار، وتحد من محاولات التحايل أو استغلال التنظيم بصورة تخالف أهدافه، كما تمنح المستثمر الجاد الثقة، وتحفظ في الوقت ذاته حق المواطن في سوق عادلة ومتوازنة.

كما أن استمرار تطوير السجل العقاري، ورفع كفاءة إجراءات التسجيل، وتعزيز الشفافية في الإفصاح عن الأسعار والصفقات، سيبقى جزءاً أساسياً من نجاح هذا التحول؛ لأن المستثمر، أياً كانت جنسيته، لا يبحث عن حق التملك فحسب، بل يبحث عن منظومة تمنحه الثقة في أن هذا الحق واضح، ومحمي، وسهل النفاذ.

إن التشريعات العظيمة لا تُقاس بعدد موادها، وإنما بعدد الأسواق التي تنجح في إعادة تشكيلها. فإذا نجحت هذه اللائحة في رفع جودة المنتج العقاري، وتعزيز الشفافية، وترسيخ الثقة، فإنها لن تكون قد وسعت دائرة التملك فحسب، بل ستكون قد أسهمت في إعادة رسم مستقبل السوق العقارية السعودية، لتصبح أكثر تنافسية، وأكثر استدامة، وأكثر قدرة على استقطاب الاستثمار النوعي الذي يضيف قيمة حقيقية للاقتصاد الوطني.

00:00 | 26-06-2026

حين كشف وزير العدل فلسفة نظام التنفيذ الجديد

لا أخفي أنني من الأشخاص الذين يتجنّبون الإشادة بالمسؤولين أو الأنظمة أو المبادرات قبل أن تتضح آثارها وتُختبر عملياً. فالمحامي بحكم عمله يرى النصوص من زاوية التطبيق، ويقيس نجاحها بما تحققه على أرض الواقع لا بما يُقال عنها.

ولعل ما يدفعني إلى هذه الكتابة أنني بطبيعتي أتحفظ في الإشادة بالأشخاص في الشأن العام، لأن الأصل أن تُنسب النجاحات إلى المؤسسات والمنظومات لا إلى الأفراد وحدهم. غير أن قراءة حوار صحفي أخير لوزير العدل الدكتور وليد بن محمد الصمعاني دفعتني إلى التوقف طويلاً أمام فكرة أراها جوهرية؛ وهي أن التطوير الحقيقي لا يكمن في تغيير النصوص فحسب، بل في القدرة على الاقتراب أكثر من مستهدفات القيادة في تعزيز العدالة، وحماية الحقوق، وتيسير الوصول إليها، وبناء منظومة تحقق التوازن بين مصلحة الدائن وكرامة المدين في الوقت ذاته.

وأعترف أن جزءاً من اهتمامي بهذا الحوار لا يعود إلى نظام التنفيذ وحده، بل إلى المسار الذي تقوده وزارة العدل خلال السنوات الأخيرة. فالمتابع المنصف يصعب عليه تجاهل حجم التحولات التي شهدتها البيئة العدلية في المملكة، من تحديث الإجراءات، إلى صدور أنظمة محورية كالأحوال الشخصية والمعاملات المدنية، إلى مشاريع التطوير المستمرة في القضاء والتنفيذ. ولهذا، فإن قراءة حديث الوزير بدت لي امتداداً طبيعياً لمسار أوسع، يقوم على تحويل مستهدفات القيادة من أفكار ومبادرات إلى أنظمة وإجراءات وممارسات يلمس أثرها الناس على أرض الواقع.

ولعل الإنصاف يقتضي هنا أن أقول إنني أجد صعوبة متزايدة في الفصل بين تقديري للتحوّل النوعي الذي تشهده المنظومة العدلية، وبين تقديري لمن يقود هذا التحول ويتحمل مسؤوليته. فبعض المسؤولين يرتبط اسمهم بمنصب، بينما يرتبط آخرون بأثرٍ يبقى لعقود، وفي تقديري أن ما شهدته وزارة العدل خلال السنوات الأخيرة يضع الوزير في الفئة الثانية.

ولهذا، فقد تابعت النقاشات الواسعة التي صاحبت صدور نظام التنفيذ الجديد، كما تابعت التحليلات المتباينة حوله. وكان السؤال الذي يتكرر كثيراً: هل خفف النظام من أدوات التنفيذ؟ وهل أصبح أكثر ميلاً إلى حماية المدين على حساب الدائن؟

لكن بعد قراءة ذلك الحوار، بدا لي أن الشق الأكبر من النقاشات كان يدور حول تفاصيل النظام، بينما كانت فلسفته الحقيقية في مكان آخر تماماً.

فالجملة التي استوقفتني أكثر من غيرها كانت قوله:

«المطلوب من نظام التنفيذ الجديد الوصول إلى الحق لا الإضرار بالإنسان».

هذه العبارة وحدها تكاد تختصر التحول الذي يشهده نظام التنفيذ بأكمله.

فكثير من الناس سمعوا أن الحبس التنفيذي تقلص، وأن بعض القيود التي كانت معروفة في النظام السابق تغيرت، وأن النظام أصبح أكثر مراعاة للمدين. لكن السؤال الذي لم يُطرح بالقدر الكافي هو: ماذا كسب الدائن في المقابل؟

والإجابة، في تقديري، هي جوهر النظام الجديد كله.

فالفلسفة القديمة في كثير من أنظمة التنفيذ حول العالم كانت تقوم على الضغط على المدين شخصياً أملاً في الوصول إلى الحق. أما الفلسفة التي يتجه إليها النظام الجديد فتقوم على التركيز على الحق نفسه، وعلى المال نفسه، وعلى الذمة المالية نفسها.

فما الفائدة من سجن شخص لا يملك مالاً؟ وما الفائدة من منع سفر شخص بينما الأموال أو الأصول أو الحقوق القابلة للتنفيذ ما زالت بعيدة عن متناول إجراءات التنفيذ؟ وما الفائدة من تعطيل حياة المدين إذا كانت حقوق الدائن لم تصل إليه أصلاً؟

لهذا جاءت الفكرة الأساسية واضحة: الانتقال من التركيز على الإنسان إلى التركيز على الحق.

ولم يكن هذا التحوّل معزولاً عن بقية ما ورد في الحوار. فحين تحدث الوزير عن التقنية والذكاء الاصطناعي وتسريع الإجراءات وتكامل البيانات، بدا واضحاً أن القضية أوسع من مجرد تعديل في أدوات التنفيذ. فالهدف في جوهره هو بناء منظومة عدلية أكثر قدرة على الوصول إلى الحق، وأقل اعتماداً على الإجراءات الطويلة أو التعقيدات التي كانت تستهلك وقت المتقاضين وجهدهم.

ومن هنا يمكن فهم الفائدة العملية للنظام الجديد. فالدائن لم يعد يعتمد بالدرجة الأولى على الضغط على المدين بقدر ما أصبح يعتمد على أدوات أكثر كفاءة للوصول إلى الأموال والأصول والحقوق القابلة للتنفيذ. وفي المقابل، لم يعد التعثر المالي وحده سبباً كافياً لتحويل حياة المدين إلى سلسلة من القيود التي لا تحقق مصلحة حقيقية للدائن. أي أن النظام يحاول أن يجعل التنفيذ أكثر دقة في الوصول إلى المال، وأقل اعتماداً على الضغط على الإنسان.

وهنا تظهر أهمية ما تحدث عنه الوزير بشأن تتبع الأموال وتعزيز الإفصاح والوصول إلى الأصول ورفع كفاءة التنفيذ. فالدائن في النهاية لا يبحث عن معاقبة المدين، بل يبحث عن استيفاء حقه. وكلما أصبحت أدوات الوصول إلى الأموال أكثر كفاءة، أصبح التنفيذ أكثر عدالة وفاعلية.

ولعل هذه الفلسفة تتكامل مع بقية مسار التطوير العدلي الذي تشهده المملكة. فكلما أصبحت البيانات أكثر تكاملاً، والإجراءات أكثر سرعة، والمعلومات أكثر دقة، أصبحت العدالة أكثر قدرة على الوصول إلى أصحاب الحقوق في وقت أقل وبتكلفة أقل. ولهذا فإن الحديث عن الذكاء الاصطناعي في الحوار لم يكن حديثاً عن تقنية جديدة فحسب، بل عن أداة تساعد على رفع جودة العمل العدلي وتحسين كفاءة الوصول إلى المعلومة وصناعة القرار.

وفي الحقيقة، لم ينتصر النظام للمدين على حساب الدائن، ولم ينتصر للدائن على حساب المدين. بل انتصر لفكرة أبسط وأهم: أن التنفيذ الناجح هو الذي يوصل الحق إلى صاحبه بأعلى كفاءة ممكنة، وبأقل ضرر ممكن على الإنسان.

وهذه الفلسفة ليست قانونية فقط، بل اقتصادية أيضاً. فكلما ازدادت ثقة الناس في قدرة النظام على حماية الحقوق واستيفائها، ازدادت الثقة في العقود والمعاملات والاستثمار. ولهذا فإن أنظمة التنفيذ تعد من أهم المؤشرات التي ينظر إليها المستثمرون ورجال الأعمال عند تقييم البيئة القانونية في أي دولة.

ومن يقرأ مسار التطوير التشريعي في المملكة خلال السنوات الأخيرة يلاحظ أن هناك توجهاً واضحاً نحو بناء منظومة قانونية أكثر كفاءة ووضوحاً واتساقاً مع أفضل الممارسات العالمية، دون التفريط في خصوصية المجتمع وقيمه. ويأتي نظام التنفيذ الجديد بوصفه حلقة مهمة في هذا المسار.

ولعل ما يميّز حديث وزير العدل أنه لم يركز على الإجراءات بقدر ما ركز على الغاية. فالأنظمة في نهاية المطاف ليست غاية في ذاتها، وإنما أدوات لتحقيق العدالة. وإذا تحوّلت الوسيلة إلى مصدر ضرر يفوق المنفعة، فإن المراجعة تصبح ضرورة لا خياراً.

ولهذا، فإن القيمة الأهم التي خرجت بها من هذا الحوار ليست مادة نظامية بعينها، ولا إجراءً محدداً، بل الفلسفة التي تقف خلف النظام كله: أن المطلوب من التنفيذ هو الوصول إلى الحق لا الإضرار بالإنسان.

وفي تقديري، فإن هذه العبارة لا تمثل شرحاً لنظام التنفيذ الجديد فحسب، بل تمثل أحد أوضح التعبيرات عن الاتجاه الذي تسير فيه العدالة السعودية المعاصرة؛ عدالة أكثر كفاءة في حماية الحقوق، وأكثر قدرة على الوصول إلى المال محل التنفيذ، وأكثر حرصاً على أن يبقى الإنسان إنساناً حتى وهو طرف في خصومة أو التزام مالي.

19:18 | 18-06-2026

احترام الجوار... قيمة قبل أن يكون نظامًا

ليست الدول العظيمة تلك التي تتسع لكل شيء، بل تلك التي تعرف ما الذي يجب أن تحميه. فالقوة الحقيقية لا تظهر حين تُفتح مساحة التعبير بلا حدود، بل حين تبقى هذه المساحة منضبطة بقيم المجتمع ومصالح الدولة واحترام الآخرين.

وقد أعادت واقعة شهدتها منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية تسليط الضوء على هذا المبدأ، بعدما تضمّنت إساءة لقيادات دولة شقيقة، الأمر الذي استدعى تدخل الجهات المختصة وفق ما تقضي به الأنظمة. ولم تكن أهمية الواقعة في تفاصيلها بقدر ما كانت في ما كشفته من حاجة دائمة إلى التذكير بالفارق بين حرية التعبير وبين تجاوز الحدود التي تمس حقوق الآخرين أو تضر بالمصالح والعلاقات التي تحرص الدولة على صونها.

واللافت في هذه الواقعة لم يكن فقط الموقف من المخالفة ذاتها، بل الطريقة المؤسسية التي جرى التعامل معها. فقد باشرت هيئة تنظيم الإعلام دورها النظامي في رصد المحتوى والتحقق من مخالفته، قبل اتخاذ الإجراءات المقررة وإحالته إلى النيابة العامة لاستكمال ما يلزم نظامًا. وهذه في حد ذاتها صورة من صور الدولة السعودية المعاصرة التي تعمل عبر اختصاصات واضحة ومتكاملة، بما يضمن أن تبقى سيادة القانون فوق ردود الأفعال والانفعالات العابرة.

ولم يكن ما عبّر عنه وزير الإعلام في تعليقه على الواقعة سوى امتداد لنهج سعودي راسخ، يقوم على احترام الدول الشقيقة والصديقة وصون العلاقات التي بنتها المملكة عبر عقود طويلة من الحكمة والاتزان. فهذه القيم لم تنشأ مع حادثة بعينها، بل تمثل جزءًا من المدرسة السياسية التي أرستها القيادة السعودية وجعلت من الاحترام المتبادل وحسن الجوار أحد الثوابت التي تحكم علاقات المملكة بمحيطها الإقليمي والدولي.

وليس من قبيل المصادفة أن تحظى هذه القيمة بمثل هذا الحضور في الوعي السعودي. فالعلاقات التي جمعت المملكة بمحيطها الخليجي لم تُبنَ في السنوات الأخيرة فقط، بل امتدت جذورها إلى السنوات الأولى لتأسيس الدولة، حين رسّخ الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه – مبادئ الأخوة وحسن الجوار والمصير المشترك في علاقاته مع قادة المنطقة. ومنذ ذلك الحين، ظل احترام الجوار أحد الثوابت التي لم تتغير بتغير الظروف أو الأجيال، بل تعززت مع الوقت وأصبحت جزءًا من هوية الدولة وسياستها.

ولهذا، فإن الموقف من مثل هذه التجاوزات لا يُفهم بوصفه رد فعل على إساءة فردية فحسب، بل بوصفه حماية لقيمة أوسع، ترى في احترام الآخرين واحترام قيادات الدول الشقيقة والصديقة جزءًا من احترام المملكة لنفسها ولمكانتها ولدورها في المنطقة.

فالعلاقات بين الدول لا تُبنى في قاعات السياسة وحدها، بل تُبنى أيضاً في وعي الشعوب وسلوك الأفراد. ولهذا، فإن حماية الاحترام المتبادل بين الدول ليست شأناً دبلوماسياً فحسب، بل مصلحة وطنية تحمي صورة الدولة ومكانتها ومكتسباتها السياسية، وتحافظ على الرصيد الذي بُني عبر سنوات طويلة من الثقة والاحترام المتبادل.

ولعل ما يستحق التأمل أن بعض الناس ما زالوا يخلطون بين حرية التعبير وبين الحق في الإساءة. والحقيقة أن الفارق بينهما هو الفارق بين الحرية والفوضى. فحرية التعبير حق أصيل ومهم، لكنها ليست حقًا مطلقًا يتجاوز حقوق الآخرين أو يمس كرامتهم أو يخل بالنظام العام أو يسيء إلى العلاقات التي تحرص الدولة على حمايتها وصيانتها.

ولهذا لم يكن من المستغرب أن تتعامل الأنظمة السعودية بوضوح مع مثل هذه الأفعال، وأن تضع لها إطارًا نظاميًا يوازن بين حرية الرأي وبين حماية المجتمع ومصالح الدولة وعلاقاتها الخارجية. فالدولة السعودية المعاصرة لا تحمي حرية التعبير فقط، بل تتجاوز ذلك إلى حماية البيئة التي تجعل هذه الحرية ممكنة ومثمرة ومسؤولة؛ لأن المساس بالعلاقات التي تحرص الدولة على حمايتها أو التحريض على ما يضر بها لا يُنظر إليه بوصفه خلافًا شخصيًا عابرًا، بل باعتباره مساسًا بجانب من جوانب النظام العام الذي تلتزم الدولة بحمايته وصيانته.

كما أن الكلمة في العصر الرقمي لم تعد شأنًا فرديًا محدود الأثر. فعبارة واحدة قد تتجاوز حدود صاحبها لتنعكس على صورة مجتمع بأكمله أو تُستغل للإساءة إلى علاقات بنتها الدول عبر سنوات طويلة من الثقة والتعاون. ولهذا أصبحت المسؤولية في استخدام المنصات الرقمية أكبر من أي وقت مضى.

الاحترام الحقيقي لا يظهر حين تتفق المصالح... بل حين تُحترم القيم.

ولعل القيمة الأهم التي تستحق أن تُقرأ خلف هذه الواقعة أن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات أو نفوذ، بل أيضًا بقدرتها على حماية قيمها الأساسية حين تُختبر. والمملكة العربية السعودية، وهي تؤكد عبر مؤسساتها وأنظمتها رفض الإساءة إلى قيادات الدول الشقيقة والصديقة، لا تدافع عن علاقة عابرة أو موقف مؤقت، بل تؤكد مبدًأ راسخًا مفاده أن احترام الجوار قيمة أصيلة في وجدان الدولة والمجتمع، قبل أن يكون نصاً في نظام أو مادة في لائحة.

فليس كل ما يمكن قوله ينبغي أن يُقال، وليست كل مساحة متاحة للكلام مساحة مباحة للإساءة. وبين الحرية والمسؤولية تبقى هناك قيمة كبرى حافظت عليها المملكة طويلًا، وستظل تحافظ عليها: أن احترام الآخرين لا ينتقص من حرية الإنسان، بل يعكس رقي المجتمع واتساقه مع القيم التي أرستها الدولة.

00:02 | 12-06-2026

الأمن السعودي.. قصة نجاح صامتة

من أخطر ما يفعله الاعتياد بالإنسان أنْ يجعله يتوقف عن ملاحظة النعم الكبرى. وحين يعيش المواطن سنوات طويلة وهو يمارس حياته بصورة طبيعية، ويتنقل بين المدن، ويقضي أعماله، ويطمئن على أسرته، فقد ينسى أن ما يراه أمراً اعتيادياً هو في الحقيقة واحد من أعظم إنجازات الدول الحديثة.

ولهذا، فإن الأمن السعودي لم يكن يوماً شعاراً يُرفع، بل واقع ظاهر للعيان، وقصة نجاح هادئة اعتادها الناس حتى كادت تختفي من أحاديثهم رغم حضورها في كل تفاصيل حياتهم.

ولعل الأيام والأسابيع الأخيرة قدّمت مثالاً حياً على هذه الحقيقة. ففي الوقت الذي نجحت فيه المملكة في إدارة موسم حج استثنائي شارك فيه ملايين البشر من مختلف الجنسيات والخلفيات، كانت المنطقة من حولنا تشهد تحديات وأحداثًا مؤسفة تذكر الجميع بأن الأمن والاستقرار ليسا أمراً تلقائيًا، بل إنجاز يحتاج إلى دولة قوية ومؤسسات يقظة ورؤية طويلة المدى.

فنجاح الحج لا يُختزل في الخدمات أو البنية التحتية أو التقنيات الحديثة فحسب، بل يعكس في جوهره مستوى الاستقرار الذي تنعم به المملكة. فالأمن ليس مجرد غياب للجريمة أو التهديد، بل قدرة الدولة على إدارة التعقيد بكفاءة، وضمان سلامة الإنسان أينما كان، مهما كان حجم التحديات.

وفي عالم نشهد فيه بين حين وآخر حوادث فردية أو جماعية تمس أمن الأفراد أو حرمة الممتلكات أو هيبة النظام في بعض المجتمعات، يدرك الإنسان السعودي حجم النعمة التي يعيشها في مملكة الحزم، حين يعلم أن اللجوء إلى القوة أو التهديد أو فرض النفوذ خارج إطار الدولة أمر لا يجد له موطئ قدم في المجتمع السعودي، حيث تبقى الكلمة العليا للنظام، والمرجع الأخير للدولة وحدها. وحين يصبح الاحتكام إلى الدولة أمراً بديهياً، ويتراجع منطق القوة الفردية أو النفوذ الشخصي أمام سلطة النظام، فذلك ليس مجرد أمن.. بل نضج دولة.

ولهذا، فإن الأمن في المملكة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره غياباً للجريمة أو التهديد فقط، بل باعتباره جزءاً من مشروع دولة متكامل. فالتنمية تحتاج إلى أمن، والاستثمار يحتاج إلى أمن، والتعليم يحتاج إلى أمن، والسياحة تحتاج إلى أمن، وحتى جودة الحياة التي أصبحت أحد مستهدفات رؤية المملكة 2030 لا يمكن أن تتحقّق دون بيئة مستقرة يشعر فيها الإنسان بالطمأنينة والثقة.

ومن هنا، فإن ما تحقّق في المملكة لم يكن صدفة تاريخية ولا نتيجة ظرف عابر، بل ثمرة رؤية واضحة جعلت الأمن والاستقرار في مقدمة الأولويات؛ ولهذا أصبح الأمن السعودي أحد أهم عناصر الثقة في الدولة، وأحد أهم أسباب جاذبية الاقتصاد السعودي، ومصدراً رئيسياً لطمأنينة المواطن والمقيم والزائر على حد سواء.

وهناك من ينظر إلى هذه الحقيقة وكأنها أمر اعتيادي، بينما هي في واقع الأمر واحدة من أعقد قصص النجاح التي بنتها الدولة السعودية عبر عقود طويلة. فالأمن لا يُصنع بالصدفة، ولا يستمر بالشعارات، بل يُبنى بالمؤسسات والكفاءات وسيادة النظام والقدرة على استباق المخاطر والتعامل معها قبل أن تتحوّل إلى أزمات.

وقد يكون من المفارقات أن أعظم النجاحات هي تلك التي لا يلاحظها الناس إلا عند غيابها. فحين تستيقظ كل صباح وأنت مطمئن على نفسك وأسرتك ومستقبلك، فإنك تعيش قصة نجاح كاملة قد لا تتصدر العناوين كل يوم، لكنها حاضرة في كل يوم.

ولهذا، فإن الأمن السعودي ليس مجرد مؤشر ضمن مؤشرات التنمية، ولا مجرد ملف من ملفات الدولة، بل أحد أعمدة المشروع الوطني السعودي الحديث. وهو قصة نجاح صامتة لأنها لا تحتاج إلى كثير من الحديث بقدر ما تحتاج إلى التأمل في واقع يعيشه الناس كل يوم، ويعرفون قيمته أكثر كلما نظروا إلى ما يحدث حولهم.

وفي النهاية، قد تختلف الدول في مواردها وفرصها وإمكاناتها، لكن تبقى هناك حقيقة ثابتة: أن الأمن هو الأساس الذي تُبنى عليه كل النجاحات الأخرى. وما تعيشه المملكة اليوم من استقرار وطمأنينة ليس مجرد نعمة تستحق الامتنان فحسب، بل إنجاز وطني كبير يستحق أن يُروى وأن يسجل لقادم الأجيال.

00:00 | 5-06-2026

نجاح موسم الحج ليس محض صدفة

حين يغادر ملايين الحجاج المشاعر المقدسة بعد أيام معدودة، قد تبدو الصورة في ظاهرها وكأنها نجاح موسمي يتكرر كل عام. غير أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فإدارة واحد من أكبر التجمعات البشرية على وجه الأرض، واستقبال ملايين البشر القادمين من عشرات الثقافات واللغات والجنسيات، ثم تمكينهم من أداء مناسكهم بطمأنينة وانسيابية، ليست مهمة يمكن أن تتحقق بالاجتهاد الآني أو المعالجات المؤقتة، بل هي نتيجة تراكم طويل من الخبرة والرؤية والتخطيط والاستثمار.


ولهذا فإن نجاح موسم الحج ليس محض صدفة.


فمنذ أن تشرّفت المملكة العربية السعودية بخدمة الحرمين الشريفين، أدرك قادتها أن خدمة ضيوف الرحمن ليست مجرد مسؤولية إدارية، بل شرف تاريخي وأمانة مستمرة تتجدد مع كل موسم. ولهذا لم يكن التطوير يوماً رد فعل لاحتياج طارئ، بل نهجاً ثابتاً تتسلم فيه كل مرحلة ما أنجزته المرحلة التي قبلها، ثم تضيف إليه وتبني عليه.


وعلى امتداد العقود الماضية شهد الحرمان الشريفان والمشاعر المقدسة مشاريع توسعة وتطوير متلاحقة، لكن ما يميّز المرحلة الحالية هو أن مفهوم الخدمة نفسه تغير. فلم يعد النجاح يقاس فقط بحجم التوسعات أو عدد المشاريع، بل بجودة التجربة التي يعيشها الحاج منذ لحظة اتخاذ قرار السفر وحتى عودته إلى بلده.


وهنا تتجلى إحدى أهم ثمار رؤية المملكة 2030.


فالرؤية لم تنظر إلى ضيف الرحمن باعتباره رقماً ضمن إحصاءات سنوية، بل باعتباره محور التجربة كلها. ومن هذا المنطلق جرى الاستثمار في البنية التحتية، والخدمات الرقمية، ووسائل النقل، والرعاية الصحية، وإدارة الحشود، وتطوير المشاعر المقدسة، ورفع كفاءة الكوادر البشرية، لتتحول رحلة الحج إلى منظومة متكاملة تعمل بتناغم استثنائي هدفها الأول خدمة الحاج وتيسير رحلته الإيمانية.


ولعل من أبرز ما يلفت الانتباه اليوم أن كثيراً من الخدمات التي كانت تُعد قبل سنوات تحديات كبرى أصبحت جزءاً طبيعياً من التجربة. إجراءات أكثر سهولة، وتنقل أكثر انسيابية، وخدمات صحية وأمنية عالية الكفاءة، ومنظومات تقنية تعمل خلف المشهد على مدار الساعة. حتى بات كثير من الحجاج يركزون على أداء مناسكهم أكثر من انشغالهم بالتفاصيل التشغيلية التي كانت تستنزف الجهد والوقت في السابق.


ولم يعد ضيف الرحمن يتعامل مع رحلته بوصفها سلسلة من الإجراءات المتفرقة، بل كتجربة متكاملة تبدأ قبل وصوله إلى المملكة بوقت طويل، وتستمر حتى عودته إلى بلده. فالتأشيرات، والخدمات الرقمية، وإدارة التنقل، والرعاية الصحية، والتوجيه والإرشاد، باتت تعمل ضمن منظومة واحدة هدفها أن ينشغل الحاج بمناسكه أكثر من انشغاله بالتفاصيل التشغيلية المحيطة بها. وهذه في حقيقتها ليست مجرد خدمات، بل انعكاس لفلسفة إدارية كاملة تضع الإنسان في مركز التجربة.


ولعل أجمل ما في هذا التحول أن كثيراً من الحجاج لا يرون حجم الجهد المبذول خلفه. فهم يرون رحلة أكثر سهولة، وتنقلاً أكثر انسيابية، وخدمات أكثر كفاءة، لكن ما لا يُرى هو آلاف الكفاءات، والأنظمة التقنية، والخطط التشغيلية، والاستثمارات الضخمة التي تعمل في الخلفية لتجعل هذه التجربة ممكنة بهذا المستوى من الجودة.


وهنا يكمن النجاح الحقيقي.


فالإنجاز لا يتمثل في بناء مشروع جديد فحسب، بل في قدرة الدولة على جعل هذا المشروع جزءاً طبيعياً من تجربة الإنسان دون أن يشعر بحجم الجهد المبذول خلفه. وهذه واحدة من أصعب المعادلات الإدارية في العالم؛ أن تعمل آلاف الجهات وعشرات الآلاف من الكفاءات والمتطوعين في تناغم دقيق، بينما تبدو الأمور للحاج وكأنها تسير بسلاسة طبيعية.


ولا يمكن قراءة هذا التحوّل بمعزل عن الرؤية التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والتي جعلت جودة الحياة، وكفاءة الخدمات، ورفع مستوى الأداء المؤسسي أهدافاً عملية قابلة للقياس والتنفيذ. وما نشهده اليوم في الحج ليس سوى أحد النماذج الحية على قدرة الرؤية على تحويل الطموحات الكبرى إلى نتائج يلمسها الناس بصورة مباشرة.


وربما لهذا السبب لم يعد نجاح الحج يُقاس بعدد الحجاج فقط، بل بقدرة المملكة على الارتقاء المستمر بجودة التجربة عاماً بعد عام. فالمعيار الحقيقي لم يعد في استيعاب الأعداد وحده، بل في الارتقاء بمستوى الخدمة، ورفع جودة الحياة داخل المشاعر المقدسة، وتعزيز شعور الحاج بالطمأنينة والكرامة والاهتمام منذ لحظة وصوله وحتى مغادرته.


ولهذا فإن النجاح المتكرر لمواسم الحج لم يعد مجرد قصة نجاح تشغيلية تُروى في نهاية كل عام، بل أصبح شاهداً على مشروع دولة متكامل وضع ضيوف الرحمن في قلب اهتمامه، وجعل من خدمتهم معياراً للتميّز، ومن راحتهم غاية تتسابق إليها مؤسسات الدولة عاماً بعد عام.


ومن ينظر إلى المشهد من هذه الزاوية سيدرك أن ما يحدث في الحج أكبر من موسم، وأعمق من مشروع، وأبعد من أرقام وإحصاءات؛ إنه امتداد لرسالة حملتها هذه البلاد منذ تأسيسها، وطورتها جيلاً بعد جيل، حتى أصبحت خدمة ضيوف الرحمن واحدة من أبرز الصور التي يرى من خلالها العالم قدرة المملكة على الجمع بين شرف المسؤولية، وكفاءة الإدارة.

19:47 | 31-05-2026