أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1650.jpg?v=1763641364&w=220&q=100&f=webp

أحمد الجميعة

«فجر اليمن».. وتداعيات المستقبل!

الأحداث المتسارعة في الأزمة اليمنية خلال اليومين الماضيين ليست سوى بداية لفجر اليمن الجديد باستعادة الدولة لأراضيها ومؤسساتها وإنهاء الانقلاب الحوثي، وتحوّل إستراتيجي نحو حرب شاملة على الجبهات كافة، مدعومة بقوات التحالف لدعم الشرعية، والانتقال من حالة الدفاع إلى الهجوم، وتكثيف الضربات على مواقع وأهداف عسكرية ذات قيمة وأثر لحسم المعركة على عدة مراحل وصولاً إلى العاصمة صنعاء.

أولى هذه المراحل انتزاع الموانئ وتأمين الملاحة البحرية في باب المندب، وكسب معركة الحديدة ومينائها الإستراتيجي، والمرحلة الثانية تعديل موازين القوى برياً من خلال فتح محاور متزامنة في (مأرب، الجوف، تعز، حجة، الساحل الغربي)، بهدف تشتيت القدرات الدفاعية للحوثيين وفرض واقع جغرافي جديد، والمرحلة الثالثة تحرير العاصمة وإنهاء الانقلاب الحوثي.

هذه المراحل التي يمكن استنتاجها من تحرك القوات اليمنية على الأرض ليست محددة زمنياً، وتخضع لعمليات وخطط عسكرية متغيّرة، وجغرافيا معقدة، ومعلومات استخباراتية محدثة بثوانٍ ودقائق معدودة، وهو ما يجعل هذا النوع من معارك الكر والفر بحاجة إلى قراءة مبادرة الفعل وتوقع ردة الفعل في الوقت نفسه، وذلك على أساس أن القتال ليس مع مليشيا حوثية إرهابية، ولكن أيضاً مع قوى أخرى لها مصالح في بقاء الحوثي في السلطة لتنفيذ أجنداتها إقليمياً ودولياً.

المتغيّر الأبرز المتزامن مع هذه الأحداث هو ما نتج عن الاجتماع الطارئ للجنة الإستراتيجية السياسية والدفاعية للدول الأطراف في «حلف مكة»، والانتقال إلى مرحلة التفعيل المؤسسي والعملي للردع والدفاع المشترك، بدءاً من المواقف الموحدة بين تلك الدول، والتأكيد على أن أي اعتداء مسلح على أي دولة في الحلف هو اعتداء يمس الأمن الجماعي للدول الأطراف، والتعامل معه وفق آلية ردع مشتركة.

هذا التزامن في تفعيل اتفاقية مكة مع الأحداث الجارية في اليمن وتداعياتها على المملكة؛ يجبر الحوثي ومن يقف خلفه بأن أي محاولات اعتداء على المملكة ستواجه بآلية ردع إقليمية أوسع، وأكثر تأثيراً، وهذه الرسالة في تفاصيلها تعني أن الحسابات العسكرية في هذه المرحلة مختلفة تماماً، ولا مجال للمساومة فيها أو المساس بخطوطها الحمراء.

اللافت خلال اليومين الماضيين رؤية السعودية العميقة في التعامل مع تداعيات الحرب الشاملة في اليمن، وإدارة الأزمة بمهنية عالية لتوضيح الصورة الحقيقية للمجتمع الدولي والأشقاء اليمنيين لما يجري على الأرض، وقطع الطريق على الشائعات والأخبار الملونة والكاذبة، حيث ظهرت وزارة الخارجية ببيان أكدت فيه أن «الحوثيين اختاروا مسار التصعيد العسكري المستمر ورفضوا كل مبادرات السلام»، وبعدها مباشرة أعلن سمو وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان عن «تفعيل الردع الجماعي ضد أي اعتداءات تستهدف أراضي المملكة العربية السعودية أو المشاعر المقدسة»، ثم جاء بيان وزارة الداخلية عقب ذلك للإعلان عن «إجراءات تصحيح أوضاع جميع اليمنيين المقيمين في المملكة بطرق غير نظامية».

وهذه الأبعاد السياسية والعسكرية والإنسانية في إدارة تداعيات الأزمة اليمنية على المملكة؛ تكشف عن مستوى حضور واعٍ لدولة بحجم المملكة ومكانتها، ورؤيتها وقدرتها على قراءة المشهد، وتفكيك تفاصيله وصولاً إلى المواطنين اليمنيين الذي يعيشون بيننا في السعودية وتمكينهم من العمل النظامي، بما ينعكس على ملايين الأسر داخل اليمن.

«فجر اليمن» هو عنوان لحرب عسكرية، ولكن مضامينه عميقة تجاه تحقيق السلام والأمن والاستقرار في المنطقة، وتوحيد اليمنيين نحو هدف يعيدهم إلى المستقبل، وبناء دولتهم ومؤسساتهم بعيداً عن مشاريع وأجندات خارجية.

00:10 | 7-10-2026

«جغرافيا الخليج».. والقرار السياسي المنتظر!

المؤكد أن الجغرافيا تعيد تشكيل السياسات، وكما قيل: «سياسة الدول تكمن في جغرافيتها»؛ فالحدود والموقع والموارد ليست مجرد خلفية ثابتة للأحداث، بل هي المحرك الأساسي الذي يفرض على الدول تحالفاتها وصراعاتها، وتحديد أصدقائها من أعدائها، كما أن التغيّرات البيئية والتكنولوجية الحديثة جعلت الجغرافيا تعيد رسم المشهد السياسي العالمي بطرق غير مسبوقة.

لقد أثبتت أحداث التاريخ والواقع الحالي أن الدول لا تستطيع تغيير موقعها الجغرافي، وجيرانها، وإطلالتها البحرية، أو افتقارها إلى المنافذ الطبيعية، وهذا الواقع هو الذي يفرض على صنّاع القرار سياساتهم الخارجية، وتحالفاتهم، وحتى عقيدتهم العسكرية.

الجغرافيا في منطقة الشرق الأوسط تُعد قدراً استراتيجياً ضاغطاً وصانعاً للسياسات؛ فالمنطقة تُمثّل «العقدة المركزية» التي تتقاطع فيها قارات العالم، وهذا الموقع الفريد جعلها ماضياً وحاضراً مسرحاً للتنافس الدولي المستمر، كما حوّل تفاصيلها الجغرافية إلى محركات سياسية أساسية في إدارة الصراع الدولي، وتحقيق مصالح السيطرة والنفوذ.

ولو نظرنا إلى تفاصيل جغرافيا المنطقة التي تعكس مكانتها، نجد أنها تتحكم في ثلاثة من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم (مضيق هرمز، وقناة السويس، وباب المندب)، وهذه الممرات تجعل أمن دول المنطقة مرتبطاً بالأمن الاقتصادي العالمي وسلاسل الإمداد، وكذلك تركزُ الاحتياطيات الهائلة للطاقة في منطقة الخليج، وانعكاساتُ ذلك في بناء تحالفات سياسية وعسكرية معقّدة لحماية هذه المصادر.

أما بالنسبة إلى التفاصيل الجغرافية الأكثر تهديداً في الشرق الأوسط، فما يرتبط بترسيم الحدود التي تجاهلت التوزيع الديموغرافي للشعوب منذ سايكس بيكو عام 1916م، ولا تزال نتائجها العكسية تشكّل مصدراً دائماً للنزاعات وعدم الاستقرار الإقليمي إلى اليوم. كذلك أزمة «الدفاع في العمق الجغرافي» لدولة مثل إسرائيل جعلتها تتبنى استراتيجيات عسكرية هجومية قائمة على نقل المعارك خارج حدودها، وتوجيه الضربات الاستباقية لتأمين نفسها، إضافة إلى جغرافيا الأنهار في المنطقة التي تخلق أزمات سياسية عابرة للحدود؛ مما يضع دول المصب، مثل (مصر والعراق وسورية)، في حالة تفاوض أو توتر مع دول المنبع لتأمين حصصها المائية.

الجغرافيا في الشرق الأوسط زادت المشهد السياسي تعقيداً في هذه المرحلة، ونتائجها واضحة مع تمدد الصراع في مضيق هرمز وباب المندب، وتجاوز حدود المصالح إلى أطماع السيطرة والنفوذ، ومحاولة فرض واقع جديد وتحالفات جديدة، وكل هذه التحوّلات المتسارعة تجعلنا أمام اختبار حقيقي كلما رأينا خارطة المنطقة، وأظهرنا جانباً من التحليل بأن القادم يحتاج إلى رؤية سياسية واقتصادية لا تحجبها الجغرافيا، ولكن تتماهى معها، وتستثمر إمكاناتها للمستقبل.

جغرافيا الخليج، مثلاً، كمصدر للطاقة والإمداد اللوجستي العالمي، عليها ألّا ترتهن في هذه المرحلة للصراع في المنطقة، بل تتجاوز عقدة مضيق هرمز أو باب المندب، والالتفاف عليهما من خلال التفكير في حلول أخرى لتنويع الممرات والمنافذ البحرية والبرية، من خلال تفعيل خطوط الأنابيب البرية، وشبكات «الربط السككي» لربط موانئ الخليج بموانئ بحر العرب (عبر سلطنة عُمان) والبحر المتوسط.

هذا التحوّل ينقل دول الخليج من دور «الحارس للممر المائي» - الذي يتحمّل كلفة الصراعات دون أن يملك السيطرة الكاملة عليها - إلى دور «المنصة اللوجستية العالمية»، وفي هذه الحالة تصبح جغرافيا الخليج مرنة وقابلة للتكيّف مع أسوأ السيناريوهات السياسية؛ لأن العالم سيصبح معتمداً على استقرار «الشبكة البرية الخليجية» ككل، وليس فقط على أمن مضيق بحري بعينه.

00:03 | 30-09-2026

وطن يحتفي بوحدته ووعي أبنائه

يمر اليوم الوطني هذا العام والأوضاع الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط هي الأكثر تعقيداً في تاريخها الحديث على أكثر من صعيد، وتمارس فيه المملكة أقصى درجات ضبط النفس والتعقل والحكمة لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي، وتفعيل القنوات الدبلوماسية لسيادة الحوار والسلام، وبناء التحالفات الإستراتيجية لمواجهة التحديات العابرة للحدود، وتقليل آثارها الحالية والمستقبلية، وتحديداً الاقتصادية التي تمر بها معظم دول العالم.

قدر السعودية منذ توحيدها قبل 96 عاماً أن تكون طرفاً رئيساً وفاعلاً في قضايا الإقليم والعالم، وشريكاً موثوقاً به في احتواء الصراعات وتقدير المصالح المشتركة، ومصدراً يُعتمد عليه في تحقيق أمن الطاقة وتوازن الأسواق العالمية، ومحوراً قارياً لسلاسل الإمداد، إضافة إلى جهودها الإنسانية والإغاثية، ومشروعاتها التنموية والاستثمارية التي استطاعت من خلالها أن تحافظ على مكانتها الاقتصادية بفضل رؤيتها الطموحة نحو الاقتصاد غير النفطي.

دولة بهذا الحجم، والإمكانات، والثقل السياسي والاقتصادي وحتى العسكري، وعلاقاتها الدولية الممتدة على خارطة هذا العالم، وكذلك ما تنعم به من وحدة وأمن واستقرار وازدهار؛ جعلها من الدول القلائل التي لديها الرؤية والقدرة معاً في احتواء الأزمات، والتعامل معها، والخروج منها وهي أكثر قوة واستقراراً، وبالتالي مهما كانت تحديات المنطقة التي تتواجد فيها، والتطورات المتسارعة في المواقف والتوجهات، إلاّ أنها استطاعت على مدى تاريخها أن تحافظ على إرثها، وسيادتها، ومكانتها، ونديتها بأن لا تبقى دولة وظيفية، بل دولة لديها مبادئ ثابتة ومصالح متوازنة بين الشرق والغرب.

وأثبتت أزمات المنطقة أن السعودية كيان عظيم، وقوة لا يمكن التقليل منها، أو محاولة جرها إلى صراعات تدرك جيداً عواقبها، ومهما كانت تلك الأزمات وبلغت ذروتها نجد أنها تنحسر مع مرور الزمن بإرادتها واستقلاليتها في اتخاذ القرار، ووحدة شعبها الذي يؤمن أن وطنه وقيادته خطوط لا يمكن تجاوزها أو المساومة عليها.

السعوديون على مدى أعوام الوحدة يقرأون التاريخ جيداً، ويدركون بوعيهم وسلوكهم بأن وطنهم صنع أعظم وحدة عرفها العالم، ولا يمكن التفريط بهذا المشروع الوحدوي الذي تركه لنا الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن ورجاله، وحافظ عليه أبناؤه وأحفاده إلى اليوم، وهو أيضاً مسؤولية أبناء وبنات هذا الوطن جيلاً بعد آخر، ونقطة الالتقاء التي تجمعهم في حب هذا الوطن وقيادته والتضحية من أجلهما.

قصص السعوديين في الدفاع عن وحدتهم وأمنهم واستقرارهم خالدة في صفحات التاريخ، والشواهد أكبر من أن تحصى، والجميل أن أساليب الدفاع متنوعة؛ فكل مواطن من موقعه الذي يتواجد فيه يحمل مسؤولية التصدي لكل من يحاول أن يمس هذا الوطن بسوء، وما نشاهده مثلاً في شبكات التواصل الاجتماعي كافٍ لإظهار تلك التعددية في أدوار التصدي، ومواجهة حملات التضليل والتزييف العميق.

في يومنا الوطني نحتفي بمنجزاتنا وحضارتنا وتاريخنا، ولكن أيضاً نحتفي بوعي المواطن السعودي الذي أثبتت الأزمات والتحديات التي تمر بها المنطقة والعالم أنه على قدر الثقة والمسؤولية، ويقف في الصف الأول للدفاع عن وطنه وقيادته، وهو الوعد الذي التزم به جميع المواطنين الصغير قبل الكبير، وهو سر وحدتنا حاضراً ومستقبلاً.

00:06 | 23-09-2026

ولي العهد في مصر.. أمن المنطقة لا يتجزأ!

يُسجّل التاريخ في جميع المواقف والتحديات التي تواجه منطقتنا العربية عمق العلاقات الأخوية بين السعودية ومصر، ودورهما المحوري في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، وتجسيد الرؤية المشتركة للمصير الواحد بين البلدين الشقيقين، وما يمثلانه من الحجر الأساس للثقل العربي، والميزان الذي يضبط مسار الأحداث في الشرق الأوسط، وتوجيهه نحو بر الأمان مهما بلغت ذروتها، أو تعددت أطرافها، أو اتسعت رقعتها.

ما يميّز العلاقة بين السعودية ومصر هو وعي القيادتين في البلدين بحجم التهديدات التي تواجه المنطقة، وقدرتهما على التصدي لمشاريع الاختراق والهيمنة والتدخل في الشأن العربي، والتعامل معها بحكمة وهدوء وتعقّل، بعيداً عن محاولات الفوضى والانقسام، كما يميّز هذه العلاقة أنها مدعومة بوعي شعبي لمواجهة خطر الحملات المغرضة والمشبوهة، من خلال قدرة السعوديين والمصريين معاً على تجاوز إدراك هذا الخطر إلى استيعاب حجمه، ومصدره، وتأثيره، وهو ما جعل الشعبين الشقيقين في مهمة إسناد ودعم لقيادتيهما، والصمود أمام تلك التهديدات.

ولهذا جاءت زيارة ولي العهد إلى القاهرة لتعكس جانباً مهماً في هذه العلاقة الراسخة بين البلدين حكومة وشعباً، وأهميتها في توقيت بالغ الحساسية والتعقيد تمر به منطقة الشرق الأوسط، والقضية الفلسطينية، وظروف غير مسبوقة تشهدها جبهات القتال بشكل متزامن ومتسارع في أكثر من مكان في الإقليم، وأخطرها الحرب الأمريكية الإيرانية، والحرب في اليمن والسودان، والأزمة الليبية، والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة في غزة والضفة الغربية ولبنان وسورية، فضلاً عن تهديد حركة الملاحة وحرية التجارة الدولية في مضيق هرمز، والبحر الأحمر ومضيق باب المندب وصولاً إلى قناة السويس، وتأثيرها السلبي على سلاسل الإمداد العالمية.

هذه الملفات ثقيلة جداً، وتتطلّب تنسيقاً كاملاً في المواقف والتوجهات والرؤى المستقبلية، مصحوبة بتحركات متوازنة في اتخاذ القرار، وموزونة في تنفيذه ومواءمته مع دول المنطقة، والدفع بجهود السلام، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية، ووقف التصعيد العسكري الذي يهدّد استقرار المنطقة ككل.

ومن هذا المنطلق، لم تكتفِ المباحثات بين ولي العهد والرئيس المصري بتبادل رسائل مشتركة تجاه موضوعات ثنائية، وإنما أيضاً لمناقشة واقع منطقة بأكملها، وأهمية التنسيق بين الجانبين قبل التحرّك، والمواءمة قبل اتخاذ القرار، مما يجعل فرص تطبيقه وتحقيق أهدافه ممكنة ومؤثرة أمام هذه التحديات المتوالية، ويفسّر تلك الخطوات توجّه الرياض والقاهرة إلى التهدئة، وإعادة ترتيب الأولويات، ورسم التوجهات نحو المزيد من الاستقرار؛ باعتبار أن أمن المنطقة لا يتجزأ ولا يُستثنى منه أحد.

زيارة ولي العهد إلى مصر ستعيد تنظيم مسار التحرّك العربي تجاه الأحداث الحالية، والتعامل معها برؤية ومسؤولية جماعية، بعيداً عن المصالح الذاتية التي تسعى لها بعض الدول، أو الأدوار الوظيفية التي تؤديها لمكاسب محدودة ومؤقتة، وهو ما يجعل التحرّك السعودي والمصري حاسماً في هذا التوقيت، ولا يقبل التأخير، أو التردد، أو المقايضة مع ملفات أخرى في المنطقة؛ باعتبار أن المرحلة حسّاسة ومكشوفة الأوراق لمحاولة فرض إرادة جديدة على دول المنطقة وشعوبها.

في كل تفاصيل التحرّك العربي تجاه الأحداث والقضايا التي تمر بها المنطقة، تبقى السعودية ومصر قوتين قادرتين -بشرياً وعسكرياً- على تحمّل تبعاتها، وامتصاص آثارها، والتحوّل نحو المستقبل والمنطقة أكثر أمناً واستقراراً.

00:02 | 16-09-2026

الأمن والتاريخ.. والإعلام!

في زمن التحوّلات الجيوسياسية والتغيّرات التقنية المتسارعة والتجاذبات الفكرية والثقافية حول الحرية والهوية والإيديولوجيا والعولمة؛ يأتي مؤتمر حوار الأمن والتاريخ الذي نظّمته وزارة الداخلية ليسد الفجوات في توقيت مهم، ويستوقف السعوديون قبل غيرهم تجاه ركيزة الأمن التي هي أساس التنمية والاستقرار، وبناء الإنسان، وأحد أهم مصادر الولاء والانتماء، ومؤشر الوعي بما يحيط بنا من تحديات، كما نستلهم من التاريخ قصة البدايات، وتضحيات الأبطال، وشموخ الوطن الذي راهن على أبنائه في الحفاظ على مكتسباته.

ربط الأمن بالتاريخ يختصر لك رحلة تأسيس الدولة ووحدتها وتنميتها، وهي قصة تستحق أن تروى كما يقول المشرف العام على المؤتمر الدكتور أحمد الطويان في كلمته خلال حفل الافتتاح، ليس لأنها قصة غير معروفة أو تبحث عن مصادر لسردها، ولكنها تستحق أن تروى جيلاً بعد جيل بكل أبعادها، ليتحقق الهدف كما يقول الطويان لمعرفة «من نحن» في محاولة جادة لتفكيك سؤال الهوية.

الجيل الحالي يحمل رسالة الأمن بمفهوم واسع، ولهذا تتجدّد رواية القصة في الأمن الفكري، والمجتمعي، والنفسي، والمعلوماتي، وكذلك الأمن السيبراني، والأمن الغذائي والمائي، بالإضافة إلى الأمن البيئي، والصحي، وغيرها من صنوف الأمن المتعددة في الطاقة، والاستثمار، والنقل، والعمل.

وهذه التعددية لا تغيّر أصل القصة المرتبطة بالأمن ووجود الإنسان وتنمية المكان، ولكنها تحاول أن تأخذ هذا الجيل إلى قصص أخرى من إنجازات الأمن التي تحققت وما زالت، وتعيدنا لمعرفة «من نحن» في سردية (ماذا كنّا، وماذا عملنا، وماذا حققنا، وماذا نستهدف)، ومن ثم هي قصة تستحق أن تروى بما يناسب كل مرحلة، وكل جيل، وكل تطور، وربطها بالتاريخ لتكتمل القصة عندما نأخذ منه الدروس والعبر، ونمضي بحاضرنا إلى المستقبل، ونحن أكثر قوة ووحدة ووعياً لمواجهة التحديات.

قصة الأمن التي نريد أن نرويها هذه المرة مرتبطة بالإعلام الرقمي بكل منصاته، وحساباته، ومواقعه، وكذلك الذكاء الاصطناعي بكل تقنياته، والانفتاح الهائل في بيئة رقمية سائلة -متغيّرة وغير صلبة- تحيط بها الخوارزميات من كل جانب، وتؤدي معها «فقاعات التصفية» دوراً بارزاً في عزل المستخدم داخل بيئة معلوماتية تتوافق تماماً مع آرائه، واهتماماته، وسلوكه السابق، مما يحجب عنه وجهات النظر الأخرى؛ ليبقى في «غرف الصدى» محاصراً بآراء غالباً ما تكون منحازة ومضللة.

رحلة الخوارزميات من التفاعل إلى الاستقطاب وصولاً إلى الاستلاب الفكري هي أخطر ما يواجهه الأمن في كل مجتمع، وتأتي هذه الرحلة مدعومة بالتدفق الهائل للمحتوى، وآلية الفرز البرمجي، وما ينتج عنها من تسلل محتويات مضادة إلى المتلقي لمحاولة إثارته وتشكيكه وتأزيمه.

ولكن الجميل أن الجيل السعودي الحالي يروي سردية الأمن في هذه المرحلة بشكل مختلف، حينما يراهن على وعيه في تنويع مصادر تلقي المعرفة للتصدي للشائعات، وتفعيل التفكير النقدي لعدم التسليم الفوري لما تعرضه الشاشات، ويستخدم أدوات التصفح الخفي وتعديل إعدادات الخصوصية لتقليل تحكم الخوارزميات، ووصل في قصته إلى قناعة بأن الحل ليس في إغلاق الشاشات، بل في فتح العقول بوعي وحس أمني وربطها بجذورها التاريخية.

هذه القصة يرويها الجيل الحالي ليعرف الجميع «من نحن»؛ حينما فرض السعوديون بمسؤوليتهم الأمنية «حائط الصد» أمام كل المحاولات اليائسة للنيل من وحدتهم، ورؤيتهم، ومستقبلهم، واستلهموا من التاريخ قيم الانتماء للوطن، والولاء للقيادة، واتخذوا من الأمن والتاريخ معاً درعاً في مواجهة الأيديولوجيات العابرة للحدود.

00:45 | 9-09-2026

«توظيف المشاهير» في الصراعات الدولية!

يُعد توظيف المشاهير في الصراعات بين الدول اليوم أحد أبرز أدوات الحروب الهجينة الحديثة التي تدمج بين الأدوات الحربية التقليدية والوسائل غير التقليدية، حيث تحوّلت بعض الحسابات المليونية لصنّاع المحتوى إلى ساحات معارك دبلوماسية وإعلامية لتوجيه الرأي العام العالمي، وتشويه الخصوم، وحشد الدعم الدولي.

ورغم الفاعلية اللحظية لهذا السلاح، إلا أنه يحمل مخاطر كبيرة على وعي المجتمعات، حيث يميل المشاهير عادةً إلى تبسيط الصراعات الجيوسياسية المعقدة ذات الجذور التاريخية العميقة، وتحويلها إلى ثنائية سطحية للصراع بين الخير والشر وفق معايير منحازة؛ لتناسب طبيعة منصات التواصل السريعة، مما يضلل ملايين المتابعين، ويغذي الاستقطاب الحاد، ويمنع فرص الفهم الحقيقي لجوهر الصراع.

وتتنوع استراتيجيات الدول في استخدام المشاهير أثناء الأزمات والحروب إلى عدة أنماط رئيسة، ومنها الدبلوماسية العامة في تعزيز خطابات التضامن والاستعطاف، وحشد الدعم الدولي لمواقفها وتوجهاتها، إلى جانب مشاركة المشاهير في حملات «البروباغندا وتبييض السمعة» عبر تنظيم الزيارات المدفوعة وحضور المهرجانات، إضافة إلى استقطاب بعض المشاهير وإغرائهم بالمال، وزيادة عدد متابعيهم، وتفضيل محتواهم، ورفع نسب المشاهدة والوصول لحساباتهم، وصولاً إلى مرحلة استلابهم إيديولوجياً، والضغط عليهم لتنفيذ أجنداتهم.

وفي المقابل، لا تبقى الدول التي تكون طرفاً في الصراع متفرجة على توظيف المشاهير ضدها، حيث تسعى إلى تكتيكات وممارسات هي أشد مواجهة، وقد تصل إلى إعلان حرب رقمية، ومن ذلك إغراق حسابات المشاهير (Spamming) بمئات الآلاف من التعليقات الموجهة (هاشتاقات، صور، أعلام) لإجبارهم على إغلاق التعليقات، أو اتخاذ موقف مغاير لما هو معلن، كذلك صناعة «التريند» الوهمي عبر رفع «هاشتاقات» تطالب مشهوراً معيناً بالاعتذار أو إعلان التضامن، مما يجعله يشعر بضغط شعبي وهمي (صادر عن حسابات آلية) فيرضخ للمطالب خوفاً على مصالحه التجارية، إضافة إلى مهاجمة الشركات التي ترعى المشهور «المحايد» أو «المخالف» وإجبارها على إلغاء عقودها معه، كوسيلة عقاب اقتصادي غير مباشر.

في الجانب الآخر، هناك دول لديها استراتيجيات استباقية لمواجهة «توظيف المشاهير» الذين يدعمون خصومها، ووضعهم على قوائم حظر الدخول، بل أصبحت أكثر صرامة في تتبع الأموال المخفيّة المدفوعة لهم دون إفصاح، تحت غطاء الإعلانات والتسويق السياسي، مثل ما قامت به هيئة التجارة الفيدرالية الأمريكية (FTC) التي تصنّف المشاهير الذين يتقاضون أموالاً من حكومات أجنبية؛ لتمرير رسائل سياسية دون الإفصاح عن أن المحتوى «إعلان مدفوع»، على أنه خداع للمستهلك والرأي العام.

إن تحوّل المشاهير إلى أدوات في الصراعات الدولية يعكس الوجه القاتم لعصر الرأسمالية الرقمية، حيث تُباع وتُشترى المواقف الإنسانية والسياسية، وتُوجّه عبر خوارزميات صامتة، ولم يعد أمام الشعوب لحماية وعيها سوى الحفاظ على وحدتها وأمنها واستقرارها، وتعزيز دورها في التصدي لمحاولات التشكيك والتأزيم والتزييف، وكشف المشاهير الذين تلوّنت مواقفهم وتوجهاتهم بحظرهم مباشرة، والاعتماد على المصادر الرسمية للوصول إلى الحقيقة والإيمان بها.

00:07 | 2-09-2026

ولي العهد في باريس.. و«عولمة القوة الناعمة» السعودية

تأتي زيارة الدولة الناجحة لسمو ولي العهد إلى باريس تزامناً مع احتفال البلدين بمرور قرن كامل (1926 - 2026م) على بدء العلاقات الدبلوماسية والسياسية الرسمية، وتعكس في مباحثاتها ونتائجها عمق التنسيق المشترك وعالي المستوى بين الرياض وباريس، في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية بحكمة ودبلوماسية تعزّز الأمن والسلم الدوليين.

كما تحمل الزيارة أبعاداً مهمة بانعقاد أول اجتماع لمجلس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين كعمل مؤسسي مستدام، وتوقيع 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم في قطاعات حيوية ومتنوعة مثل الطاقة، والنقل، والصحة، والتكنولوجيا، والدفاع، وعقد اجتماعات الطاولة المستديرة للاستثمار، ودورها في مواءمة «رؤية السعودية 2030» مع التطلعات الاقتصادية الفرنسية والأوروبية.

اللافت في هذه الزيارة -بعيداً عن التفاصيل الرسمية لأجنداتها- هو قدرة سمو ولي العهد برؤيته الملهمة على ترسيخ مفهوم عولمة القوة الناعمة السعودية، من خلال تحويل عناصر الجذب الثقافي والرياضي والسياحي والإنساني للمملكة، من النطاق المحلي والإقليمي إلى منصات التأثير العالمي الصانعة للاتجاهات الدولية، حيث لم تعد القوة الناعمة السعودية تقتصر على المكانة الدينية أو النفطية، بل أصبحت أداة دبلوماسية واقتصادية حيوية تعيد تشكيل الصورة الذهنية للمملكة حول العالم.

تستهدف رؤية عولمة القوة الناعمة السعودية في الوصول المباشر إلى وجدان وعقول الشعوب، عبر تفعيل لغة الاهتمامات المشتركة معها في مجالات متعددة، مثل الرياضة والثقافة والترفيه والسياحة، إلى جانب مخاطبة جيل المستقبل في قطاعات حيوية، مثل الألعاب والرياضات الإلكترونية الذي يربط المملكة اليوم بأكثر من 3 مليارات لاعب حول العالم (يمثلون جيل الشباب واليافعين)، مما يجعل الرياض بالنسبة لهم هي «أرض الأحلام الرقمية»، والعاصمة الروحية لشغفهم الحديث، وهو ما يجعل حضور سمو ولي العهد مع الرئيس الفرنسي ختام كأس العالم للرياضات الإلكترونية في باريس تأكيداً على أهمية وفاعلية هذا المسار.

كذلك تعزيز الدبلوماسية الإنسانية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة، وتفعيل دور الاتصال القيمي في عمليات الإجلاء والوساطات، وكسر النمطية في الجذب السياحي من خلال فتح أبواب المملكة للسياحة العالمية عبر التأشيرة الإلكترونية، إضافة إلى تصدير الهوية السعودية إلى المحافل الدولية وإشباع الفضول الثقافي لشعوب العالم، والأهم في رؤية عولمة القوة الناعمة السعودية هو الطموح البشري الملهم لدى السعوديين في مخاطبة ومشاركة الشغف الإنساني العالمي نحو المستقبل.

اليوم نجحت السعودية في أن تكون جسراً حيوياً للتواصل الثقافي والحضاري مع شعوب العالم، ويأتي الإعلان عن المركز الثقافي السعودي في باريس ترسيخاً لهذا التوجه، كما يعبّر التراث السعودي العالمي في الدرعية والعلا وغيرها أيقونات معمارية وثقافية يتحدث عنها الإعلام الدولي، وتجذب المشاهير وصنّاع القرار من حول العالم.

الرسالة التي يحملها سمو ولي العهد في رؤيته أن السعودية لم تعد مجرد «محطة وقود للعالم»، أو «لاعب جيوسياسي ثقيل» في المنطقة والعالم فحسب، بل تحوّلت السعودية إلى شريك في صياغة الثقافة الشعبية العالمية المستدامة، وقوتها الناعمة مصدراً للتأثير والجذب والفاعلية في التواصل مع شعوب العالم.

23:59 | 25-08-2026

«إيميل» الموارد البشرية!

الرسالة المؤسسية التي أكدت عليها وزارة الموارد البشرية على الأقل خلال السنوات الخمس الماضية؛ أن سوق العمل هي سوق مهارات، وتبقى الشهادة متطلباً للحصول على الوظيفة، وهذا يعني رفع مستوى الكفاءة والإنتاجية والتنافسية للكوادر الوطنية تجاه متطلبات سوق العمل الحالية والمستقبلية.

وبناءً عليه؛ أطلقت الوزارة حزمة من المبادرات لدعم المهارات، وأبرزها المجالس القطاعية للمهارات، والمعايير المهنية الوطنية، والبرنامج الوطني للتدريب «وعد»، ومسرّعة المهارات وقسائم التدريب، إضافة إلى تقديم برامج وطنية متخصصة لمن لم يكملوا تعليمهم الجامعي، أو يرغبون في تغيير تخصصاتهم لمواكبة متطلبات سوق العمل المتغيّرة.

المحصلة في هذه الرحلة التحولية من الشهادة إلى الكفاءة، ومن وظيفة الخدمة المدنية إلى العقود الوظيفية؛ أن تبقى المهارات عنواناً للاستمرار في الوظيفة مهما كانت المتغيّرات والتحديات، وحجم العرض والطلب، وأيضاً مستوى جودة الوظائف ومسمياتها ومواقعها ورواتبها.

المشهد أن كثيراً من الموظفين ممن يعملون بعقود عمل في القطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية تتجدّد عقودهم تلقائياً، أو يصل بعضهم «إيميل» من إدارة الموارد البشرية في تلك القطاعات لإنهاء العلاقة التعاقدية قبل 60 يوماً على الأقل من نهاية العقد، كما أن هناك موظفين يتلقون عروضاً وظيفية ومزايا أفضل على عقودهم الوظيفية في مواقع عمل أخرى.

هذا المشهد في ظاهره وباطنه مرتبط بمهارات الموظف، ومستوى التقييم لأدائه؛ فالاستمرار أو الاستغناء أو الاستقطاب من جهة أخرى، راجع في الأساس إلى المهارة، ومدى تطويرها، وتحديث مدخلاتها وممارساتها باستمرار، وهذه المهارة هي من تقدّر في نهاية المطاف الحاجة إلى هذا الموظف ضمن مصفوفة المهام المطلوبة.

التركيز هنا ليس على من لا يملك المهارة ويتحمّل تبعات كثيرة في سوق العمل، ولكن من يملك هذه المهارة أو قدراً كبيراً منها، ولكن تم الاستغناء عنه نتيجة هيكلة إدارية، أو تقليص نفقات، أو أعداد، أو أيضاً نتيجة عوامل تقنية وتحديداً مع تقنيات الذكاء الاصطناعي في الجهة ذاتها.

وهذه الفئة التي تؤمن بإمكاناتها وقدراتها ومهاراتها النوعية ستجد فرصتها في سوق عمل مفتوحة وجاذبة للكفاءات، مهما كانت التحديات أحياناً، ولكنها ستصل إلى هدفها في النهاية بالحصول على الوظيفة؛ لأن المعيار هنا في المهارة وليس الجهة أو المكان، وهناك قصص كثيرة ملهمة لكوادر وطنية تم الاستغناء عنها لسبب أو آخر، ولكنها راهنت على مهاراتها واستطاعت أن تكتب قصة نجاح مميّزة في مواقع عمل أخرى.

التطوير المستمر للمهارات قد يقود يوماً إلى الاستغناء عن الوظيفة بعد اكتساب الخبرة والتجربة، والتفكير في المشروع الخاص، والحصول على مزايا كثيرة لأصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة، والدعم من وزارة الموارد البشرية لروّاد الأعمال، وكلها تساهم في تحريك الاقتصاد الوطني، واستثمار الإمكانات، والتحوّل من البحث عن الوظيفة إلى مولد للوظائف.

المهارة هي الأداة والقدرة العملية لاكتساب المهنة، وزيادة الدخل، وبناء المسار المهني، وهي أيضاً أساس التميّز في أي مهنة، وكلما تطورت المهارات، زادت كفاءة الأداء وقيمة صاحب المهنة في سوق العمل، والأهم التحول الجذري من «أمان الوظيفة التقليدية» إلى «أمان المهارة المستدامة».

00:03 | 19-08-2026

«اتفاقية مكة».. نحو استقرار المنطقة والعالم!

ردود الفعل الإقليمية والدولية من «اتفاقية مكة» للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان متوقعة، بغض النظر عن سياقات وخلفية الآراء التي تناولتها، أو المواقف المعلنة منها، أو حتى التوقعات والفرضيات التي حاولت أن تربط توقيتها بالأحداث الجارية في منطقة الشرق الأوسط، رغم أن هذه الاتفاقية جاءت تتويجاً لمفاوضات إستراتيجية امتدت لسنوات بين الدول الثلاث، واستمراراً للتعاون العسكري بينها منذ عقود، فضلاً عن التكامل الاقتصادي والأمني والسياسي، وهو ما يجعل الوصول إلى هذه الاتفاقية في سياق طبيعي.

الحقائق الثابتة في هذه الاتفاقية أنها ذات طبيعة دفاعية ورادعة وليست موجّهة ضد أي دولة بعينها (بما في ذلك إيران)، واتفاقية أيضاً ذات مظلة مفتوحة وغير انعزالية، بمعنى أنها لا تشكّل محوراً طائفياً أو عسكرياً مغلقاً، بل هي مفتوحة لانضمام الدول الشقيقة في المنطقة التي تشاركها مبادئ تعزيز السلام والاستقرار، كذلك اتفاقية لا تلغي أو تحل محل أي معاهدات ثنائية أو متعددة الأطراف للدول الأعضاء مع أطراف أخرى، كما أنها تنسجم تماماً مع المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تكفل حق الدفاع الفردي والجماعي عن النفس.

مهما حاولت الآراء الأخرى أن تقفز على تلك الحقائق تجد نفسها أمام حوكمة بالغة الدقة في تنفيذ بنود الاتفاقية، من خلال آلية التشاور والاستجابة عند تعرّض أي دولة للتهديد، حيث تطلب المساعدة، ويتم تحديد شكل الدعم (عسكري، لوجستي، استخباراتي) بناءً على تقييم مشترك لطبيعة التهديد، كذلك المأسسة التنظيمية بالإعلان عن تأسيس لجنة وزارية مشتركة للتنسيق، إلى جانب إنشاء أمانة عامة دائمة للاتفاقية يكون مقرها في السعودية.

الاتفاقية التاريخية تقوم على مبدأ «الردع الجماعي»، حيث ينص بندها الأساسي على أن أي هجوم مسلح خارجي على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً، وهذا المبدأ ليس جديداً في العلاقات الدولية، ولا يحتمل تفسيرات لا تنسجم مع الواقع، وأكبر دليل حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي يضم مجموعة واسعة من دول أمريكا الشمالية وأوروبا، وينص مبدؤه الرئيس (المادة الخامسة) على أن الهجوم المسلح على عضو أو أكثر يُعدّ هجوماً على الجميع.

وبالتالي الدول الثلاث لم تخترع مبدأ ردع من عدم، وإنما هي ممارسة موجودة بين دول العالم، فضلاً عن الاتفاقيات الثنائية التي تجري بين الدول لتحقيق المبدأ ذاته، والأهم أن هذا المبدأ يحقق الاستقرار العالمي، وخلق بيئة ردع متوازنة تضمن حماية خطوط الملاحة الدولية، وإمدادات الطاقة، وتحقيق سلام مستدام يبنى على القوة والتكامل الإستراتيجي، وهو خلاصة هذه الاتفاقية.

الموقف ليس تبريراً ولكنه توضيحاً لما هو أهم، وهو أن الرياض وأنقرة وإسلام آباد تبرهن على قدرة القوى الإقليمية الكبرى على صياغة أمنها القومي بنفسها، بدلاً من الاعتماد على المظلات الأمنية الدولية التقليدية، وجاء هذا «التحالف التاريخي» بمثابة تعزيز الاعتماد الذاتي المشترك لحماية سيادة تلك الدول ومصالحها الحيوية.

القوة الحقيقية لهذه الاتفاقية في التكامل الجيوسياسي والعسكري والمالي الفريد الذي تشكّله الدول الثلاث؛ فالسعودية تمثل الثقل الاقتصادي والمالي العالمي، والعمق الإستراتيجي والروحي للعالم الإسلامي، إلى جانب نفوذها السياسي والدبلوماسي الواسع، والجمهورية التركية توفر قاعدة تصنيع عسكري وتكنولوجي متطورة، بالإضافة إلى امتلاكها لثاني أكبر جيش في حلف الناتو، وجمهورية باكستان الإسلامية تمنح الحلف عمقاً بشرياً وخبرة قتالية عسكرية ميدانية هائلة تراكمت على مدى عقود، فضلاً عن كونها القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي.

«اتفاقية مكة» باختصار تعيد صياغة التوازنات الإقليمية، وتمنح المنطقة والعالم الاستقرار والتنمية، وهذه الرسالة وحدها كافية لفهم أبعادها المستقبلية.

00:01 | 12-08-2026

مأزق الخيارات الصعبة.. ودبلوماسية الوعي الخليجي!

على مدى خمسة أشهر من المواجهة المفتوحة بين واشنطن وطهران، تجاوز المشهد حدود القراءات التقليدية؛ ليتحوّل إلى اختبار حقيقي لنضج السياسات والإستراتيجيات الدولية والإقليمية.

لم يعد الواقع السياسي والعسكري ثابتاً، بل يتشكّل ويتمدّد مع كل أزمة مستجدة، مما وضع صنّاع القرار في مأزق تقييم خياراتهم وسط طوفان من البيانات الإعلامية المتناقضة، وهامش مناورة يتسع ويضيق بحسب المصالح الآنية.

ومع انهيار الاتفاقات الهشة، يظل السؤال الجوهري قائماً: هل يمتلك أي طرف خياراً حقيقياً لإنهاء الحرب في المدى القريب؟

تكمن الصعوبة الراهنة في عجز الأطراف عن تفكيك المشهد قبل بناء أي اتفاق صلب لوقف الحرب، كما أن أي تسوية دافئة تتطلب قراءة عميقة لشبكة التحالفات الدولية الإستراتيجية لا الآنية، واختبار مدى فاعلية القنوات الخلفية للتفاوض.

في المقابل، تفرض طهران معادلة «الردع بالجغرافيا» عبر أزمة السيادة في مضيق هرمز، محوّلةً الممر المائي الدولي إلى سلاح سياسي يهدّد أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

هذا الحصار البحري المتبادل وحرب الاستنزاف المستمرة دون حسم، مع تمدد شبكات الوكلاء، وصراع المعلومات الاستخباراتية، كلها ملفات باتت تقف حائلاً دون تحقيق الأهداف الأمريكية المعلنة: إيران بلا نووي، وبلا صواريخ باليستية، وبلا نفوذ إقليمي.

يكشف المشهد أن مسارَي التفاوض اللذين يركّز عليهما الرئيس ترمب -الملف النووي وأمن الملاحة- ما زالا في طور الاستهلاك الدبلوماسي والإعلامي، ويبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية تتأرجح بين الرغبة في إبرام «صفقة كبرى» تنهي الصراع، وبين واقع يفرض عليها «احتواءً مشروطاً» لعدم الانزلاق إلى حرب شاملة.

إن إدارة صراع بهذا التعقيد تعني أن «التوقفات المؤقتة» ستظل بلا سقوف زمنية محددة؛ لأن الانتقال من مرحلة إلى أخرى يتطلب توافقات بالغة الحساسية لم تنضج بعد.

الأخطر في هذه المواجهة هو خطر اختلاط الأوراق، وتحوّل الصراع الثنائي إلى حرب إقليمية واسعة متعددة الجبهات والأجندات، وهذا السيناريو الكارثي هو ما دفع العواصم الخليجية للتدخل الحاسم لمنع ضربة عسكرية أمريكية كان يُحتمل توجيهها لإيران مطلع هذا الأسبوع.

يعكس هذا الحراك الخليجي وعياً إستراتيجياً متقدّماً؛ فدول المنطقة ترفض أن تكون أراضيها أو أجواؤها ساحة لتصفية الحسابات، وتدرك أن الشرق الأوسط لم يعد يحتمل المزيد من الانكشاف الأمني الذي يهدّد استقراره الاقتصادي ومكتسباته التنموية.

يمر المشهد السياسي والعسكري اليوم بمرحلة فائقة الحساسية والتعقيد، وأمام هذا التوتر، تتحرك دول الخليج ليس فقط لتقريب وجهات النظر بين طرفين متحاربين، بل لفرض قراءة إستراتيجية شاملة تحمي مصالح الإقليم بعيداً عن المناورات السياسية الآنية التي لم تعد خافية على أحد، كما أن البديل عن الحوار العقلاني والتسوية الشاملة لن يكون سوى انفجار كبير يدفع ثمنه العالم أجمع.

00:05 | 5-08-2026