أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1650.jpg?v=1763641364&w=220&q=100&f=webp

أحمد الجميعة

الطائرة الإيرانية تُسقط وهم الحوثي!

شكّلت واقعة منع طائرة الوفد الإيراني من الهبوط في مطار صنعاء الدولي نقطة تحول سياسية وإعلامية بارزة، حيث أسقطت كلياً الادعاءات التي سعت طهران وجماعة الحوثي إلى تسويقها؛ بأن قرار الأجواء اليمنية ومطار العاصمة بات بأيديهم، حيث حاول التحالف الحوثي-الإيراني تصوير المشهد وكأنه إعلان لسيادة مفروضة بقوة الأمر الواقع، لكن الأحداث الميدانية أثبتت أن تلك الرواية لم تكن سوى دعاية سياسية واهية سرعان ما اصطدمت بواقع الترتيبات السيادية الحقيقية.

لقد وظفت الآلة الإعلامية الإيرانية والحوثية واقعة الطائرة لخدمة أجندتها السياسية عبر أربع إستراتيجيات دعائية رئيسة -وفق تحليل ردود الفعل، بهدف التغطية على الإخفاق الميداني وتحويله إلى انتصار وهمي، وأول تلك الإستراتيجيات الادعاء بمظلومية الحصار، وإعادة إحياء خطاب الضحية لكسب التعاطف الشعبي، ومحاولة استمرار التصعيد؛ ليكتشف العالم بطلان هذا الادعاء الكاذب، وأن واقع السيادة اليمنية أقوى من محاولات التضليل والضجيج المفتعل تحت أي مبرر.

والإستراتيجية الثانية دعاية «كسر الحصار»، ومحاولة فرض واقع سياسي جديد عبر الإعلان المسبق عن الرحلة، بهدف إيهام الحاضنة الشعبية بأن الحوثيين يمتلكون سلطة القرار المطلق على الأجواء والمطارات اليمنية، والواقع أثبت العكس تماماً بعجز الحوثيين عن تأمين هبوط طائرة تحمل وفداً حليفاً، وهو ما يمثّل إخفاقاً إستراتيجياً واضحاً كشف حدود سلطتهم الفعلية على الأرض.

أما الإستراتيجية الثالثة؛ فهي محاولة التشويش ونقل المعركة الرمزية بعد الفشل في الهبوط بمطار صنعاء (العاصمة والرمز السيادي)، حيث جرت محاولات سريعة لتغيير المسار وتصوير الهبوط في مطار الحديدة على أنه نجاح واختراق لإفشال المنع، والتقليل من حجم الإخفاق الإستراتيجي في مطار العاصمة، والحقيقة أن اضطرار الطائرة الإيرانية إلى التوجه نحو مطار الحديدة لم يغيّر من جوهر المشهد أو نتيجته السياسية، فالمعركة الحقيقية والرمزية كانت تتمحور حول مطار صنعاء كبوابة سيادية للعاصمة.

والإستراتيجية الرابعة لواقعة الطائرة كانت محاولة استغلال اليمن كـ«صندوق رسائل» إقليمي، حيث وظفت طهران الدعاية لتأكيد نفوذها في الملف اليمني، وإرسال رسائل للمجتمع الدولي بأنها قادرة على تحريك الأوراق السياسية والعسكرية في المنطقة، وتثبيت شرعية حلفائها كأمر واقع، ولكن الرد هذه المرة جاء مباشراً وواضحاً من رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الدكتور رشاد العليمي بعدم توسيع نطاق المواجهة العسكرية؛ لتفويت الفرصة على الهدف الذي تسعى إليه إيران، والمتمثل في زج اليمن وشعبه في أتون حروب عبثية تخدم مصالح طهران الخاصة، وتستخدم اليمن أرضاً وإنساناً كـ«ورقة ضغط» في صراعها الإقليمي الشامل، كما جاء الموقف الحازم الآخر على لسان الدكتور العليمي ليؤكد بأن الدولة اليمنية لن تسمح مستقبلاً لأي طائرة بانتهاك الأجواء اليمنية، سواء كان ذلك باتجاه مطار صنعاء أو أي مطار آخر على امتداد الجغرافيا اليمنية.

لقد برز موقف رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني كصمام أمان يحمي القرار الوطني السيادي بمسؤولية دستورية صارمة، ويعكس نضجاً سياسياً بالتصرف بعقلية الدولة لحماية الأرواح والممتلكات، مما يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة واضحة بأن الشرعية وحدها هي مالكة الأرض والأجواء، وكل محاولات الضجيج الإعلامي لن تصنع للمليشيا اعترافاً يعجز الواقع عن منحه.

منذ ساعتين

«المحتوى المحلي».. وصناعة المستقبل

نؤكد دائماً أن التحديات تصنع الفرص، وهذه الفرص تختبر إمكانات الدول حينما يكون مؤشر الخروج من كل أزمة أكثر قوة ونضجاً، والتعامل مع تداعياتها على أنها رؤية جديدة في التخطيط لمشروعات المستقبل.

وهو ما يجعل السعودية واحدة من تلك الدول التي أثبتت الأزمات والتحديات أنها قادرة على تجاوزها، والاستفادة من دروسها، ليس لأن اقتصادها الأسرع نمواً بين مجموعة العشرين، أو الأكثر انفتاحاً على العالم، أو إنفاقاً على مشروعات تنموية، ولكن أيضاً لأن هذا الاقتصاد يشهد قاعدة صناعية قوية للإنتاج محلياً، وبناء سلاسل إمداد وطنية أكثر مرونة واستدامة.

لقد مرّ العالم -والسعودية جزء من هذا العالم- خلال السنوات الخمس الماضية بأزمات كورونا، وتحديات سلاسل الإمداد، وتقلبات الأسواق، وتصاعد الأحداث الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وتداعياتها المستمرة إلى اليوم، ومع كل ذلك بقيت السعودية الأقوى لأنها الأكثر جاهزية على الإنتاج محلياً، والاكتفاء ذاتياً، من خلال منظومة اقتصادية متكاملة قادرة على الاستمرار والنمو في مختلف الظروف، والتكيّف معها عبر سلاسل القيمة الوطنية، وتمكين الكفاءات من أبناء وبنات الوطن، وخلق صناعات جديدة، ورفع مساهمة القطاعات غير النفطية في الاقتصاد الوطني.

السعودية تؤمن بأن الاعتماد الكامل على الخارج في أوقات الأزمات يمثل أكبر تحدٍ على اقتصادها، ورؤيتها الطموحة، كما تؤمن بأن الاستثمار في محتواها المحلي هو استثمار حقيقي في استقرار اقتصادها واستدامته، واستثمار طويل الأمد مع المستقبل، فكل صناعة محلية تُبنى اليوم تعني قدرة أكبر على الاستمرار غداً، واستجابة أسرع للأزمات، ومرونة أكبر في سلاسل الإمداد وتدفقها دون انقطاع.

لذا؛ واصلت العمل خلال السنوات الماضية على تطوير سياسات تمكين المحتوى المحلي، ورفع مساهمته في الاقتصاد الوطني، عبر توطين الصناعات، وتوجيه القوة الشرائية الوطنية، وتحفيز الاستثمار، ونقل المعرفة، وبناء شراكات فاعلة مع القطاعين الحكومي والخاص، وهو ما جعلها اليوم تقف بشموخ منتجاتها، وقوة اقتصادها، وتعزيز مكانتها في التنافسية العالمية.

أرقام المحتوى المحلي خلال العام 2025 تثبت أن الرؤية مع القدرة الوطنية تصنع الفارق رغم التحديات والأزمات، حيث بلغ المحتوى المحلي في الإنفاق النهائي للقطاع غير النفطي نحو 1.299 مليار ريال، وتجاوزت قيمة فرص المحتوى المحلي المطلقة 59.9 مليار ريال، كذلك بلغت قيمة مساهمة المحتوى المحلي في المشتريات الحكومية 91.41 مليار ريال، وتجاوز حجم الاستثمارات الناتجة عن اتفاقيات توطين الصناعة ونقل المعرفة 19 مليار ريال، وعدد الوظائف المستحدثة من إجمالي اتفاقيات التوطين أكثر من 12 ألف وظيفة.

هذه الأرقام تؤكد دور هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية في تعزيز الإمكانات المحلية، وتعظيم الفائدة من القوة الشرائية الوطنية لبناء اقتصاد قوي ومستدام، كما تعكس رؤية سمو ولي العهد التي عبّر فيها صراحة بأن المحتوى المحلي يمثّل «أجندة وطنية، وجزءاً رئيساً في الإستراتيجيات الوطنية وآليات العمل الحكومية، ونموذجاً دولياً يُحتذى به».

00:03 | 8-07-2026

«الدعاية الرمادية» بين أمريكا وإيران.. الوعي ينتصر!

الدعاية السياسية في أبسط مفاهيمها هي ممارسة إعلامية منظمّة للتأثير في عواطف وسلوك الجمهور؛ وصولاً إلى تحقيق مكاسب السيطرة على الرأي العام وتوجيهه، وتعبئته وتحفيزه نحو تبنّي مواقف معينة، وصناعة القبول لديه بشرعية القرارات التي تم التوصل لها، من خلال أساليب انتقائية المعلومات، واستخدام الرموز والشعارات، واستغلال وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.

أخطر أنواع الدعاية في أوقات السلم والحرب هي (الدعاية الرمادية) التي تستند إلى معلومات غير دقيقة في مصدرها، وغير واضحة في مزجها بين الحقائق والأكاذيب، وتعتمد بالدرجة الأولى على التسريب الإعلامي، والشائعات، وتوظيف أطراف ثالثة في عملية النشر والتفاعل، وذلك بعكس (الدعاية البيضاء) التي تُعلن مصدرها بشكل واضح، وتقدّم غالباً معلومات صحيحة، وكذلك (الدعاية السوداء) التي يمكن كشف معلوماتها الكاذبة والمضللة وأهدافها المعلنة في الإثارة والتشويه والتأزيم.

على هذا الأساس تبقى الدعاية الرمادية بعد اتفاق التفاهم بين أمريكا وإيران هي الأخطر في تشكيل الرأي العام المحلي والدولي، حيث بات واضحاً تكتيكات كل طرف في التعامل مع المساحة الفاصلة بين انتهاء الحرب والوصول إلى اتفاق شامل لإنهاء الصراع، وهذه المساحة تعاملت معها أمريكا بنشر تسريبات استخباراتية موجهة نحو الخسائر العسكرية الإيرانية من الحرب، والأوضاع الاقتصادية المتردية بعد الحصار، وممارسة الضغط النفسي على صانع القرار للقبول والإذعان بما هو مطلوب في هذه المرحلة.

وفي المقابل تنتهج إيران دعاية رمادية باستخدام منصات التواصل الاجتماعي وتقنيات الذكاء الاصطناعي، مثل «فيديوهات ليغو» الرمزية الساخرة، وروايات النصر عبر وكلائها في المنطقة، واستغلال الاختلاف الداخلي الأمريكي لتعميق الاستقطاب السياسي في واشنطن، وكذلك إبراز مواقف إسرائيل -الحليف الأمريكي في الحرب- بأنها متطرفة، وخاسرة، وهو ما يزيد من الضغط النفسي على الإدارة الأمريكية.

الملفت في حرب الدعاية الرمادية بين واشنطن وطهران أنها لم تتوجه فقط للمجتمع الدولي، ولكنها أيضاً توجهت للداخل في كلا البلدين، فالإدارة الأمريكية تنفذ حملة دعاية غير مسبوقة في الداخل لإظهار نصرها، ونجاحها في إبرام اتفاق أفضل للشعب الأمريكي من اتفاق أوباما، ويبرز ذلك في وسائل الإعلام ومنصات التواصل المحسوبة على الإدارة الحالية.

بينما إيران تركّز في الداخل على الفكرة الوجودية للنظام، والأوراق الرابحة للانتصار وخصوصاً مضيق هرمز، والسخرية من الأعداء، وسيكولوجية اللوحات الجدارية (البيلبورد) في الميادين والساحات، حيث وظّفت طهران الساحات العامة (مثل ساحة ولي عصر) لنشر بروباغندا بصرية موجهة لأمريكا، من خلال وضع جداريات ضخمة مشوهة عن الرئيس ترمب؛ لترسيخ فكرة «نقطة الانكسار» والتحكم الإيراني بالملاحة.

الدعاية الرمادية بين البلدين سوف تستمر خلال فترة الستين يوماً وما بعدها، لكنها ستستمر أيضاً بفترات متباينة بين التنشيط والفتور بحسب المعطيات والمتغيّرات المتوقعة بعد الاتفاق النهائي، حيث لا يزال كل طرف متمسكًا بسرديته الخاصة من الحرب والسلم، ولكن يبقى الوعي الدولي للحكومات والشعوب قادرًا على فحص كل تلك التفاصيل والتعامل معها في إطار تنافسي، وصراع من النفس الطويل، والأهم أن الرأي العام في أي مجتمع لا يتأثر بمحتوى تلك الدعاية.

00:26 | 24-06-2026

اتفاق أمريكا وإيران في نظر الشعوب.. ومستقبل المنطقة

تباين مواقف الساسة والنخب تجاه الاتفاق الأمريكي - الإيراني -الذي سيتم التوقيع عليه يوم الجمعة المقبل والكشف عن بنوده- ينسحب أيضاً في التباين بين شعوب المنطقة والعالم، ومصدر هذا التباين في حجم الملفات، وتعقيدات التسوية، ومستوى الثقة والالتزام، حيث تتأرجح الآراء بين التفاؤل الحذر بالاستقرار الاقتصادي والأمني، وبين التوجس من النوايا الإستراتيجية طويلة الأمد.

الشعوب الخليجية والعربية تنظر إلى الاتفاق من جانب الأمن والاستقرار للمنطقة، وتأمين الملاحة البحرية وحركة الاقتصاد العالمي، بينما الشعب الإيراني يرى في الاتفاق خروجاً من المأزق الاقتصادي الذي وصلت إليه البلاد وتأثرت معه مستوى المعيشة بين المواطنين، كذلك الشعوب الأوروبية تنظر إليه من جانب خفض الأسعار ومستوى التضخم، وحتى الشعوب الآسيوية المستهلكة للطاقة تجد في الاتفاق متنفساً لخفض الأسعار، بينما لا يزال الشعب الأمريكي يقرأ الاتفاق من زاوية انتعاش أسواق المال وتجنّب المزيد من تكلفة الحرب، أما الشعب الإسرائيلي فلا يزال أكثر المتشائمين بالاتفاق وينظر إليه من جانب الشعور بالإحباط والتهديد الوجودي.

هذا التباين يعطيك انطباعاً بأن الشعوب تقرأ مع الساسة والنخب تداعيات هذا الاتفاق من جانبها، ولها مسوغاتها، ورؤيتها الخاصة التي ليس بالضرورة أن تكون متطابقة، ولكنها على الأقل تشعر وتتأثر بها، وهذا بحد ذاته كافٍ لبيان أهمية هذا الاتفاق الذي ينهي معاناة امتدت لأشهر من الحرب والقتل والتدمير.

ولكن الأهم أن تسويق هذا الاتفاق على أنه انتصار لجانب دون آخر لن يكون سهلاً أمام شعوب لديها القدرة اليوم على فحص التفاصيل، ومعرفة أبعادها، وخصوصاً أنها عايشتها وأدركت مداخلها ومخارجها على الأقل في نطاقها، وبالتالي لن يكون التسويق والدعاية السياسية بعد توقيع الاتفاق مقنعاً للجميع، وخصوصاً أن ما بعده من اجتماعات وتفاوض وترتيبات فنية على مدى 60 يوماً لن تترك تلك الدعاية تأخذ نسقها التصاعدي نحو التأثير، وإنما ستحاول أن تبقى في دائرة المكاسب (الفوائد)، وليس الانتصار (التفوق الحاسم)، والفرق بين الاثنين كبير في عقلية الجماهير.

نعود لمحيطنا العربي والخليجي تحديداً لنرى أن الاتفاق هو انتصار مؤقت لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، ولكن المكاسب متعددة أهمها أن العالم استشعر أن الحروب في منطقة الشرق الأوسط ستؤثر على اقتصاداتها، وبالتالي لن يسمح بأن تكون هذه المنطقة ساحة للصراع مرة أخرى، أو المغامرات غير المحسوبة، على الأقل بهذا المستوى والزخم العسكري، كذلك أن أمن الملاحة البحرية في المضائق أصبح جهداً دولياً ملزماً وليس خياراً محدوداً لدول دون غيرها، وهذا يعني أن أي تهديد لهذه الملاحة هو تهديد لمصالح العالم، إضافة إلى أن الحروب التي تشنّها إسرائيل لن تكون هي الأخرى محل تعاطف دولي؛ لأن العالم بدأ ينظر لمصالحه أكثر من عواطفه وأجنداته ذات الأثر المحدود.

الاتفاق أيضاً يعيد المنطقة إلى معادلات جديدة، وتوازنات أكثر واقعية، وترميم مفاهيم كانت سابقاً ضمن المسلمات والأجندات السياسية والعسكرية، حيث يكشف الاتفاق بأن الصراع لا يعني السعي إلى استخدام القوة وفرض الوصاية، وإنما أصبح وسيلة لمزيد من الجهد الدبلوماسي للبحث عن الحلول وليس إشعال الحروب التي لم تحقّق الانتصار الحاسم في نهاية المطاف.

00:04 | 17-06-2026

اتفاق مرتقب وشرق أوسط جديد!

الواضح أننا أمام اتفاق تاريخي بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية خلال أيام قد لا تتجاوز الأسبوعين في أقصى تقدير، وهي المدة الحاسمة التي يترقب فيها العالم المراحل النهائية من المفاوضات؛ وسط أجواء من التهدئة الهشة والمتأرجحة بين الدبلوماسية عبر وساطات إقليمية مكثفة، وبين التصعيد الميداني الذي تجدّد مع تبادل الهجمات الصاروخية بين إيران وإسرائيل خلال اليومين الماضيين.

الاتفاق لا يزال يواجه عدة عقبات تتعلق بالإفراج عن أصول إيرانية مجمدة تُقدر بـ 24 مليار دولار، وآلية التسوية الشاملة للصراع، وإدارة الملف النووي، ومضيق هرمز، وأذرع إيران في المنطقة، حيث من الممكن أن تعصف تلك القضايا بالجهود الدبلوماسية الحالية في أي لحظة، رغم عزم الرئيس ترمب على عقد صفقة اتفاق مع إيران مهما كانت تلك التحديات، وإعلان النصر العسكري والدبلوماسي من البيت الأبيض، وهو ما جعله يتحرك سريعاً لاحتواء التصعيد الإيراني الإسرائيلي مؤخراً، وذلك في إشارة إلى قرب هذا الاتفاق.

الشرق الأوسط قبل الاتفاق المحتمل لن يكون بعده، وسيشهد في المرحلة المقبلة منعطفاً مفصلياً يكسر المعادلات السابقة، ويرسم ملامح الواقع المستقبلي والتحولات العميقة التي تعيشها المنطقة على أكثر من صعيد سياسي وعسكري وأمني وحتى اقتصادي؛ فالدروس المستفادة من هذه الحرب كثيرة جداً، وكل دولة بما فيها الدول المتنازعة أو المتضررة أو حتى تلك التي تدفع ثمن فواتير التضخم وارتفاع أسعار الطاقة ستعيد هي الأخرى الكثير من حساباتها، وتحالفاتها، وأولوياتها.

علينا أن نتفق أن الموضوع ليس فقط اتفاقاً يُبرم ولكنه واقع منطقة يتشكّل من جديد، فلم يعد الشرق الأوسط ساحة تنافس إقليمي تقليدي فحسب، بل تحول إلى محور يُعاد عبره تشكيل توازنات وسياسات القوى الدولية والإقليمية، وسيحافظ اللاعبون الرئيسيون فيه على مكانتهم رغم تفاوت حجم تأثير كل طرف، والمهمة الرئيسة للجميع هي أمن واستقرار المنطقة التي أصبحت في نظر العالم بأنها غير قابلة لتجدّد الصراعات تحت أي مبرر، مع أهمية تسوية القضية الفلسطينية، ونزع سلاح أذرع إيران في المنطقة، والتوجه إلى توقيع اتفاقيات سلام مع إسرائيل كما يجري حالياً مع لبنان برعاية أمريكية.

تبقى دول الخليج هي الأخرى أمام استحقاقات جيوسياسية واقتصادية وأمنية بالغة الدقة عقب الاتفاق الأمريكي - الإيراني، ولعل أبرزها منظومة الدفاع والأمن المشترك، وتأمين خطوط الملاحة، والتعامل مع تحديات الملف النووي وبرامج الصواريخ، والتحوّل نحو خفض التصعيد التكتيكي مع الجار الإيراني.

الدبلوماسية السعودية ستتحمّل عبئاً كبيراً في المرحلة المقبلة على أساس دورها الموثوق والموزون وثقلها الاقتصادي ودورها الأمني، من خلال تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وستتعامل مع هذه المستجدات برؤية شمولية وواقعية تنطلق من رغبة دولية داعمة للدور السعودي الذي يعول عليه في إدارة المشهد العام للمنطقة، وتغليب الحوار والطرق السلمية لحل الخلافات بعيداً عن الصراع.

00:19 | 10-06-2026

الهوية الرقمية وتسويق الشخصية!

تجاوز مفهوم الهوية الرقمية للمستخدمين في شبكات التواصل الاجتماعي اسم المستخدم وكلمة المرور، وأصبح يعبّر في مفهومه الواسع ليشمل كافة البيانات، والسمات، والسلوكيات، والتفاعلات، والمحتوى الذي يُنشئه الفرد، حيث تشكّل هذه الهوية بهذا المفهوم الانطباع الأول عن الشخصية، والقدرة على التأثير الاجتماعي وبناء العلاقات، من خلال تسهيل التواصل مع الآخرين في الاهتمام والميول والتخصص والمجال العام المشترك.

ولكن أهم ما في موضوع الهوية الرقمية ما يتعلق بجانب تسويق الشخصية في المنصات، حيث بات واضحاً أن هناك ممارسات متعددة سواءً على مستوى تسويق الأفكار، أو الخدمات المقدمة، أو المنتجات المستخدمة في الحياة اليومية، وكل واحد منها له عالمه الخاص، ومجموعات الاهتمام التي لا يمكن التقليل منها.

أتوقف عند تسويق الأفكار التي تعبّر عن الهوية الرقمية للفرد، وذلك عبر تحويل قناعاته ورؤيته إلى محتوى في سوق حرة ومفتوحة في المنصات، وهذه العملية لا يمكن قياسها كمياً بعدد المتابعين أو حجم الوصول والمشاهدات، ولكن بالقيمة التي تتركها الفكرة في حياة الآخرين والمجتمع، والأسلوب أو الطريقة التي تترك أيضاً أثراً في التطوير والتحسين والتغيير لما يتم تداوله.

أشهر أساليب تسويق الأفكار في المنصات ما له علاقة بالإقناع عبر الاستناد إلى الأدلة والمبررات العلمية، وربطها في سياق معرفي وعاطفي وأيضاً سلوكي، وأسهلها الإثارة والتشكيك والتأزيم والجدل والصدمة أحياناً، وأخطرها التلوين بانتقاء جزء من الحقيقة لتحقيق مصالح وأجندات معينة، وهي أكثر عمقاً في الانتقال من التفاعل إلى الاستقطاب وصولاً إلى الاستلاب.

نعود الآن لمحاولة تفكيك محتوى تسويق الأفكار وفقاً لتلك الأساليب وأهدافها؛ لنجد أن الغالبية من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي لا يتمتع بهوية رقمية ذات دلالات يمكن تفسيرها، وتحليلها، والتنبؤ بها في الحكم على الشخصية، حيث تظهر فجوات التناقض، وتحديات النزاهة الرقمية، والقيم الأخلاقية، وكذلك الأطر الفلسفية والوطنية التي تحكم توجهات ومواقف تلك الشخصية.

من هنا برزت لنا هوية رقمية لكثير من المستخدمين تحاول أن تسوّق أفكارها بناءً على عاملَي الترند والبحث عن الشهرة، فليس لديها فكر مشبع بمرجعيات وأفق وأطر، وإنما أفكار تنقلها أو تعلق عليها، وتحاول أن تجد لها مكاناً يرضي غرورها الذاتي، وعدم الشعور بالعزلة، أو التهميش والإقصاء، وبالتالي هم يحملون أفكاراً أكبر من مستوى فكرهم، والدليل حجم التناقض أحياناً في المواقف والتوجهات، والسطحية والتفاهة في التعبير عنها غالباً.

اليوم سهل جداً أن تتعرّف على هوية الأشخاص في المنصات الرقمية بناءً على محتواهم وأسلوب تسويق أفكارهم، وهذا لا يعني أن هذه الهوية غير قابلة للتحوّل أو التطور بمراجعة حصادها، ومحاولة البحث عن أفكار جديدة تسوقها، ولكن في كل مرحلة تحوّل يمكن قراءة الشخصية مجدّداً، وهكذا إلى أن تصل إلى مرحلة النضج والثبات، أو الاستمرار في رحلة البحث عن الشهرة والترند، وهم الغالبية التي لا تريد أن تتحوّل إلى نسق آخر؛ لأنها اختارت أن تبقى معلقة بالذات على حساب الفكر، أو لا يمكنها أن تتراجع لأن هويتها الرقمية ترسّخت بهذه الكيفية التي تجعلها باقية وتتمدد بين الجمهور.

الأهم في كل هذه التفاصيل أن كل فرد له محتوى في شبكات التواصل الاجتماعي حتماً له سمعة بين الجمهور، وهذه السمعة هي ما يراه الآخرون فيه ويتحدثون عنه، وليست الصورة الذهنية التي يراها ويتحدث بها عن نفسه، والفارق بين الأمرين أن سمعتك تسبق صورتك الذهنية، وهذا بحد ذاته كافٍ لتقييم أفكارك قبل تسويقها على الملأ.

00:05 | 3-06-2026

التقنية.. وقدراتنا الوطنية في الحج

دائماً التحديات تصنع الفرص، وترسم ملامح جديدة من التحسين والتطوير والتغيير في تقديم الخدمات بكفاءة وجودة عالية، وخلال مواسم الحج في السنوات العشر الماضية كانت الحلول التقنية أحد أهم الممكّنات لمعالجة التحديات والفجوات، ولكن في هذا العام تحديداً -بالتزامن مع عام الذكاء الاصطناعي في السعودية- وصل النضج المؤسسي بين جميع الجهات المشاركة في تنظيم الحج إلى مرحلة متقدّمة جداً في توفير حلول وابتكارات مدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي لخدمة ضيوف الرحمن، وتسهيل أداء نسكهم، وبناء تجربة أكثر سلاسة وتكاملاً في منظومة الحج، بما يعكس مكانة المملكة الريادية في خدمة الحجاج، ومواكبة مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تطوير الخدمات، وتعزيز التكامل بين القطاعات المعنية.

في موسم هذا الحج لدينا أكثر من 15 نظاماً ذكياً ومترابطاً لإدارة الحشود بشكل فوري واستباقي، تبدأ من قبل وصول الحاج إلى المشاعر المقدسة عبر مبادرة «طريق مكة»، إلى جانب تطبيق «نسك» الذي يوفر 130 خدمة، وتطبيق «توكلنا» للتصاريح الرقمية، وخدمة «التسكين الذكي»، كذلك منصة «بصير» لتحليل حركة الحشود والتنبؤ بأماكن التكدّس قبل وقوعها، ومنصة «سواهر» لرصد المؤشرات الأمنية وإدارة حركة وسائل النقل عبر 1900 كاميرا ذكية، وتقنية «التحكم الرقمي» لتوجيه الحجاج لمسارات الطواف والسعي، إضافة إلى تقنيات التنظيم والامتثال لمبادرة «لا حج بلا تصريح»، وتقنيات الرعاية الصحية عبر منصة «نفيس» للوصول الفوري لسجلات الحجاج، ونظام «فاحص الأعراض»، والروبوتات الخدمية، وغيرها من التقنيات التي سهّلت رحلة الحجاج في المشاعر المقدسة، من خلال غرف عمليات ذكية لإدارة البيانات وتمريرها، وسرعة الاستجابة للتطورات الزمانية والمكانية في الحج.

هذه التقنيات المتطورة هي مجرد وسيلة، ولكن الأهم من يقف خلفها ويديرها من كوادرنا الوطنية التي نفخر بما وصلت إليه اليوم من مستوى تدريب وممارسة وفق أفضل الممارسات العالمية وأعلى معايير الجودة، وما يقوم به هؤلاء الأبطال على مدار الساعة من جهود مخلصة لتقديم أفضل الخدمات لحجاج بيت الله الحرام، وقبل ذلك إيمان القيادة الرشيدة بأبنائها في تحمّل مسؤولية تنظيم الحج، وتوفير جميع الممكّنات لهم، وهذه الثقة جعلت السعوديين المشاركين في موسم الحج يقدمون واجبهم بروح مليئة بالتفاني والإخلاص والتضحية طمعاً في الأجر والمثوبة، ويضعون أمام أعينهم صورة وطن يشاهدها العالم، ويسجل إعجابه بما تحقّق من منجزات نوعية في إدارة حشود مليونية في أيام معدودات، وأماكن متعددة في مساحة جغرافية محدودة.

يقول الملك سلمان «خدمة الحجاج شرف نعتز به ولكنها مسؤولية عظيمة»، ويؤكد ولي العهد أنه من أجل «هذه المسؤولية وشرف هذه الأمانة الكبرى تضع المملكة خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما في مقدمة اهتماماتها، مسخرة كافة قدراتها لتمكين ضيوف الرحمن من أداء المناسك بيسر وسهولة».

هذه الرسائل من القيادة هي رسائل استشعار بالمسؤولية في مهمة «شرف الدهر» التي نالتها السعودية وأبناؤها بأن يكونوا جميعاً خداماً لضيوف الرحمن من كل فج عميق، ورسائل تمكين بأن كل الإمكانات مسخرة لأداء هذا الواجب المقدس بما فيها توفير الخدمات التقنية، ورسائل تعظيم للأثر في حياة كل حاج وطئت قدماه أرض السعودية والمشاعر المقدسة وهو يرى الجميع مسخّراً لخدمته وتسهيل رحلته الإيمانية.

دعواتنا بأن يتقبل الله من الحجاج نسكهم، وأن يعودوا إلى بلدانهم سالمين غانمين، وأن يجزي الله السعودية قيادة وشعباً على ما يقدمونه من رعاية واهتمام بضيوف الرحمن، وأن يحفظها ويديم عليها الأمن والاستقرار والتنمية.

وكل عام وأنتم بخير.

00:39 | 27-05-2026

التعايش مع «التعصب الرياضي».. الهلال والنصر نموذجاً!

التعصب الرياضي سلوك معقد جداً ناتج عن عدة عوامل متداخلة يصعب التحكم بها، أو الحد منها، أو حتى التعامل معها من منظور واحد؛ ففي الوقت الذي يكون فيه التعصب تعبيراً حاداً عن الهوية والانتماء للنادي المفضل، نجده في المقابل انعكاساً لحالة من الصراع والإحباط والتوترات المشحونة التي يتم تفريغها على حساب قيم ومبادئ أهم، والأخطر أن يكون خللاً وظيفياً يهدّد التماسك الاجتماعي، أو مصدراً لتشكيل مشاعر العداء للآخر، والتشكيك في مصداقيته، والنيل من إنجازاته.

قناعتي بأنه لا يوجد حل للتعصب الرياضي في هذا العالم، لأنه جزء من الإثارة والمتعة والتنافس بين الآخرين، والشواهد كثيرة، ولكن يوجد حل للتعايش مع هذا المرض مثل غيره من أمراض الجسد الأخرى، وفق معيار الفوز والخسارة، فالفريق الخاسر عليه أن يتحمّل تبعات نتائجه، والفائز ينتشي في التعبير عن سعادته، وهذا التعايش مشروط بعدم الإساءة والتجريح في حق الآخرين، أو النيل والانتقاص من كرامتهم، أو نكون أعداء لنجاحاتهم، والأهم عدم الانفلات من مصفوفة القيم الوطنية؛ فالفوز والخسارة هما حصاد متكرر في أكثر من مناسبة وحدث رياضي، وإذا لم يتحقّق اليوم يستمر العمل لتحقيقه في الغد.

مهم جداً أن يتنفس الجمهور من خلال الرياضة، ويكون لهم مساحة للتعبير عن آرائهم ومواقفهم، خصوصاً أن الرياضة والفن من أهم المداخل النفسية التي يجد فيها الإنسان متعته الخاصة، وهو يرى ناديه المفضل مصدراً لسعادته، وأيقونة لحضوره وشخصيته، وهذا التنفيس المشروط مرهون أيضاً بمدركات الوعي الحسّية في التعامل مع الأجندات الخارجية والحملات الممنهجة، التي تحاول أن تجعل من التعصب الرياضي مدخلاً لنشر أفكارها، وإضعاف وحدة المجتمع وتماسكه، وتعميق حدة الصراع النفسي بين أفراده لدرجة الشعور بالإحباط، والتعبير القاسي تجاه الآخرين.

خلال الأيام الخمسة الأخيرة أجريت تحليلاً إحصائياً استكشافياً حول محتوى التغريدات المنشورة لمباراة النصر والهلال أمس، وكان الهدف معرفة العلاقة بين التنمر اللفظي (السخرية والتهكم) وبين التنمر العاطفي (التلاعب بالمشاعر)، ووجدت أن العلاقة السببية قوية جداً، وعميقة، وخطيرة أيضاً، وأهم ما فيها أن التنمر اللفظي سبب للتنمر العاطفي الذي تمتد آثاره في العزلة والتخويف وكسر الثقة والشعور بالقلق والاكتئاب، وهذه الحصيلة من الأمراض النفسية كافية لوحدها للخروج من حالة الوعي إلى اللاوعي التي تكون سبباً في نشر تغريدات مسيئة، أو تجاوزات مثيرة، أو انتهاكات حقوقية، والنتيجة حالة ارتهان للحقيقة مع الذات، وتقديم الاعتذار ممن تم التجاوز عليهم وطلب العفو منهم، كذلك استمرار الملاحقات القانونية التي قد تنتهي إلى قصص مؤلمة أخرى، وابتزاز ومساومة وغرامات مالية يحمّلها الإنسان لنفسه وقد لا يستطيع الوفاء بها.

لا يمكن تمرير فكرة التعصب الرياضي على أنها مجرد تنافس وإثارة فقط، بل هو أيضاً مهدّد حقيقي لسلامة المجتمع وأمنه واستقراره، وبالتالي التعايش معه ليس حلاً أمثل أو دائماً، ولكنه واقع للأسف يتمدّد على أعلى المستويات وبين جميع شرائح المجتمع.

المقلق أن رحلة التعصب الرياضي تأخذ من صحة الإنسان في تفكيره وجهده ومعاناته النفسية، وربما تصل معه إلى مرحلة من الأمراض التي قد تحرمه من جوانب حياتية أخرى جميلة، وخصوصاً حينما يكون أباً أو أماً، ويوجد لديهما أبناء يستحقون أن يبقى لهم ما تبقى من عمر وهم بصحة وسلامة.

00:02 | 13-05-2026

«صناعة التفاهة».. القصة ليست بريئة!

أحد أهم قواعد الحياة أن «ما يُشترى بالمال لم يعد ثميناً»، ويُفترض تبعاً لذلك أن تكون مصفوفة المبادئ والقيم والأخلاق عموماً بعيدة عن المال حتى لا نفقد ما هو أغلى ما يجب أن نحافظ عليه، ونتمسك به، وندافع عنه.

الفكرة أن الإنسان الذي يعتز بوطنه وقيادته وحضارته لا يمكن أن يُشرى بالمال في مقابل أن يكون أداة رخيصة لتمرير أجندات قوى وجماعات خارجية، ولا يقبل الإساءة أو التشكيك أو التأزيم في مجتمعه، أو الخروج عن الثوابت الوطنية والتفريط فيها، أو حتى أن يكون وسيلة لإلحاق الضرر بمفاهيم واتجاهات وسلوكيات الآخرين.

القناعة المترسخة هي أن صناعة المشاهير في شبكات التواصل الاجتماعي لم تعد غالباً مشروعاً للقيمة والأثر والتاريخ والتجربة الإنسانية -وهو ما يُفترض أن يكون-، لكنها تحوّلت أيضاً لمشروعات أخرى في صناعة التفاهة والتشويه، ورفع شعار الانفلات بديلاً عن الالتزام والمسؤولية، وهذا النوع من المشاريع ليس ظهوره على المشهد العام صدفة، بل أثبتت التجارب والمواقف أن هناك من يقف خلف أصحاب تلك التفاهات، لتعزيز حضورهم، والتفاعل معهم، سواءً بزيادة عدد متابعيهم، أو تفضيل محتواهم، وتقديمهم في دعوات الحضور والمشاركة في مناسبات خارجية.

دول ومنظمات تحاول أن تستقطب «مشاهير التفاهة» لأجندات لم تعد خافية، وصراعات أصبحت مكشوفة، وهذا الدور لم يعد هدفاً سيئاً يمكن قياسه وتحقيقه للأسف ويتوقف الأمر عند ذلك، بل أصبح استراتيجية متوسطة وطويلة المدى يندرج تحتها مشاريع عمل متعددة ومتنوعة، والغاية منها تفكيك المجتمعات من الداخل، والشعور بحالة من العزلة والاغتراب داخل المجتمع، وصولاً إلى المرحلة الأهم وهي الاستلاب التي يكون فيها الفرد مسلوباً في حريته، وقراره، وسلوكه.

أسوأ ما في التفاهة هو تحوّلها إلى سلعة مبتذلة لجلب المشاهدات وتحقيق الأموال السريعة، ولكن الأخطر فيها هو تغييب القدرات الحقيقية في المجتمع من مفكرين ومبدعين واستبدالهم بنماذج مشبوهة، بمساعدة خوارزميات المنصات في سرعة الانتشار وجعل التفاهة واقعاً حتمياً، وصولاً في النهاية إلى «المجتمع الهش» الذي يمكن السيطرة على أفراده، وتغيير أفكارهم، وقيمهم، وثوابتهم.

الرحلة في كل تفاصيلها ليست بريئة، أو من السهل تجاهلها، وغض الطرف عنها، ولهذا من الواجب أن تبدأ مؤسسات المجتمع في حملة وطنية لتحصين المجتمع من نماذج التفاهة المصنوعة، وتكون البداية من الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام وحتى المسجد، وكل هذه المؤسسات مهمة جداً في رحلة الانطلاق نحو التحصين؛ لأن الخوف والقلق أن نأتي متأخرين في معالجة وترميم الواقع، وبالتالي قد يكون العمل مضاعفاً وربما صعباً أو يستحيل تعديله إلى المسار الصحيح.

22:20 | 5-05-2026

مع رؤية ولي العهد.. سيبقى المواطن أولاً

أفضل من يتحدّث عن رؤية السعودية 2030 هو ولي العهد، وهو أكبر داعم وممكّن لبرامجها ومبادراتها ومشروعاتها، وتذليل التحديات أمامها، وكل ذلك بإيمان عميق منه بأن السعودية تستحق المكانة والريادة العالمية التي تليق بها للمنافسة عالمياً، والسعوديون يستحقون أيضاً التنمية والازدهار والعيش الكريم، والانطلاق للمستقبل في رحلة مليئة بالشغف والإنجاز.

ما بين إعلان ولي العهد للرؤية في أبريل 2016 وتصريحه أمس الأول بعد اجتماع مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، بالتزامن مع دخول الرؤية مرحلتها الثالثة ومرور 10 سنوات على انطلاقتها؛ بقيت الركائز والمنطلقات ثابتة بأن الإنسان السعودي يبقى أولاً، وهو ما عبّر عنه في تصريحه بكل وضوح من أن «استثمار الرؤية الأهم منذ إطلاقها كان ولا يزال وسيظل منصبّاً على أبناء وبنات الوطن، من خلال تأهيلهم وتطوير أدائهم ورفع كفاءتهم وجعلهم في موقع تنافسي متقدّم مع نظرائهم في كافة دول العالم».

ولي العهد حينما أعلن رؤية الوطن الطموحة كان متيقّناً من أن الشعب السعودي العظيم سيكون هو المحرك الرئيس لها، والشغوف بها، وصانع الأثر فيها؛ لذا بادر بتحديد الأهداف والمحاور والمرتكزات لهذه الرؤية، ووجد السعوديين يقفون خلفه دون انتظار أو تردد، ومضى الجميع خلف قائدهم في أعظم رحلة تحوّل شهدتها السعودية منذ تأسيسها، وبعد عشر سنوات يعود ليؤكد دور المواطن في هذه الرؤية، وأنه سيبقى محورها.

اللافت في تصريح ولي العهد هو حديثه عن المرحلة الثالثة للرؤية حتى العام 2030م، بأن هذه المرحلة «لا تمثل وجهة نهائية تقف عندها جهود التنمية في المملكة، بل تشكّل بنياناً للجهود التنموية اللاحقة التي ستشهدها المملكة في عقودها القادمة، لتستمر رحلة المملكة في الريادة ما دامت هذه البلاد، وما دامت قيادتها الرشيدة، وشعبها الطموح».

هذه الكلمات في تصريح ولي العهد تؤكد استمرار رحلة التطوير والتنمية، والتحفيز للمستقبل، ورسالة اطمئنان للأجيال التي سترى مكتسبات هذه الرؤية وأثرها المستدام شاهداً على ما تحقّق، وسيتحقق بإرادة السعوديين الذين لا يعرفون المستحيل.

أرقام الرؤية التي تحقّقت هي عناوين للإنجاز الذي تضاعف، والمقارنة ما بين عشر سنوات مضت واليوم كافية لإثبات ذلك، خصوصاً أن (93%) من مؤشرات أداء الرؤية حققت مستهدفاتها السنوية أو شارفت على تحقيقها، لكن مع أهمية تلك الأرقام ننظر من زاوية أخرى كيف صنعت هذه الرؤية عمقاً جديداً للدولة وهي تحافظ على مكانتها وقوتها في أوقات الأزمات، وكيف حافظت على توازنات منطقة الشرق الأوسط بأكملها خلال الحرب الإيرانية – الأمريكية، وكل ذلك بعد توفيق الله، ثم هذه الرؤية التي جعلت من تنويع مصادر الدخل، والمشروعات اللوجستية، ودعم القطاع الخاص محصلة لهذا التوازن.

وهو ما نوّه عنه ولي العهد في تصريحه قائلاً: «بالرغم من التقلبات العالمية، والاضطرابات الاقتصادية والسياسية التي ألقت بظلالها على الصعيدين الإقليمي والدولي خلال العقد الماضي، إلاّ أن رؤية 2030 حافظت على مسيرة التقدّم، وتحقيق زخم من الإنجازات النوعية عبر ما انتهجته من تخطيط إستراتيجي، وسياسات مالية محكمة قائمة على المرونة والاستباقية في استشراف تحديات وفرص المستقبل».

من هذه الكلمات ندرك كيف هي الكثير من الدول التي تعاني اليوم من أزمة الحرب الحالية، وتراجع تصنيفها الائتماني، وارتفاع نسب التضخم فيها، وبقيت السعودية بقيادتها ورؤيتها في استقرار وثبات، وحافظت على إمدادات الطاقة في السوق العالمية، والأهم أن إنسانها في أمن وأمان وتنمية وازدهار.

22:07 | 28-04-2026