أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1650.jpg?v=1763641364&w=150&q=100&f=webp

أحمد الجميعة

التعايش مع «التعصب الرياضي».. الهلال والنصر نموذجاً!

التعصب الرياضي سلوك معقد جداً ناتج عن عدة عوامل متداخلة يصعب التحكم بها، أو الحد منها، أو حتى التعامل معها من منظور واحد؛ ففي الوقت الذي يكون فيه التعصب تعبيراً حاداً عن الهوية والانتماء للنادي المفضل، نجده في المقابل انعكاساً لحالة من الصراع والإحباط والتوترات المشحونة التي يتم تفريغها على حساب قيم ومبادئ أهم، والأخطر أن يكون خللاً وظيفياً يهدّد التماسك الاجتماعي، أو مصدراً لتشكيل مشاعر العداء للآخر، والتشكيك في مصداقيته، والنيل من إنجازاته.

قناعتي بأنه لا يوجد حل للتعصب الرياضي في هذا العالم، لأنه جزء من الإثارة والمتعة والتنافس بين الآخرين، والشواهد كثيرة، ولكن يوجد حل للتعايش مع هذا المرض مثل غيره من أمراض الجسد الأخرى، وفق معيار الفوز والخسارة، فالفريق الخاسر عليه أن يتحمّل تبعات نتائجه، والفائز ينتشي في التعبير عن سعادته، وهذا التعايش مشروط بعدم الإساءة والتجريح في حق الآخرين، أو النيل والانتقاص من كرامتهم، أو نكون أعداء لنجاحاتهم، والأهم عدم الانفلات من مصفوفة القيم الوطنية؛ فالفوز والخسارة هما حصاد متكرر في أكثر من مناسبة وحدث رياضي، وإذا لم يتحقّق اليوم يستمر العمل لتحقيقه في الغد.

مهم جداً أن يتنفس الجمهور من خلال الرياضة، ويكون لهم مساحة للتعبير عن آرائهم ومواقفهم، خصوصاً أن الرياضة والفن من أهم المداخل النفسية التي يجد فيها الإنسان متعته الخاصة، وهو يرى ناديه المفضل مصدراً لسعادته، وأيقونة لحضوره وشخصيته، وهذا التنفيس المشروط مرهون أيضاً بمدركات الوعي الحسّية في التعامل مع الأجندات الخارجية والحملات الممنهجة، التي تحاول أن تجعل من التعصب الرياضي مدخلاً لنشر أفكارها، وإضعاف وحدة المجتمع وتماسكه، وتعميق حدة الصراع النفسي بين أفراده لدرجة الشعور بالإحباط، والتعبير القاسي تجاه الآخرين.

خلال الأيام الخمسة الأخيرة أجريت تحليلاً إحصائياً استكشافياً حول محتوى التغريدات المنشورة لمباراة النصر والهلال أمس، وكان الهدف معرفة العلاقة بين التنمر اللفظي (السخرية والتهكم) وبين التنمر العاطفي (التلاعب بالمشاعر)، ووجدت أن العلاقة السببية قوية جداً، وعميقة، وخطيرة أيضاً، وأهم ما فيها أن التنمر اللفظي سبب للتنمر العاطفي الذي تمتد آثاره في العزلة والتخويف وكسر الثقة والشعور بالقلق والاكتئاب، وهذه الحصيلة من الأمراض النفسية كافية لوحدها للخروج من حالة الوعي إلى اللاوعي التي تكون سبباً في نشر تغريدات مسيئة، أو تجاوزات مثيرة، أو انتهاكات حقوقية، والنتيجة حالة ارتهان للحقيقة مع الذات، وتقديم الاعتذار ممن تم التجاوز عليهم وطلب العفو منهم، كذلك استمرار الملاحقات القانونية التي قد تنتهي إلى قصص مؤلمة أخرى، وابتزاز ومساومة وغرامات مالية يحمّلها الإنسان لنفسه وقد لا يستطيع الوفاء بها.

لا يمكن تمرير فكرة التعصب الرياضي على أنها مجرد تنافس وإثارة فقط، بل هو أيضاً مهدّد حقيقي لسلامة المجتمع وأمنه واستقراره، وبالتالي التعايش معه ليس حلاً أمثل أو دائماً، ولكنه واقع للأسف يتمدّد على أعلى المستويات وبين جميع شرائح المجتمع.

المقلق أن رحلة التعصب الرياضي تأخذ من صحة الإنسان في تفكيره وجهده ومعاناته النفسية، وربما تصل معه إلى مرحلة من الأمراض التي قد تحرمه من جوانب حياتية أخرى جميلة، وخصوصاً حينما يكون أباً أو أماً، ويوجد لديهما أبناء يستحقون أن يبقى لهم ما تبقى من عمر وهم بصحة وسلامة.

00:02 | 13-05-2026

«صناعة التفاهة».. القصة ليست بريئة!

أحد أهم قواعد الحياة أن «ما يُشترى بالمال لم يعد ثميناً»، ويُفترض تبعاً لذلك أن تكون مصفوفة المبادئ والقيم والأخلاق عموماً بعيدة عن المال حتى لا نفقد ما هو أغلى ما يجب أن نحافظ عليه، ونتمسك به، وندافع عنه.

الفكرة أن الإنسان الذي يعتز بوطنه وقيادته وحضارته لا يمكن أن يُشرى بالمال في مقابل أن يكون أداة رخيصة لتمرير أجندات قوى وجماعات خارجية، ولا يقبل الإساءة أو التشكيك أو التأزيم في مجتمعه، أو الخروج عن الثوابت الوطنية والتفريط فيها، أو حتى أن يكون وسيلة لإلحاق الضرر بمفاهيم واتجاهات وسلوكيات الآخرين.

القناعة المترسخة هي أن صناعة المشاهير في شبكات التواصل الاجتماعي لم تعد غالباً مشروعاً للقيمة والأثر والتاريخ والتجربة الإنسانية -وهو ما يُفترض أن يكون-، لكنها تحوّلت أيضاً لمشروعات أخرى في صناعة التفاهة والتشويه، ورفع شعار الانفلات بديلاً عن الالتزام والمسؤولية، وهذا النوع من المشاريع ليس ظهوره على المشهد العام صدفة، بل أثبتت التجارب والمواقف أن هناك من يقف خلف أصحاب تلك التفاهات، لتعزيز حضورهم، والتفاعل معهم، سواءً بزيادة عدد متابعيهم، أو تفضيل محتواهم، وتقديمهم في دعوات الحضور والمشاركة في مناسبات خارجية.

دول ومنظمات تحاول أن تستقطب «مشاهير التفاهة» لأجندات لم تعد خافية، وصراعات أصبحت مكشوفة، وهذا الدور لم يعد هدفاً سيئاً يمكن قياسه وتحقيقه للأسف ويتوقف الأمر عند ذلك، بل أصبح استراتيجية متوسطة وطويلة المدى يندرج تحتها مشاريع عمل متعددة ومتنوعة، والغاية منها تفكيك المجتمعات من الداخل، والشعور بحالة من العزلة والاغتراب داخل المجتمع، وصولاً إلى المرحلة الأهم وهي الاستلاب التي يكون فيها الفرد مسلوباً في حريته، وقراره، وسلوكه.

أسوأ ما في التفاهة هو تحوّلها إلى سلعة مبتذلة لجلب المشاهدات وتحقيق الأموال السريعة، ولكن الأخطر فيها هو تغييب القدرات الحقيقية في المجتمع من مفكرين ومبدعين واستبدالهم بنماذج مشبوهة، بمساعدة خوارزميات المنصات في سرعة الانتشار وجعل التفاهة واقعاً حتمياً، وصولاً في النهاية إلى «المجتمع الهش» الذي يمكن السيطرة على أفراده، وتغيير أفكارهم، وقيمهم، وثوابتهم.

الرحلة في كل تفاصيلها ليست بريئة، أو من السهل تجاهلها، وغض الطرف عنها، ولهذا من الواجب أن تبدأ مؤسسات المجتمع في حملة وطنية لتحصين المجتمع من نماذج التفاهة المصنوعة، وتكون البداية من الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام وحتى المسجد، وكل هذه المؤسسات مهمة جداً في رحلة الانطلاق نحو التحصين؛ لأن الخوف والقلق أن نأتي متأخرين في معالجة وترميم الواقع، وبالتالي قد يكون العمل مضاعفاً وربما صعباً أو يستحيل تعديله إلى المسار الصحيح.

22:20 | 5-05-2026

مع رؤية ولي العهد.. سيبقى المواطن أولاً

أفضل من يتحدّث عن رؤية السعودية 2030 هو ولي العهد، وهو أكبر داعم وممكّن لبرامجها ومبادراتها ومشروعاتها، وتذليل التحديات أمامها، وكل ذلك بإيمان عميق منه بأن السعودية تستحق المكانة والريادة العالمية التي تليق بها للمنافسة عالمياً، والسعوديون يستحقون أيضاً التنمية والازدهار والعيش الكريم، والانطلاق للمستقبل في رحلة مليئة بالشغف والإنجاز.

ما بين إعلان ولي العهد للرؤية في أبريل 2016 وتصريحه أمس الأول بعد اجتماع مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، بالتزامن مع دخول الرؤية مرحلتها الثالثة ومرور 10 سنوات على انطلاقتها؛ بقيت الركائز والمنطلقات ثابتة بأن الإنسان السعودي يبقى أولاً، وهو ما عبّر عنه في تصريحه بكل وضوح من أن «استثمار الرؤية الأهم منذ إطلاقها كان ولا يزال وسيظل منصبّاً على أبناء وبنات الوطن، من خلال تأهيلهم وتطوير أدائهم ورفع كفاءتهم وجعلهم في موقع تنافسي متقدّم مع نظرائهم في كافة دول العالم».

ولي العهد حينما أعلن رؤية الوطن الطموحة كان متيقّناً من أن الشعب السعودي العظيم سيكون هو المحرك الرئيس لها، والشغوف بها، وصانع الأثر فيها؛ لذا بادر بتحديد الأهداف والمحاور والمرتكزات لهذه الرؤية، ووجد السعوديين يقفون خلفه دون انتظار أو تردد، ومضى الجميع خلف قائدهم في أعظم رحلة تحوّل شهدتها السعودية منذ تأسيسها، وبعد عشر سنوات يعود ليؤكد دور المواطن في هذه الرؤية، وأنه سيبقى محورها.

اللافت في تصريح ولي العهد هو حديثه عن المرحلة الثالثة للرؤية حتى العام 2030م، بأن هذه المرحلة «لا تمثل وجهة نهائية تقف عندها جهود التنمية في المملكة، بل تشكّل بنياناً للجهود التنموية اللاحقة التي ستشهدها المملكة في عقودها القادمة، لتستمر رحلة المملكة في الريادة ما دامت هذه البلاد، وما دامت قيادتها الرشيدة، وشعبها الطموح».

هذه الكلمات في تصريح ولي العهد تؤكد استمرار رحلة التطوير والتنمية، والتحفيز للمستقبل، ورسالة اطمئنان للأجيال التي سترى مكتسبات هذه الرؤية وأثرها المستدام شاهداً على ما تحقّق، وسيتحقق بإرادة السعوديين الذين لا يعرفون المستحيل.

أرقام الرؤية التي تحقّقت هي عناوين للإنجاز الذي تضاعف، والمقارنة ما بين عشر سنوات مضت واليوم كافية لإثبات ذلك، خصوصاً أن (93%) من مؤشرات أداء الرؤية حققت مستهدفاتها السنوية أو شارفت على تحقيقها، لكن مع أهمية تلك الأرقام ننظر من زاوية أخرى كيف صنعت هذه الرؤية عمقاً جديداً للدولة وهي تحافظ على مكانتها وقوتها في أوقات الأزمات، وكيف حافظت على توازنات منطقة الشرق الأوسط بأكملها خلال الحرب الإيرانية – الأمريكية، وكل ذلك بعد توفيق الله، ثم هذه الرؤية التي جعلت من تنويع مصادر الدخل، والمشروعات اللوجستية، ودعم القطاع الخاص محصلة لهذا التوازن.

وهو ما نوّه عنه ولي العهد في تصريحه قائلاً: «بالرغم من التقلبات العالمية، والاضطرابات الاقتصادية والسياسية التي ألقت بظلالها على الصعيدين الإقليمي والدولي خلال العقد الماضي، إلاّ أن رؤية 2030 حافظت على مسيرة التقدّم، وتحقيق زخم من الإنجازات النوعية عبر ما انتهجته من تخطيط إستراتيجي، وسياسات مالية محكمة قائمة على المرونة والاستباقية في استشراف تحديات وفرص المستقبل».

من هذه الكلمات ندرك كيف هي الكثير من الدول التي تعاني اليوم من أزمة الحرب الحالية، وتراجع تصنيفها الائتماني، وارتفاع نسب التضخم فيها، وبقيت السعودية بقيادتها ورؤيتها في استقرار وثبات، وحافظت على إمدادات الطاقة في السوق العالمية، والأهم أن إنسانها في أمن وأمان وتنمية وازدهار.

22:07 | 28-04-2026

الأمن الخليجي و«الخلايا النائمة»!

أحد أهم الدروس المستفادة لدول الخليج من الحرب الإيرانية – الأمريكية والإسرائيلية ما يتعلق بالملف الأمني الخليجي، وتحديداً بعد كشف خلايا إرهابية مدعومة من إيران في دول الإمارات وقطر والكويت ومملكة البحرين، حيث كشفت التحقيقات الأولية عن عزم تلك الخلايا زعزعة الأمن والاستقرار في تلك الدول، وتنفيذ أعمال تخريبية، والتجسّس على مواقع حيوية، وإثارة الرأي العام الداخلي.

هذه الخلايا ليست وليدة لحظة من الزمن، أو الفعل الناتج عن الحرب، لكنها سياسة إيرانية متبعة منذ سنوات طويلة، وعمل تراكمي ممتد من التشكيل والتخطيط والتنفيذ، والشواهد كثيرة على أحداث تاريخية تورطت فيها إيران في منطقتنا الخليجية، وأضرت بمستوى العلاقات، وتحوّلت إلى مشاريع إرهابية راح ضحيتها أبرياء، وكلها تحت مشروع تصدير الثورة، واستقطاب واستلاب عقول خليجية وعربية لتنفيذ أجندات تحت تأثير «ولاية الفقيه»، التي أصبحت موجهاً ومرشداً لتلك العقول، وإعادة تشكيل ولائهم على حساب أوطانهم.

الجهود الأمنية الكبيرة التي بذلتها دول الخليج على مستوى تبادل المعلومات، وتنسيق الأدوار، ومتابعة تلك الخلايا، تكشف حقيقة الأمن الخليجي الذي لا يتجزأ، وأن أي مساس بأمن دولة خليجية شقيقة هو مساس بأمن دول الخليج كافة، وهذا المرتكز مع تطوّر الأحداث في المنطقة بحاجة إلى رؤية أمنية أكثر قدرة على الاعتماد على المقدّرات الخليجية، وتعزيز قاعدة الاستقرار قبل النمو، والعمل الأمني الاستباقي لمواجهة التحديات.

الأمن الخليجي الشامل يبدأ من الإنسان الخليجي الذي تقع عليه مسؤوليات كبيرة في مشروع التصدي لكل ما يهدّد أمنه واستقراره، وأول مرتكزات هذا التصدي هو الوعي بحجم الخطر الذي تواجهه المنطقة ودول الخليج، وألا يكون هذا الإنسان أداة يتم تجنيدها لصالح قوى خارجية بما فيها إيران، كذلك التخلي عن كل مظاهر الاحتقان والتأزيم والتشكيك، خصوصاً في شبكات التواصل الاجتماعي، والانتقال إلى مرحلة أخرى أكثر فاعلية وعمقاً في وحدة الصف الخليجي، والمصير الواحد الذي يجمعنا.

الأمن الخليجي بمفهومه الواسع أصبح اليوم مهمة تشاركية بين مؤسسات أمنية ومواطنين خليجيين لديهم اعتزاز بالهوية والقيم الخليجية، ورؤية ورسالة أكبر لأداء دورهم الأمني، والعيش بسلام وتنمية وازدهار بعيداً عن كل حاقد وحاسد وحتى جاحد، مع ضرورة الامتثال والالتزام بالأنظمة والقوانين التي تكفل الحقوق، وتعزز من حجم المكاسب الخليجية على المستوى الأمني.

كل خلية إرهابية يتم كشفها في دولة خليجية هي نجاح أمني لبقية دول الخليج الأخرى، واستمرار للتعاون والتكامل الخليجي الذي سيكون أقوى بعد نهاية هذه الحرب، وسيبقى مصدر هذه القوة هو الإنسان الخليجي الذي نتطلع إلى تعزيز دوره الأمني فكراً وممارسة، والتصدي لكل من يحاول تجاوز الخطوط الحمراء، أو التطاول أو حتى التفكير في شق الصف والوحدة الخليجية.

00:08 | 22-04-2026

إيران بعد الحصار..!

سياسة الرئيس ترمب بفرض حصار بحري على إيران هي محاولة لخنق «النفس الطويل» الذي تنتهجه طهران، وتحديداً بعد فشل الجولة الأولى من المفاوضات في إسلام أباد، حيث بدا واضحاً عزم الرئيس الأمريكي على تفكيك «النواة الصلبة» للنظام، والسعي إلى عزله وحصاره وقطع الطريق على مكاسب النفط التي كان يحققها عبر مضيق هرمز، خصوصاً من الصين والهند، وهو ما يزيد من احتمال ممارسة بكين الضغط على إيران لإعادة فتح المضيق، والعودة مجدّداً لطاولة المفاوضات، حيث ستكون استعادة اليورانيوم الإيراني المخصب أول بنود الاتفاق المحتمل.

الحصار البحري الأمريكي هو «تكتيك سياسي» لإعادة إيران إلى المفاوضات دون أي أوراق ضغط قد تمارسها، أو تحاول أن تفرض أي شروط أخرى، وبالتالي طهران ستفكر بعقلية الدولة وليس الثورة في الجولة المقبلة من المفاوضات التي ستقدّم فيها تنازلات كبيرة لبقاء النظام أولاً، والانكفاء إلى الداخل ثانياً، وهو ما يجعل إيران أمام مأزق حقيقي لو حاولت أن تفوّت فرصة إبرام صفقة مع الجانب الأمريكي؛ لأن العالم -وليس أمريكا- سيشكّل ضغطاً عليها، وخصوصاً من حلفائها في الصين وروسيا، وبالتالي الموقف حالياً ليس بداية استعداد لمواجهة عسكرية أخرى بعد انتهاء مهلة وقف إطلاق النار، ولكنه موقف يحتاج إلى قرار سياسي إيراني لتجنّب التصعيد مجدّداً، والرضوخ إلى الشروط الأمريكية في المفاوضات.

أعتقد أن فكرة الحصار بعد 38 يوماً من الحرب هي أحد أوراق الضغط الأمريكية للانتقال من فكرة المواجهة إلى تغليب لغة المصالح، وطبعاً إيران ليست طرفاً وحيداً في ذلك، بل يشاركها العالم الذي تضرر من إغلاق مضيق هرمز، وعلى هذا الأساس ستكون هذه المصالح هي من تقرر نهاية هذه الحرب، والجانب الأمريكي هو من سيحدد مسار هذه المصالح على الأقل في المنظور القريب، قبل أن يتحرك العالم -وأوروبا تحديداً- في رسم سياسات استخدام المضيق على المدى البعيد.

مشكلة إيران أنها كانت تعتقد أن ورقة مضيق هرمز ستقودها إلى تحقيق توازن استراتيجي في حربها ومفاوضاتها، لكنها بعد الحصار وجدت نفسها مضطرة للحفاظ على مصالحها ومصالح حلفائها أيضاً، وهو ما يجعلها أمام ضغوطات غير مسبوقة؛ إما الاستسلام للشروط الأمريكية أو خسارة هؤلاء الحلفاء؛ الذين سيكون لهم دور أكبر بعد نهاية الحرب.

تحدٍّ آخر تواجهه إيران في هذه المرحلة، وهو الأسبوع المتبقي من وقف إطلاق النار، ومدى قدرتها على اتخاذ قرار لن يجعلها منتصرة في النهاية، لكن سيبقيها دولة مدمرة ومجردة من سلاحها النووي، والباليستي، ولن يكون لها دور وهي ترى وكلاءها يُنزع منهم سلاحهم، ويقرون أن محور المقاومة سقط بمجرد استسلامها، وتطوي معها إيران صفحة ثورتها التي فشلت في تحقيق أحلامها.

00:33 | 15-04-2026

السيناريو الخليجي مع إيران بعد الحرب!

المؤكد أن تداعيات الحرب الإيرانية – الأمريكية والإسرائيلية على المنطقة والعالم هي أصعب وأخطر من الحرب القائمة حالياً؛ فالوصول إلى اتفاق ينهي الحرب بأي صيغة لا يعني أن مرحلة التعافي من آثارها ستكون محتملة على المدى القصير، وربما المتوسط، حيث ستدخل النوايا السياسية، والمصالح العميقة، وفقدان الثقة بين الأطراف المتنازعة والمتأثرة باعتداءات إيران؛ حيّز التنفيذ من المواجهة الصامتة مع النظام الإيراني خلال العقد المقبل، والأخطر حينما يتم إعادة تشكيل هذا النظام ليكون مصدر تهديد وإزعاج لجيرانه ومحيطه، وتحديداً حينما تكون المصالح الاقتصادية الأمريكية قد تحقّقت من هذه الحرب، والمصالح الإسرائيلية وصلت إلى قناعة بأن التهديد العسكري نحوها تراجع لسنوات طويلة.

سيناريوهات ما بعد الحرب ليست لإعادة ما كان عليه قبلها، ولكن لما يُفترض أن تكون عليه بعدها، وهو ما يتطلب موقفاً خليجياً وعربياً موحداً في التعاطي مع بقايا النظام الإيراني الحالي، وأسلوب التعايش معه بعيداً عن حالات تعامل منفردة من أي دولة؛ لأن وحدة الموقف مهمة، وهو ما أثبتته الحرب الحالية حينما كان الموقف واحداً في عدم الانجرار الخليجي والعربي لتوسيع نطاق الحرب، وكيف كان أثر هذا القرار حكيماً وعميقاً في وأد المخطط الإيراني، ومحاولة التكسّب من خلاله في إثارة الرأي العام وتأزيمه.

الاتفاقيات الثنائية بين الدول الخليجية والعربية والنظام الإيراني أثبتت عدم قدرتها على الصمود، وأصبح الجميع مصدراً للتهديد والاعتداء المباشر وغير المباشر خلال هذه الحرب، وبالتالي من المهم جداً أن يكون الاتفاق مع إيران في مرحلة لاحقة من نهاية هذه الحرب بإرادة جماعية، وضمانات دولية، ورقابة دائمة، ولا يمنع أن تكون هناك مصالح ثنائية، ولكن ليس على حساب الأمن الخليجي والعربي، أو محاولة البعض إنقاذ إيران من عزلتها الحالية.

بنود الاتفاق الأمريكي والإيراني قائمة على مصالح مشتركة بينهما، وإسرائيل المستفيد الأكبر منه بشكل أو بآخر -بعد تلاشي فكرة القضاء على النظام-، ولكن لا يعني وجود عبارات في هذا الاتفاق تحفظ أمن المنطقة واستقرارها، وتسهيل الملاحة البحرية في مضيق هرمز أن الوضع مطمئن، أو غير قابل للابتزاز السياسي الرخيص من إيران مستقبلاً، وخصوصاً من وكلائها في المنطقة، وبالتالي معادلة الرؤية الخليجية والعربية تختلف من حيث التفاصيل عن الرؤية الأمريكية والإسرائيلية لنهاية هذه الحرب، لا سيما على مستوى الجغرافيا.

المهمة ليست سهلة في رسم سيناريو العلاقة الخليجية والعربية مع إيران بعد نهاية هذه الحرب، ولكنها ضرورية بإرادة جماعية وليست منفردة، واستثمار المكاسب التي تحقّقت من رؤية العالم للمنطقة كمصدر مهم للطاقة، وتأثيرها على حياة شعوبهم واقتصاداتهم، وبالتالي هذا مؤشر يمكن العمل عليه في الحفاظ على أمن واستقرار المنطقة التي لم تعد تحتمل حروباً أخرى، أو حسابات لمصالح محدودة، أو مغامرات تحت ذريعة مبررات واهية وغير منطقية.

00:06 | 8-04-2026

النجاح السعودي قبل أن تضع الحرب أوزارها!

المواقف السعودية منذ بداية الحرب الإيرانية من جهة والأمريكية والإسرائيلية من جهة أخرى؛ تكشف عن الدور المحوري الذي تؤديه الرياض في التعامل مع تداعيات تلك الحرب على أمن واستقرار المنطقة، حيث صاغت تلك المواقف لإفشال التصعيد السافر الذي تمارسه إيران، ومحاولاتها لجر السعودية ودول الخليج والأردن إلى حرب أخرى واسعة النطاق.

سياسياً، استطاعت السعودية من خلال اللقاءات والاتصالات المكثفة التي يجريها سمو ولي العهد رسم إطار التعامل مع هذه الحرب، واحتوائها بالطرق السلمية، وتعظيم أثر التحالفات والبدائل الدبلوماسية، إلى جانب توحيد الرسائل السياسية في مواجهة الاعتداءات الإيرانية غير المبررة، واتساق تلك الرسائل مع الخطاب الدولي الذي هو الآخر وجد في تلك المواقف ثباتاً وحكمة وعمقاً سعودياً في التصدي للنوايا الإيرانية وإفشالها، كذلك ما عبّرت عنه البيانات والتصاريح الرسمية من وزارة الخارجية، والتحركات الدبلوماسية لسمو وزير الخارجية من قدرة السعودية على ضبط المشهد السياسي العام، وعدم الانجرار خلف نظام إيراني فقد توازنه وقوته، وأدواته في الفوضى والتدمير.

على مستوى الطاقة، أفشلت السعودية -رغم إغلاق مضيق هرمز- خطط إيران من إحداث أزمة عالمية في سوق الطاقة، حيث بات خط أنابيب نقل النفط من رأس تنورة في الشرق إلى ينبع في الغرب بطاقة تصل إلى سبعة ملايين برميل يومياً؛ حلاً سريعاً لمواجهة تداعيات الحرب، وهو ما جعل العالم إلى اليوم ينظر إلى هذا الموقف السعودي بالكثير من الإعجاب في الحفاظ على أمن الطاقة العالمي، وسلاسل الإمداد التي لم تنقطع ليوم واحد منذ اندلاع الحرب، ووصف مراقبون تلك الجهود بأنها قدرة سعودية فائقة في التخطيط واستشراف المستقبل.

كذلك على مستوى الطيران المدني؛ باتت الأجواء السعودية مزدحمة بحركة الطيران العالمية، ووجهة آمنة لحركة الملاحة الجوية، إلى جانب استقرار مستوى التشغيل للرحلات الداخلية والدولية، ورفع مستوى خطط الطوارئ، وتسهيل عودة المعتمرين والزوّار بعد موسم رمضان، والأهم قدرة السعودية على تحويل مطاراتها لشركات طيران خليجية، وهو ما جعل انسياب حركة المسافرين والعالقين من مطاراتها يؤكد قدرتها على التموضع كمركز طيران عالمي مستقر، إضافة إلى حركة النقل البري عبر حدودها مع الأشقاء الخليجيين، وكيف حافظت السعودية على سلاسل الإمداد عبر آلاف الشاحنات التي تعبر يومياً من أراضيها.

موقف آخر على صعيد الأمن الداخلي، وكيف أظهرت المنظومة الأمنية تفاعلها مع الأحداث الجيو سياسية التي تشهدها المنطقة؛ فالمواطن والمقيم ينعمان بالأمن والاستقرار، كذلك الجهود الكبيرة التي تبذلها منظومة وزارة الدفاع في التصدي للصواريخ والمسيّرات الإيرانية، ومستوى الجاهزية العالية في التعامل معها، إضافة إلى منظومة الإعلام التي هي الأخرى تعاملت بمهنية واحترافية عالية في توحيد الرأي العام، وتقوية الجبهة الداخلية عبر رسائل إعلامية واتصالية هي أكثر وعياً بالمخاطر التي تشهدها المنطقة.

السعودية -رغم احتفاظها بحق الرد من الاعتداءات الإيرانية السافرة- استطاعت أن ترد بطريقتها لحماية أمن واستقرار المنطقة؛ فالرد ليس بالضرورة أن يكون عسكرياً رغم القدرة على ذلك، ولكن إفشال المخطط الإيراني من تحويل الحرب إلى أزمة عالمية كان بمثابة نجاح منقطع النظير للسعودية قبل أن تضع الحرب أوزارها.

00:02 | 1-04-2026

«إدارة الصراع».. والدور الخليجي في المستقبل!

المهلة التي منحها الرئيس دونالد ترمب لإيران لفتح «مضيق هرمز»، وما يتبعها من مفاوضات تجري حالياً بين الجانبين؛ قد تبدو في شكلها الظاهر حلاً شاملاً للصراع، ولكنها في أفضل حالاتها فرصة لوقف الحرب، والعودة مجدّداً لحسابات وتداعيات هي أكثر صعوبة وسخونة على المنطقة من آثار الحرب نفسها، لا سيما أن الحديث عن إيران غير نووية لا يزال غير مؤكد، كما أن وقف البرنامج الباليستي ربما يكون مؤقتاً، إضافة إلى أن إنهاء وكلاء إيران في المنطقة سيكون مكلفاً عسكرياً وإنسانياً في أكثر من موقع جغرافي، حيث سيتم إضعافها وليس القضاء عليها؛ لأن الأيديولوجيا تمثّل رافعة الوجود لتلك الكيانات الموازية، وليس الأدوات التي يمكن تدميرها وتعود في وقت آخر.

المؤشرات أن الحرب ستتوقف، والنظام الإيراني سيبقى، والمضيق سوف يُفتح تحت حماية أمريكية بقيادة قوات المارينز التي وصلت للمنطقة -وهو أحد شروط التفاوض التي تتم حالياً بين الجانبين-، ولكن الأهم أن المنطقة قبل هذه الحرب لن تكون بعدها على أكثر من صعيد سياسي، وعسكري، وأمني، واقتصادي، وحتى أيضاً بين شعوب المنطقة التي بدأت تظهر مؤشراتها الأولى في شبكات التواصل الاجتماعي، ونبرة التعبير لما يجري، واتجاه ذلك.

اليوم لا يكفي أن تتوقف الحرب، وإنما المطلوب إنهاء الصراع في منطقة الشرق الأوسط الذي تغذيه اعتداءات إيران وتدخلاتها من جهة، والنزعة الإسرائيلية للتصعيد وعدم الاستقرار من جهة أخرى، وبالتالي معادلة وقف الحرب تختلف تماماً عن معادلة إنهاء الصراع، وما بينهما هو أشد خطراً على المنطقة إذا لم يتم احتواؤه بالطرق السلمية والقوانين الدولية.

دول الخليج التي أظهرت قوة في التصدي للاعتداء الإيراني السافر، وحكمة في عدم الانخراط في هذه الحرب، وقدرة في حماية مقدّراتها وشعوبها؛ يتطلّب منها أن تعمل على إدارة هذا الصراع -وليس فقط إنهاء الحرب- بطرق مختلفة عن السابق؛ فالدروس المستفادة من هذه الحرب على أكثر من صعيد فرصة لإعادة قراءة المشهد على أنه صراع مستمر ببقاء مسبباته، والخروج أكثر قوة وصلابة في مواجهة التحديات، واتخاذ مواقف غير مسبوقة في التعاطي مع تداعيات هذا الصراع مستقبلاً.

الحكمة الخليجية ستقود المنطقة إلى المزيد من التهدئة والاستقرار في المرحلة المقبلة، وأيضاً ستكون مصدراً مهماً في سوق الطاقة الذي أثبت قوته وأهميته في المعادلات السياسية والعسكرية، وهو ما يجعل العالم ينظر إلى دول الخليج على أنها ليست دولاً مصدّرة فقط، وإنما دولاً لديها الإمكانات والقدرات التي تجعلها تواصل دورها الإستراتيجي في الحفاظ على السلام العالمي.

في المقابل؛ هذا الدور -لإدارة الصراع- يحتاج أيضاً إلى رسم خارطة جديدة للاتحاد الخليجي، و«الناتو الخليجي»، والسياسة الخليجية الموحدة في الملفات الأكثر حساسية في المنطقة، وكذلك التعبئة الخليجية الشعبية للمصير الواحد، وإعلاء قيمته، وأهميته، ورسم خطوطه الحمراء مهما كانت التحديات، وتحصينها بالوعي والمسؤولية لما هو قادم في المستقبل.

00:37 | 25-03-2026

الوعي العربي.. والسرديات الرقمية في زمن الحرب!

رغم أن الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى قد دخلت أسبوعها الثالث، إلا أن «معركة الإعلام» لا تقل أهمية وربما تأثيراً في مجريات الأحداث التي وصلت ذروتها، حيث يتّسم المشهد الإعلامي بين الأطراف المتنازعة حالياً بتصاعد وتيرة «الحرب النفسية» والمبالغة في سردية «الانتصار»، ومحاولات التضليل الإعلامي وممارسة القيود الرقابية، كذلك تعدد السرديات الرقمية باستخدام الذكاء الاصطناعي.

هذا المشهد دفع مجلس وزراء الإعلام العرب الأحد الماضي إلى إصدار بيان بالغ الأهمية حول عدم الخلط بين الاعتداءات الإيرانية على دول عربية، وبين صراع طهران مع الولايات المتحدة وإسرائيل، داعياً وسائل الإعلام العربية إلى القيام بدورها في توعية الرأي العام بحقائق «العدوان الإيراني السافر» على بعض الدول العربية، مناشداً مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي من أبناء الشعوب العربية «عدم الانسياق وراء ما يتم ترويجه من شائعات مدسوسة على هذه الوسائل، تستهدف الوقيعة بين الشعوب العربية».

الإعلام كجزء من الصراع الدائر حالياً يجعلنا كشعوب عربية وخليجية أمام كم هائل جداً من المحتوى الإعلامي من مصادر متعددة، وحتماً جزء كبير منه أخبار مضللة، وكذلك ملونة بانتقاء جزء من الحقيقة وتوظيفها في سياق أهداف خاصة، كذلك نحن أمام فضاء سيبراني مفتوح على مصراعيه لنقل الحدث والتعليق عليه من شخصيات ومنظمات وقوى وجماعات لها أجنداتها الخاصة أيضاً، والأخطر هو المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي وتزييفه العميق للحقائق، وهو ما شنّ عليه الرئيس ترمب انتقاداً واسعاً في تصريحاته الأخيرة.

المطلوب في هذا التوقيت من الشعوب العربية أن يكون الرأي العام موحداً تجاه التنديد بالهجمات السافرة من إيران على بعض تلك الدول، والالتزام بالأخبار الرسمية الصادرة من الجهات الأمنية والعسكرية والدبلوماسية تجاه التعاطي مع تطورات الحرب الحالية، كذلك التفريق بين الحقائق والآراء في بناء المواقف والتوجهات، وعدم الانسياق وراء ما يتم ترويجه من مغالطات تستهدف الوقيعة وإثارة الفتن بين الشعوب العربية وبعضها البعض.

أيضاً على مستوى السلوك الاتصالي للجمهور العربي خلال الحرب؛ يتطلب عدم تصوير مواقع الأحداث، ونشرها، أو إظهار إحداثيات تلك المواقع، والتجسّس عليها، والأهم أن يتم تحصين الوعي بالمعرفة وسلامة الاتجاه بدون إيديولوجيا منحازة، والارتهان إلى المقومات الوطنية العربية، والاعتزاز بها، وبقدراتها في التصدي للاعتداء الإيراني، ودعم تلك التوجهات بإبرازها وتعزيزها كجزء مهم من التعبئة المعنوية في زمن الحرب.

في الجانب الآخر من هذا السلوك، من المهم جداً أيضاً الإبلاغ عن أي محتويات رقمية تهدّد أمن وسلامة الدول العربية، مما يساهم في إغلاق تلك الحسابات أو حذف محتواها، وبالتالي ممارسة الدور الرقابي المجتمعي في مشروع التصدي لكل محاولات التأزيم أو التشكيك للمحتوى السلبي في الشبكات الاجتماعية، كذلك الإبلاغ عن أي خلايا تجسّسية، أو ذات علاقة بعناصر خارجية، والعمل معاً مع الأجهزة الأمنية في كشفها، وكان آخرها ما تم الإعلان عنه في البحرين والإمارات والكويت وقطر، حيث بات واضحاً أن هناك خلايا تعمل ضد مصالح الدول العربية في هذه المرحلة الحسّاسة.

00:32 | 18-03-2026

نهاية الحرب.. و«الخاسر الأكبر»!

بعد مرور حوالى أسبوعين من الحرب الإيرانية من جهة، والأمريكية والإسرائيلية من جهة أخرى، وتداعياتها في المنطقة والعالم؛ يتضح أن هذه الحرب مختلفة، ومعقدة، ويصعب التنبؤ بنهايتها، خصوصاً أنها من نمط الحروب -مقارنة بغيرها- التي ليس لها بديل في تداعياتها ومصالحها المرتبطة بالطاقة، والتجارة، والاستثمار، وبالتالي يمتد أثرها إلى العالم وليس فقط المنطقة، وهذا أحد أكثر تعقيدات هذه الحرب.

إضافة إلى أن أطراف الحرب لا يوجد لديهم أهداف واضحة ومعلنة منها؛ فالأمريكان والإسرائيليون يقاتلون في خندق وجبهة واحدة، وكل واحد له أهدافه الخاصة من هذه الحرب، وإيران في المقابل لا يوجد لها أهداف محددة من توسيع نطاق الحرب، واستمرار اعتداءاتها السافرة وغير المبررة على دول الخليج، فضلاً عن تعميق دور وكلائها في لبنان والعراق للانخراط في هذه المواجهة، كذلك التحوّل من تهديد المصالح الأمريكية في المنطقة إلى تهديد المدنيين والبنية التحتية في الخليج.

الأصعب في هذه الحرب أن الانتصار الحقيقي فيها -وليس الدعائي- مكلف جداً لكل طرف؛ فانتصار الأمريكان والإسرائيليين بإسقاط النظام أو إنهاء المشروع النووي والباليستي والوكلاء؛ يتطلب استسلاماً إيرانياً، وهذا لن يحدث إلًا بقوات على الأرض، أو مظاهرات شعبية، وإذا لم يتحقّق ذلك فهو في المقابل انتصار إيراني يُعيدها إلى الواجهة والتمدد وتهديد إقليمها العربي، وأكثر من ذلك خسارة محتملة لترمب وحزبه في الانتخابات النصفية للكونغرس نوفمبر المقبل.

الأصوات الدولية التي بدأت تظهر خلال اليومين الماضيين بضرورة وقف الحرب، والعودة إلى المفاوضات مجدّداً، وخصوصاً من الصين والقادة الأوروبيين؛ أظهرت هي الأخرى عامل ضغط على الأطراف المتنازعة، لا سيما أن مصالح تلك الدول بدأت تتضرر على مستوى إمدادات النفط للصين -وهو أحد الأهداف غير المعلنة للحرب-، أو على مستوى الغاز بالنسبة لأوروبا، وارتفاع معدلات التضخم المتوقع نتيجة لذلك، كذلك روسيا التي دخلت على خط الدعوات بإيقاف هذه الحرب، وتقديم الحلول الممكنة للتسوية بعودة إيران الدولة وليس الثورة، وهو ما كشف عنه الاتصال الهاتفي المهم بين بوتين وترمب أمس الأول.

المؤشرات أن هذه الحرب ستنتهي قريباً بقصف آخر الأهداف العسكرية في إيران، ثم تعود جميع الأطراف إلى المفاوضات، ولن يكون هناك خاسر معلن أثناء الحرب، ولكن حتماً سيكون هناك خاسرون بعد نهايتها، وخصوصاً إيران التي سوف تتراجع عقوداً من الزمن، وستواجه موقفاً خليجياً غاضباً من سلوكها، وسيؤثر حتماً على علاقاتها مستقبلاً، وهو ما وصفه بيان وزارة الخارجية السعودية بأن إيران هي «الخاسر الأكبر» إذا واصلت اعتداءاتها السافرة.

00:10 | 11-03-2026