أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1650.jpg?v=1763641364&w=220&q=100&f=webp

أحمد الجميعة

النجاح السعودي قبل أن تضع الحرب أوزارها!

المواقف السعودية منذ بداية الحرب الإيرانية من جهة والأمريكية والإسرائيلية من جهة أخرى؛ تكشف عن الدور المحوري الذي تؤديه الرياض في التعامل مع تداعيات تلك الحرب على أمن واستقرار المنطقة، حيث صاغت تلك المواقف لإفشال التصعيد السافر الذي تمارسه إيران، ومحاولاتها لجر السعودية ودول الخليج والأردن إلى حرب أخرى واسعة النطاق.

سياسياً، استطاعت السعودية من خلال اللقاءات والاتصالات المكثفة التي يجريها سمو ولي العهد رسم إطار التعامل مع هذه الحرب، واحتوائها بالطرق السلمية، وتعظيم أثر التحالفات والبدائل الدبلوماسية، إلى جانب توحيد الرسائل السياسية في مواجهة الاعتداءات الإيرانية غير المبررة، واتساق تلك الرسائل مع الخطاب الدولي الذي هو الآخر وجد في تلك المواقف ثباتاً وحكمة وعمقاً سعودياً في التصدي للنوايا الإيرانية وإفشالها، كذلك ما عبّرت عنه البيانات والتصاريح الرسمية من وزارة الخارجية، والتحركات الدبلوماسية لسمو وزير الخارجية من قدرة السعودية على ضبط المشهد السياسي العام، وعدم الانجرار خلف نظام إيراني فقد توازنه وقوته، وأدواته في الفوضى والتدمير.

على مستوى الطاقة، أفشلت السعودية -رغم إغلاق مضيق هرمز- خطط إيران من إحداث أزمة عالمية في سوق الطاقة، حيث بات خط أنابيب نقل النفط من رأس تنورة في الشرق إلى ينبع في الغرب بطاقة تصل إلى سبعة ملايين برميل يومياً؛ حلاً سريعاً لمواجهة تداعيات الحرب، وهو ما جعل العالم إلى اليوم ينظر إلى هذا الموقف السعودي بالكثير من الإعجاب في الحفاظ على أمن الطاقة العالمي، وسلاسل الإمداد التي لم تنقطع ليوم واحد منذ اندلاع الحرب، ووصف مراقبون تلك الجهود بأنها قدرة سعودية فائقة في التخطيط واستشراف المستقبل.

كذلك على مستوى الطيران المدني؛ باتت الأجواء السعودية مزدحمة بحركة الطيران العالمية، ووجهة آمنة لحركة الملاحة الجوية، إلى جانب استقرار مستوى التشغيل للرحلات الداخلية والدولية، ورفع مستوى خطط الطوارئ، وتسهيل عودة المعتمرين والزوّار بعد موسم رمضان، والأهم قدرة السعودية على تحويل مطاراتها لشركات طيران خليجية، وهو ما جعل انسياب حركة المسافرين والعالقين من مطاراتها يؤكد قدرتها على التموضع كمركز طيران عالمي مستقر، إضافة إلى حركة النقل البري عبر حدودها مع الأشقاء الخليجيين، وكيف حافظت السعودية على سلاسل الإمداد عبر آلاف الشاحنات التي تعبر يومياً من أراضيها.

موقف آخر على صعيد الأمن الداخلي، وكيف أظهرت المنظومة الأمنية تفاعلها مع الأحداث الجيو سياسية التي تشهدها المنطقة؛ فالمواطن والمقيم ينعمان بالأمن والاستقرار، كذلك الجهود الكبيرة التي تبذلها منظومة وزارة الدفاع في التصدي للصواريخ والمسيّرات الإيرانية، ومستوى الجاهزية العالية في التعامل معها، إضافة إلى منظومة الإعلام التي هي الأخرى تعاملت بمهنية واحترافية عالية في توحيد الرأي العام، وتقوية الجبهة الداخلية عبر رسائل إعلامية واتصالية هي أكثر وعياً بالمخاطر التي تشهدها المنطقة.

السعودية -رغم احتفاظها بحق الرد من الاعتداءات الإيرانية السافرة- استطاعت أن ترد بطريقتها لحماية أمن واستقرار المنطقة؛ فالرد ليس بالضرورة أن يكون عسكرياً رغم القدرة على ذلك، ولكن إفشال المخطط الإيراني من تحويل الحرب إلى أزمة عالمية كان بمثابة نجاح منقطع النظير للسعودية قبل أن تضع الحرب أوزارها.

منذ 10 ساعات

«إدارة الصراع».. والدور الخليجي في المستقبل!

المهلة التي منحها الرئيس دونالد ترمب لإيران لفتح «مضيق هرمز»، وما يتبعها من مفاوضات تجري حالياً بين الجانبين؛ قد تبدو في شكلها الظاهر حلاً شاملاً للصراع، ولكنها في أفضل حالاتها فرصة لوقف الحرب، والعودة مجدّداً لحسابات وتداعيات هي أكثر صعوبة وسخونة على المنطقة من آثار الحرب نفسها، لا سيما أن الحديث عن إيران غير نووية لا يزال غير مؤكد، كما أن وقف البرنامج الباليستي ربما يكون مؤقتاً، إضافة إلى أن إنهاء وكلاء إيران في المنطقة سيكون مكلفاً عسكرياً وإنسانياً في أكثر من موقع جغرافي، حيث سيتم إضعافها وليس القضاء عليها؛ لأن الأيديولوجيا تمثّل رافعة الوجود لتلك الكيانات الموازية، وليس الأدوات التي يمكن تدميرها وتعود في وقت آخر.

المؤشرات أن الحرب ستتوقف، والنظام الإيراني سيبقى، والمضيق سوف يُفتح تحت حماية أمريكية بقيادة قوات المارينز التي وصلت للمنطقة -وهو أحد شروط التفاوض التي تتم حالياً بين الجانبين-، ولكن الأهم أن المنطقة قبل هذه الحرب لن تكون بعدها على أكثر من صعيد سياسي، وعسكري، وأمني، واقتصادي، وحتى أيضاً بين شعوب المنطقة التي بدأت تظهر مؤشراتها الأولى في شبكات التواصل الاجتماعي، ونبرة التعبير لما يجري، واتجاه ذلك.

اليوم لا يكفي أن تتوقف الحرب، وإنما المطلوب إنهاء الصراع في منطقة الشرق الأوسط الذي تغذيه اعتداءات إيران وتدخلاتها من جهة، والنزعة الإسرائيلية للتصعيد وعدم الاستقرار من جهة أخرى، وبالتالي معادلة وقف الحرب تختلف تماماً عن معادلة إنهاء الصراع، وما بينهما هو أشد خطراً على المنطقة إذا لم يتم احتواؤه بالطرق السلمية والقوانين الدولية.

دول الخليج التي أظهرت قوة في التصدي للاعتداء الإيراني السافر، وحكمة في عدم الانخراط في هذه الحرب، وقدرة في حماية مقدّراتها وشعوبها؛ يتطلّب منها أن تعمل على إدارة هذا الصراع -وليس فقط إنهاء الحرب- بطرق مختلفة عن السابق؛ فالدروس المستفادة من هذه الحرب على أكثر من صعيد فرصة لإعادة قراءة المشهد على أنه صراع مستمر ببقاء مسبباته، والخروج أكثر قوة وصلابة في مواجهة التحديات، واتخاذ مواقف غير مسبوقة في التعاطي مع تداعيات هذا الصراع مستقبلاً.

الحكمة الخليجية ستقود المنطقة إلى المزيد من التهدئة والاستقرار في المرحلة المقبلة، وأيضاً ستكون مصدراً مهماً في سوق الطاقة الذي أثبت قوته وأهميته في المعادلات السياسية والعسكرية، وهو ما يجعل العالم ينظر إلى دول الخليج على أنها ليست دولاً مصدّرة فقط، وإنما دولاً لديها الإمكانات والقدرات التي تجعلها تواصل دورها الإستراتيجي في الحفاظ على السلام العالمي.

في المقابل؛ هذا الدور -لإدارة الصراع- يحتاج أيضاً إلى رسم خارطة جديدة للاتحاد الخليجي، و«الناتو الخليجي»، والسياسة الخليجية الموحدة في الملفات الأكثر حساسية في المنطقة، وكذلك التعبئة الخليجية الشعبية للمصير الواحد، وإعلاء قيمته، وأهميته، ورسم خطوطه الحمراء مهما كانت التحديات، وتحصينها بالوعي والمسؤولية لما هو قادم في المستقبل.

00:37 | 25-03-2026

الوعي العربي.. والسرديات الرقمية في زمن الحرب!

رغم أن الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى قد دخلت أسبوعها الثالث، إلا أن «معركة الإعلام» لا تقل أهمية وربما تأثيراً في مجريات الأحداث التي وصلت ذروتها، حيث يتّسم المشهد الإعلامي بين الأطراف المتنازعة حالياً بتصاعد وتيرة «الحرب النفسية» والمبالغة في سردية «الانتصار»، ومحاولات التضليل الإعلامي وممارسة القيود الرقابية، كذلك تعدد السرديات الرقمية باستخدام الذكاء الاصطناعي.

هذا المشهد دفع مجلس وزراء الإعلام العرب الأحد الماضي إلى إصدار بيان بالغ الأهمية حول عدم الخلط بين الاعتداءات الإيرانية على دول عربية، وبين صراع طهران مع الولايات المتحدة وإسرائيل، داعياً وسائل الإعلام العربية إلى القيام بدورها في توعية الرأي العام بحقائق «العدوان الإيراني السافر» على بعض الدول العربية، مناشداً مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي من أبناء الشعوب العربية «عدم الانسياق وراء ما يتم ترويجه من شائعات مدسوسة على هذه الوسائل، تستهدف الوقيعة بين الشعوب العربية».

الإعلام كجزء من الصراع الدائر حالياً يجعلنا كشعوب عربية وخليجية أمام كم هائل جداً من المحتوى الإعلامي من مصادر متعددة، وحتماً جزء كبير منه أخبار مضللة، وكذلك ملونة بانتقاء جزء من الحقيقة وتوظيفها في سياق أهداف خاصة، كذلك نحن أمام فضاء سيبراني مفتوح على مصراعيه لنقل الحدث والتعليق عليه من شخصيات ومنظمات وقوى وجماعات لها أجنداتها الخاصة أيضاً، والأخطر هو المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي وتزييفه العميق للحقائق، وهو ما شنّ عليه الرئيس ترمب انتقاداً واسعاً في تصريحاته الأخيرة.

المطلوب في هذا التوقيت من الشعوب العربية أن يكون الرأي العام موحداً تجاه التنديد بالهجمات السافرة من إيران على بعض تلك الدول، والالتزام بالأخبار الرسمية الصادرة من الجهات الأمنية والعسكرية والدبلوماسية تجاه التعاطي مع تطورات الحرب الحالية، كذلك التفريق بين الحقائق والآراء في بناء المواقف والتوجهات، وعدم الانسياق وراء ما يتم ترويجه من مغالطات تستهدف الوقيعة وإثارة الفتن بين الشعوب العربية وبعضها البعض.

أيضاً على مستوى السلوك الاتصالي للجمهور العربي خلال الحرب؛ يتطلب عدم تصوير مواقع الأحداث، ونشرها، أو إظهار إحداثيات تلك المواقع، والتجسّس عليها، والأهم أن يتم تحصين الوعي بالمعرفة وسلامة الاتجاه بدون إيديولوجيا منحازة، والارتهان إلى المقومات الوطنية العربية، والاعتزاز بها، وبقدراتها في التصدي للاعتداء الإيراني، ودعم تلك التوجهات بإبرازها وتعزيزها كجزء مهم من التعبئة المعنوية في زمن الحرب.

في الجانب الآخر من هذا السلوك، من المهم جداً أيضاً الإبلاغ عن أي محتويات رقمية تهدّد أمن وسلامة الدول العربية، مما يساهم في إغلاق تلك الحسابات أو حذف محتواها، وبالتالي ممارسة الدور الرقابي المجتمعي في مشروع التصدي لكل محاولات التأزيم أو التشكيك للمحتوى السلبي في الشبكات الاجتماعية، كذلك الإبلاغ عن أي خلايا تجسّسية، أو ذات علاقة بعناصر خارجية، والعمل معاً مع الأجهزة الأمنية في كشفها، وكان آخرها ما تم الإعلان عنه في البحرين والإمارات والكويت وقطر، حيث بات واضحاً أن هناك خلايا تعمل ضد مصالح الدول العربية في هذه المرحلة الحسّاسة.

00:32 | 18-03-2026

نهاية الحرب.. و«الخاسر الأكبر»!

بعد مرور حوالى أسبوعين من الحرب الإيرانية من جهة، والأمريكية والإسرائيلية من جهة أخرى، وتداعياتها في المنطقة والعالم؛ يتضح أن هذه الحرب مختلفة، ومعقدة، ويصعب التنبؤ بنهايتها، خصوصاً أنها من نمط الحروب -مقارنة بغيرها- التي ليس لها بديل في تداعياتها ومصالحها المرتبطة بالطاقة، والتجارة، والاستثمار، وبالتالي يمتد أثرها إلى العالم وليس فقط المنطقة، وهذا أحد أكثر تعقيدات هذه الحرب.

إضافة إلى أن أطراف الحرب لا يوجد لديهم أهداف واضحة ومعلنة منها؛ فالأمريكان والإسرائيليون يقاتلون في خندق وجبهة واحدة، وكل واحد له أهدافه الخاصة من هذه الحرب، وإيران في المقابل لا يوجد لها أهداف محددة من توسيع نطاق الحرب، واستمرار اعتداءاتها السافرة وغير المبررة على دول الخليج، فضلاً عن تعميق دور وكلائها في لبنان والعراق للانخراط في هذه المواجهة، كذلك التحوّل من تهديد المصالح الأمريكية في المنطقة إلى تهديد المدنيين والبنية التحتية في الخليج.

الأصعب في هذه الحرب أن الانتصار الحقيقي فيها -وليس الدعائي- مكلف جداً لكل طرف؛ فانتصار الأمريكان والإسرائيليين بإسقاط النظام أو إنهاء المشروع النووي والباليستي والوكلاء؛ يتطلب استسلاماً إيرانياً، وهذا لن يحدث إلًا بقوات على الأرض، أو مظاهرات شعبية، وإذا لم يتحقّق ذلك فهو في المقابل انتصار إيراني يُعيدها إلى الواجهة والتمدد وتهديد إقليمها العربي، وأكثر من ذلك خسارة محتملة لترمب وحزبه في الانتخابات النصفية للكونغرس نوفمبر المقبل.

الأصوات الدولية التي بدأت تظهر خلال اليومين الماضيين بضرورة وقف الحرب، والعودة إلى المفاوضات مجدّداً، وخصوصاً من الصين والقادة الأوروبيين؛ أظهرت هي الأخرى عامل ضغط على الأطراف المتنازعة، لا سيما أن مصالح تلك الدول بدأت تتضرر على مستوى إمدادات النفط للصين -وهو أحد الأهداف غير المعلنة للحرب-، أو على مستوى الغاز بالنسبة لأوروبا، وارتفاع معدلات التضخم المتوقع نتيجة لذلك، كذلك روسيا التي دخلت على خط الدعوات بإيقاف هذه الحرب، وتقديم الحلول الممكنة للتسوية بعودة إيران الدولة وليس الثورة، وهو ما كشف عنه الاتصال الهاتفي المهم بين بوتين وترمب أمس الأول.

المؤشرات أن هذه الحرب ستنتهي قريباً بقصف آخر الأهداف العسكرية في إيران، ثم تعود جميع الأطراف إلى المفاوضات، ولن يكون هناك خاسر معلن أثناء الحرب، ولكن حتماً سيكون هناك خاسرون بعد نهايتها، وخصوصاً إيران التي سوف تتراجع عقوداً من الزمن، وستواجه موقفاً خليجياً غاضباً من سلوكها، وسيؤثر حتماً على علاقاتها مستقبلاً، وهو ما وصفه بيان وزارة الخارجية السعودية بأن إيران هي «الخاسر الأكبر» إذا واصلت اعتداءاتها السافرة.

00:10 | 11-03-2026

الحياد الخليجي من الحرب.. «استقرار المنطقة أهم»!

رغم الهجمات الإيرانية السافرة والجبانة والمتكررة على دول مجلس التعاون الخليجي، إلّا أن موقف الحياد الخليجي لا يزال متماسكاً قبل وأثناء اندلاع الحرب الأمريكية والإسرائيلية من جهة، وإيران من جهة أخرى، حيث يعبّر هذا الموقف عن إرادة خليجية مجتمعة للنأي بنفسها عن هذه الحرب، وعدم استخدام الخيارات العسكرية لحل الأزمات، وذلك حفاظاً على أمن المنطقة واستقرارها، وضمان سلامة أراضيها وأمن مواطنيها والمقيمين فيها.

إيران منذ اليوم الأول للحرب وهي تسعى إلى توسيع نطاقها تحت ذريعة ضرب المصالح الأمريكية في المنطقة، وتحاول جرّ دول الخليج للرد عليها -رغم احتفاظ تلك الدول بحق الرد على تلك الاعتداءات-، ولكن طهران لا تزال تصر على أن تكون جبهات القتال مفتوحة، وهذا الاعتقاد لا يمكن تحقيقه -من وجهة نظرها- من دون أن يكون هناك دور خليجي في هذه الحرب، رغم أن المواقف الاستباقية لتلك الدول كانت واضحة ومعلنة قبل اندلاعها ولا تزال، ولكن إيران ترى في هذه الورقة ضغطاً سياسياً وعسكرياً على أمريكا قبل دول الخليج لمحاولة الوصول إلى تسوية لوقف الحرب.

مؤشرات الحرب لن تطول، ولكن تأثيرها في عمرها القصير سيكون كبيراً جداً على المنطقة والعالم، لا سيما في الجانب الاقتصادي، وموقف الرئيس ترمب وحزبه الجمهوري قبل الانتخابات النصفية للكونغرس في نوفمبر المقبل، فضلاً عن الداخل الإيراني وتداعياته المحتملة على أكثر من صعيد، حيث تكشف تلك المؤشرات عن إضعاف القدرات الإيرانية النووية والباليستية، ومؤسساتها وأجهزتها العسكرية والأمنية، وأذرعها في المنطقة، إضافة إلى تغيير سلوك النظام الإيراني من الداخل وليس إنهاؤه.

أما دول الخليج فستبقى على ذات الموقف المحايد الذي لن تكون فيه طرفاً في هذه الحرب -رغم الاعتداءات الإيرانية المتكررة-، وهذا يعني الحفاظ على استقرار المنطقة أكثر من أي حسابات أخرى، وهو ما تؤكده فحوى الاتصالات لقيادات دول الخليج منذ اندلاع الحرب، وما عبّر عنه البيان الختامي لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي خلال اجتماع استثنائي يوم الأحد الماضي، حيث بات واضحاً التنديد بالاعتداء الإيراني والاحتفاظ بحق الرد دون أي محاولات أخرى للتصعيد.

الموقف الخليجي الموحد في هذه الحرب هو نقطة ارتكاز مهمة للأمن والاستقرار في المنطقة، ويؤكد مجدّداً على أن أمن أي دولة خليجية مرهون بأمن وسلامة الدول الأخرى، وهذه المعادلة الخليجية المتماسكة ستجعل اعتداءات إيران تتوقف من تلقاء نفسها، وتعترف طهران أن ورقة دول الخليج لم تعد مجدية، وبالتالي لم يعد لها مبرر سوى المزيد من الخسائر في المواقف مستقبلاً.

دول الخليج تثبت في هذه الحرب أنها واعية لما هو أبعد وأخطر منها، والتعبير عن الحياد والنأي بالنفس في هذه المرحلة هو سبيل الحكمة والتعقّل؛ لأن ما بعد الحرب أهم من تطوراتها الحالية، وخصوصاً مع الشعب الإيراني.

00:04 | 4-03-2026

العطاء الإنساني في الحرمين الشريفين

تبهرك التفاصيل الصغيرة في الحرمين الشريفين وأنت ترى الدافع الإنساني الخيري يتمدّد في صور من العطاء والإحسان، ويتجذر بقيم اتصالية رفيعة مع الآخر، ويصل إلى حالة استثنائية من التضحية بالوقت والجهد لخدمة المعتمرين والزائرين خلال شهر رمضان.

الصورة التي نرى فيها رجال الأمن ينظّمون الحشود المليونية لتيسير الدخول والخروج في الحرمين الشريفين؛ تعكس حالة خاصة من نضج التجربة، وحس اليقظة، والتدخل السريع، واستثمار التقنية، إلى جانب التعامل الراقي لحفظ الأمن، ومساعدة المحتاجين من كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، وهي صورة مألوفة بعطائها الإنساني الذي يتجاوز حدود الوظيفة الأمنية إلى طلب الأجر والمثوبة من الله في أقدس بقاع الأرض، حيث تتجلى قيم رجال الأمن السعودي وثقافتهم في خدمة القادمين من كل فج عميق ليؤدوا مناسكهم بيسر وطمأنينة.

صورة أخرى للمتطوعين في الحرمين الشريفين الذين يتسابقون في خدمة المعتمرين والزائرين، وتقديم وجبات الإفطار لهم، وتوزيع المياه، وإرشاد التائهين، والرعاية الصحية، وتسهيل تنقلاتهم، وهي تفاصيل مهمة لأبناء وبنات الوطن الذين تركوا أسرهم وتواجدوا بالقرب من كل معتمر وزائر في هذا الشهر المبارك، ومنحوا أنفسهم فرصة المشاركة في تعزيز مستوى الخدمات التي تقدمها المملكة، وإبراز مكانتها وصورتها أمام العالم.

تتجلى الصورة الأكبر في تكامل جهود القطاع الحكومي والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي ضمن منظومة واحدة في موسم العمرة والزيارة، حيث تنطلق تلك الجهود وفق خطط واستراتيجيات محكمة، وأدوار تفصيلية يتعاظم فيها الأثر وتحقيق النجاح، حيث تبرز منذ لحظة وصول المعتمر أو الزائر في المنافذ البرية والجوية، وانتقالهم بوسائل نقل متعددة، ووصولهم إلى الحرمين الشريفين، وتُستكمل على مستوى الخدمات المقدمة في مجالات السكن والإعاشة والنقل والنظافة والصيانة، وكذلك الكهرباء والمياه والطرق، والصحة والتوعية، وغيرها، إضافة إلى الجهود المتواصلة للجمعيات والمؤسسات الخيرية في تقديم الخدمات الإنسانية لقاصدي مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومساعدتهم على أداء شعائرهم الدينية.

في هذه الرحلة التي تخدم أكثر من 2.5 مليون معتمر وزائر يومياً في الحرمين الشريفين، ويتزايد هذا الرقم في العشر الأواخر من رمضان ليصل إلى 3.1 مليون؛ يتكشّف معها حجم العمل الذي وصل ذروته، واستطاعت من خلاله الخطط الحكومية والكوادر الوطنية أن تثبت في كل عام الرؤية والقدرة معاً في إدارة هذه الحشود الهائلة، وتوفير كل سبل الراحة والأمان لهم.

الأثر الإيماني الذي يحصده المعتمر والزائر في الحرمين الشريفين، يصحبه يقين في داخله بأن ما تقدّمه المملكة قيادة وحكومة وشعباً هو مصدر فخر واعتزاز، وشكر وتقدير، وكل ذلك بلا مَنّ أو أذى، وإنما خالصاً لله، وطمعاً في مثوبته، وإيمان راسخ بأنه شرف الدهر الذي لا يضاهيه شرف آخر.

00:16 | 25-02-2026

«خندقة الجمهور» وكسر الحاجز!

المؤكد أن شبكات التواصل الاجتماعي لم تعد فقط انعكاساً لما يجري في الواقع، وإنما تسعى إلى إعادة تشكيل هذا الواقع؛ وفق أولويات وأيديولوجيات وممارسات ضاغطة لتوجيه الرأي العام، وبالتالي أصبح محتوى المنصات معبّراً عن هوية ومرجعية وأطر حاكمة وموجهة، وتتشكّل على أساسها المواقف المتناقضة، وتتعدد الآراء المتباينة، ويزداد حجم الصراع ليصل إلى ذروة الانقسام، وربما الصدام الذي لا يمكن أن يعود لمساره.

أمام مخاض الانعكاس وإعادة تشكيل الواقع تبدو التفاصيل أكبر مما يجب، وأكثر جراءة في تفسير وتحليل ما هو كائن على أساس أنه ما يُفترض أن يكون، رغم أن المنطق له رأي آخر، وممارسة سابقة، وحقائق يستند إليها في إثبات الحقيقة.

التحدي الآن هو محاولة دول ومنظمات وأحزاب خندقة الجمهور داخل «فقاعات» فكرية، أو أيديولوجية معينة، حيث يرفضون سماع أي آراء تخالف قناعاتهم، مما يزيد من حالة الاستقطاب وربما الاستلاب الفكري لهم.

وأصبح البديل كسر حاجز الخندقة بمحاولة فهم ما وراءه، والبحث عن وسيط يثق فيه الجمهور المنغلق على قناعاته، وتحرير أفكاره، وترميم مفاهيمه، والوصول إلى حالة من التوازن النفسي لمدركاته، والتكيّف مع الواقع برؤية أكثر شمولية وعمقاً في فرز الكامن، وإعادة العلاقة معه على أساس من الشفافية والموضوعية في التفسير والتحليل والتنبؤ بالمستقبل.

لنأخذ بيانَي وزارتَي الخارجية السعودية ودولة الإمارات بشأن ما جرى من أحداث مؤسفة في ولايتي شمال وجنوب كردفان في السودان، وذلك بعد الهجوم على مستشفى الكويك العسكري، وعلى قافلة إغاثية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي، وأيضاً حافلة تقل نازحين مدنيين، التي أدّت إلى مقتل عشرات المدنيين العزّل من بينهم نساء وأطفال، وإلحاق أضرار بمنشآت وقوافل إغاثية.

البيان الإماراتي يحاول خندقة الجمهور من خلال ثلاثة أفكار رئيسة؛ وهي عدم تسييس المساعدات الإنسانية أو استخدامها كسلاح، ووقف فوري لإطلاق النار والاقتتال وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية العاجلة دون عوائق، والثالثة عملية انتقالية جادة بقيادة حكومة مدنية شاملة ومستقلة بالكامل عن طرفَي النزاع والجماعات المتطرفة.

من يقرأ البيان الإماراتي يعتقد أن دولة أخرى أصدرته، وليس لها أي علاقة بما يجري في السودان، أو بتقديم الدعم والمساندة لقوات الدعم السريع ضد الحكومة الشرعية، أو بعدم تسييس المساعدات واستخدامها كسلاح، حيث خلا البيان الإماراتي من تسمية الفاعل الرئيس في المجزرة الإنسانية التي راح ضحيتها الأبرياء، وهو الدعم السريع.

في المقابل كان البيان السعودي -الذي سبق البيان الإماراتي بثلاثة أيام-، يعبّر عن استراتيجية كسر حاجز الخندقة وتفسير وتحليل ما وراءه، حيث سمّت صراحة قوات الدعم السريع الإجرامية في تنفيذ هذه الهجمات، وانتهاكاتها الصارخة في تأمين وصول المساعدات الإغاثية للمحتاجين، إضافة إلى تعرية البيان للتدخلات الخارجية واستمرار بعض الأطراف في إدخال السلاح غير الشرعي والمرتزقة والمقاتلين الأجانب، رغم التزامها بالحل السياسي، كذلك التأكيد على وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية.

ردود فعل الجمهور على البيانين في شبكات التواصل الاجتماعي؛ كشفت وعياً عربياً ودولياً فيمن يحاول أن يخندق الرأي العام بأفكار يرفضها المنطق، وبين من يحاول كسر الحاجز بوضع الحقيقة أمام العالم ليحظى بثقته ومصداقيته.

23:56 | 11-02-2026

«المال السياسي» والصراع بالوكالة!

متلازمة الصراع بالوكالة والمال السياسي تحوّلت إلى مصدر تهديد حقيقي لاستقرار منطقتنا العربية، ومساس مباشر بسيادة الدول، وعملية استنزاف طويلة الأمد لتمويل النزاع، وشراء الولاءات والنفوذ، وممارسة الضغط بأسلوب المصالح المتعارضة لتعميق حدة الصراع، وتعزيز حضور كيانات موازية تتولى مهمة الفوضى والدمار، وتعقيد المشهد السياسي وصولاً إلى أهداف قد تتجاوز حدود وإمكانات الفاعلين إلى تحقيق مكاسب الطامعين في ثروات الدول ومقدّراتها.

المال السياسي أصبح وقوداً مخيفاً في تغذية الصراعات بالوكالة، وتقسيم المجتمعات، والشواهد في ليبيا والسودان والصومال وغيرها كافية للتعبير عن الخطر والأثر السيئ الذي تركه هذا المال، ومن يقدّمه في محاولة تدمير هذه الدول.

السعودية أدركت منذ وقت مبكر خطر أصحاب هذا المال في تجنيد ونشر المليشيات والجماعات المسلحة في جغرافيا الوطن العربي الكبير، وسعت بجهودها الدبلوماسية، وعلاقاتها الدولية أن تكبح هذا الخطر، والتصدي له، وحينما وصل الأمر إلى حدودها الجنوبية مع اليمن كان لا بد من تطهير الجرح الغائر، وتحمّل الموقف بشجاعة وحزم مهما كانت التبعات المعقدة في هذا الملف.

الهارب الزبيدي الذي كان أداة رخيصة وتافهة في شق الصف الجنوبي، واستغلال القضية الجنوبية العادلة لتحقيق مكاسب شخصية، وخدمة أجندات من موّله، ووظّفه لغايات أكبر من إمكاناته وأحلامه؛ لم يدرك هو ومن معه وحتى من خلفه أن السعودية ستوقف المشروع، وتُفشل المخطط، وتكشف المستور، وتتحمّل في سبيل ذلك الكثير لتصحيح مسار القضية الجنوبية، والدعوة إلى مؤتمر الرياض بحضور الشخصيات الجنوبية لإيجاد تصور شامل للحلول العادلة، بما يلبّي إرادة وتطلعات شعب الجنوب.

المال السياسي القذر استغله الزبيدي في الحصول على أسلحة لإراقة دماء اليمنيين في الجنوب، وممارسة التعذيب والاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي بحقهم -بحسب ما وثقته منظمات حقوق الإنسان ووسائل الإعلام منها قناة BBC، ووكالة اسوشيتد برس، ووصل هذا المال لمحاولة اختطاف القضية الجنوبية على حساب الشرعية المعترف بها دولياً.

المواطن اليمني في الجنوب أصبح واعياً بفرز المال السياسي الذي يريد تدمير أرضه، ونهب ثرواته، والتحكّم في قراره ومصيره، وبين المال السعودي الذي يريد تحقيق تنميته وازدهاره، وآخرها تقديم مبلغ 1.9 مليار ريال لتنفيذ مشروعات نوعية، وتحسين مستوى الخدمات الأساسية، ومنها تشغيل أكثر من 70 محطة كهرباء، وافتتاح أول محطة تحلية مياه، وتأهيل المستشفيات والمدارس والكليات، بالإضافة إلى صرف الرواتب المتأخرة.

تجربة السعودية في تطهير اليمن الجنوبي من المال السياسي لتمويل الصراع بالوكالة؛ أصبحت نموذجاً في التعامل مع أصحاب هذا المال في أقطار عربية أخرى تعاني من سطوته، وتدخلاته، ومؤامراته المكشوفة لخدمة مصالح إقليمية ودولية يحلم بأن يكون له نصيب منها.

00:05 | 4-02-2026

المياه «أول خطوة» لتنمية مستدامة

قبل ثمانية عقود جعل الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- من مشروع «عين العزيزية» وقفاً على مدينة جدة، وسكانها، وزوّارها، والحجاج الوافدين إليها، وذلك إيماناً من الملك المؤسس بأن الماء أساس التنمية، واستدامة الحياة، حيث أعاد هذا المشروع -على نفقته- مدينة بأكملها إلى الواجهة، ورسم مستقبلها التنموي منذ وقت مبكر، وذلك بعد سنوات طويلة من المعاناة في الحصول على الماء، كما ساهمت موارد الوقف وأصوله واستثماراته إلى اليوم في استدامة الأثر، وخدمة المجتمع، والمشاركة في تنميته، من خلال إنشاء مدن لإسكان الحجاج، ودور لرعاية المسنين، إلى جانب صيانة شبكة توزيع المياه في المدينة بمبلغ تجاوز 100 مليون ريال، وغيرها من المنجزات التنموية الأخرى للحفاظ على الموارد المائية والبنية التحتية.

اليوم تنطلق «حملة أول خطوة» من المركز الوطني لكفاءة وترشيد المياه «مائي» من الفكرة ذاتها، وهي أن استدامة التنمية تبدأ من استدامة المياه بترشيدها ورفع كفاءة استخدامها، حيث تحمل «عين العزيزية» رمزية خالدة في العلاقة بين المياه والتنمية، كما تعكس أهمية الوعي المجتمعي في الحفاظ على الموارد المائية، وتعزيز استدامتها، وتحويلها إلى سلوك قائم على الترشيد، وثقافة مستدامة تبدأ من الفرد وتستمر في ازدهار المجتمع.

«أول خطوة» ليست مجرد شعار لحملة، ولكنها بداية لتعليق الجرس، واستشعار الخطر، وتقدير القيمة، وتمكين الأثر التنموي الذي ينطلق من الماء الذي هو أساس كل شيء حي، وبالتالي ما بعدها من خطوات هي تعبير عن سلوك الإرادة المحصّن بالوعي والمسؤولية من أفراد المجتمع، والشراكة مع مؤسساته، واستثمار التقنيات في تعزيز الكفاءة، والتقليل من الهدر المائي الذي يشهد تنامياً في الجوانب الحضرية والزراعية والصناعية (بحسب الهيئة العامة للإحصاء).

مركز «مائي» الذي يباشر مهامه في التوعية بأهمية المياه يرتكز اليوم على رؤية استراتيجية عنوانها العريض الشراكة، ووسائل تمكينها تبدأ من التغيير الإيجابي للسلوك، وتحليل دوافعه، والعوامل المؤثرة فيه، وأيضاً المسؤولية الأخلاقية والقانونية في التعامل مع هذه الثروة بحس وطني تنموي، وبالنظر إلى مجتمعنا اليوم لا تزال معدلات الاستهلاك مرتفعة، وهذا الارتفاع مؤثر بالدرجة الأولى على الأمن المائي الوطني، والاستدامة الاقتصادية للمشروعات التنموية، والبنية التحتية، فضلاً عن التكلفة المالية في استخراج وتحلية المياه، ووصولها إلى كل منزل ومزرعة ومصنع.

ورغم هذه التحديات؛ فقد نجح «مركز مائي» خلال العام 2025 في تحقيق وفر مائي وصل إلى 51 مليون متر مكعب في القطاع الحضري (الحكومي والسكني)، بمعدل 140 ألف متر مكعب يومياً، من خلال تنفيذ مبادرات وبرامج توعوية، وإطلاق منصة وتطبيق «كشف»، إلى جانب التحول المنهجي من إدارة الاستهلاك إلى صناعة الكفاءة؛ لتحقيق الأثر الاقتصادي والتنموي، وتعزيز الاستدامة المائية والبيئية.

والمطلوب مع تلك المنجزات أن نستذكر -ونحن نتعامل مع الماء كل يوم- أسئلة تشكيل الوعي في داخلنا: كيف وصلت المياه إلى هنا؟ وكم تكلفتها؟ وما مصدرها في بيئة صحراوية؟ وما تحدياتها التشغيلية؟ وما أثرها في استدامة التنمية؟، حيث يمثّل استحضار هذه الأسئلة المهمة مع كل قطرة ماء نحصل عليها خطوة متقدّمة في تغيير السلوك، وتحمّل المسؤولية الوطنية في الحفاظ على مواردنا المائية، والتأكيد مجدداً بأن التنمية المستدامة تعني مياه مستدامة بترشيدها وكفاءة استخدامها، وهو ما جعل وقف «عين العزيزية» شاهداً على ذلك مع مرور 80 عاماً، ونحن نرى مياهاً مستدامة وتنمية أيضاً مستدامة لخدمة المجتمع.

23:58 | 27-01-2026

الشهادة والتخصص.. وتطوير المهارات في سوق العمل!

قبل عقود من الزمن انطلقت حملات وطنية في مناطق المملكة لدعوة من فاتهم التعليم للالتحاق بمقاعد الدراسة، والاستفادة من البرامج الحكومية المقدّمة، وحقّقت تلك الحملات نجاحات كبيرة في خفض نسبة الأمية في المجتمع إلى أقل من 2% في العام 2025.

اليوم تتجدّد الدعوة لتطوير المهارات في عدة مسارات وبرامج وطنية متخصصة، لمن لم يكملوا تعليمهم الجامعي، أو يرغبون في تغيير تخصصاتهم لمواكبة متطلبات سوق العمل، حيث بلغت نسبة الملتحقين بالتعليم والتدريب في المملكة لمن تراوح أعمارهم بين 15-64 سنة 35.8% خلال العام 2025، كما بلغت 71.3% للفئة العمرية بين 15-24 سنة -بحسب الهيئة العامة للإحصاء- وجميعها أرقام تعكس الحاجة لمواصلة التعلّم لتطوير المهارات.

الرابط بين الزمنين هو الإنسان السعودي، الذي تسعى حكومة المملكة إلى تطوير قدراته، واستثمار إمكاناته للمشاركة في التنمية الوطنية الشاملة، والمنافسة عالمياً، وعلى هذا الأساس أطلقت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية حزمة من المبادرات لدعم المهارات، ومن ذلك مبادرة المجالس القطاعية للمهارات، ومبادرة المعايير المهنية الوطنية، والبرنامج الوطني لتحفيز القطاع الخاص على التدريب «وعد»، ومبادرة مسرعة المهارات وقسائم التدريب، وذلك ضمن استراتيجية شاملة للمهارات، وجميعها تهدف إلى رفع جاهزية الكوادر الوطنية لمتطلبات سوق العمل الحالية والمستقبلية، ودعم تحول سوق العمل القائم على المهارات.

هذا الهدف يمكن تحقيقه وقياس نتائجه، من خلال منح الفرصة مجدّداً لمن لم يكملوا تعليمهم أو يرغبون في تغيير تخصصاتهم، وذلك بتقديم خيارات متنوعة للتعلّم أمامهم، ومن أبرزها برامج التدريب والشهادات المهنية الاحترافية التي يقدمها صندوق تنمية الموارد البشرية «هدف»، إلى جانب منصته الإلكترونية للتدريب «دروب»، كذلك البرامج الجامعية القصيرة (MicroX) التي أطلقها المركز الوطني للتعليم الإلكتروني؛ لإكساب مهارات جامعية سريعة تتوافق مع التغيّرات في سوق العمل، وهي متاحة للراغبين في تطوير قدراتهم دون الحاجة لسنوات دراسية طويلة، إضافة إلى المعسكرات التقنية مثل «أكاديمية طويق»، وأيضاً برنامج «عزم»، الذي يستهدف تطوير المهارات الفنية والمهنية للكوادر الوطنية، وربطهم بفرص وظيفية مباشرة في القطاع الخاص، وغيرها من المبادرات والبرامج الأخرى.

الرسالة المهمة أن وزارة الموارد البشرية لم تتحدث عن سوق عمل قائم على المهارات كمعيار أساسي في التوظيف، من دون أن تقدّم حلولاً وخيارات متنوعة للحصول على تلك المهارات، وتحديداً لمن فاتهم الحصول على الشهادة أو التخصص الأكاديمي والمهني، وبالتالي فرص التطوير قائمة ومتاحة لكل سعودي، سواءً من كان يعمل في القطاع العام أو الخاص، أو حتى يبحث عن وظيفة، وذلك للحصول على شهادات مهنية في تخصصات يتطلبها سوق العمل، وصُممت بحسب احتياجات الجهات والقطاعات الراغبة في التوظيف.

رسالة أخرى أيضاً مهمة، وهي أن سوق العمل يشهد تغيّرات وتحوّلات كبيرة جداً، وأبرزها أن المهارة تمثّل أحد أهم مقاييس الكفاءة والاستمرار في الوظيفة، وبالتالي هذه الكفاءة بحاجة إلى تطوير مستمر لمواكبة تلك المتغيّرات، وتعزيز المسار المهني، وذلك حتى لا يجد الموظف نفسه خارج المنافسة، وربما الاستغناء عن خدماته، وحتى أيضاً لا يجد الباحث عن العمل دون مهارة صعوبة في الحصول على الوظيفة.

الخلاصة أن من اتخذ قراره يوماً ما لمواصلة تعليمه ومحو أميته؛ هو القرار نفسه الذي يحتاجه اليوم من فاته الحصول على الشهادة أو التخصص لتطوير مهاراته.

00:00 | 21-01-2026