حين كنا صغاراً؛ لم تكن الأيام تمرُّ بلا أثر، فكل شيء فيها رائحة.. رائحة الالتحاق بالمدرسة.. رائحة رمضان والعيدين.. وحتى المطر كان يحمل عبقاً مختلفاً لا يُنسى.. تلك الرائحة لم تكن تفاصيل عابرة مجردة، إنما ذاكرة حية تشبه إشارات خفية تخبرنا أن حدثاً جميلاً على وشك البدء.

نحن اليوم نتساءل اليوم: أين اختفت تلك الروائح؟ هل كبرنا وضعفت حواسنا؟، أم هل سرق منا زحام الحياة القدرة على التوقف والإصغاء والشعور؟.. ربما لم تختفِ الروائح، بل اختفى فراغنا الداخلي لاستقبالها.. كبرنا ونحن نحمل هموماً أكثر، وننظر للأيام كتواريخ لا كأحاسيس، فمرَّت الروائح من حولنا دون أن تنتبه لها أرواحنا.

الحنين لتلك الروائح ليس حنيناً للماضي فقط، بل شوقٌ لنسخة أبسط منا كانت تعيش اللحظة كاملة وتشمّ الحياة قبل أن تعبرها، وسيظل بعض العطر عالقاً في الذاكرة، يظهر فجأة مع أول مطر، أو أول ليلة من رمضان ليذكرنا أن أجمل ما فقدناه؛ ليس الزمن، بل إحساسنا به.