في نقاش علمي متبادل بين جيولوجيين، مهندس وأكاديمي؛ تجاذبت الحديث مع معلمي وصديقي الدكتور خالد أحمد بانخر حول آخر وأهم المخاطر الطبيعية المهددة للعالم، فعرَّجنا طويلاً إلى الحديث عن منسوب «المياه الجوفية» بالمدينة المنورة وجدة، والضرر الذي أُلِحقَ بقاطنيها، ومدى تأثيره على جودة الحياة.

في ذلك النقاش الحيوي الدقيق؛ طلب مني «د. خالد» إعداد محاضرة علمية سردية أدبية مؤرَّخة عن هذا الموضوع تستضيفها قاعة جهة حكومية في مجال ثروات الأرض، فاستعنت بالله في كتابتها ثم أخذت رأي صديقي الدكتور حسن عبدالله سليم (أستاذ الجيولوجيا في جامعة الملك عبدالعزيز) لخبرته الواسعة في هذا المجال، فاتفقنا على الاشتراك في المحاضرة لنسلط الضوء سوياً على المشكلة، ونعرض فيها أحدث الابتكارات العلمية لرصدها.

وحين وقفت على خشبة المسرح؛ شعرت في أول دقيقتين بخنق وخفقان قلبي وبحة صوتي على غير العادة مع تعودي الوقوف على خشبة المسرح منذ طفولتي، ربما لأن الموضوع حساس ويحتاج لتركيز واسترجاع للمخزون العلمي، أو ربما بسبب «الجلطة» التي تعرضت لها منذ فترة زمنية قليلة، وعندما عدت سريعاً إلى توازني مرَّ ببالي استفهاماً حائراً: هل سيسعفني الوقت للوصول إلى هدف تبليغ الرسالة؟.

ذلك السؤال الذي ربما يقع فيه كل من يقف متحدثاً لجمهوره في المحاضرات العلمية؛ جعلني استرجع جزءاً كبيراً من علوم تخصصي الجيولوجي حول موضوع المحاضرة، فوفقني الله إلى إيصال الرسالة بمسافة أقل وقتاً وأكثر علماً. وذلك الموقف العصيب؛ ذكرني ببطل روايتي الأولى (اسمها أم الفضل) الذي رغم مصابه الجلل ظل متوازناً بلا غضب يروي لأبنائه الأمل.

إن من يسترجع الآية الكريمة (إناَ كل شيء خلقناه بقدرٍ)؛ يرى أن كل شيء في الحياة يسير بتقدير دقيق ومقادير محددة من الخالق سبحانه، لا تتجاوز حدودها ولا تتأخر عنها، وكله مكتوب في اللوح المحفوظ. وقد جاء في تفسير السعدي، رحمه الله، أن كل شيء خُلق بقدر «شامل للمخلوقات والعوالم العلوية والسفلية، وأن الله تعالى وحده خلقها لا خالق لها سواه، ولا مشارك له في خلقها، وخلقها بقضاء سبق به علمه، وجرى به قلمه، بوقتها ومقدارها، وجميع ما اشتملت عليه من الأوصاف، وذلك على الله يسير».

السؤال الأهم: ما الحكمة الإلهية التي جعلت من الماء الذي إن زاد عن مقداره؛ يصبح خطراً يهدد البشرية؟، وهو الذي قال عنه سبحانه وتعالى (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ)، ولماذا قال سبحانه في نهاية الآية (أَفَلَا يُؤْمِنُونَ)؟.