هل استطاعت زحمة الحياة وانشغال البشر بذواتهم واحتياجاتهم وهمومهم الخاصة طمس نزعة الخير والمبادرات الإنسانية والأعمال النبيلة في المجتمع؟ حتماً لا، فرغم كل شيء ما زلنا نسمع قصصاً تؤكد أن الإنسانية ما زالت نابضة، والخير ما زال يتنفس، والقلوب الرحيمة ما زالت تتوق إلى احتضان المتعبين. وهل هناك من هم أشد حاجةً إلى ذلك من الأيتام، الذين تفتحت عيونهم على الحياة غرباء وحيدين فيها؟
القصة التي شاهدناها على قناة mbc مؤخراً للفنان بشير الغنيم، تؤكد مقولة: «من يفعل الخير لا يعدم جوازيه، لا يذهب العرف بين الله والناس». احتضنت أسرته طفلة يتيمة منذ طفولتها المبكرة، كبرت وترعرعت وشقت طريق الحياة داخل أسرة منحتها الحب والحنان والاهتمام والرعاية، ويشاء القدر أن تصاب أمها الحاضنة بمرض عضال احتاجت إلى زراعة كبد، فبادرت الفتاة للتبرع، وشاء الله أن تؤكد الفحوصات مطابقتها وصلاحيتها للتبرع، وحدها من بين الآخرين كانت هذه الفتاة هي المنقذة لأمها الحاضنة، فأي دليل نحتاجه على الأجر العظيم الذي يهبه الله لكافل اليتيم.
هذه القصة تدفعنا للبحث في موضوع رعاية الأيتام، وتحوله من عبء فردي وخاص بالأسرة الحاضنة إلى عمل مؤسسي متكامل تقوم به وتشرف عليه وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية. والحقيقة أننا حين نعرف منظومة الدعم التي تقدمها الوزارة سنجد أنها تتصف بالشمولية والاستمرارية، ليس للأيتام فقط بل للأسر الحاضنة وفق معايير عالية تضمن تحقيق رحلة نجاح في كل جوانبها.
لقد وضعت الوزارة ضوابط وشروطاً محددة يجب توفرها في الأسر الحاضنة، اجتماعية وصحية وسلوكية ونفسية واقتصادية، وذلك من أجل توفير بيئة أسرية آمنة ومستقرة، تحقق مصلحة الأيتام وحفظ حقوقهم بتنشئتهم لدى أسر توفر الرعاية والاهتمام. والأمر لا ينتهي بالموافقة على احتضان أسرة ليتيم، إذ تقوم الوزارة بمتابعة مستمرة وزيارات دورية للاطمئنان على أوضاع اليتيم واستقراره وجودة الرعاية الاجتماعية والنفسية المقدمة له. ليس ذلك فقط، بل هناك منظومة دعم شاملة وباقة إعانات متنوعة، فبالإضافة إلى الدعم المالي للأسر الحاضنة، فإن الوزارة تدعم الخدمات الصحية بشمولهم بالتأمين الصحي الإلزامي، وكذلك الخدمات التعليمية في التعليم العام والأهلي والابتعاث الداخلي والخارجي ودفع الرسوم الدراسية، ولعله من المثير أن تعرفوا أن الوزارة تستمر في رعايتها لليتيم وصولاً إلى زواجه بتقديم دعم مالي له في هذه المناسبة.
هناك كثير من التفاصيل التي لا يتسع المجال لذكرها هنا بخصوص ما تقدمه الوزارة ضمن منظومة الاحتضان، لكنها بكل المعايير منظومة إنسانية فريدة، وعندما توصف المملكة بأنها مملكة الإنسانية، فإن هذا الجانب هو أحد الجوانب المشرقة لإنسانيتها.


