مع الأحداث المتلاحقة الحاصلة جرّاء الحرب التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد إيران، وردود الفعل العشوائية من إيران بحق دول الخليج العربي، لا تغيب التحليلات ومحاولات فهم أبعاد ما يحصل عن المشهد بشكل عام. فهناك عدد من المشاهد الفرعية التي تستحق التركيز عليها. المشهد الاقتصادي يحظى باهتمام المتابعين مع الارتفاع الحاد في أسعار النفط والآثار السلبية على حركة التجارة الدولية والأسواق المالية. وهناك المشهد السياسي ومدى تورط كل من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في قضايا دولية وعلاقة إطلاق هذه الحرب بالتغطية على تلك القضايا من مصداقية. وهناك المشهد الديني الذي يلعب دوراً لافتاً في تحريك وتحفيز اللاعبين السياسيين فالإنجيليون يعتبرون أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بحربه هذه يعجّل بعودة المسيح للأرض ونتنياهو الذي يعتقد أنه بتلك الحرب يعجّل ببناء الهيكل وتسليم مفتاحه لمسيح اليهود الذي سيظهر بعد بناء الهيكل، وطبعاً لدى النظام الحاكم في إيران تفسيره الخاص بأن هذه المعركة ستعجّل بظهور المهدي المنتظر. معركة بين غيبيات مختلفة.

لعل أشهر من كتب عن فن الحرب وإدارتها كان الإستراتيجي العسكري الصيني الأشهر صان تزوي والذي ألّف كتاباً باسم «فن الحرب» من جملة وأشهر ما قال فيه «لا تبدأ حرباً قبل أن تعرف كيف تنهيها»، وهناك مفكر آخر لا يقل أهمية في التفكير العسكري الإستراتيجي وهو الياباني مياموتو موساشي صاحب كتاب «الحلقات الخمس» والذي قال فيه من ضمن ما قال «الحرب بلا استعداد لنهايتها هي عبث».

التخبّط الحاصل في سياسة الحرب الأمريكية الإسرائيلية وردود أفعال إيران العشوائية المتخبطة توضح لنا أننا بصدد حرب غير إستراتيجية وبلا هدف واضح الملامح. فن السلام أهم من فن الحرب، والسياسي المحنك هو الذي يستطيع تحقيق أهدافه دون إطلاق رصاصة كما فعل رونالد ريجان الرئيس الأمريكي الأسبق بحق منظومة الاتحاد السوفيتي وأدّى إلى إسقاطه. ولكن أمريكا لم يعد لديها قادة استراتيجيون. وإسرائيل تقاد من رئيس مدان دولياً فلا يمكن توقع منها شيء أفضل. وإيران تبنّت منذ قيام النظام في ١٩٧٩ فكرة تصدير الثورة لجيرانها بالقوة وكيفما كان ولم تراعِ الجيرة وحقوقها وبالتالي من غير المستغرب ما يحصل منها. أسابيع قادمة تدعو للقلق على المنطقة. وتبقى أهمية التركيز على فكرة أن فن السلام أهم من فن الحرب فهل من متعظ؟