من القصص الشعبية المتداولة، قصة الرجل الذي رزق بتسعة صبيان وفي الولادة العاشرة بشر بأنثى، فقال: يا ليلي الأسود، وعندما تقدم بالعمر فقد بصره وتفرق أبناؤه وانشغلوا في حياتهم إلا ابنته كانت تأتيه لتعتني به، وفي إحدى الليالي دخلت عليه ابنته فسألها: من؟! فردت قائلة: أنا ليلك الأسود، فقال مقولته المشهورة (يا ليت كل الليالي سود)، وهذه القصة ألهمت الشعراء في نسجها على شكل قصيدة أسهمت في تخليدها.
ومع أننا في القرن الحادي والعشرين، فمازال هناك من يكفهر وجهه إذا بشر بالأنثى، وهذه حقيقة، فالكثير من النساء، خصوصا من لم ترزق بذكر تبث لي خوفها وقلقها من أن يكون جنينها أنثى خشية غضب زوجها أو مجتمعها الذكوري، وكأنها المسؤولة عن تحديد جنس الجنين!
فبدلا من أن يحمد الله الذي أهداه هذه الأنثى سليمة الجسد والعقل يبدأ بالسخط الذي يعبر عنه بدرجات متنوعة، وكأنني أرى واقع الآية الكريمة: «وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم. يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون».
ويكفي هذا الأب فخرا بأن من أنجب ثلاث بنات أو ابنتين وأحسن تربيتهما فهو في مكانة قريبة من حبيبنا سيد المرسلين محمد ــ عليه أفضل الصلاة والتسليم.
والأمر المضحك المبكي أن إحدى قريباتي ذكرت لي أن ولدها الذي لم يكمل العاشرة من عمره جاءها باكيا شاكيا أن الأطفال يعرفون اسمها.
وهذا يعني أن هذا المرض يحتاج في استئصاله إلى أجيال وعقود، فواجبنا في البيت والمدرسة والمسجد أن نربي أبناءنا على الفخر بأمهاتهم وزوجاتهم، وأن مقياس حضارة الأمم ينبع من قياس مدى احترام الأنثى.
وأذكر مقولة لأحد الفلاسفة بأن المرأة الحيية البرزة أفضل من المنكفئة، والبرزة هي التي لا تخفض رأسها إلى الأرض وتطالب بحقوقها، ومن أبرز الأمثلة على هذا النوع سكينة بنت الحسين التي كانت تنتقد الحكام الأمويين وتطالب القضاة بحقها بالنشوز، مما يدل على مساحة الحرية التي كانت موجودة في ذلك الوقت، ولم يعترض أحد الفقهاء على ما كان يقوم به النساء البرزات في مقارعة الرجال بالحجة، فقد كان الشعراء يحتكمون إلى هؤلاء النساء في تمييز أفضلهم شعرا.
إذن، ما يحاك ضد المرأة من تمييز باسم النظرة الأنثوية هو عودة بها إلى الجاهلية، وليس من الإسلام في شيء، لم نسمع أن سيد البشرية كان يتحرج من ذكر اسم إحدى نسائه، بل كان يتعدى الاسم إلى الوصف والتدليل، فكان يصف عائشة ــ رضي الله عنها ــ بالحميراء دلالة على بياضها المختلط بالحمرة، فهل يستطيع أن يعترض أحد على هذا الوصف ويعتبر هذه السيدة وحرمة صوتها وكل ما يتصل بها عورة؟!.