تصاب بالخوف وتعتريك رعشة وانت تشاهد تفاصيل برنامج في احدى الفضائيات تضمنت مشاهده لقطة لامرأة في الستينيات من عمرها ارتمت على الأرض وهي تنتفض وبدأ الزبد يخرج من فمها فيما كانت تطلق اصواتاً غير مفهومة وفيما كانت الحيرة تتلف اعصابك يطل المذيع موضحا ان تلك السيدة مصابة بالمس.
وهنا تثور جملة من الاسئلة هل صحيح ان مثل هذه الحالات يتلبسها الجان؟
الدكتور محمد الحامد استشاري الطب النفسي يرى ان الحديث عن تلبس الجن ببدن الإنس هو نفس الحديث عن كروية الارض أي قابل للنقاش كونه من غير الثوابت فآراء علماء المسلمين بخصوص الامور الفرعية هي في نظره من الامور القابلة للنقاش. حيث كانت لاتخلو كتب التفسير حول كروية الارض من خلاف فيما اثبت العلم الحديث كروية الارض وهذا لايتعارض مع ما ورد في القرآن ولكن مع ماورد في كتب التفسير وآراء العلماء. ويرى الحامد انه عندما يتحدث عن المس لايشكك في صحة اقوال السلف انما يود التأكيد بأن ما ورد في اقوالهم كان مقيدا بالمعطيات المتوفرة لديهم وفي تصورهم للموضوع. لذلك يؤكد الحامد بأن طرح مثل هذه القضية للنقاش يعتبر أمرا هاما في ظل ما نراه ومانسمع عنه وما يحدث للمصابين «بوهم التلبس» ويجعلهم يتساقطون صرعى بمجرد الايحاء لهم بذلك. وهذا يجعل الامة ركيكة ضعيفة تسيطر عليها اوهام وتجعلها تدور حول نفسها.
ويضيف الحامد لم يرد في القرآن سوى آية واحدة في سورة البقرة والتي يستشهد بها من يؤيد ثبوت المس، حيث قال تعالى {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس».
وملاحظاتي حول تفسير المس في هذه الآية على انه التلبس هي كالتالي:
أولا: كلمة المس كما ورد في جميع معاجم اللغة ومنها لسان العرب والقاموس المحيط، لا تعني على الاطلاق دخول شيء في شيء وغني عن القول ان كلام الله تبارك وتعالى هو في منتهى الدقة والوضوح والاتقان.
والمس في اصطلاح العرب يعني الجنون (وهو المرض العقلي) حيث لم تكن العرب ولاغيرها من الأمم في ذلك الوقت تعرف مسببات الاصابة بالمرض العقلي (الجنون) وكانوا ينسبون الى الجن، مثله في ذلك مثل امور كثيرة كانوا ينسبونها للجن لمجرد عدم معرفتهم لمسبباتها مثل العبقرية والتي اشتقت من وادي عبقر وهو احد الاودية التي كان يعتقد بأن الجن تسكنها، ومثل قرض الشعر حيث كان يظن ان الشاعر الفحل يستعين بالجن في شعره، هذا بالاضافة الى امور الكهانة والعرافة والتي كانت شائعة في ذلك العصر.
اما حالة المس المعروفة حاليا فهي ليست من الامراض العقلية (أي ليست جنوناً) وانما هي حالة نفسية ناتجة عن صراعات داخلية سأفصل القول فيها لاحقا.
ثانيا: ورد في تفسير ابن عباس رضي الله عنهما للآية المذكورة ان آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق، ولنركز هنا على كلمة مجنون اي فاقد لعقله اي مصاب بمرض عقلي، ولا اظن ان احدا يستطيع ان ينكر ان حالة التلبس المقصودة في الوقت الراهن هي ليست جنونا على الاطلاق (مع العلم بأن الشخص الوحيد المناط به تحديد الجنون من عدمه هو الطبيب النفسي كما هو معروف).
ثالثا: هذه الآية وردت في الربا وجاء المس (بمعنى الجنون وليس التلبس كما أرى) كتشبيه لحالة قيام آكل الربا يوم القيامة، فلو كان المس بمعنى التلبس موجوداً فعلا، فلماذا لم نجد آية في القرآن تحدثت عنه كحالة منفردة وليس كتشبيه فقط وذلك لتحذير المسلمين من أمر هام وخطير كهذا، كما ان المعوذتين وهما سورتان شاملتان للتعوذ من كل شرور الدنيا ورد فيهما التعوذ من الحسد ومن النفاثات في العقد ومن الوسواس الخناس ولم يذكر المس مطلقا على الرغم لو انه كان موجودا فعلا لوجب التعوذ منه ومن شره.
رابعا: وردت كلمة مس في آيات اخرى في القرآن ولا يمكن ان يكون المعني نفس المعنى المفسر في آية سورة البقرة أي التلبس، حيث قال تعالى:{واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب» فهل يعني هذا ان نبي الله ايوب عليه السلام كان به مس من الشيطان والعياذ بالله.
والآية الاخرى من سورة الاعراف، قال تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم، إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون».
فهل يعني هذا ان المتقين يركبهم الشيطان واذا كان يمسهم ويتلبس بهم فلماذا لا يتحدث على لسانهم.
والحقيقة ان معنى الآية وسياقها والآية التي تلتها {وإخوانهم يمدونهم في الغي» توضح المعنى المقصود وهو الغواية والضلال وليس التلبس ودخول الشيطان في جسد بني آدم.
خامسا: وردت في القرآن آيات تؤكد تفضيل الانسان على سائر الخلق وتكريمه بذلك، قال تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا» وقد يقول البعض ان تفضيل بني آدم لا يمنعهم من الابتلاء، ومس الجن هو ابتلاء مثل اصابة الانسان بالامراض بالكائنات الدقيقة كالبكتيريا والفيروسات وهذا لايتعارض مع التفضيل والتكريم. وللرد على هذا اقول بأن الله خلق البكتيريا والفيروسات كمسببات للمرض وهو الذي خلق كل شيء بقدر، اما الجن فانهم كائنات مكلفة مثلنا تماما {وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون» وبالتالي فهم محاسبون مثلنا، كذلك فإن الشيطان ليس له سلطان على بني آدم الا في الغواية والضلال وليس في ركوبه وتلبسه والتحكم في سلوكه وفعله وقوله.
مصداقا لقوله تعالى: {وما كان لي عليهم من سلطان إلا أن دعوتهم فاستجابوا لي» فقط.. دعوتهم فاستجابوا.. وهذه هي حدود تأثير الجن والشياطين.
وأيضاً قال تعالى: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون» وقد قيل في تفسير هذه الآية إن المقصود به انه ليس للشيطان حجة على المؤمنين في إغوائهم ودعائهم الى الضلالة، وان السلطان في هذه الآية لا يقصد به معنى التلبس ودخول الجني في جسد الانسي. وانا اقول والله المستعان اذا كان دخول الجني في جسد بني آدم وعبثه به واصدار سلوكيات وأفعال وأقوال لا يعيها الممسوس كما يقولون لايعتبر سلطاناً فما السلطان إذن؟؟!!
الأدلة من الأحاديث النبوية الشريفة:
قبل مناقشة الاحاديث الشريفة التي يستدل بها على المس أود ان اثير بعض النقاط الهامة وهي:
* لم يرد في جميع الاحاديث الخاصة بهذا الموضوع حوار متبادل بين الرسول صلى الله عليه وسلم والجني في بدن الانسي، كما يحدث اليوم من قبل المعالجين بالقرآن حيث يصل الحوار الى اوقات طويلة وتتم مفاوضات واخذ ورد وهذا لم يفعله الرسول عليه الصلاة والسلام، و لم يصرح صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر فلو كان موجودا لذكره عليه الصلاة والسلام بشكل واضح وصريح. ولم يترك الامر للاجتهادات نظرا لأهمية مثل هذه القضية.
* الطريقة المتبعة حاليا من قبل بعض المشايخ المعالجين في اخراج الجن مثل اخرج يا ملعون، اخرج من اصبع رجله وغير ذلك لم ترد في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ولم تذكر ايضا في الروايات المنقولة في عهد الخلفاء الراشدين وكل الصحابة رضوان الله عليهم.