الآن وقد مضى على رحيلك قرابة الشهر (2/12/2011م، 7/1/1433هـ) ماذا سأقول عنك يا والدي أجدني كاليتيم الحقيقي.. لقد غمرتني بالحنان، وأشعرتني بقيمتي الحقيقية، وبسببك صار لي مكان بين الكتاب، فقد كان أول مقال كتبته في الصحافة ــ بالرغم من تجاوزي الخمسين من العمر ــ عنك بمناسبة تخصيص جريدة (الجزيرة) ملفاً عنك منتصف عام 1419هـ واستمرت الكتابة في ما بعد.
تعودت مع بعض الأصدقاء لقاءك في منزلك مساء كل اثنين بين صلاتي المغرب والعشاء منذ قرابة الخمس عشرة سنة، وكنت تأنس بنا ونأنس بك.. وعندما تقدم بك العمر وبلغت المائة بدأ سمعك وبصرك يضعفان، وبدأت تحس بألم في ركبتيك فمنعك الطبيب من متعتك رياضة المشي والسباحة وهي من المهمات اليومية لديك.. فكنت لا تخرج إلا للمسجد.. وكنت أحرص على الصلاة بجوارك خصوصاً صلاة المغرب أيام الاثنين ــ حيث نلتقي ــ فتقول لي: يا وليدي لقد طال الأسبوع، فعرضت عليك أن نلتقي في وسطه مساءات الجمع وأن أكون بمفردي للاستفادة من القراءة والكتابة.. فتوافق مع عدم الالتزام بالكتابة والقراءة، المهم الحضور ــ للسواليف ــ، وكنت تقول إنني ابنك الذي لم تلده زوجتك. لقد كنتَ حريصاً على الشأن العام متابعاً لأخباره مستبشراً بكل جديد يعود لصالح الوطن والمواطن. سافرت معك على مدى عشر سنين إلى أكثر من بلد ولم أسمع أو أر أو ألمس منك ما يغضب أو يسيء. لقد كنت تحترم الجميع وتعطي كل ذي حق حقه، وأشهد أن رفقتك لا تُمل فأنت مثال للجد والوضوح والصراحة وأنت خفيف الظل، وحركتك وتحركك ومن برفقتك دائماً تكون حذراً حتى لا تزعجه أو يصحو قبل موعده المعتاد، وما زلتُ أذكر قيامك فجراً لتصلي وتشرب كأس الحليب المعتاد وتتناول شيئاً من الفاكهة قبل أن تعود للنوم، وكنتُ وقتها نائماً وكان مرورك إلى جواري، وكنتَ لضعف النور تحاول أن تتخطى سلك كهرباء على الأرض فوضعت يدك على الدفاية فتحركت فسقطت أرضاً فسمعت الصوت ونهضت فزعاً فخفت علي وقلت لي بهلع: أزعجتك، ولم تفكر بما أصابك من أثر السقوط ولكن خوفك على رفيقك أهم. عندما تقاربت خطاك.. وتجاوزت المائة من عمرك. وضعف بصرك وسمعك وبدأ ألم الركبتين أصبحت لا تأتي إلينا كالمعتاد في مجلسك أيام الاثنين إلا بمساعدة أحد أو تتوكأ على العصا ثم الكرسي المتحرك.. ومن عدة أشهر أصبحت لا تأتي دائماً لتشاركنا الحديث أو على الأقل للسلام إلا مرة أو مرتين في الشهر، ولكن الاثنين الأخير 3 المحرم 1433هـ طلبت أن تأتي إلينا وكأنك مودع وقابلتك مع الأستاذين سعد البواردي وحمود الربيعة فسلمت علينا ورأينا التعب والشحوب باديين وحتى التنفس لم يكن منتظماً بشكل معتاد، مما جعلنا نطلب من ابنك ناصر أن يأخذك لفراشك لترتاح.. ونحن لا ندري أن هذا آخر لقاء لنا معك. ما زلت أذكر كلامك وتأكيدك عليَّ وعلى ابنك ناصر أن نهتم بالكتب الموجودة بالمستودع ورفعها على خشب حتى لا يتلفها المطر، وتوزيع كميات منها على الجامعات السعودية.. وسؤالك عن جامعة شقراء وهل لسعد البواردي دور بها.. وعن مجنون ليبيا القذافي وهل قضوا عليه.. هذا آخر كلام سمعته منك يا والدي فنم قرير العين.. إلى جنة الخلد، فقد قدمت وتركت إرثاً ثقافياً وتاريخاً حافلا سيخلد اسمك للأجيال.
Abo-yarob.kashami@hotmail.com
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 143 مسافة ثم الرسالة
الجهيمان .. وداعاً يا والدي
7 يناير 2012 - 19:39
|
آخر تحديث 7 يناير 2012 - 19:39
تابع قناة عكاظ على الواتساب