قد يتبادر إلى الذهن أن المقصود بالمتخلفين من أصيبوا بأمراض وراثية أو مكتسبة حدت من قدراتهم العقلية، وعاقتهم عن ركب التحصيل العلمي والانخراط في الحياة الاجتماعية بشكل طبيعي. لكنني هنا أتحدث عن الأفراد الذين لم ينالوا حظهم من التفكير والوعي السليمين، ولم يلتزموا بمعايير أخلاقية واجتماعية تميزهم بالرشد، ولم يمارسوا حياتهم وفق مبادئ الذوق العام وأصول الأدب. فبعض الممارسات تدل على جهل أو تجاهل صاحبها لأصول «الإيتيكيت» نتيجة ــ في رأيي ــ لسوء التربية وضعف الوازع الديني الذي يهدف إلى تمام مكارم الأخلاق وحسن المعاملة، فضلا عن حفظ حقوق البشر وأدائهم لواجباتهم. والعجيب إصرار أولئك على تجاهل مشاعر الناس، وطغيان حب الذات عليهم، واعتيادهم على قلة الذوق تجاه غيرهم، من خلال ممارسات مخجلة وغير إنسانية. فالتدخين في الأماكن العامة والمغلقة، فضلا عن التدخين في المصاعد، وهو أغرب ما رأيت، يدل على الأنانية والاستهتار بالأنظمة والقوانين، وتجاهل حقيقة العيش مع أناس آخرين لهم حقوق مضمونة شرعا وعرفا. ومن أمثلة الممارسات المنتشرة، الوقوف الخاطئ بالمركبة، والتضييق على الناس في الطرق العامة، والتجاوز غير المنظم للمركبات دون إعطاء إشارة التنبيه، أو بانحراف حاد وسرعة متهورة في تحد فاضح لمنطق العقل والقانون، والتحدث بالهاتف الجوال بصوت مرتفع أو من خلال مكبر الصوت في أماكن عامة، إضافة إلى البصق وإلقاء المهملات قريبا من براميل القمامة، واختفاء كلمة «من فضلك» من قاموس بعضهم، دليل على سوء المعاملات الاجتماعية وخرق لأصول الذوق السليم.
ومثل تلك السلوكيات، لم تعد فردية، بل هي ــ في رأيي ــ ظاهرة اجتماعية، استمرأها بعض البشر ممن «تخلفوا» عن ركب الأخلاق الحميدة، والذوق السليم واعتقدوا خطأ بسلامة سلوكهم المشين، بل وبفضلهم على غيرهم بما ملكهم الله إياه من مال أو سلطة. وليس من سبيل لتصحيح تلك السلوكيات إلا بتضافر الجهود الرسمية والمجتمعية لتصحيح المفاهيم الخاطئة، وتربية النشء على الأخلاق الإسلامية الكريمة، لإنقاذ الأجيال القادمة من تدهور خطير في أساسيات العلاقات الاجتماعية التي تحكم تصرفات الفرد تجاه غيره، ونشر ثقافة الذوق العام واحترام الناس والتعامل الإنساني الرفيع عن طريق القنوات الإعلامية، إضافة إلى الالتزام المطلق بضبط المتجاهلين للأنظمة والقوانين الإدارية والاجتماعية، ومحاسبتهم وتقويمهم، حتى يتنبهوا إلى أخطائهم ويشعروا بعزلتهم، فتختفي بذلك القدوات السيئة، ولا يأمن أحد العقوبة فيسيء الأدب.
د.أيمن بدر كريم ــ استشاري الأمراض الصدرية واضطرابات النوم ــ مدينة الملك عبد العزيز الطبية في جدة