«الشوكة» و«السكين» و«الملعقة» وكل «فضيات» المائدة نشاهدها في المحلات والأسواق ومحلات بيع الأواني المنزلية، ولا يخلو منزل من مجتمعنا من هذه الفضيات، بل لا بد ان تبنى غرفة خاصة في المنزل للأكل تسمى «المقلّط» تكون مجاورة لغرفة مجلس الرجال، وتؤثث بكل لوازم المائدة، وبشكل باروكي مصطنع: طقم السفرة، الفضيات، والمفرش، والفُوط.. الخ، وهذا الترف أصبح من ضمن تأثيث المنزل في حالة الرغبة بالزواج، ويجتهد الزوجان في اختيار أشكال الملاعق والشوك والفُوط والسكاكين، بألوانها المتعددة الفضية و الذهبية أو المصنوعة من الفولاذ اللماع والمقاوم للصدأ، وربما يحرصان ان تكون من ابداعات المصمم «البيرتوبينتو»، لكن في الغالب لا يتم استخدام هذه الفضيات، وانما تكون من حظ الغبار، لان الأكل وعند كل الأسر يكون اما في الصالة امام التلفاز، أو على الأرض عموماً، ويتم تناول الطعام باليد أو على طريقة جماعة الصحن الواحد.
وكثيراً ما ينظر لعادة الأكل بالشوكة والملعقة والسكين، على انه من الرقي الاجتماعي، وتتفاخر بعض الشرائح الاجتماعية بانها استخدمت فضيات المائدة في وقت مبكر، من الخمسينات والستينات من القرن الماضي.
وكانت هذه النظرة سائدة في اوروبا في القرن الثامن عشر ميلادي حيث اصبحت ادوات الطعام الفردي مظهراً للتميز الطبقي واصبحت الشوكة رمزاً للتهذيب والمركز الاجتماعي، وغدا لمس الطعام بالاصابع تصرفاً ينم عن التخلف الاجتماعي.(1)
وفي ثقافتنا توجد كتب لآداب الأكل (النصوص الفقهية مثالاً)، لكن لا توجد كتب لآداب المائدة، وعلى حسب علمي لم اقرأ الا كتاباً واحداً عن اصول «الإتكيت» اثناء الأكل، من تأليف «طباخ» والي مصر محمد علي، ولا اذكر اسم الكتاب ولا اسم الطباخ.
وآداب المائدة، ومجمل فضياتها ومفارشها وفوطها، تكون أكثر شيوعاً في المطاعم وفي بعض الولائم الخاصة، الا ان هذه الآداب ليست سلوكاً يومياً للفرد في مجتمعنا.
لكن ما دامت هذه الآداب سلوكاً رفيعاً، وعلامة على شريحة اجتماعية ما، أو هي دلالة علىتمدن ما، وتقليداً للحضارة الاوروبية، فلماذا تكون من ضمن الممارسة اليومية؟ لماذا هذا الاتكيت محصور في المطاعم، وادعياء قلة في مجتمعنا؟
لماذا مجتمعنا يأنف أو لايستخدم الشوكة والسكين والملعقة؟ هل لانها تحطم آداب الأكل ومفهوم تناول الطعام باليمين، وكراهية استخدام اليد اليسرى؟
لاحظ المؤرخ العظيم فرنان برودل وهو يؤرخ لآداب السلوك الاوروبية من القرن الخامس عشر الميلادي حتى القرن الثامن عشر، ان التحولات في آداب السلوك والمائدة تمت ببطء،(2) فمثلاً الملك ادوارد الأول وفي عام 1307م لا يملك سوى سبع شوكات، ست منها فضية والسابعة ذهبية ولا تستخدم في الطعام، وحتى القرن السابع عشر الميلادي بقيت الشوكة مدعاة للسخرية، وكان من يستخدمها من الرجال، ينعت بالتخنث وبقي الناس يتناولون طعامهم بعدة من الطرق المقبولة: مثل التقاط اللقمة بزوج من السكاكين ووضعها في ملعقة قبل تناولها أو التقاطها بالاصابع الثلاث.(3)
وفسرت هذه التحولات في آداب المائدة، وان كانت ببطء لاسباب تتعلق بالتحولات الفكرية حول ثقافة الجسد، حتى وصل مفهوم الجسد الى ما هو عليه الآن في الحضارة الغربية، «كمرتكز للفرد، وحدِّ لعلاقته مع العالم»(4) وغيابه ليس الا غيابا للانسان وما حضور العمليات التجميلية ونوادي التخسيس وادوات التجميل التي نشاهدها في التلفزة الا تمجيد للجسد ومحور للخلاص.(5)
وعلى هذا الأساس كانت فضيات المائدة من حيث النشأة ممارسة ذاتية من أجل الصعود في السلم الاجتماعي على الصعيد الظاهري، وداخلياً وعلى المدى البعيد ليست الا حالة تدريب للجسد على الانفصال عن الأشياء المحيطة به.(6)
لكن ثقافة مجتمعنا تنظر للجسد بأنه أداة وصل للطاقة الاجتماعية التقليدية السائدة، وان الجسد شكلاً ومضموناً لا ينفصل عن المنظومة المعرفية السائدة وفي كل المجالات (انظر لطريقة جلوسنا في مجلس البيت فنحن نجلس على الأرض والأريكة خلفنا أو يتكئ كل واحد على الآخر، أو طريقة التماسك بالأيدي بالشارع حِبِّيا، أو انتشار المطاعم البخارية والكبسة وآداب أكلها بطريقة «التكبيس والتخميس» بأصابع الأيدي، التي تعكس جماعة روح الصحن الواحد على حسب تعبير ليلى أبو لغد، وانعدام وجود تقاليد للمائدة مثل المقبلات والمشهيات.. الخ.
لكن فضيات المائدة وآدابها «ليست الا لحظة سحرية من المخالطة التي يمكن لكل فرد فيها ان يعيش بشكل فريد»(7) وتعبيراً عن انبثاق جسدي، قاطع للطاقة الاجتماعية التقليدية، وعلامة للتفرد، ومكانا للاختلاف والتميز، وتجاوزاً للمؤسسة الجسدية السائدة، التي يختصرها ابن مسكويه بقوله «ان طباع الجسد طباع مذمومة».
هامش:
1- باناتي: تشارلز، (2003): قصة العادات والتقاليد واصل الاشياء، ترجمة مروان مسلوب، بيروت، دار الخيال، ص95.
2- برودل، فرنان، (1993): الحضارة المادية والاقتصاد والرأسمالية من القرن الخامس عشر حتى القرن الثامن عشر، ترجمة مصطفى ماهر، القاهرة، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، ج1 ص263-270.
3- هامش (1)
4- بروتون، دافيد لو، (1993): انتروبولوجيا الجسد والحداثة، ترجمة محمد صاصيلا، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، ص26.
5- نشير هنا الى ان «بروتون» مؤلف المرجع السابق يرى في «تمجيد الجسد» وسياسة صياغة مظهره ليس الا نموذجاً مميزاً للآلة وفي كتابة=ه هذا يعترض على جسد الحداثة، ويعترض على ملكية الجسد، ويقول «ان الفرد الغربي يمتلك جسداً، أكثر من انه يكون جسده».
6- RBEBRT,ELIAS, (2000):THE CIVILIZING
7- انظر (مجلة المنزل عدد 7/2006)
* ظهرت الشوكة لأول مرة في القرن الحادي عشر الميلادي بايطاليا وظلت لمدة 200 سنة بدعة صارخة، واخترع سكين المائدة «ارماند جان دي بليسيس» رئيس وزراء لويس الثالث عشر ملك فرنسا، وفوطة المائدة ظهرت قديماً، الا ان كتاب السلوك الذي ظهر في عام 1279م يوضح استعمالات الفوطة من مسح الفم والشفتين والأصابع،
* ربما القارئ يثير سؤالا هنا، ماذا عن أعواد الأكل الصينية؟ اختراع قديم لكن الصينيين لم تنفصل اجسادهم عما حولها؟ ونجيب على هذا التساؤل، بان آداب السلوك والمائدة الصينية ركزت على الروابط الاجتماعية ومتانتها كما صاغها «كونفوشيوس» رداً على الفوضى الاجتماعية، انظر (باناتي، مصدر سابق، ص101).
* وجبات المطاعم السريعة، بكل علاماتها، يتم تناولها باليد، والسبب يعود للنشأة التاريخية لهذه الوجبات، وعلاقتها بالطريق والسيارة، والى طبيعة الثقافة الامريكية التي تقوم على البساطة والمساواة، وأول كتاب امريكي صدر في آداب السلوك كان عام 1922م من تأليف اميلي بوست واسمه الكامل «آداب السلوك، الكتاب الأزرق للاستخدام الاجتماعي».
فضيات المائدة وثقافة الجسد
14 يونيو 2006 - 23:55
|
آخر تحديث 14 يونيو 2006 - 23:55
فضيات المائدة وثقافة الجسد
تابع قناة عكاظ على الواتساب
عبدالله محمد المحيميد