هل يمزح الناس بالأحلام ؟ .. أوّل مرّة أسمع أن الناس يمزحون بالأحلام .. طبعا رأيت هذا قبل سنوات .. وذلك أننا .. أنا وزملائي .. في البرّ .. نمنا ليلتين .. في الليلة الأولى وقد نام الزملاء .. أنا بقيت صاحي أتمتع بمشاهدة السماء ومصابيحها الجميلة .. فجاء إلي أحد زملائي .. نهض من فراشه وجاء يمشي إلى فراشي .. قال لي “ أبو هايس .. رحت أتوضأ لصلاة المغرب وراء الجبل .. هناك .. وشفت ذيب .. ومعه عياله .. ثلاثة .. انتبه .. أظنها جيعانة ... “ .. فشعرت بالخوف .. لأن كل شيء جائز .. فضحك هو وقال ويصفق بيديه “ أمزح معك .. أثاريك رعديد .. “ .. قال ذلك لمّا شافني أسحب فراشي وأقرّبه للخيمة .. راح هو لفراشه .. وسألته عنها في النهار التالي .. فأنكر .. وحلف أنه ما يذكر أي شيء .. ولا يذكر أنه قام من فراشه .. فاستغربت أنا .. أوّل مرّة أشوف أحد يمزح في الحلم .. يمزح وهو نايم .. حكايتي مختلفة عن هاذا .. وهي :
راح أبو تركي للقرطاسية يشتري حاجات لأم تركي .. أقلام ودفاتر تحضير .. لأنها مدرّسة .. فرأى كتبا لتفسير الأحلام .. وشاف الناس يشترون منها .. فاشترى منها كتابا .. في البيت أعطى أم تركي حاجاتها .. وراح لغرفته معه كتابه .. وبدأ يتصفحه .. فوجد فيه .. من الأشياء اللي قرأها .. أن من يصيد سمكا ملوّنا .. فهاذا يعني أنه سيتزوج .. كل سمكة تعني زوجة .. وإذا رأى في المنام أنه يصيد سمكا غير ملوّن فهاذا يعني سيملك فلوس .. ترك أبو تركي الكتاب .. ونام .. وفي الصباح وهو جالس يفطر مع أم تركي حكى لها أنه من ثلاث ليالي وهو يرى نفس الحلم .. قالت له أم تركي “ خير انشا الله .. وش كنت تشوف في منامك؟ “ .. قال لها إنه يرى نفسه جالس على شاطئ بحيرة جميلة ويصيد سمك .. وأنه صاد ثلاث سمكات لها ألوان جميلة .. ثلاث سمكات ملوّنات .. وقال لها “ أنا عندي كتاب تفسير للأحلام .. بالله روحي شوفيه .. وشوفي وش تفسير هالحلم “ .. راحت .. بعد قليل جاءه صوتها من الغرفة يرتعش “ السمك يا بو تركي اللي صدتها ما هي ملوّنة .. صح ؟ “ .. “ إلا ملوّنة يا بنت الحلال .. ثلاث مرات وأنا أشوفهن .. حتى إنهن يتقامزن ويرقصن على صدري .. يا حليلهن ... “ .. قالت من نفس الغرفة “ متأكد يا رجّال ؟ “ .. قال “ ايه .. شلون متأكد ...” .. فجاءت تمشي وترقل “ لا يهمّك .. تراها أضغاث أحلام يا بن الحلال .. مكتوب إن تفسيرهنن السمكة الملوّنة تعني كفّ .. يعني إذا صدق حلمك فإنت تتلقى ثلاث كفوف .. ثلاث طراقات .. وتراك تستاهل عشرين كفّ .. انس الموضوع ...” .. فبدأ هو يتبسم .. وقبل ما يمشي إلى شغله سألته “ متأكد يابن الحلال إن السمك اللي تصيده ملوّن ؟ “ .. “ ايه .. يا بنت الحلال .. حتى إن الأولى لها خديدات مثل خديداتك .. سبحان الله وخشيمها مثل خشيمك .. وفيمها مثل افيمك ...” .. فشعرت بماغص شديد .. و صارت تفرك يديها وهي تقول “ يالله عنك الكذب ... أخاف تكون صايد ضفادع بس ناسي “ .. خرج لسيارته وهو يضحك .. لمّا وصل إلى مكتبه رنّ التلفون .. أم تركي “ إنت متأكد إن السمك ملوّن “ .. “ ايه متأكد “ .. بعد نصف ساعة .. رنّ التلفون “ إنت تقول إن السمكة الأولى تشبهني .. طيّب والثانية والثالثة ؟ يشبهوني ؟ “ .. “ لا .. أزين بفارق كبير .. أمّا الثالثة يا زينها ... ليش ؟ ليش تسألين ؟ “ .. “ لا .. خلاص ولا شيئ “ .. بعد عشر دقائق ترررررن .. ترررررن .. ترررررررن .. ترك التلفون يرن حتى انقطع .. بعد دقيقتين .. تررررررن.. تررررن .. “ هاه وش عندك أبلشتيني ؟ إنت عندك دروس ..” .. قالت “ لا .. أنا في البيت .. كلّمت أبلى موضي واعتذرت .. قلت لها إني مسيخينة اليوم ولا أقدر أجي .. لكن إنت لمّا شفت حلمك .. طبعا شفته قبل الفجر .. عشان كذا تراها أضغاث أحلام ... ما تسمى رؤيا .. لو كنت مصلّي الفجر .. ممكن تصير رؤيا ..” .. “ يا بنت الحلال كنت مصلّي الفجر .. وإنت نايمة رحت سبحت وصليت .. حتى أذكر إني نايم على جنبي الأيمن .. وقارئ آية الكرسي .. ودعاء النوم .. وش فيكي مختبّة ومرتبكة ؟ .. فيه شيء ؟ “ .. قالت “ لا .. أبد “ .. وقطعت الكلام من دون سلام .. وجلس هو يضحك .. ويكلّم نفسه “ يا حليلك يا أم تركي طيّرت عقلك “ .. بعد ربع ساعة رنّ التلفون فضحك هو وسجع يغنّي “ ليت التلفون من لمّك ما ينقطع يا بعد روحي .. “ ألو .. وش عندك بعد ؟ “ .. قالت “ شف أبغاك تستأذن وتجي للبيت .. أبغاك تجي وتنام .. أتحدّاك تشوف الحلم من جديد .. تعال هالحين .. “ .. “ ما أقدر أطلع هالحين .. يا روحي .. عندي شغل كثير .. وإنت تشغليني أكثر بهالمكالمات .. الظهر أنام .. آخذ غفوة .. ونشوف .. يالله مع السلامة “ .. قطع الخط وهي تتكلّم ..
ما طلع من شغله إلا وهي تكلّمت معه ثمان وعشرين ألف مكالمة .. نام الظهر وهي جالسة عند فراشه تنتظره يقوم .. بعد ساعة ..أوّل ما شافته حرّك جفونه .. قمزت على صدره “ هاه شفت الحلم ؟ “ .. “ بسم الله الرحمن الرحيم .. خرّعتيني وخوفتيني .. ايه شفته .. لكن ضيّق صدري .. السمكة الثانية والثالثة عقدن حلف ضد السمكة الأولى .. كل ما جيت أبوس الأولى يقمزن الثانية والثالثة ويحلن بيني وبينها .. وضاق صدري لأني أحبها .. صحيح إنهن أزين منها لكن أحبها هي أكثر .. لأنها سمكة حبيبة ...” .. فقامت تستدير في الغرفة .. وراحت للصالة وللمطبخ ورجعت للغرفة وهي قلقة .. قلقة ؟ إلا قل يا بو هايس محترقة .. المهم .. بدت أمورهم .. أو أمورها بشكل خاص .. تتلخبط .. ودخلوا في حوسة .. وصارت حياتهم خيطي بيطي .. إذا تعطّر سألته “ ليش متعطّر ومتطيّب ؟ وين رايح ؟ “ .. إذا شخّص سألته “ ليش مشخّص ؟ وين رايح ؟ “ .. مع إنّه لبسه عادي .. ولا هو مشخّص ولا يحزنون .. إذا شافته يمسح جزمته تقول وهي تحترق “ما شالله .. حتى الجزمة مهتم فيها .. على وين انشالله ؟ “ .. إذا سمعته يصفّر أو يغنّي تحترق المسكينة .. وصارت إذا شافته يسمع أغاني .. وفي الأغاني شوق وحنين .. وخاصة إذا هو يغنّي مع المغنّي .. ما تقدر تتنفس من الغيظ .. صارت تتابعه .. وين ما راح .. ولدها تركي عمره خمسطعش .. يعرف يسوق لكن ما معه رخصة .. جعلته يأخذ سيارة السواق .. وتتابع هي و ولدها أبوهم .. من شارع إلى شارع .. حتى إنها أحيانا تتصل فيه وتسأله فين هوّا .. في أي مكان .. في أي شارع .. مع أنها تشوفه وتعرف .. بس حتى تتأكد .. إذا هو يكذب عليها .. في إحدى المرّات راح للبر .. وراحت هي و ولدها خلفه .. يراقبونه .. وصلت إلى أنه راح للدهناء في رحلة صيد .. فتركت أطفالها عند أهلها وراحت تتبعه ..
حلف لها بكل الأيمان .. وأقسم لها على المصحف الكريم أنه كان يمزح .. فخف غيضها وقلقها لكن مؤقتا .. كل ما تشوفه متزيّن وكاشخ تزيد نارها .. شغّلت كل راداراتها .. وشغّلت جواسيس .. وكوّنت إرشيف لكل معارفه وأصدقائه .. تواريخهم .. وأعدادهم .. ومين اللي عنده بنات .. ومين اللي ممكن يزوّج بنته لواحد متزوج .. جمعت معلومات هائلة ومفصّلة ودقيقة .. حتى إنها طلبت منه في إحدى المرّات أن يرسم لها السمكتين الثانية والثالثة .. حتى تروح تبحث .. مين من الحريم اللي تشبه السمكتين .. قال لها “ يا بنت الحلال أمزح .. ما صدقتيني وأنا مقسم لك على القرآن إني أمزح ؟ .. لا تصيرين خبلة .. عسى ما عادت هالمزحة.. إنا لله ..جبناها طرب وصارت نشب ... “ .. وحتى تطفئ نارها .. حاولت أن تعمل به مقلب .. ولكن هاذي حكاية أخرى ..

afahead@hotmail.com