أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/248.jpg?v=1768301416&w=220&q=100&f=webp

محمد الساعد

القواعد العسكرية.. عقلية الرفض العربي لماذا يحرّم هنا ويحلّل هناك..؟!

وجود القواعد العسكرية الأجنبية في البلاد العربية هي من أكثر القضايا المثيرة للجدل-شعبياً، ونخبوياً-، وتبرز عند كل تحديات وجودية تصاب بها المنطقة.

المثير أنها توظف للهجوم على دول الخليج تحديداً، بالرغم من قدم التعاون العسكري بين كثير من الدول الغربية من جهة، والعربية الجمهورية والملكية من جهة أخرى.

ولكن قبل ذلك لنعد إلى تاريخ نشوء القواعد العسكرية الأجنبية في التاريخ الإنساني، إذ كان الرومان هم أول من «قنّن» القواعد الأجنبية كأداة للتعاون العسكري بين الدول، ثم جاء الخليفة عمر بن الخطاب ليضع قواعد عسكرية متقدّمة لتثبيت الفتوحات العربية خارج الجزيرة العربية، لتكون مراكز سيطرة متقدّمة وإدارة عسكرية للإسناد وتثبيت الأمن في «الأمصار» الجديدة التي تم ضمها لدولة الخلافة.

في العصر الحديث تنوع التعاون العسكري العربي؛ بين قواعد أمريكية، وفرنسية، وبريطانية، وروسية، وسابقاً للاتحاد السوفيتي، الذي كان له قاعدتان بارزتان الأولى في الإسكندرية بمصر بعد عام 1961م، وتعمق عقب هزيمة 1967م، كجزء من تعاون استراتيجي لتوفير الدعم العسكري، حتى بلغ التواجد السوفيتي ذروته بإرسال نحو 20 ألف جندي وخبير سوفيتي لحماية العمق المصري وتشغيل بطاريات صواريخ الدفاع الجوي.

في سوريا البعث -الحليفة لإيران حينها- والمحسوبة على الجمهوريات العربية الأكثر عداء للغرب، وقبل سقوط النظام؛ كان للروس قاعدتان عسكريتان؛ الأولى قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية، التي تأسّست على عجل العام 2015م، إثر الخشية من سقوط النظام، تلاها قاعدة عسكرية بحرية في ميناء طرطوس، ولعل الملفت أنها قواعد مجانيّة وبفترة تمتد لخمسين عاماً تقريباً.

المفاجئ أن هناك قاعدة عسكرية أمريكية في لبنان - لا تزال تعمل لليوم- تحت اسم قاعدة «حامات الجوية» لا تبعد عن مراكز نفوذ «حزب الله» إلا بضعة كيلومترات، وهو الحزب الذي يُقدّم على أنه رأس الحربة في العداء للغرب، وهو نفسه من يدعم الهجوم على دول الخليج بحجة وجود قواعد أمريكية!

العراق لديه تعاون مثير مع الجيش الأمريكي، ويحتضن قواعد عسكرية أمريكية عدة لا تبعد كثيراً عما يسمى بمليشيات الحشد الشعبي، إلا أن الحشد يهاجم القواعد في الخليج ويتغافل عن القواعد المحيطة به.

بالمجمل هناك شبكة معقدة ومتشابكة من القواعد والتواجد الغربي والشرقي في المنطقة العربية، لكن هناك تغافل متعمد عما يوجد في الجمهوريات العربية، في مقابل تضخيم واستعداء من النخب وحتى من الشارع العربي، لما يوجد في بعض الدول ذات الأنظمة الأميرية والملكية، بهدف التشويه، وحتى للابتزاز السياسي والشعبوي.

بالطبع التعاون العسكري واستخدام المطارات، وتخصيص مدرجات للطائرات بين الجيوش العربية - بلا استثناء- والجيوش الغربية، موجود وبكثافة، وهو أمر سيادي لا يعيب تلك الدول.

لكن الإشكالية هي في نمط التفكير العربي الذي يعتقد (أن ما يفعلونه مبررٌ وحلالٌ عليهم، ويرونه معيباً ولا يجوز لغيرهم).

لعل السؤال المهم: لماذا تذهب الدول للتعاون واحتضان قواعد عسكرية في بلدانها؟

أولاً: أن وجود قواعد لدول عظمى (مثل أمريكا وبريطانيا، وفرنسا) يمثل رادعاً تلقائياً لأي قوة إقليمية تفكر في تهديد أمنها، وللحفاظ على تنميتها التي بنتها لشعوبها.

ثانياً: سد الفجوة التقنية والتدريب العالي، وهو ما ثبت نجاحه في صمود دول الخليج أمام الهجوم الإيراني عليها. فهذه الدول لم تنهر، ولم تهرب شعوبها، ولم تعلن حتى حالة الطوارئ القصوى، بسبب قدراتها العسكرية وأنظمة التسليح المتقدمة لديها.

ثالثاً: أن تقييم العرب لإمكاناتهم العسكرية مبالغ فيه جداً، ولذلك من المهم التعاون مع أهم وأفضل الجيوش في العالم، فالجيوش لا تقاس بالمانشيتات الصحفية بل بإمكاناتها الحقيقية، ولذلك توجهت دول الخليج إلى إبرام اتفاقيات وتعاون وتدريب عسكري مع جيوش متقدمة في العالم (أمريكا، بريطانيا، فرنسا)، وثبت نجاح ذلك التعاون في الحرب الإيرانية الأمريكية، فالثبات العسكري الذي أبدته البحرين -على سبيل المثال- بالرغم من أنها أصغر تلك الدول جغرافياً وعسكرياً، أهم من تاريخ كثير من الجيوش العربية على مدى العقود الماضية.

كثير من الدول العربية التي تسعى لتطوير جيوشها مثل «مصر» وهي تمتلك جيشاً محترفاً، تجري تدريبات عسكرية مع الجيش الأمريكي بشكل سنوي للرفع من قدراتها العسكرية، وتعد مناورات «النجم الساطع» (Bright Star) من أهم التدريبات العسكرية المشتركة بين الجيشين المصري والأمريكي، وتهدف التدريبات لتعزيز الشراكة الاستراتيجية ومواجهة التحديات الأمنية المشتركة في المنطقة.

لذلك فإن الجيوش هي في نهاية الأمر مؤسسات -مثل الجامعات، والكليات والمعاهد- تبحث عما يفيدها وينمّي من قدرات أفرادها، ولذلك تبرم اتفاقات وتستضيف قواعد عسكرية، ولا يعيبها ذلك، بل إن الخسارة الفادحة هي ترك التحالفات العسكرية المفيدة، بحجج ينقضها أول من ينتقدها.

00:05 | 26-03-2026

عقود العمل لا تتضمّن كراهية الخليجيين !

خلال العامين الماضيين أسّست أكبر دولة ديموقراطية «سابقة في القانون الدولي» تقول إن أي طالب أو مهاجر للعمل؛ ولا يحترم الخيارات السياسية الأمريكية فإن مصيره الترحيل أو حتى المحاكمة، مقررة أن فعله ذلك يضر بالأمن القومي الأمريكي.

لم يكن «عوام» العرب الذين هتفوا لصالح إيران، وبالموت لعرب الخليج مدركين لحجم الضرر الذي يرتكبونه في حق علاقتهم بجيرانهم الخليجيين، فالهتافات لا تؤكل عيشاً ولا توفر وظائف، بل توغر الصدور وتلغي فرص العمل.

بالتأكيد أن الهتافات - الحديثة- وإظهار العداء لم يكن منقطعاً عن آراء الطبقة السياسية والمثقفة في بلدانهم، الفرق أنهم صرحوا بما يقوله السياسي في الغرف المغلقة، ويُنظِّر له المثقف القومجي أو الإسلاموي أو اليساري في مقالاتهم وأدبياتهم التي نشروها طوال عقود.

يجب أن نعترف بدلاً من التغاضي، أن هناك بُنية تحتية ضخمة من الدعاية السوداء ضد الإنسان «السعودي والكويتي والقطري والبحريني والعماني والإماراتي» أطلقتها إذاعات وصحف عربية - ولا تزال- من بغداد إلى المحيط الأطلسي.

نحن لا نتحدث عن عمل منفرد هنا وهناك، بل تحوّل الضخ الإعلامي المضاد لإنسان الجزيرة العربية؛ كبيراً جداً لدرجة تحوّل الدعاية من فعل صوتي إلى أعمال إرهابية على الأرض، فالسعوديون والكويتيون والإماراتيون على وجه الخصوص تعرّضوا من الستينيات حتى منتصف التسعينيات - لأعمال إرهابية في بلدانهم أو مصالحهم حول العالم قتلت وفجّرت وأضرت بهم.

الهتافات التي انطلقت العام ١٩٩٠م، إثر احتلال العراق للكويت فضحت ما هو أبعد من ذلك، فهي لم تكن موجّهة لمصالح معينة ولا لقيادات سياسية، بل كانت أول إشهار للسلاح في وجه شعوب الخليج العربي، وتمني القضاء عليهم.

فقد دعا «شوارعية» بعض العواصم والمدن العربية إلى إحراق الخليجيين بالكيماوي، هذه ليست خلافات سياسية بل دعوة إلى إبادة جماعية، المظاهرات استمرت لأسابيع، وكان الفرح العارم ينتشر في الشوارع والحلوى توزع في المقاهي مع كل صاروخ يسقط على المدن الخليجية.

أبناء وأحفاد الذين خرجوا للشوارع العربية، هم من ينتشر اليوم في المعامل والمصانع والوظائف الجيدة في دول الخليج.

والبعض منهم -حتى لا نقول الكثير- يتمنون انهيار دول الخليج وتعرّضها لأكبر أذى من تأثيرات الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية.

المؤكد أن ملايين من عقود العمل التي يبرمها العمال العرب مع المؤسسات والشركات الخليجية لا تتضمّن السماح لهم بالعمل السياسي، ولا نشر آرائهم المضادة لقيادات وخيارات دول الخليج، لقد جاءوا لهدف معين (تعمل واتخذ مقابل عملك)، وإذا كان العمال - عرباً أو غيرهم- لا يستطيعون ترك آرائهم السياسية، وأمنياتهم بالموت والضرر للخليجيين خلفهم فعليهم البقاء في بلدانهم.

دول الخليج لا تتحمّل أن يكون لديها عدوان، خارجي يقصفها بالصواريخ والمسيّرات، وداخلي يروّج لدعايات مسمومة، وربما يتحرك على الأرض لو وجد أي ضعف أمني، وهو ما لا تنساه الذاكرة الخليجية عندما انقلب العاملون العرب على الكويتيين، بعدما انهارت المنظومة الأمنية إثر الاحتلال العراقي.

نحن هنا لا نتحدث عن ترف الخيارات، فحتى أعرق الدول الديموقراطية، لم تعد تقبل وجود من يهدّد أمنها الاجتماعي، فألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبولندا قامت بترحيل موظفين وطلاب ورجال أعمال روس بعد اندلاع الحرب الأوكرانية الروسية، والأمريكان دخلوا الجامعات والمعامل والمصانع واستخرجوا المعارضين للسياسات الأمريكية ورحلوهم فوراً.

سياسات الدول في الملمات الكبرى لا تقبل أنصاف الحلول ولا أرباع المواقف، ولا خطابين متضادين، ولا رسائل متذاكية.

الازدهار الخليجي لم يقف عند البنايات العالية ولا الشوارع الحديثة ولا الحياة المريحة، بل كان هناك ارتحال سياسي من التغافل والتغاضي إلى ما يمكن تسميته (موقف بموقف) كما تقدّم تأخذ، وهي تطبّقها في علاقاتها مع شركائها الغربيين الذين قدّموا المعرفة والتقدّم العسكري والتكنولوجي، ومع ذلك تقف دول الخليج بعقلانية أمام مصالحها، فما يخدمها تقبل به، وما يضرها لا تقبله وترفضه والدلائل كثيرة.

00:05 | 23-03-2026

حلف «البروتستانت الإسلاموي».. البديل السري للإسلام !

منذ انتهاء تأثير التيارات القومية والشيوعية واليسارية والبعثية في العالم العربي لم ينشأ مشروع أيديولوجي في خطورة مشروع «البروتستانتية الإسلاموية»، الذي يتم ترويجه وتسويقه بضراوة كمشروع سياسي للمنطقة، ليس لخطورته العقائدية بل لخطورته المركبة، فهو مغلّف بالسياسة والتسامح والسلام، بينما هو في غايته عقائدي تدميري، يسعى صانعوه لهدم المنطقة؛ وإعادة بنائها على دين وجغرافيا ودول جديدة.

ما يشهده الإقليم العربي منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر ليس خلافاً سياسياً، ولا ملفات عالقة يمكن حلها، بل كانت انخراطاً في مشاريع قوى غربية –متطرفة– خاصمت الدول العربية الكبرى، واعتبرتها عدواً؛ لأنها مستقلة وصلبة ولا تسمح بتمرير أجندات التفتيت والتمزيق، خاصة «السعودية – مصر – سوريا».

جاء غزو العراق 2003م، ثم «الفوضى الخلاقة» التي أُجهِضَت في قمة شرم الشيخ 2005م، ثم موجات «الخريف العربي» لهدم الدولة العربية في شكلها المستقل الذي نشأ قبل مئة عام، ثم التحوّل لبناء علاقة مع مليشيات وتنظيمات، تُقدم «حفتر، والحوثي، والجنجويد، وقسد»، لتكون بديلاً عن الدولة العربية المركزية.

لكن مع استعادة بعض الدول العربية عافيتها، تقدّمت مشاريع أخرى للتفتيت والفوضى، بالاتفاق بين دول وظيفية وقوى غربية متطرفة، على رأس تلك المشاريع تدمير المرجعيات الدينية الإسلامية التقليدية ونسفها، واستبدالها بمرجعيات جديدة.

لكن قبل ذلك لعلنا نستعيد أسباب نشوء الحركة البروتستانتية في القرن السادس عشر (تحديداً عام 1517م)، لنفهم لماذا يتم تقديمها كبديل «إسلاموي» تحت شعارات سياسية ودينية لها كعبة جديدة.

نشأت الحركة البروتستانتية في ألمانيا على يد الراهب أستاذ اللاهوت مارتن لوثر، لتكون مذهباً بجانب الكاثوليكية والأرثذوكسية، المذهبان المسيحيان اللذان دخلا في صراع فكري طويل دام قروناً طويلة، استندت البروتستانتية المسيحية على «أيديولوجيا»، بينما تُبنى «البروتستانتية الإسلاموية» لهدم الإسلام برمته، وعلى طموحات سياسية عابرة غير واقعية، يظن من ابتكرها قدرته على بيعها في سوق الأوهام، لتأتي كبديل للسنية والشيعية، وتزيح نفوذهما.

لقد صدّقَ بعض القافزين في الهواء -ممن لم يقرؤوا إمكاناتهم جيداً- قدرتهم على هدم دور السعودية، كونها المرجعية العربية والإسلامية السنّية الكبرى في العالم، ثم تعهدوا بحماسة أمام القوى الشريكة لهم في الغرب على تقديم مشروعهم البديل «البروتستانتية الإسلاموية»، ودعمه عسكرياً وإعلامياً، ليأخذ مكان الإسلام السنّي، الذي عدوه العائق الأكبر أمامهم كدول طفيلية بلا تاريخ سياسي ولا مرجعية ثقافية أو دينية.

مشروعٌ ديني لم يفهموا أنه نشأ بسبب ظروف خاصة لا يمكن استنساخها في العالمين العربي والإسلامي.

لقد ظنوا أنه قادر على الانتظام داخل الثقافة العربية، وإزاحة الإسلام السنّي، في منطقة لا تقبل غير مكة والمدينة كمرجعية دينية، لقد كان غروراً مركباً سرعان ما تهاوى مع أول اصطدام.

من يفكك الهجوم الممنهج للصحافة الغربية الصفراء –اليوم- سيفهم أن هناك «كرة ثلج» يتم بناؤها بعناية لاغتيال السعودية معنوياً، ومن ثم شيطنة «مكة والمدينة» لأنهما أيقونتا المشروع السني، واستبدالهما بكعبة وعقيدة جديدتين.

هذه ليست خلافات سياسية بين دول المنطقة، ولا سباق نفوذ كما يتوهم البعض، هذه حرب وجودية، أدواتها الحرب بالوكالة ودعم المليشيات، والإعلام والتحالفات المشبوهة، والترويج لعقائد وديانات مشبوهة، في محاولة لهدم الإسلام السنّي ومرجعياته في مكة والمدينة كما عرفه العالم منذ 1400 عام، واستبداله بـ«بروتستانتية إسلاموية»، ولذلك من المفيد في أحيان كثيرة حدوث الأزمات؛ لأنها كاشفة وترفع غطاء التغافل والتسامح.

23:59 | 1-02-2026

لن تصبح الموانئ مدناً.. ولن تتحوّل المليشيات دولاً!

في منطقة متخومة «بالنفط والمال والطموحات»، لم يكن تحوّل التنافس الاقتصادي من التفوق والتميّز النسبيين وتعظيم الموارد، إلى بناء منظومات للتطويق والتفتيت وإنهاء الوجود «تحوّلاً مقبولاً»، بل كان انكشافاً لطموحات غير منطقية غذّاها تقييم غير واقعي للإمكانات والقوة والعمق والنفوذ.

«تقييمٌ» وزن بالمال فقط، في إغفال واضح للعمق الجيوسياسي، والإمكانات الممتدة لجوار يمتلك التاريخ والسياسة وثقافة الدولة، ولذلك فإن معادلات وتوازنات القوة لا ترجح بالمال وحده أبداً.

كان المنطق السائد في دول الخليج وبقية دول الإقليم خلال عقود ما بعد النفط، يدفع نحو ضخ الأموال في بناء المنجزات الاقتصادية والتنموية المحلية، لكن اقتصاد النفط لوحده تغيّر، وتحوّل سباق التنمية الداخلية والاقتصاد الأبوي، إلى تنافس على التجارة والسياحة الدولية، وأصبح كل دولار يمر بالمنطقة هدفاً مشروعاً، خاصة مع مخاوف محقة من تراجع مساهمة البترول أو انخفاض أسعاره أو حتى انتهائه.

ولم يكن ذلك بالأمر السيئ، فتنويع مصادر الدخل وخفض الاعتماد على النفط أمر إيجابي ويساعد في تفوق الجميع.

لكن الذي لم يفهمه البعض، هو أن التنافس لا يشرع لك إنهاء وجود المنافسين الآخرين أو التقليل من قيمتهم أو أخذ مكانتهم، أو تهديد فضائهم الأمني.

حتى ولو كانت الأموال متوفرة والصناديق ممتلئة، فهذا لا يبرر تغذية الطموحات العابرة للحدود غير المبنية على عمق سياسي، أو جغرافي، ولا حتى ثقافي، وخلال العقود الخمسة الماضية كانت هناك تجارب قدّمت الطموح المفرط على الواقعية وباءت بالفشل.

فلم يستطع المال أن يخلق نفوذاً حقيقياً لمعمر القذافي! صحيح أن كثيراً من الأفارقة واليسار العالمي، وكوادر التنظيمات والمليشيات كانوا يحجون إلى طرابلس الغرب، ويلقون بين يديه خطب المديح ويستعرضون إنجازاته الضخمة، لكن أبداً لم يكونوا صادقين.

لقد وصل الأمر بالقذافي إلى أن يحاول منافسة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، فبنى كعبة في مدينة سبها الليبية أول السبعينات الميلادية، ووضع للعالم كتاباً أسماه بـ«الأخضر» حاول مقاربته مع الكتب السماوية، لكنه لم يكن نبياً، ولم يصبح كتابه قرآناً.

على مستوى آخر من الطموح الخلاق سنجد أن دول الاتحاد الأوروبي تتنافس فيما بينها، وتحاول كل منها التفوق على نفسها وعلى فضائها من أجل مصالحها ومصالح شعبها، لكنها ومنذ الاستقلال وانتهاء الحرب العالمية الثانية، لم تسعَ إلى تفتيت أو إنهاء وجود شركائها في الاتحاد الأوربي.

عندما تنجح في إدارة ميناء، أو مطار، أو مول، أو ممشى للسياح، فهذا لا يعني القدرة على إدارة جغرافيا ممتدة من كابل إلى صحراء مالي، إنها قفزة في فضاء سحيق، وستكون النهاية مؤلمة، فلا الظروف الحالية ولا موازين القوى تشبه ظروف إنتاج شركة الهند الشرقية التي كانت ذراع بريطانيا الاستعماري.

ولعلنا نُذكّر بدور شركة الهند الشرقية الاستعماري، ولماذا يرفض الجميع تكراره اليوم.

فقد نشأ الطموح تحت مسمى شركة تحتكر تجارة التوابل والحرير والشاي والقطن بين إنجلترا وبلدان آسيا، ثم تبعها إدارة الموانئ لصالح الإمبراطورية البريطانية، لكن الشركة تحوّلت تدريجياً إلى قوة سياسية وعسكرية عابرة، امتلكت جيشاً خاصاً وأساطيل بحرية ومارست الحكم المباشر على مساحات شاسعة من دول دخلتها كشركة لا كمستعمر، غير أن سياساتها الاستغلالية، وفرض الضرائب القاسية، وسوء الإدارة، أسهمت في اندلاع الثورات ضدها، ما دفع التاج البريطاني إلى حلها.

لذلك؛ مخطئ من يظن أنه قادرٌ على استنساخ شركة الهند الشرقية البريطانية مرة أخرى، وعلى تحويل عقود إيجار الموانئ إلى صكوك ملكية للشعوب والدول.

إن قبول فكرة التنافس لا التصادم والتقييم الواقعي للحجم والإمكانات هي أولى خطوات الحل في الإقليم، وعلى من يعتقد أن العملاق السعودي نهض؛ لكي يتعثر مخطئ جدّاً في تقديراته، ومن يظن لوهلة قدرته على بناء «هلال من المخاطر» لتقليص أو تهديد الفضاء الأمني السعودي يرتكب أعظم الخطايا.

لقد قال ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في أحد لقاءاته، إنه لن يسمح لأحد مهما كان أن يعيق رؤية السعودية وطموحها المشروع لبناء المكانة التي تستحقها، مكانة تجمع ولا تفتت، تتعامل مع الحكومات -مهما كان الخلاف معها- لا مع المليشيات، وهذه سياسات «سعودية» لا تنفى ولا تأتي من العدم.

23:59 | 21-01-2026

السعوديون.. سياسة نزع الخناجر !

منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر والمملكة العربية السعودية تواجه أخطاراً جسيمة لا تتوقف، انخرطت فيها قوى دولية وإقليمية ودول وظيفية، واستخدمت فيها منظمات وتنظيمات عابرة، وحملات تشويه إعلامية ودينية منسقة، لقد كان الهجوم وما تلاه من مؤامرات فخاً كبيراً حاول منفذوه ومخططوه إغراق المملكة العربية السعودية في تداعياته.

لم تكن الرياض غافلة عن المؤامرات التي توزعت على محاور عدة، إلا أنها ومع استخدام سياسة الصبر الطويل الذي انتهجته طوال تاريخها، بدأت في نزع الخناجر من أيدي أعدائها واحداً تلو الآخر، وأبطلت الحجج والمؤامرات في معاقلها.

أولاً: لم يكن الهدف الرئيسي من أحداث الحادي عشر من سبتمبر إلا تدمير التحالف الأمريكي السعودي، ودفع «الغول الأمريكي الجريح» لينتقم من المملكة ويهاجمها عسكرياً، لكن تلك الخطة فشلت بعدما استطاعت الرياض نزع فتيل الأزمة وتفكيكها وفضح أدواتها.

ثانياً: اغتيال قيادة المملكة: لم تمضِ سنتان على فشل أحداث سبتمبر في التأثير على السعودية حتى قرر أعداؤها، وعلى رأسهم «معمر القذافي» وحلفاؤه، الانتقال إلى مرحلة أخطر، ألا وهي اغتيال مباشر لرأس القيادة السعودية بالتعاون مع تنظيمات إرهابية عابرة، معتقدين أن السعودية بلد رخو يمكن اختراقه أمنياً، لكن فشلت الخطة وكشفتها الأجهزة الأمنية المحترفة.

ثالثاً: اغتيال المجتمع السعودي والدفع نحو انهياره من الداخل بعدما فشل في تدميره من الخارج، عبر خلق صدامات فكرية عنيفة بين ما يسمى ليبراليين وإسلاميين، سنة وشيعة، رجالاً ونساء، قبائل وأسراً، تهريب الفتيات، وإغراق الشباب بالمخدرات، وبناء معارضين في الخارج، وتوظيف القضايا المجتمعية مثل قيادة السيارة وعمل النساء، والفنون، لتهيئة أجواء الفتنة وانتظاراً لحالة سيولة تدفع فيها البلاد ثمناً غالياً.

رابعاً: الفصل بين القيادة والمجتمع، لعل أكثر ما يؤلم المخططين لإيذاء السعودية، هو فشلهم في الفصل بين القيادة السعودية ومجتمعها، لقد كان للإعلام التقليدي في الأربعينات والخمسينات وما تلاهما وصولاً إلى وسائل التواصل الاجتماعي دورها الكبير في تغذية تلك الأمنيات، لكنها فشلت –جميعاً- بسبب الالتفاف الشعبي الثابت والصلب من السعوديين حول قيادتهم.

خامساً: استغلال الخلافات السياسية في الإقليم، والدفع نحو صدامات بين المملكة وجوارها، وبناء سور من الأعداء يتحالف ضدها، لقد كانوا يحقّقون من اللعب على الثنائية بين السعودية وإيران، والسعودية وتركيا –على سبيل المثال- مكاسب مؤقتة، حتى صفّرت الرياض تلك الخلافات وحولتها إلى علاقات ومكاسب متبادلة، فلم تعد -الأنظمة الوظيفية- قادرة على الاستعداء أو المقايضة.

سادساً: محاولة دائمة لاستغلال القضية الفلسطينية ضد المملكة، لكن الرياض كما العهد بها بقيت وفية لفلسطين ولم تفرط في الحق أبداً، برغم التخوين الذي تعرّضت له، ولم يكن آخر إنجازاتها جمع العالم كله تحت سقف واحد للاعتراف بدولة فلسطين.

سابعاً: في اليمن التي حاول كل أعداء السعودية استغلالها لتكون قاعدة متقدمة لهدم المملكة، استطاعت الرياض الإبقاء على عروبة اليمن، وتحييد الأخطار، وقوّضت المشاريع واحداً تلو الآخر، فلا تقسيم ولا مليشيات ولا مخازن للسلاح، بل دولة يمنية موحدة تنتصر لكل مكوّناتها المجتمعية.

ثامناً: لم تكتفِ الأنظمة الوظيفية بتلك المؤامرات، بل قامت بمحاولة توظيف بعض من نخب ثقافية وصحفية وشعرية في الخليج والإقليم والعالم وإغراقهم بالأموال لتوظيفهم ذات يوم ضد المملكة، كان الجميع يعلم أن تلك الأموال لم تعط من أجل العطاء فقط، بل كانت تلحقها «عمالة قسرية» من خلال المشاركة في لعبة التشويه المتعمد لسمعة الوطن الأم.

تاسعاً: لقد كانت محاولة اغتيال الشخصية السعودية وتشويهها وتنميطها ونبذها داخل محيطها الخليجي ثم العربي هي آخر مراحل الاستهداف، فقد كان يؤذيهم جداً أن المجتمع السعودي يحمل قيماً حضارية عربية وسلوكاً إسلامياً متجذراً، ولذلك سعت الأنظمة الوظيفية إلى تشويه سمعته وتقديم نفسها بديلاً، رغم فراغها من أي قيم حقيقية.

لم تكن السعودية طوال تاريخها وصولاً إلى الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بعيدة عن فهم المؤامرات ولا حجمها ولا أهداف مشغليها، لكن «السعوديين الدهاة» كانوا يستلهمون مبدأ الملك عبدالعزيز في التعامل مع خصومهم: (إني جعلت سنتي ومبدئي أن لا أبدأ أحداً بالعدوان، بل أصبر عليه وأطيل الصبر على من بدأني بالعداء، وأدفع بالحسنى ما وجدت لها مكاناً، وأتمادى بالصبر حتى يرميني البعيد والقريب بالجبن والضعف، حتى إذا لم يبقَ للصبر مكان ضربت ضربتي فكانت القاضية).

إن نزع الخناجر من خواصر المملكة لم يكن بالعمل اليسير إطلاقاً، فبعضها جاء من أصدقاء وحلفاء وأشقاء، فضلاً عن حلف الأعداء، لقد أسقطت «الرياض» كل تلك المؤامرات، ونزعت كل تلك «الخناجر»، وعرَّت الدول الوظيفية التي لم تعد قادرة على إدارة علاقتها بالسعودية والسعوديين، فضلاً عن إدارة أزمات جديدة توجّه ضدهم.

00:07 | 12-01-2026

قراصنة عدن!

لم يكن انقضاض قراصنة عدن في العام 1991م، على حركة إمدادات الطاقة في بحر العرب وخليج عدن حدثاً عادياً، بل كان إنذاراً لمستقبل منطقة لم تستقر منذ مئة عام، وهو يقول بصريح العبارة إن عصر القراصنة كما عرفناهم طوال التاريخ لم ينتهِ مع ظهور الدولة الحديثة، بل إن بقاياه لا تزال في خلايا البعض، وإن خطرهم لايزال حاضراً، وإن من عاش على القرصنة في البحث عن نفوذ ومال لن يتوقف، وستصبح هناك أشكال من القرصنة، لكنها في نهاية الأمر قرصنة.

نشطت عمليات قرصنة المليشيات الصومالية، في أعقاب انهيار الدولة الصومالية، وبالرغم من أن ذروتها كانت بين عامي 2007 و2011، إلا أن جذورها التي تعود إلى مليشيات صومالية كانت حجر الأساس لظاهرة استمرت لليوم، وإن اختلفت أشكالها من قرصنة على السفن إلى قرصنة على الدول.

في أوائل التسعينات وظّفت بعض الحركات الانفصالية (مثل الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين والحركة الوطنية الصومالية)، «القرصنة» على السفن التجارية كرسائل سياسية للضغط على خصومهم أو منع وصول الإمدادات لموانئ دولية بهدف الحصول على فديات.

انطلقت هذه الجماعات الانفصالية المسلحة بشكل رئيسي من القرى الساحلية في الصومال، وكانت مناطق مثل بونتلاند (في الشمال الشرقي) وكيسمايو (في الجنوب) مراكز انطلاق رئيسية، لاحقاً وظّفت «حركة الشباب» الانفصالية هذه النشاطات لفرض أجندات سياسية على فضائها الإقليمي والدولي، لكن تبعاتها لا تزال لليوم، فهي لاتزال منقسمة، وبلا أي أمل في العودة إلى ما كانت عليه دولة مستقلة ذات سيادة.

تزامن ظهور القراصنة 1991م، مع حرب تحرير الكويت التي كانت قائمة حينها، وكأن الإقليم في حاجة إلى أزمة أمنية أخرى، وفي المنطقة بين سواحل الصومال وبحر العرب احتل القراصنة خليج عدن، وعاثوا فيه فساداً، وتوقعوا أنهم سيكونون أسياده، نعم هدّدوا السفن التجارية، واعتقدوا في لحظة نشوة عابرة إنهم سيتحكّمون في خطوط التجارة الدولية ويفرضون دولة على أساس مليشياوي، لكن أمواج السياسة الدولية ابتلعت المشروع القائم على فكرة فرض أجندة القراصنة، فلا يمكنك أن تتصادم مع المحيط الدولي مهما كانت قدراتك.

هذه مقاربة لما تقوم به – حالياً- بعض العناصر المسلحة في اليمن والتي استلهمت نشاطها من دليل القرصنة الصوماليين، لكنها نقلت نشاط القرصنة من «خليج عدن» إلى «بر عدن»، فاستولت على قرى ومدن، واستباحت سكاناً محليين يختلفون تماماً عنهم وعن امتدادهم، لكن كعادة القراصنة، ليس مهماً – عندهم - ما ترتكب، المهم ما تجني، ولمن تجني.

يبدو أن استخدام سياسة القراصنة وتوظيفها لبناء النفوذ هي عدوى تنتقل من مكان إلى آخر، فمن «عاش بالقرصنة» سيبقى قرصاناً حتى لو تجمّل بألف رداء، ومحاولة اختطاف القرار اليمني، ومحاولة اختطاف الرئيس اليمني، محصلتها «قرصنة وطن»، سببها طموحات عبثية لا تنتج إلا التفتيت في نهاية الأمر.

كما أن الجرائم التي قام بها القراصنة الصوماليون تبدو أكثر تعففاً من الجرائم التي حدثت في اليمن، فقراصة الصومال استهدفوا السفن التجارية، بينما أغار هؤلاء على أبناء وطنهم وجرّدوا الأُسر من منازلهم وارتكبوا بحقهم جرائم ضد الإنسانية.

ولعل المجتمع الدولي الذي استشعر يوماً خطر المليشيا الصومالية وأعمال القرصنة التي ارتكبوها، يستشعر اليوم خطر خطف وطن بأكمله لتنفيذ أجندات عابرة.

00:01 | 29-12-2025

علاقة الأمير خالد الفيصل بعمه الأمير سلطان !

تنتمي علاقة الأمير الشاعر خالد الفيصل بعمّه الأمير سلطان بن عبد العزيز إلى أعلى مراتب العلاقات الإنسانية، وفيها تتجلى قيمة الوفاء في أعلى مراتبها، وهي كذلك ليست علاقة عابرة بين «عم وابن أخ»، بل هي مزيج من نبل الإمارة، وتعبير صادق عن خلجات النفس المحبة، والقيم ومكارم الأخلاق الرفيعة عند واحدة من أعرق الأسر العربية، وحق لها أن تكون إحدى قصص العرب المجيدة التي تكشف كيف يمكن للشعر العربي أن يضعها مع عيون الشعر، ويخلدها مع أهم قصص العرب الأثيرة.

علاقة فتحت مقاربة نادرة لمشاعر حقيقية يصعب على الكثير توصيفها ورسمها كما رسمها الأمير الشاعر خالد الفيصل، وسنجدها في أكثر من قصيدة عالج بها الأمير مشاعره وامتنانه تجاه «عمّه الأمير سلطان»، لكن أكثرها تعبيراً كانت قصيدته الشهيرة «الموادع»، التي عبَّر فيها عن لحظة وداع الأمير سلطان وهو متوجّه إلى رحلة علاجية طويلة، وعن مشاعره المحتشدة على طرف عينه وبين يدي عمه:

عند الموادع دمع عيني غلبني

وطاحت بي الدمعة على كف سلطان

أحب يمنى عمي اللي حشمني

ومن لامني في حب سلطان غلطان

شيخٍ بالاخلاق الكريمة ملكني

بالمرجلة فارس وبالرحمة انسان

ومن يزرع المعروف لا بد يجني

ومن يفعل الاحسان يجزى بالاحسان

واللي يريد المجد لا بد يبني

في قلوب وعقول المخاليق بنيان

أفاخر بعمي على الناس واثني

ويستاهل البيضا سلايل كحيلان

له موقفٍ عند الملمّات يثني

سلطان موقف والتجاريب برهان

إلى انتهض يكفي وإلى مد يغني

وإلى تكلّم كل شيٍ معه لان

وإلى وعد يوفي وإلى قال يعني

وإلى ارتكى للحمل شاله بليهان

بالطيب جاوز كل هقوة وظني

الله يوفقه السعد وين ما كان

ولو لخّصنا القصيدة الباذخة في تجلياتها وتحليل خطابها الإنساني، لوجدناها «سجلاً كاملاً لقيم التراث الحضاري غير المادي»، التي عرف بها إنسان الجزيرة العربية، ولخّصها رسول العرب -صلى الله عليه وسلم- في حديثه الشهير: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، لقد عُرفت الحضارة العربية على أن مجدها ليس في الإرث المادي، بل في القيم الإنسانية وتعظيمها.

وعندما يقول خالد الفيصل: «أحب يمنى عمي اللي حشمني»، هو لا ينفصل عن واقع أجمع على أن تقبيل العرب لأيدي كبارهم يعبّر عن أقصى معاني التقدير والتوقير، وهو أمر عرفه ومارسه الصحابة الأجلاء أيضاً، فقد قَبَّل الصحابي زيد بن ثابت يد الصحابي عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، فقد قال زيد لابن العباس: «أخرج يدك»، فناولها له فقَبَّلَها زيد.

ورغم فارق المكانة بين الأمير سلطان بن عبد العزيز وبين الكثير لكن «خالد الفيصل» عرف كيف يفسر لنا كيف امتلك الأمير سلطان القلوب، فهو «ملك الجميع بالمرجلة والفروسية والرحمة وزراعة المعروف».

الأمير خالد يشرح بدقة كيف بنى «سلطان» المجد الذي لا يفنى، ببنائه المحبة والمعروف والكرم والوقوف في الملمات، في وجدان الناس.

أما عن الشجاعة والقيادة والسياسة، فهذا «سلطان» إذا نهض كفى الجميع مؤونة التصدي للملمات، وإذا تولى مسؤولية ملف أو مشروع تحمّله وأنهاه بنجاح كامل.

وعن العطاء والكرم الذي لم يشبهه فيه أحد، فإن الأمير سلطان إذا أعطى يُغني، فالعطاء عند «سلطان» ليس سد الحاجة بل هو إغناء كامل، ألم يصف الملك سلمان الأمير سلطان بن عبد العزيز بأنه: «مؤسسة خيرية كاملة»، تقديراً لجهوده الإنسانية الواسعة، التي شملت إغاثة المحتاجين في أنحاء العالم، وتقديم المساعدات، وتمكين الأقليات، ودعم ذوي الإعاقة، مشيداً به كنموذج للعمل الإنساني الخفي وغير المعلن.

00:03 | 22-12-2025

كأس العرب.. وأحلام الوحدة والغزو وأشياء أخرى!   

مع بداية بطولة كأس العرب في الدوحة، فإن ما جرى على المؤسسات العربية من حساسيات مفرطة ومحالات استئثار يسري عليها، لكن الفرق تبدل المسؤولية، فالبطولة جماهيرية، وانعكاسها على العلاقات «العربية-العربية» تتحمّله الشعوب المندفعة والمتحسّسة التي ترى في الفوز على الجار العربي هو أقصى أمانيها، بينما هي في الحقيقة مخرجات يختزنها العقل العربي على مدى قرون.

وبالرغم من أن البطولة شعبية ومعظم من يقود اتجاهاتها الجماهير والأوساط الإعلامية الرياضية، إلا أنها لا تختلف عن مفاعيل النخب السياسية، بل إن ما تفعله الشعوب مع بعضها البعض أكثر فداحة من السياسيين الذين يتعاملون بالمصالح لا بالعواطف.

إنها نفس الشعوب التي تملأ الفضاء صراخاً بحثاً عن الوحدة العربية، مرة تلوم السياسيين، ومرة الصحافة والإعلام، وأحياناً الغرب، بينما هي تسل السيوف لقطع أواصر القربى، وتأكل لحوم إخوتها من بقية العرب، وهذا الفضاء الإلكتروني مليء بمخرجاتها.

العروبة ليست أماني رومانسية، ولا دعوة تختبئ خلفها نرجسيات التفوق والتنمر والتعالي الثقافي والفني، وليست أحلاماً بالاستيلاء على ثروات الآخرين تخرج حينا في فلتات اللسان وتختبئ حيناً آخر، ولا رقصات في حفلات الافتتاحات، وليست مهرجانات تقام ثم يذهب كل إلى بيته ليتآمر على جاره في اليوم التالي.

إنها مجموعة من القيم العربية التي قال عنها النبي العربي «إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق»، إنها الحضارة العربية غير المادية الحقيقية التي يجب التباهي بها، فالعرب الحقيقيون أسّسوا قيماً وتراثاً وإرثاً للتعاملات، إذا فقدوه تاهوا واندثروا، وهو ما حصل في أي مأساة عربية منذ سقوط الأندلس وقبلها وبعدها، إذا ترك العربي قيمه الحضارية فشل في التعامل مع مخرجات الحضارة المادية، وأصبح أسيراً للبغضاء والضغينة والأحقاد، مندفعاً لقتل ووأد ابن عمه العربي الآخر.

منذ نشوء الدولة العربية في شكلها الحديث بعد العام 1920م، ثم تأسيس جامعة الدول العربية العام 1945م، ثم بدأت المؤسسات المنبثقة أو الموازية بالظهور، سواء التابعة للجامعة أو المستقلة، إضافة إلى مؤسسات ثقافية وعلمية ومجتمعية، ومبادرات ومهرجانات مثل «الجنادرية والمربد وجرش»، هدفت جميعها لدعم الاتصال والتعاون وتسهيل الشراكات العربية.

كما أن منظمات مثل الاتحاد المغاربي، لم تخرج من دائرة لقاءات أولى سرعان ما انهارت بعدها تلك المنظمات، ولم يصمد حتى اليوم سوى مجلس التعاون الخليجي.

كل تلك المبادرات هدفت لتقريب وجهات النظر «العربية-العربية» وتأسيس منظومة للتعاون سعياً وراء حلم رومانسي اسمه «الوحدة»، لدرجة أن دولاً مثل مصر وسورية، وتونس وليبيا جربت الوحدة إلا أنها لم تأتِ كما صوّرتها الدعوات الرومانسية التي روّجت لها أحزاب وإذاعات وطبقات من المثقفين العرب، فالوحدة السورية المصرية لم تزد على سنتين، والوحدة التونسية الليبية لم تستغرق بضعة أيام.

أما الوحدة تحت تهديد السلاح وظهور الدبابات، فقد جربها العرب إثر قيام صدام ومؤيديه بغزو الكويت تحت مسمى الوحدة، وكاد يحوّلها إلى ركام لولا «القيم العربية» التي بنى الملك فهد بن عبدالعزيز مواقفه عليها، عندما قال في حديثه عن غزو الكويت: «يا نعيش سوا، يا ننتهي سوا»، وهي عبارة صغيرة لكنها غيّرت مجرى تاريخ المنطقة، لأنها مثقلة بقيم «الفزعة والمروءة والشهامة ونصرة المظلوم والحميّة»، قيم آمن بها الفهد ابن الجزيرة العربية وطبّقها، ولذلك نجح، ونجحت بلاده.

00:21 | 4-12-2025

العقيدة السعودية.. تتصدّى لحسابات بألف وجه..!

في منتصف ليل 12 مايو 2003 م، وقعت انفجارات ضخمة هزّت ليل الرياض الآمن إثر قيام عدد من الإرهابيين باستهداف ثلاثة مجمعات سكنية بسيارات مفخخة في وقت متزامن، وقعت التفجيرات في مجمعات سكنية مدنية يسكنها سعوديون وأجانب، منهم أمريكيون وأوروبيون، وهي على التوالي «مجمع درة الجداول، مجمع الحمراء ومجمع شركة فينيل».

التفجيرات وما تلاها طوال ثلاثة أعوام 2006م، كانت تستهدف الوجود السعودي، لقد استطاع «أعداء وأعدقاء» المملكة اختراق مجموعات محدودة من الشباب واستخدامهم لاستهداف المملكة التي بقيت عصية عليهم طوال عقود، فما كان منهم إلا القيام بعمليات عسكرية داخل المدن السعودية.

اليوم ومع تغيّر أساليب الحروب انتقل الأعداء من تفجير المدن إلى تفجير العقول والتحريض وتشكيك المواطنين في قيادتهم ومحاولة الفصل بينهم، إنه أحد عناصر الجيل الخامس من الحروب، التي تعتمد على التكنولوجيا في استهداف الدول.

وبلا أي شك فإن انكشاف مواقع الحسابات المعادية، التي استمرت على مدى سنوات تستهدف المملكة وقيادتها وشعبها ووجودها وإرثها الحضاري، لا يقل بشاعة عن عمليات التفجير التي قام بها إرهابيون في المدن السعودية، فجميعها عمليات ترهيب، وتشويه، وقتل، واغتيال سمعة.

لم تكن تلك التفجيرات عملاً فردياً، وكذلك الحملات الممنهجة على منصات التواصل – منذ العام 2011 وحتى اليوم- ليست فردية، بل انخرطت فيها دول، وأجهزة استخبارات، وتنظيمات، وخونة، اجتمعوا على كراهية السعودية والعمل على تجريف مكانتها أو إزاحتها إن أمكن، وهو ما تكرر منذ قصف المدن السعودية في الستينات وحملات الإذاعات الموجهة، إلى توظيف منصات التواصل لخلخلة البنية الاجتماعية وإشعال الفتن بين الشعوب ومحاولة عزل السعودية والسعوديين في دائرة نمطية مشوّهة داخل الإقليم العربي.

وهو أمر لا يمكن تصنيفه كمماحكات أو خلافات في ملفات، بل هي حروب أشد ضراوة من الحروب التقليدية، وكل دولة عدوة في الإقليم تعجز عن التأثير، تكمل دورها دولة أخرى في استهداف المملكة.

لا بد من الإقرار أن أعداء الدولة السعودية لن يتزحزحوا عن محاولاتهم استهداف المملكة العربية السعودية – وجوداً، وقيادة، وشعباً-، ولذلك فإن بناء «استراتيجية دفاع مستمرة» تستند على ما يمكن تسميته بـ «العقيدة السعودية»، سيبقى أولوية دائمة للتصدي للحروب وحملات تشويه السمعة الموجهة للسعودية، التي بدأت منذ الدولة الأولى ومشروعها الإصلاحي الفكري، مروراً بالتجنّي على الملك عبدالعزيز ومشروعه الوحدوي التنموي، وصولاً إلى الحملات الممنهجة الممتدة لليوم.

هذا الأمر وأقصد هنا التزوير والاتهام والحروب المباشرة وغير المباشرة الموجهة ضد البلاد السعودية، لم تتوقف منذ العام 1727م وحتى اليوم، انخرطت فيه دول وحكومات وأحزاب وتنظيمات وتيارات عربية وإسلاموية وعلمانية ويسارية، لأسباب عدة ابحثها فيما يلي:

أولاً: كراهية المشروع العربي الذي تمثّله السعودية في شكله «النقي»، وهو امتداد للمشروع العربي الذي قوّض الإمبراطوريات الفارسية والرومانية ومخلفاتها المتجذرة في وجدان الكثير من أبناء الجغرافيا التي كانت ترزح تحت الاحتلال الفارسي والروماني، والتي ظهرت كمشاعر شعوبية منذ الخلافة الأموية، ونجدها اليوم في السياسات والحملات مهما تخفّت وراء أرديةٍ أخرى.

ثانياً: كراهية للإسلام في شكله «السلفي النقي» الذي أطلق العقل وأبقاه «عربياً» خالصاً كما نزل في مكة والمدينة، بعيداً عن المذاهب التي اختلطت بثقافات قديمة من بكتاشية وصفوية وفاطمية!

ثالثاً: كراهية للمكانة التي اُختُصَّ بها السعوديون من خدمة للحرمين الشريفين، والثروات التي وهبها الله للبلاد التي تجلّت فيها العبقرية «البدوية» بتوظيفها لخدمة البلاد والعباد فيما فشلوا فيه، فضلاً عن الحجم الجغرافي للمملكة الذي يحسّون أمامه بأنهم صغار جغرافيّاً.

رابعاً: وقوفهم ضد التراث العربي الأصيل والحقيقي المتجذر في الأقاليم السعودية، وصدمتهم من الإرث المتنوع الضارب عميقاً بين القبائل والأسر، الذي يظهر جلياً في التراث الإنساني السعودي في قهوته وطعامه وطرازه العمراني وقصائده ورقصاته الشعبية.. إلخ.

خامساً: فشلهم الذريع وعلى مدى عقود في فك الارتباط الوثيق بين القبائل والأسر السعودية، والأسرة الحاكمة، فالولاء والالتفاف حول الدولة حمى المملكة العربية السعودية في كثير من الأحداث والمؤامرات الجسام.

سادساً: محاولة الوقيعة بين الدولة السعودية والولايات المتحدة الأمريكية –الحليف الأبرز-، وهو ما أشار إليه ولي العهد السعودي خلال زيارته الأخيرة لواشنطن، عند سؤاله عن قيام تنظيم القاعدة الإرهابي بهجمات الحادي عشر من سبتمبر.

سابعاً: الانخراط في مشاريع تعطيل النجاحات والقفزات التنموية والاقتصادية والتكنولوجية التي تستلهم قيماً وإرثاً حضاريّاً موغلاً في التاريخ، وعلى شباب متعلم ونابه من أبناء الأقاليم السعودية.

ولذلك كله سيبقى من يمكن تسميتهم بـ (الأعدقاء) يعملون ليل نهار على استهداف السعودية وقيادتها وشعبها، ومحاولة شيطنتهم واغتيالهم معنوياً، خوفاً من بروز شخصية المملكة وتفوقها حضاريّاً.

إن قدر هذه البلاد أن تبقى دائماً مستنفرة للدفاع عن مكتسباتها وعن وجودها، فأي غفلة مع هذا الكم الهائل من الأعداء والاستهداف قد تلحق بها الضرر، وهي في الوقت نفسه ميزة من حيث لا يريد خصومها، إذ تدفع «الأمة السعودية» للتلاحم الدائم حفاظاً على بلادهم ومكتسباتهم.

00:15 | 27-11-2025

واشنطن والرياض بين زيارتين وزعيمين !

هل تتشابه الأجواء المحيطة باللقاء المرتقب بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأمريكي دونالد ترمب مع الأجواء التي أحاطت بلقاء الملك عبدالعزيز والرئيس روزفلت العام 1945م.

بلا شك أن الأجواء تكاد تتطابق، فالعالم اليوم -كما كان حينها- يحاول بناء نظام دولي جديد، مثقلاً بتحديات أمنية كبيرة، وتحوّلات اقتصادية عميقة، ومع وجود قوى دولية وإقليمية تسعى أن تكون جزءاً من النظام الدولي القادم، لا أن تكون ضحية له.

مع التأكيد أن الزيارة القادمة وما سيصحبها من اتفاقات دفاعية وسياسية وأمنية ستشكّل العلاقات «السعودية الأمريكية» لمئة عام قادمة، متحصّنة بإرث سياسي واقتصادي يزيد على ثمانية عقود.

عندما جاء الملك عبد العزيز آل سعود إلى كوينسكي للقاء الرئيس فرانكلين روزفلت كان معه رصيده كزعيم استعاد ملك آبائه وأجداده وأسّس دولته الثالثة، ومعه حمايته للممرات المائية حول الجزيرة العربية التي كانت القوى المتصارعة تحاول الاستيلاء عليها خلال الحرب العالمية الثانية، ومعه الحرمان الشريفان بمكانتهما العظيمة في وجدان المسلمين، وبين يديه حقول من النفط قُدِّرَ لها أن تشكّل اقتصاد ما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية حتى اليوم.

كانت أمريكا في حاجة للقاء الزعيم الجديد في الشرق الأوسط «عبدالعزيز آل سعود» أكثر من حاجته إليها، كانت تريد التعرّف على الزعيم الذي لفت أنظار العالم إلى بلاده وجعلها أول دولة تلتقي بها القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية.

بالتأكيد لن تكون زيارة الأمير محمد بن سلمان عابرة، فاليوم يتشكّل عالم دولي جديد على خلفية حرب تكاد تكون عالمية بين الغرب وروسيا على الأراضي الأوكرانية، وسيولة هائلة في منطقة الشرق الأوسط، وطموح لقوى جديدة تريد أن تكون قوة عالمية جديدة.

السعوديون يقدّمون إلى واشنطن ومعهم زعيم شاب استطاع وضع بصمة بلاده في الاقتصاد والسياسة الدولية، بانياً رؤية اقتصادية لافتة، ومشاريع تنموية ضخمة، وصندوق استثمارات يعد من محركات الاقتصاد الدولي، ورصيداً موثوقاً في الحفاظ على إمدادات طاقة آمنة ومستدامة، كذلك زعامة إسلامية تقليدية ودائمة، ودور سياسي عاقل ومتزن في إدارة العلاقة مع القوى المتصارعة في الشرق الأوسط والعالم. ولعلنا نتذكر هنا أهم ما أسفرت عنه قمة (عبد العزيز – روزفلت 1945):

1- تحظى العلاقات الاقتصادية والسياسية والأمنية باهتمام كامل.

2- يتعاون البلدان في كل المجالات بما يحقّق مصالحهما.

3- التزام أمريكي حول القضية الفلسطينية، ألَّا يتأثر موقفها من الحقوق المشروعة للعرب في فلسطين.

ولكل ذلك يمكن توقع ما ستسفر عنه قمة (محمد بن سلمان – دونالد ترمب 2025)، التي يمكن تلخيصها في (علاقة مستدامة وتحالف دائم)، في ظل صراعات وسيولة أمنية تحيط بإقليم الشرق الأوسط من جنوب السودان صعوداً إلى شمال سوريا، ومن غرب ليبيا إلى شرق أفغانستان.

فالسعوديون يصلون واشنطن وهم يستندون على إرث سياسي غير ملوث بالأجندات ولا الانخراط في المؤامرات ضد الشعوب والدول، فقد وصف الملك فيصل بن عبدالعزيز سياسة بلاده: «نحن أصفى من العسل الصافي لمن أراد صداقتنا.. ونحن السُّم الزعاف لمن أراد أن يعكر صفونا».

كما وصف الأمير بندر بن سلطان علاقة بلاده مع واشنطن، وهو المسؤول الدبلوماسي الذي قضى أكثر من عقدين في واشنطن سفيراً: «إن كثيراً من الرؤساء الأمريكان يصدمون بعد وصولهم إلى البيت الأبيض بأن السعوديين صادقون في مواقفهم يقولون في العلن ما يقولونه في السر».

00:04 | 17-11-2025