هو من ذلك الجيل الجميل الذي مرّ في دروب طفولته كطالب قارئ تحت أضواء مصباح ذي زيت؛ ذلكم الجيل الذي كتب حروف الهجاء على الرمل وخطّها في الهواء، قبل أن يغزو عالمنا برنامج الـ«بي دي إف» وأقرباؤه من عائلة أوفيس.

في منتصف إحدى الليالي في ما مضى استيقظ على صوت سيدته الكريمة أمه وهي تخاطبه: كتب.. كتب.. وحين ارتسمت على وجهه ابتسامة حائرة سألها: ما الأمر يا أمي؟ ولأمه ابتسامتها الجميلة وقد ألقتها عليه قائلة: أنت منذ فترة تتمتم بكلمات لم نفهم منها إلا كتب.. كتب... وقبل أن يستفسر أكثر قاطعته قائلة: أكمل نومك حتى تستعد للسفر إلى عدن صباح الغد.. أخوك يريدك أن ترافقه.

أومأ برأسه موافقاً، وحين غادرت أمه الغرفة ذهب النوم عنه وبقيت الخيالات الكثيفة تحاصره، عدن وأزقتها ومكتباتها وما تختبئ في رفوفها من نفائس لا يعرف قيمتها إلا من ابتلي بحب الكتاب، كان يتخيّل نفسه وهو يتجوّل بين الكتب كما يتجوّل طفل في مدينة من الحلوى، لا يدري بأي شيء يبدأ، ولا كيف سينتهي به المطاف.

وحين وصل إلى عدن شرع في تنفيذ برنامجه الخفي عن أخيه، كان يتسلل إلى مكتباتها في هدوء مثل ذئب البراري الجائع الذي يترقب فريسته بعيداً عن أقرانه، وحين كان يخفي ما لديه من جديد من الكتب لم يكن ذاك إلا هروب من سخرية من لا يريده هكذا، حتى ازدادت الكتب فوق رفوف غرفته وقد تهالك بعضها لكن المحب معظم لما يحبه.

كثيراً ما تعرّض لتهكّم وسخرية مشوبة بالمحبة من أقرباء وأصدقاء بسبب كثرة قراءته وشغفه بالكتاب، وكان يسمع السؤال ذاته يتكرر ماذا ستصنع لك القراءة؟ كان يغضب أحياناً لكنه غالباً ما يكتفي بهز رأسه، ويرى أن ذلك أهدأ وأجدى من الدخول في جدال عقيم ونقاش لا يحبه ولا يريده.

لقد عاش في قرية وديعة صغيرة، في بيت جميل يحب القراءة ويحتوي الكتب، حتى أغنامهم كان لها نصيب من تلك الحكاية، كان بعضها يقف أمام باب غرفته، ويتقدّم نحوه حين يجلس مسنداً ظهره إلى حائط المنزل غارقاً في كتابه، وكانت إحداها تحاول انتزاع الكتاب منه، فيتساءل في سره ترى هل تريد القراءة أيضاً أم كانت تريد التهامه.. والغنم تحب الورق وتمضغه أحياناً كالعلك.

ذات مساء شاتٍ جلس مع بعض أصدقائه في القرية يحدثهم عن بهجة القراءة، وما تفتحه من نوافذ واسعة على الحياة، كان ذلك حديثاً يحبه بينما كانوا يرونه مدعاة للملل.. أخبرهم أنه قرأ كذا وكذا من الكتب، فكان بعضهم بين مكذب ومتعجب، بينما اتفقوا جميعاً على ماذا استفدت من كل ذلك؟ وفي أثناء حديثهم الصاخب جاءه أخوه الصغير راكضاً لاهثاً: تعال إلى البيت.. معنا لك مفاجأة.. تسابقت الخيالات في رأسه.. ربما وصلت إليه هدية من الكتب.. ربما دبر إخوته حفلة صغيرة احتفاء بما قرأ في العام الماضي.. ربما وظلت ربما تجر ربما، حتى بلغ البيت، استقبله إخوته بضحكات عالية وهتاف واحد: مبارك عليك.. الغنم أكلت كتبك!