أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/279.jpg?v=1766066585&w=220&q=100&f=webp

مي خالد

الصوابية السعودية

الصوابية السياسية هو مصطلح يشير إلى استخدام لغة وسياسات تحمي الفئات الاجتماعية المستضعفة.

وهذه الفكرة نجد تطبيقاتها الواسعة اليوم في الأفلام والدراما على وجه الخصوص، وأقرب مثال في فيلم الأوديسة الذي يعرض الآن في دور السينما، جعل المخرج نولان البطلة التاريخية للأوديسة امرأة من أصول إفريقية وليست يونانية شقراء.

لكن ما يهمني في مصطلح الصوابية السياسية هو تطبيقاته في المجتمع السعودي.

المراقب للغتنا الاجتماعية وتحركاتنا السياسية المحلية في الفضاء الرقمي العالمي يلاحظ أننا نختار أن نردم الفجوة في تنوعنا الثقافي فنبقي على هويتنا الوطنية ذات المرجعية الإسلامية ونقلتنا الاقتصادية المجتمعية الشابة، فتجاوزنا بسرعة حساسية موروثنا الاجتماعي بتبني مفاهيم ومصطلحات عصرية تعزّز الفردانية وتحترمها، ومن المهم في هذه المرحلة تبني هذه الصوابية مع تعزيز المكانة الاجتماعية العائلية السعودية ودمجها مع القيم السعودية الجديدة مثل قيمة تمكين المرأة على سبيل المثال.

كما أن المراقب الخبير للفضاء الرقمي العربي الذي يعد المستخدم السعودي الأبرز عربياً فيه وصانع لغته وموجات صعوده وهبوطه.

يلاحظ أن المستخدم السعودي أصبح يمتاز عن غيره بتبني لغة نقاش أكثر تحضراً، وتراجعت الخطابات الإقصائية المتنمرة التي كانت سائدة في البدايات، ومرجع ذلك في ظني انتشار الوعي القانوني ونظام مكافحة الجرائم الإلكترونية الذي ليس له مثيل في الدول العربية، إلى جانب وعي المواطن السعودي بأهمية تحسين صورته عالمياً.

الصوابية السعودية ليست استيراداً لمفهوم عالمي بل هو محاولة لإعادة صياغة للعلاقة بين التقاليد الموروثة والانفتاح الذي تبنته رؤية ٢٠٣٠ المستقبلية.

الصوابية السعودية تعني عندي المحافظة على الجوهر القيمي الثقافي المتنوع واستيعاب التغيير بدون إقصاء رقمي للتمييز بين ما هو مسيء أو ما هو مختلف فقط، وهذا ما سينقلنا من مجتمع تلقيني تعوّد على الوعظ والتوجيه الفكري والديني إلى مجتمع تداولي حر في بناء أفكاره المناسبة لمرحلته الوطنية وانفتاحه على العالمية.

منذ 6 ساعات

اقتصاد الإبداع..

على القارئ للمشهد الثقافي والفني السعودي ألا يقف عند التجارب الضعيفة أو عند الأرقام بوصفها إحصاءات جامدة، أو نتائج نهائية. أنا مع النقد الهادف وليس النقد الساخط الذي تقابل به بعض المشاريع الثقافية والفنية السعودية في وسائل التواصل الاجتماعي.

الإحصاءات والأرقام والميزانيات اعتبرها مؤشرات نمو لما يمكن تسميته بمرحلة تأسيس للمشهد المحلي.

أغلب المنزعجين من مخرجات المشاريع الثقافية والفنية السعودية يراقبون الحراك الثقافي بمنطق التمويل، فالمملكة سخية حين يتعلق الأمر بالإبداع، لأن الهدف الأساسي هو بناء قاعدة مستدامة يمكن الانطلاق منها بجهود وطنية. إننا في مرحلة بناء منظومة تحوّل الثقافة لصناعة مستدامة.

وجزء آخر من المهتمين بالمشهد الثقافي والفني لا يفهم حاجتنا للشراكات العالمية، ولماذا لا نكتفي بطموح الشباب السعودي، في الحقيقة لا يمكن خلق قوة ناعمة حقيقية بمعزل عن الاحترافية العالية. وهنا تكمن عبقرية التوجه السعودي الذي يستقطب الشركات العالمية العريقة ليس بهدف الاستثمار المالي بل لئلا نحاول إعادة اختراع العجلة من جديد، كما يقال. نحن ننقل الخبرات ونوطّن معايير الجودة العالمية، وبالتالي يتأسس المسار الوظيفي المستدام للشباب السعودي.

تتعاون مؤسساتنا مع بيوت الخبرة الدولية في السينما والموسيقى والفنون البصرية، لتبني بنية تحتية ثقافية تبقى بعد انتهاء هذه الشراكات. ويتحوّل المشهد من مشهد الاستهلاك الثقافي إلى حاضنة إقليمية للإنتاج الثقافي والفني والإبداعي.

إن الاستدامة في حراك المشهد الثقافي السعودي ليست مرهونة بسخاء الميزانيات بل بنجاح النموذج التشغيلي وتحويله لصناعة تساهم في الناتج المحلي.

00:08 | 15-07-2026

أثر التقاعد في قطاع التعليم..!

سأحاول مقاربة تأثير التقاعد في قطاع التعليم اجتماعياً واقتصادياً حسب مؤشرات عام 2026.

تشكّل إحصائيات المتقاعدين في قطاع التعليم لعام 2026، والتي بلغت 16,362 متقاعداً، نقطة تحوّل مفصلية تتطلب وقفة تحليلية متأنية. إن التباين الصارخ بين أعداد الذكور (4,418) والإناث (11,944) يفتح باباً واسعاً للنقاش حول التقاطعات بين المسارات المهنية والديناميكيات الاجتماعية والاقتصادية في المملكة.

بالنسبة للأبعاد الاجتماعية فأرى العدد الكبير للمتقاعدين يشير إلى إعادة ترتيب الأدوار.

يظهر من البيانات أن السيادة العددية للمتقاعدات تعكس تحوّلاً في سلم الأولويات. اجتماعياً، لا يمثل التقاعد بالنسبة للمعلمات مجرد خروج من سوق العمل بعد عقود من العطاء التربوي، بل هو انتقال إلى التفرغ الاجتماعي إن جاز التعبير، وهو نمط سائد يعكس قوة الروابط الأسرية. هذا الخروج الجماعي في مدن مثل الرياض وجدة يعزّز من دور المتقاعدات كقوى اجتماعية قادرة على نقل الخبرات التربوية إلى المحيط الأسري والمجتمعي، مما يسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي خارج أسوار المدرسة.

أما اقتصادياً، فتعكس هذه الأرقام نضج الاستثمار في الكادر النسائي الذي بدأ قبل عقود. إن انتقال أكثر من 11 ألف سيدة من سلك التعليم إلى التقاعد في عام واحد يعني ضخ موارد مالية كبيرة في سوق الاستهلاك المحلي، مما يعزّز من القوة الشرائية للفرد ويحفّز الاستثمار الشخصي.

في المقابل، يثير الفارق الرقمي بين الجنسين تساؤلات حول «المرونة الاقتصادية»؛ فبينما يميل الذكور لامتلاك خيارات مهنية أكثر تنوعاً (مثل الانتقال للإدارة أو القطاع الخاص)، تجد الإناث في التقاعد خياراً أكثر استقراراً، مما يفسر انخفاض معدلات تقاعد الذكور مقارنة بالإناث.

إن هذا الخروج الجماعي للخبرات التربوية (16,362 فرداً) ليس «فقدان»، بل هو «فرصة استراتيجية». تفرض هذه الإحصائيات على وزارة التعليم إعادة هيكلة مسارات الإحلال الوظيفي.

أما اقتصادياً، فيمنح هذا التقاعد المؤسسة التعليمية فرصة لتحديث الكوادر، وضخ دماء جديدة تمتلك مهارات تقنية ورقمية تتماشى مع رؤية المملكة 2030. التحدي يكمن في كيفية نقل «المعرفة الضمنية» من المتقاعدين إلى الجيل القادم لضمان عدم تأثر جودة التعليم.

أرى أن بيانات 2026 تعكس مشهداً اقتصادياً واجتماعياً متطوراً؛ أتمنى استثماره، حيث تتقاطع الرغبة في التفرغ الاجتماعي مع التحولات في دورة حياة القوى العاملة. إن التقاعد هنا هو عملية «تجديد دماء» وطنية، تضمن استمرار مسيرة التعليم عبر توازن دقيق بين تقدير الخبرات السابقة وتمكين الطاقات الجديدة التي يفترض أن يحسن اختيارها ومرورها باختبارات علمية ونفسية قبل توظيفها.

00:00 | 1-07-2026

الموقع الإلكتروني لوزارة الثقافة..!

حاولت المشاركة في مبادرة قصص من السعودية، وهي مبادرة تجمع قصصاً قصيرة لكتّاب سعوديين تتناول البيئة السعودية وتترجمها لأكثر من لغة، أليست مبادرة مبهجة؟

لكن هذه البهجة تلاشت وتبدّدت أمام محاولاتي لتقديم أحد نصوصي، استغرقت المحاولات مني يومين وليلتين دون جدوى، لم أستطع التسجيل في الموقع، ولا يوجد عنوان تواصل آخر.

عندما نتصفح الموقع الإلكتروني لوزارة الثقافة، يفترض أن نشعر بأننا أمام واجهة تعكس المشهد الثقافي السعودي، لكن سرعان ما تختفي هذه الفكرة بمجرد البدء في استخدام الموقع.

التجربة الرقمية اليوم لم تعد رفاهية، بل هي الواجهة الأساسية التي تربط وزارة الثقافة بالجمهور والقراء والمبدعين، وهنا تكمن المعضلة.

المعلومات والإحصاءات تنتشر في الموقع دون تنظيم، مما يصعب عملية البحث عنها، ويستهلك الوقت والجهد.

في تصوري أن بناء الموقع تم بخلفية إدارية بحتة لم تأخذ الباحث عن الثقافة بعين الاعتبار.

الجانب التقني يقلل من جاذبية المنصة، حيث يبدو أنه يتطابق مع أجهزة معينة وليس لمستخدم الهاتف الذكي منه نصيب، بينما الهواتف الذكية باتت الأداة الأولى لمعظم الشباب المتصفحين للإنترنت. التوافق مع متصفحات الهاتف الذكي يبدو وكأنه «تعديل لاحق» وليس أساساً في التصميم، مما يجعل تصفح الأخبار أو التسجيل في الفعاليات أمراً مزعجاً وغير مريح بصرياً وأحياناً هو مستحيل.

علاوة على ذلك، تبدو لغة الموقع والمحتوى المقدم أقرب للبيانات الرسمية الجامدة منها إلى الحوار الثقافي الحيوي. الموقع يفتقر إلى اللمسة التفاعلية التي ننتظرها من جهة تمثل روح الإبداع والفنون والثقافة. لا توجد سهولة في التفاعل، ولا مساحات للمشاركة، أو حتى واجهة مستخدم توحي بأننا في «عصر التحوّل الرقمي».

00:26 | 24-06-2026

غياب الناقد الأدبي الرقمي..!

القطار الثقافي في السعودية يركض بسرعة مدهشة. التغييرات تطحن الأنماط القديمة بلا رحمة. وفي وسط هذه المعمعة يجد الناقد الأدبي نفسه وحيداً أمام مرآة الحقيقة. السؤال المحرج الذي يهرب منه الجميع: لمن تكتبون بالضبط؟

عقود طويلة ضاعت في صراعات فكرية عقيمة وتصفية حسابات شخصية ملّها القارئ.

اليوم، يمر النقد بمأزق صامت. مأزق يتحاشى الكثيرون مواجهته علناً. هناك مواجهة شرسة وغير متكافئة؛ عقلية أكاديمية متزمّتة تحرس دفاترها القديمة، وفي المقابل هناك طوفان من الروايات والقصائد الشابة التي تقفز إلى الشاشات كل صباح. نصوص سريعة، متمردة، ولا تنتظر أحداً.

لحسن الحظ، تجاوزنا مرحلة الانطباعات السطحية والمجاملات التقليدية. صار لدينا نقاد يملكون أدوات حديثة ورصينة. هذا صحيح. والدعم المؤسسي موجود ولا يمكن إنكاره؛ ما تفعله هيئة الأدب والنشر والترجمة من مبادرات وجوائز، بالتكامل مع الأندية الأدبية، يمثل شريان حياة حقيقي. لكن، هنا مربط الفرس، ما فائدة كل هذا الزخم إذا كانت المخرجات تُكتب بلغة مصمتة؟، لغة لا يفهمها سوى خمسة أشخاص في قاعة الجامعة؟

هذه الفجوة الرمادية هي الأزمة الحقيقية.

الرواية السعودية المعاصرة شابة، وتُقرأ عبر الهواتف والمنصات الرقمية. بينما يصر النقاد -إلا قلة- على الحديث بلغة غارقة في المصطلحات المعقدة. هذا الانفصال التام عن الواقع جعل النقد عاجزاً عن قيادة الوعي الثقافي. القارئ اليوم لا يحتاج إلى دراسات ثقيلة من مئات الصفحات تصدر بعد عام من موت الرواية وانطفاء وهجها. يبحث الناس عن قراءة ذكية، رشيقة، ومبسطة. قراءة تلاحقهم في الصحافة اليومية والمساحات التفاعلية الإلكترونية.

الفرصة الحالية تاريخية بكل المقاييس. التمكين في ذروته والإرث المعرفي صلب. لكن الرهان الحقيقي لا يتعلق بالدعم المادي أو المؤسسي. الرهان يتعلق بالشجاعة فقط. هل يملك الناقد الجرأة لخلع عباءته الأكاديمية الثقيلة؟ هل ينزل إلى الشارع الرقمي ليخاطب الناس بلغتهم؟ إن لم يفعلها الآن، سيبقى النقد مجرد صدى باهت في ممرات الجامعات المغلقة.

00:19 | 10-06-2026

إخفاء جثة

كيف نعرف أن قصة الجريمة جيدة وتستحق عناء القراءة؟

الإجابة ببساطة: حين يبرع الكاتب في إخفاء الجثة!

لكن ما حدث مع «أميدي» ــ بطل مسرحية الكاتب الفرنسي أوجين يونسكو ــ كان أمراً خارجاً عن المألوف؛ إذ كانت الجثة تتضخم يوماً بعد يوم في إحدى غرف شقته الضيقة، حتى زاحمت الأثاث وكادت تملأ المنزل. إنها مسرحية عبثية بامتياز، تجسّد تضخم مشكلاتنا، والتعفن الذي يتسلل إلى تفاصيل حياتنا، وعلاقاتنا، وبيوتنا. وعندما قرر أميدي أخيراً أن يغرق الجثة في النهر، طارت به في السماء كبالون هيليوم فوق المدينة، ليتخفف فجأة من كل الأثقال التي حاصرته في الماضي.

أما في رائعة إدغار آلان بو، فقد أخفى القاتل جثته بإتقان شديد تحت خشبات أرضية الغرفة، لدرجة عجز معها أمهر المحققين عن كشفها. لكن الكارثة حلّت من حيث لا يحتسب؛ إذ ظل طوال الوقت يسمع صوت نبضات قلب القتيل تصدح من تحت قدميه وهو يسير في البيت. لقد نجح في إخفاء جريمته عن العالم كله، لكنه عجز تماماً عن حجبها عن ضميره المؤرق.

وفي رواية «مئة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز، يقتل «خوسيه أركاديو بوينديا» جاره، لكن الجار المقتول يتحوّل إلى طيف يزوره كل ليلة في منزله، لا لينتقم، بل ليغسل الدماء عن جراحه في مشهد يقطر أسى.

بينما في أعمال الكاتب الإيطالي داريو فو، يأخذ التخلص من الجثث طابعاً كوميدياً سوداوياً؛ إذ يحدث بدافع الفقر والواقعية المريرة، بهدف تجنّب التحقيقات الرسمية والإبقاء على الراتب التقاعدي للمتوفى!

وفي الأدب العربي، تتسع المأساة لتصبح وطناً؛ ففي رواية «باب الشمس» لإلياس خوري، يضطر الناس لدفن موتاهم داخل بيوتهم تفادياً لرصاص القناصة في الخارج، ليتحوّل الوطن في زمن الحرب إلى مقبرة جماعية كبرى، يعيش فيها الجميع ــ الأحياء والأموات على حد سواء ــ حياة البرزخ.

إن الأعمال الأدبية التي تتناول موضوع «إخفاء الجثث» تذهب إلى أبعاد أعمق بكثير من مجرد قصص الجرائم والبحث الجنائي التقليدية؛ فموضوعها الحقيقي ليس البحث عن الجاني، بل البحث عن مصائرنا نحن، وعن الجثث المخبوءة في ضمائرنا.. إنها حكايات تفتش عن تلك البقايا الراقدة في أعماقنا، والتي لا تكف عن المطالبة بالعدالة الاجتماعية والإنسانية.

00:05 | 3-06-2026

معايدة

كلما أشرقت شمس عيد الأضحى المبارك، تتبدى للمتأمل صورة المملكة العربية السعودية في أبهى حُللها؛ وطنٌ لا يكتفي بصناعة التاريخ، بل يعيد صياغة المستقبل بكفاءة واقتدار. يحلّ العيد هذا العام، والوطن يرتدي ثوب الفخر، مجسّدًا أسمى معاني العطاء والمسؤولية الشاملة تجاه الأمة الإسلامية. إنها التهنئة الصادقة للقيادة الرشيدة والشعب السعودي النبيل، تهنئة ممزوجة بالرحمات في المشاعر المقدسة وعزيمة الرجال في الميدان، ليتأكد للجميع أن لغة الأرقام لا تكذب ولا تجامل في قاموس السياسة والتنمية السعودي، بل توثق نجاحًا قياسيًا غير مسبوق في هذا الموسم الاستثنائي.

فلم يعد الحج مجرد إدارة حشود، بل تحوّل بفضل رؤية السعودية 2030 إلى منظومة رقمية ولوجستية متكاملة تدار بأعلى معايير الحوكمة والذكاء الاصطناعي، حيث استقبلت المملكة في هذا الموسم 1,673,230 حاجًا وحاجة من مختلف أصقاع الأرض، يمثل حجاج الخارج منهم نحو 90% بواقع 1,506,576 حاجًا، قدموا عبر 171 جنسية ليعودوا إلى بلدانهم بنبأ واحد عنوانه العريض أن السعودية نجحت وبامتياز في فلسفة التطوير اللوجستي.

هذا النجاح المبهر لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة عمل دؤوب وتخطيط إستراتيجي عميق؛ إذ سخّرت الدولة جيشًا بشريًا قوامه 420,070 موظفًا ومشتغلًا في القطاعات الأمنية والصحية والخدمية، ساندهم في ذلك وعي مجتمعي تجسّد في مشاركة 34,540 متطوعًا ومتطوعة، قدّموا مهامهم التطوعية بدافع الشغف والواجب الإنساني. علاوة على ذلك، أثبتت مبادرة طريق مكة عمق الرؤية الإستراتيجية لتسهيل إجراءات ضيوف الرحمن، حيث استفاد منها هذا العام 314,337 حاجًا من 8 دول، اختصرت لهم المبادرة عناء السفر والانتظار في دقائق معدودة، لتصبح المملكة نموذجًا عالميًا يحتذى به في إدارة الفعاليات الكبرى.

إن هذا التناغم المبهر بين الروحانية والتقنية هو الجواب الحاسم على كل مشكك، والبرهان الساطع على أن رؤية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، نقلت خدمات الحج من مرحلة التسهيل إلى مرحلة الإثراء والرفاهية. كل عام والوطن بقادته وشعبه ومقدساته بألف خير، ودامت السعودية منارة أمن وأمان، وحاضنة لكل تطلعات الغد المشرق.

00:39 | 27-05-2026

استدامة التشجير

تخوض المملكة العربية السعودية اليوم واحدة من أكبر المعارك البيئية في التاريخ الحديث لإعادة صياغة علاقتها مع الصحراء. تحت مظلة «مبادرة السعودية الخضراء»، لم يعد التشجير مجرد خطة تجميلية للمدن، بل تحوّل إلى إستراتيجية وطنية وقومية لمكافحة التصحر، وتحسين جودة الحياة، وإعادة التوازن البيئي في بيئة عُرفت تاريخياً بجفافها وقسوتها.

وتتحدث لغة الأرقام الرسمية الصادرة في عام 2026 بوضوح عن حجم هذا الإنجاز؛ حيث نجحت المملكة في تجاوز المليون هكتار الأول من الأراضي المستصلحة والمتدهورة، بعد أن كانت المساحات المعاد تأهيلها لا تتجاوز 18 ألف هكتار في البدايات. ومع زراعة أكثر من 159 مليون شجرة حتى الآن، تسير خطة الـ 10 مليارات شجرة بخطى متسارعة، مستندة إلى نسبة نجاح نمو استثنائية بلغت 85% للشتلات المحلية مثل السدر والطلح والمنغروف، وهو ما ساهم فعلياً في خفض حدة العواصف الترابية بنسبة تقارب 50%، ونحن سكان العاصمة الرياض لاحظنا انحسار العواصف الترابية العامين الماضيين.

ومع ذلك، فإن هذا الطموح الأخضر يصطدم بأرض الواقع وتحدياتها المعقدة. وتأتي قضية «المياه» كأبرز السلبيات والتحديات المقلقة؛ فرغم الاعتماد المتزايد على مياه الصرف المعالجة، إلا أن البنية التحتية لنقلها عبر المساحات الشاسعة خارج المدن تشكّل عبئاً لوجستياً باهظ الثمن. كما تبرز مشكلة الفقد الطبيعي للشتلات نتيجة درجات الحرارة المتطرفة التي تتجاوز 50 درجة مئوية في الصيف، فضلاً عن التكلفة الاقتصادية العالية للصيانة الدورية.

لمواجهة هذه السلبيات، التفتت المملكة إلى «الحلول الذكية والمستدامة»، وعلى رأسها مشاريع «حصاد مياه الأمطار والسيول». وتتضمّن هذه الحلول خطة لإنشاء 600 سد جديد و100 بركة ضخمة لتجميع المياه، بالتكامل مع البرنامج الوطني لاستمطار السحب لزيادة الهطول المطري فوق 33 موقعاً مستهدفاً. وداخل المدن، يبرز نموذج «المدن الإسفنجية» و«الحدائق الممتصة للأمطار» في برنامج «الرياض الخضراء»، وهي تقنيات تحول الأودية والشعاب الحضرية إلى مصارف طبيعية تفلتر المياه وتوجهها لري الأشجار وشحن المخزون الجوفي، بدلاً من تركها تتبخر.

إن مشاريع التشجير في المملكة تثبت أن التحدي البيئي يمكن تحويله إلى فرص تنموية. ورغم السلبيات التشغيلية الحتمية التي تفرضها الطبيعة الصحراوية، فإن الموازنة بين الأرقام الطموحة والحلول المبتكرة مثل الحصاد المائي، تضمن أن هذا الزحف الأخضر لن يكون مؤقتاً، بل إرثاً مستداماً للأجيال القادمة.

00:07 | 20-05-2026

المبادرات الثقافية لمن؟

نلمس بالطبع جهوداً حقيقية للتشريع والتنظيم قامت بها وزارة الثقافة ممثلة في هيئة النشر والترجمة.

ونتابع الدعم اللوجستي والمادي الهائل الذي يقدّم للفعاليات الثقافية وتسويقها وتنشيطها، لكن أتمنى أن يُلتفت لثلاث نقاط جوهرية؛ الأولى أن يحصل القاص والروائي على مبالغ تساعدهم على التفرغ لإبداعهم مثل صندوق الدعم الذي هو ممارسة عالمية، فليس من العيب أن يحصل المقهى الذي يقيم فعالية مثل فعالية الشريك الأدبي على دعم مادي، لكن من العيب أن لا يدعم المبدع الحقيقي في بيته ومن وزارته، فالمقهى في هذه المعادلة إناء، بينما المبدع هو المحتوى.

الثانية: لا زال المبدع يواجه صعوبة في نشر أعماله ومع أفول الكتاب الورقي وكلفة طباعته نتوقع من هيئة الأدب والنشر والترجمة أن تؤسّس موقعاً إلكترونياً ضخماً، يشرف عليه أدباء يختارون المميّز والصالح للنشر من الأدب السعودي الجديد الذي يواكب هذه المرحلة التاريخية غير المسبوقة، يختارون النصوص بعناية ويرشحون الجيد للنشر والترجمة، وطبعاً يدفع لمؤلفها مبالغ وإن كانت رمزية، وينظم المسابقات النقدية والأدبية الصغيرة والدورية، موقع إلكتروني نوعي ضخم ذو أرشيف توثيقي للأدب السعودي ويحوي معجماً للأدباء السعوديين منذ نشأة المملكة، وفيه جزء مخصص لتوثيق الثقافة والقصص الشعبية ومروياته بلغة أدبية رفيعة.

نطمح لموقع إلكتروني سعودي عالمي يتجه نحو رؤية ثقافية مستدامة.

الثالثة والأخيرة: نقل صلاحية فسح الروايات والمؤلفات الأدبية لوزارة الثقافة، وهذا ليس مجرد إجراء إداري بل هو فضاء أوسع للأدب السعودي الذي مازال يمنع من النشر بسبب ضوابط خارجة عن العملية الفنية، وسوء فهم للنصوص الأدبية وللمجاز والخيال. وبذلك سيصبح الأدب السعودي أكثر مواكبة للانفتاح الثقافي الذي يعيشه الإنسان السعودي في عصر الرؤية المباركة.

00:02 | 13-05-2026

قبل تجريف الهوية السعودية

أدرك أن دولتنا على مستوى العمل المؤسسي واعية لمسألة الحفاظ على الهوية السعودية وتصمّم برامج تعمل كمصدّات ضد التجريف الذي نشاهده يمحو بعض المجتمعات من حولنا ويبدلها أو أن الحرب في دولهم ستبدلها.

والمثال على هذه البرامج/ المصدّات نجده في هيئات التراث والثقافة والفنون، لكنها ليست كافية، فعلى مستوى الأفراد لست متأكدة أن الجميع واعٍ ومتمسك بجذوره. بينما الوعي المجتمعي المنشود هو الحارس الوحيد لمجابهة التغيير ومواكبة الحداثة والقفزات التنموية الهائلة التي نعيشها بفضل الله ثم رؤية 2030.

هناك من يستميت للاندماج في هوية تقنية واحدة تتشكّل عالمياً بوتيرة متسارعة ورغم أنهم غالباً هم أشخاص يسعون للفردانية فينعزلون عن مجتمعاتهم المحلية والأسرية من جهة ثم يتحوّلون لخوارزمية مكررة جعلت من شاب يعيش في الرياض يأكل ويشرب ويلبس ويغرد ويشاهد الأفلام تماماً مثل شاب يعيش في نيويورك أو طوكيو. وجعلته يتبنى ردود فعل منسوخة على الأحداث السياسية والتاريخية، هذا التوحيد العالمي هو أكبر خطر على جميع الهويات المحلية.

الهوية السعودية اليوم لا تعيش خطر التجريف أو تهديد المحو والاستبدال لكننا في مرحلة الاختبار والاختيار.

إما أن نختار القطيعة مع ماضينا أو أن نسعى لعصرنته دون تفريغه من معناه وجعله مجرد صورة تراثية على إنستغرام أو إحياء يوم واحد في السنة، بينما الهوية الحقيقية هي ممارسة يومية.

وأحد الأخطار التي تحيق بهويتنا الوطنية يلاحظها من يرصد الحركة الفنية والأدبية لدى الشباب السعودي سيلاحظ على الفور أنه يرسم صورته الذاتية وهويته بناءً على ردود الفعل الخارجية، وقبول الآخر سواء عربياً أو أجنبياً. فبعض الأفلام السعودية كتبت حواراتها باللغة الإنجليزية وبعض الأغاني الشعبية والوطنية يعيدون تلحينها وغناءها باللغة الإنجليزية أيضاً.

الهوية تتشكّل عبر الدروس والقيم وفهم أصولنا ومن أين جئنا. والتحديات التي تجاوزناها في الطريق.

وكما قال جورج أورويل:

«إن أكثر الطرق فعالية لتدمير الناس هي إنكار وطمس فهمهم الخاص لتاريخهم».

00:12 | 29-04-2026