أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/265.jpg?v=1768301671&w=220&q=100&f=webp

عبدالرحمن الطريري

صواريخ «بيسنت» المؤلمة

منذ اندلاع الحرب الإيرانية في الثامن والعشرين من فبراير، تبيّن أمران بجلاء؛ الأول أن إيران ترفض بشدة أن ينافسها أي أحد على المركز الأول في العداء للعرب، خاصة دول مجلس التعاون الخليجي، والأمر الآخر أنها حرب غير متماثلة فلابد أن تدار كحرب عصابات، وبالتالي فالورقة الأقوى هي توسيع دائرة الضرر اعتماداً على محاولة الإضرار بالملاحة في «هرمز» بالألغام والمقذوفات.

وكانت المملكة العربية السعودية واضحة في أن هذه ليست معركتها وبالتالي لم تتدخل بها، ولم تسمح لأمريكا باستخدام أجوائها في استهداف إيران، لكنها كدولة استثمرت في بنيتها التحتية بشكل كبير، ومن ذلك خط شرق غرب والذي أفرغ الورقة الإيرانية الساعية لرفع أسعار النفط من جدواها، وهذه نقطة مهمة لفهم كل ما يجري من استهداف نحو هذا الخط أو عبر مساعي التضييق على الملاحة في البحر الأحمر، وهذا مهم لكل من يصدق السردية الإيرانية التي تقول إن الحوثيين أو الحشد الشعبي لاعبون مستقلون وليسوا أكثر من حلفاء.

من جانب آخر، كان توقف الأعمال العسكرية الأمريكية أكثر إيلاماً من استمرارها، ليس فقط بسبب استمرار الحصار الأمريكي وبالتالي انخفاض الصادرات الإيرانية من النفط إلى ما لا يزيد على 300 ألف برميل تخرج بشكل بري، بل بسبب سكوت بيسنت وزير الخزانة الأمريكي والذي مارس ضغوطاً اقتصادية غير مسبوقة ضمن حملة «المنبوذ الاقتصادي».

هذه الموجة من العقوبات نستطيع القول إنها أغلقت كثيراً من المسام التي كانت تستخدمها إيران للالتفاف على العقوبات، ومن ضمنها العقوبات على بنوك، ومحال صرافة خارجية، ورفع درجة التصعيد إلى معاقبة جهات مالية في دول آسيوية كانت تستخدم لغسل المال الإيراني عبر علاقة مع شركات صرافة إيرانية.

الأمر الآخر والمرتبط بما يحدث اليوم كان فرض عقوبات على الدول التي تسمح بهبوط الطائرات المدنية الإيرانية فيها، أو تزوّدها بالوقود أو تجري عمليات بيع تذاكر لها، وانتهت فترة الامتثال نهاية سبتمبر الماضي مع بعض الاستثناءات المؤقتة، مما خفض الرحلات التجارية الإيرانية بنحو النصف حتى الآن، وبالتالي أضيف تضييق الخناق الجوي للبحري مما حد من حركة المسافرين وأيضاً حركة الأموال.

الحوثيون بدورهم كان توقفهم عن إطلاق الصواريخ هذا العام متلازماً مع اتفاق إسلام آباد الذي وقعته إيران في 17 يونيو، ولم تستمر مسرحية وحدة الجبهات، رغم أن المعاناة الفلسطينية من الممارسات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة لم تتوقف حتى الآن، كما كتب ولايتي في أبريل أن القيادة الموحدة لجبهة المقاومة تنظر إلى «باب المندب» كما تنظر إلى «هرمز»، وفي يوليو نقلت «رويترز» أن طهران طلبت من الحوثيين الاستعداد لإغلاق المضيق.

وهنا يأتي التحرك الإيراني، بغض النظر عن الفصيل الذي كلف به، متصلاً، من استهداف المليشيا الحوثية لمدينة ينبع في يوليو، ثم تعطله من هجمات أتت من مليشيات عراقية في 10 سبتمبر، وفي سبتمبر أيضاً تحرك الحوثيون للسيطرة على مضيق باب المندب، ثم أتت الاستهدافات الأخيرة لمطار الملك خالد الدولي إكمالاً لهذه السلسلة.

هذا التصعيد الذي قام به الحوثي وخاصة استهداف المطار، يمثل محاولة ضغط في واقع الأمر هي مقامرة خاسرة، وتجاوز لقواعد الاشتباك، وتذكرني بمقولة سون تزو في كتاب فن الحرب حين قال: «إن العناد والمكابرة من قبل قوة صغيرة، سيجعلها في النهاية مجرد فريسة سهلة لقوة كبيرة».

أما إيرانياً فيدل توسيع الاستهدافات خاصة قبل الانتخابات الأمريكية، على نفاد قدرتها على الصبر الإستراتيجي، حيث إن خنق الملاحة البحرية ثم الجوية مع القيود على العملة الصعبة، وغيرها من التأثيرات مثل قرب نفاد المخزون الإيراني العائم ونفاد المواد الخام التي تعتمد عليها الصناعات المحلية، يجعل هذا التصعيد رغبة في إنضاج حل سريع بحد أدنى من التنازلات، ولذا ربما دخلت روسيا على خط الوساطة مؤخراً.

وربما بالحديث عن روسيا من الجدير بالذكر أن الاتحاد السوفييتي حين سقط كان يمتلك واحدة من أكبر الترسانات النووية في تاريخ البشرية، فيما كان سبب سقوطه الرئيسي الاقتصاد.

منذ 13 ساعة

عندما تكون جار السعودية

من يرقب تحركات الحوثي منذ ثلاث سنوات أي انطلاق المعارك في 7 أكتوبر 2023 في غزة، ثم توسعها في مختلف الجبهات، يرى أنه كان يقوم بتحركات محسوبة لا تستدعي الاستنزاف الكامل وجلب الضربات الإسرائيلية والأمريكية في حدها الأدنى، وسعياً للحفاظ على شعرة معاوية مع السعودية ومصر لتجنّب وصول التأثير على الملاحة لمنطقة تجبر الأطراف على التصدي لأعمال القرصنة الحوثية.

ولهذا ما تلقته الجماعة من ضربات كان أقل تأثيراً مما تعرّضت له حماس وحزب الله، لكنها بالتوازي مع المعارك وجدت عاملين رئيسيين يستحقان الانتباه؛ الأول هل لو كنت خارج المعركة سأكون خارج الاتفاق بين إيران وواشنطن؟ وماذا سيعني ذلك من خسارة مكاسب سياسية لو كان الحوثيون بنداً في الاتفاق، ويعرف الحوثيون جيداً أن إيران ساومت عليهم في سويسرا قبل اتفاق 2015، وأصر المفاوضون الأمريكان حينها على حصر التفاوض في الملف النووي.

العامل الآخر هو العامل الاقتصادي السيئ جداً، والتخلف عن دفع الرواتب في مناطق سيطرة الحوثيين، بالإضافة لأزمات الطاقة والغذاء وغيرها، وبالتالي يجب العمل على السعي للحصول على مكاسب اقتصادية من السعودية ومن المجتمع الدولي، وربما البناء على فترة الضغط الاقتصادي القصوى، التي تحاصر بها أمريكا مضيق هرمز، وتدّعي طهران أنها تغلق المضيق أيضاً لرفع أسعار الطاقة، بالتوازي مع استهداف ناقلات نفط، في مسعى لتحقيق أكبر ضرر اقتصادي على واشنطن، على أمل أن يحقق الديموقراطيون أفضل نتيجة ممكنه في الانتخابات النصفية في شهر نوفمبر المقبل.

وربما أتت التصريحات الأمريكية التي تذكر أنها لن تشارك مباشرة في ملعب اليمن، لكنها ستمد التحالف بالمعلومات الاستخبارية، كإشارة فُهمت خطأً من الحوثي باعتبارها ضوءاً أخضر لهم لمهاجمة الناقلات السعودية والأعيان المدنية، ويبدو قصر النظر الحوثي أضاف عاملاً آخر للوصول لسوء التقدير، وهو حرص المملكة ودول الخليج على تجنّب الدخول كطرف في معركة مباشرة في حرب أطرافها أمريكا وإسرائيل وإيران.

تناسى الحوثي حين كان يبني قدراته المحلية لصناعة الأسلحة والمسيّرات عبر قطع مفرقة يستوردها من الصين، وتمر بعدة مراحل لتغيير المشتري وبلد الشراء لإخفاء بصمات المشتري الفعلي، أن السعودية بدورها دولة كبيرة ووازنة في المنطقة وذات رؤية اقتصادية لا تخلو من تطوير القدرات العسكرية المحلية ونقل المعرفة، بالإضافة إلى إجراء مناورات دورية على أعلى مستوى، وبدورها لديها تراكم سواء من 2009 أو 2015 وصولاً لليوم على المستوى العسكري والاستخباري في اليمن.

لكن ما ينساه بشكل أكبر هو القدرة الدبلوماسية والسياسية للمملكة، والتي تسهم بالفاعلية الشديدة بعيداً عن الضوضاء، فاليوم استطاعت السعودية تفعيل اتفاق مكة مع باكستان وتركيا، ومن يسمع خطاب عبدالملك الحوثي الأخير يلحظ بين أقنعة الثقة نبرة الخوف من تحرك هذا الحلف، كما أن الدبلوماسية السعودية الفاعلية نجحت في التعاون مع فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وموافقة من الاتحاد الأوروبي على مستويات مختلفة من التعاون العسكري الدفاعي وحماية الملاحة في البحر الأحمر.

عندما قرر الحوثي أن ينقض العهد الذي تم في 2022، يبدو أن المحرك كان نتاج خليط من سوء القراءة لتطورات المشهد وسوء التقدير لردات الفعل السعودية، وهذا ما أشرت له قبل شهرين في مقال بعنوان «من أيقظ الحوثي.. ومتى يستيقظ العالم»، فأحد أهم المكاسب الدبلوماسية اليوم مقارنة بقبل عشر سنوات، أن العالم يدرك اليوم أن الحوثيين حركة إرهابية وتم الخروج من سذاجة الاعتقاد بأنهم حركة الاستقلال الهندية بقيادة غاندي، وبالتالي نجحت السعودية في تسويق السردية الحقيقية عن الجماعة.

قال الملك فيصل رحمة الله عليه يوما: «لا تغضب، لا تغضب، وإذا غضبت لا ترضى».

00:04 | 9-10-2026

الالتفاف على الالتفاف

الهولندي نيكولاس مولدر أستاذ التاريخ في جامعة كورنيل ومؤلف أحد أهم الكتب عن العقوبات الاقتصادية بعنوان: «السلاح الاقتصادي: صعود العقوبات كأداة للحرب الحديثة»، يشير أولاً إلى أنه من السذاجة اعتبار العقوبات الاقتصادية بديلاً لحقن الدماء وتجنّب الحروب، بل هي سلاح يستخدم ويؤثر في نهاية الأمر على تجويع الشعوب، لكنه أيضاً يشير إلا أن العقوبات الاقتصادية لم تكن بالضرورة رادعة.

ويورد لذلك ثلاثة أمثلة رئيسية وهي ألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية خاصة بعد توجه موسيليني إلى غزو الحبشة في 1935 رداً على العقوبات، وكذلك فعلت اليابان بغزو إندونيسيا النفطية حين حُرمت من شراء النفط والصلب من السوق المفتوحة، كما يشير مولدر إلى أن العقوبات لا تدفع للاستسلام عادة بل تخلق هياكل للتكيّف، وتخدم النظام بالتسويق لشرعيته داخلياً ورفع اللوم عنه جرّاء سوء المعيشة.

ومن هنا يجب النظر ابتداء إلى آليات تجاوز إيران للعقوبات منذ أن كانت بشكل أمريكي منفرد، بداية من أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران وعلى ثلاث فترات وعدة أشكال، مروراً بـ1995 والتي مثلت انطلاقة عقوبات الطرف الثالث عبر عقوبات على الاستثمار الخارجي في مجالات الطاقة، ثم مرحلة انطلاق قرارات مجلس الأمن بين 2006-2010 بعدة قرارات أممية أدت لحظر التسليح وتقييد التكنولوجيا الحسّاسة، وصولاً إلى أحد أكثر القرارات قسوة في العام الماضي، حين اختارت بريطانيا وفرنسا وألمانيا تفعيل آلية الزناد أو السناب باك وذلك في سبتمبر مما أعاد فرض العقوبات الأممية دون منح صلاحية لاستخدام حق النقض (الفيتو).

فإيران عملت على أكثر من مستوى للتكيّف مع العقوبات والقدرة على الاستمرار في تصدير النفط واستيراد وتصدير البضائع رغم العقوبات، وإن بقي ضرر العقوبات بالطبع على ملفات لديها محدودية حركة فيها مثل الاستثمار في تطوير الحقول النفطية وشراء الطائرات المدنية، لكن اللافت في الحالة الإيرانية هو ما أشار إليه بروفيسور براين إيرلي في كتابه «العقوبات المخترقة»، أن العقوبات عادة ما تفشل بدفع من أقرب حلفاء واشنطن ولا يكون لها أي محرك أيديولوجي بل يكون دافعها المحض المصالح التجارية والفرص الاستثمارية البديلة.

ومن هنا نفهم كيف بنت إيران مستويات التكيّف بشكل تراكمي ينتج عادة عن رغبة الالتفاف على كل حزمة عقوبات جديدة، فالمسار الجغرافي جعل من دول الجوار ومنها العراق بعد 2003 وتركيا ودول أخرى في المنطقة أول الحلول للعملة الصعبة وللتبادل التجاري، بالإضافة إلى خلط نفط بعض الدول مع النفط الإيراني لإخفاء مصدره، ثم تأتي القناة النقدية البديلة وأقلها تناولاً في الإعلام العربي هي اتحاد المقاصة الآسيوي والذي تأسس 1974 والذي يتيح التجارة دون معاملة مالية مصاحبة، ويلي ذلك تسوية الحساب بعملة محلية.

كذلك بيع سلع كالنفط مقابل الذهب أو مقابل اليوان الصيني ومؤخراً ظهرت على السطح وتحديداً من 2020 العملات الرقمية، باعتبارها سرداب يمكن أن تنتقل فيه الأموال لاحقاً لإيران دون بصمات واضحة لمن حولها عبر عدة حلقات، ومن يراقب ميزان الصادرات والواردات بين الدول تتضح له هذه اللعبة، فتركيا مثلاً بلغت صادراتها لإيران من الذهب 55 مليون دولار وفي 2011 قفزت إلى 6.5 مليار دولار في عام واحد فقط.

وهناك بطبيعة الحال أسطول الظل وإخفاء منشأ ناقلة النفط وتغيير العلم وإطفاء أجهزة المراقبة، ثم إعادة تصديرها للصين ولأسواق أخرى على أنها نفط ماليزي على سبيل المثال، ثم تتم التحويلات من مصارف صينية صغيرة لا تحتاج سويفت أو التعامل ضمن النظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.

بالطبع هناك بعض الطرق الأخرى التي نعرف عنها، والاحترام العلمي يقول إنه قد تكون هناك وسائل أخرى لم تكشفها الدراسات والتحليلات اليوم، ولكن السؤال يبقى لماذا يجب أن نصدق أن الخنق الاقتصادي الأمريكي اليوم قد يكون مؤثراً أكثر من عقوبات امتدت لأربع عقود؟ وهل يمكن أن نتوقع ردود فعل من إيران غير متوقعة مثل خروج «هرمز» على السطح في بداية المعركة؟

هناك خلل في الإجراءات الحالية أو ما أسميه التفافاً على التفاف إيران، ينجم من محدودية قدرة واشنطن على منع الصين من استيراد النفط الإيراني وهي قدرة ضعيفة على مستوى معاقبة الصين، لكن الفعّال في الإجراءات الأمريكية هو ضرب المنبع عندما ضعفت القدرة على كبح المشتري، فحصار المضيق وضرب ناقلات النفط وربما المنشآت النفطية هو تجفيف من المنبع ولا يمكن استرجاعه بسهولة، وتبقى نقطة محورية كما أشرنا في حالة الصين وهي قدرة واشنطن على إجبار جوار إيران في الخليج وتركيا وآسيا الوسطى على إيقاف التعامل التجاري مع إيران، خاصة مع تهديد وزارة الخزانة بقطع الدولار عنهم.

على المستوى التكتيكي يجب أن تنظر إيران للتصعيد الاقتصادي من أمريكا نحو كندا لتتأكد أن المراهنة على خشية الرئيس ترمب في الانتخابات النصفية مبالغ فيها، وعلى أمريكا أن تنظر إلى الخطر الإستراتيجي من إجراءاتها الأخيرة عبر دفع مزيد من الاقتصادات الآسيوية والأوروبية لتقليل اعتمادها على الدولار، وعلى خطورة جلب تواجد عسكري صيني لتأمين ناقلات النفط من إيران أو حتى الخليج، وعلى مستوى الوسطاء في باكستان وقطر وغيرهما، فعليهم أن يبتكروا سلماً جديداً ينزل الجميع من الشجرة، حيث هذا ما يغيب عن أدبيات طرفي الصراع أقله علناً.

00:44 | 7-09-2026

ظهور غوبلز في طهران

منذ أن انطلقت الأعمال العسكرية الأمريكية الإسرائيلية في 28 فبراير الماضي، قررت إيران مهاجمة دول الخليج والأردن في جل صواريخها ومسيّراتها، وتعوذت بالله ولم تتوجه إلا بالنزر اليسير من نيرانها نحو مصالح الولايات المتحدة وتل أبيب.

وهناك عشر صياغات استخدمت لتوضيح الحجة وراء مهاجمة الخليج، بعض منها تناول حقائق معروفة ولا أحد ينكرها وهي «وجود قواعد أمريكية وغربية في الخليج»، وهذه موجودة ومعلنة في الإعلام عبر اتفاقيات، لكن هذه الفرضية تضليلية، فهي تفترض وجوب الاستخدام ما دامت القواعد موجودة، وبعضها من الخمسينات بالمناسبة، كما أنها تتجاهل قصداً تصريحات الدول الخليجية برفضها لاستخدام الولايات المتحدة لأراضيها من أجل قصف إيران.

وبعضها أكثر سخرية باعتبار الشراكة الوظيفية من شاكلة ما ذكر من أن «استهداف القاعدة بسبب اعتراضها للصواريخ الإيرانية»، وكثير منها تناول بالعموميات دون الإشارة لمنشأ الضربات ومن ذلك «رد على مصدر العدوان الأمريكي» و«الحق الأصيل في الدفاع عن النفس» في تكييف قانوني للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

وكان أكثر هذه التصريحات سخرية هو تصريح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في 2 مارس، حيث قال: لا نضمر عداء لدول الخليج.. وهذا ليس هجوماً على تلك الدول، وهو تصريح تكرر بصيغة أخرى من الرئيس الإيراني بزشكيان، وتخلق بالتالي الصيغ المستخدمة تعزيزاً للسردية الإيرانية مع تفاوت زوايا تبرير مهاجمة دول الخليج، وللمطلع على الصحف الفارسية يجد أن التصريحات حول هذا الموضوع كانت في كثير منها للاستخدام الداخلي.

ولنسلم جدلاً أن الرواية الإيرانية صحيحة ونحاول أن نبحث عن كيف تثبتت إيران من هذه المزاعم، إيران مبدئياً خسرت الكثير من راداراتها وقدرات دفاعها الجوي خلال ضربات العام المنصرم والضربات الأولى هذا العام، وتلكأت موسكو عبر السنوات في تسليمها S400، وانتقدت طهران حينها منح موسكو لأطراف إقليمية أخرى هذه القدرات، ولكن بالطبع منحتها S300 ومساعدات أخرى في المجال الصاروخي.

لكن هذا الضعف في قدرات الدفاع الجوي لا يعني عمى استخبارياً تاماً فهناك المجسات السلبية (ESM/SIGINT) والتي يصعب استهدافها لأنها لا تبث إشارات، لكنها تشعرك بالتهديد دون تحديد موطن انطلاق الطائرة، وفي مايو الماضي فرضت الولايات المتحدة عقوبات على كيانات من ضمنها شركات أقمار صناعية مثل EarthEye، من جانب آخر إذا كانت إيران تعتمد على صور من مصادر مفتوحة يمكن لأي محلل أن يصل لها، فمعلوماتها مبنية على تواجد الطائرات وليس على الاستهداف بذاته.

وحتى تلكم الصور تعاني من خللين؛ الأول أن أي طائرات في مأوى محصن تحت الأرض أو حظيرة طيران فصور الأقمار الصناعية بطبيعة الحال لا تظهرها، النقطة الأخرى التي يجب أخذها بالاعتبار أن الصور في هذه المواقع تتحدث كل 24 ساعة بينما الطلعة الجوية للضربات تستغرق من 4 إلى 12 ساعة في أقصى تقدير، مما يعني أن الطائرة قد تقوم بمهمتها وتعود ويتبين من الصور أنها ما زالت في مكانها.

بالطبع قامت الحكومة الأمريكية بطلب من مواقع مثل Planet Labs وVantor بتعليق صورهما في المنطقة، مما يعني أن حتى هذه الميزة سلبت من إيران، وإذا ما تتبعنا الأشعة الحرارية فنجد أنه من الصعب البحث في المصادر المفتوحة عن أي وسيلة تعطيك تحديثاً في أقل من 3 ساعات من وقوع الضرر، كما أن رصد الأشعة الحرارية عامة لا يمكنه رصد انطلاق طائرة بتاتاً بخلاف الصواريخ على سبيل المثال.

وبالتالي الربط المنطقي بين منشأ الهجمة أو كما يسمى في الفارسية «مبداء» غير متاح، ناهيك عن أن الطائرات الهجومية بطبيعة الحال تسير بمسار متعرج لعدة أسباب من ضمنها تفادي الدفاعات الجوية إن وجدت، وهذا يبقينا مع السبيل الأخير لتحليل مصدر الهجمات وهو الذخيرة، وأول ما يدحض فرضية دور دول الخليج هو الذخيرة الثقيلة من الطائرات الشبحية وهذه الطائرات تقف في قاعدة دييغو غارسيا وليس في الخليج.

وحتى مسارات التزوّد بالوقود فهي معلنة بأنها تتم عبر الطائرات المتوقفة في إسرائيل ومن فيرفورد، ومن حاملة في البحر المتوسط، لكن إسرائيل بطبيعة الحال لم تستهدف خلال الأشهر الأخيرة تماماً من قبل طهران.

وفي غياب القدرة الإيرانية على الوصول لهذا الربط الدقيق بين المنشأ والهدف في ظل التقنيات المتوافرة، وغياب استهداف حاملات الطائرات الأمريكية وإسرائيل، يتضح أن ضرب دول الخليج يستهدف أولاً شد عصب الشارع الجائع بأننا في حالة حرب، حيث تستدعي هذه الضربات رد فعل بطبيعة الحال، والأمر الآخر أنها تستهدف رفع تكلفة النقل والتأمين وسعر النفط عسى أن يسبب ذلك ضغطاً اقتصادياً يمنح الحرس الثوري طوق نجاة.

إيران ضربت دول مجلس التعاون الست جميعها خلال الـ48 ساعة الأولى من 28 فبراير. ولا توجد منظومة استخبارية في العالم تُنجز تقييم أضرار وتتبعاً عكسياً لمصادر النيران في هذا المدى الزمني، خلاصة القول: الضربة سبقت الاستدلال وليست نتيجة له، إلا إن كنا ننقل عن غوبلز وزير الدعاية في عهد هتلر.

00:00 | 4-09-2026

العراق في عنق السيادة

كم طريق حاولت إيران تعبيده إعلامياً في سبيل الوصول للقدس، ففي الدعاية الإيرانية خرج تصريح علي أكبر ولايتي للحديث عن أن طريق القدس يمر عبر اليمن، وتحدّث سليماني عن طريق للقدس يمر عبر حلب، ونُسب لحسن نصرالله أنه قال إن طريق القدس يمر عبر القُصير وغيرها من المدن السورية، لكن الأهم هو شعار حرب السنوات الثماني: «طريق القدس يمر عبر كربلاء».

فالعراق مركزي في النظرة الإيرانية منذ تأسيس الدولة الصفوية في 1501، مروراً بغزو بغداد بعدها بسبع سنوات، وبعيداً عن ظاهر الطائفية في هذا الصراع، فهو في جذوره خلاف سياسي، من تعزيز مكانة المقامات وصولاً لمن يسيطر عليها، ولم يكن الأمر مختزلاً في نظرة تبعية العراق لإيران، فهذه سردية إيرانية غير صحيحة، فقد كان للمرجعية العراقية تأثير في الداخل الإيراني، خاصة خلال القرن التاسع عشر، حيث كانت فتاوى الحوزة في العراق تحرّك الشارع في طهران.

هذه نقطة مهمة لتأكيد أن ما بين النجف وقم في أعمق صوره هو تنافس على المرجعية، ومنذ معركة جالديران في 1514، التي هُزمت فيها الدولة الصفوية، ولمئات السنوات من الكر والفر للسيطرة على مركزية الحوزة، امتلك العراق هذه الخاصية المختلفة عن باقي المحيط العربي والتركي، وهو أحد صور فهم واقع العراق اليوم.

فعراق صدام هو الذي طرد الخميني من النجف، ثم حين انطلقت ثورة الخميني أصبح هدفها الأول العراق للأسباب التي ذكرناها، بالإضافة للجوار، وهو ما دفع إيران لتأسيس أحزاب وأذرع عسكرية مثل فيلق بدر، بل واغتيال المرجعيات المستقلة مثل محمد باقر الصدر.

ثم أتى عراق ما بعد 2003، بعد فترة صدام التي شهدت خسارتين لإيران؛ إحداهما في الحرب والأخرى في اتفاقية الجزائر للعام 1975، وذلك بغرض السيطرة على شط العرب، لذا سعت طهران لأمرين؛ أولهما أن يكون قدوم بوش لبغداد مكلفاً بعدد كبير من التوابيت، والأمر الآخر التغلغل التدريجي لإحكام السيطرة على كافة المفاصل، على أن يكون شعار الدخول مظلومية الشيعة ومظلومية العراقيين، وواقع التطبيق إذلال العراقيين، شيعتهم قبل غيرهم.

لكن التواريخ الثلاثة الأهم في تاريخ العراق الحديث هي: 2014، تأسيس الحشد الشعبي للاستفادة من ظاهرة داعش، وبالطبع سرق الخزينة العراقية عبر بيع أسلحة من الستينات وذخيرة بعشرة أضعاف سعرها، وإرسال مستشارين عسكريين يتقاضون آلاف الدولارات، وكأن العراق لا كفاءات عسكرية فيه عبر التاريخ.

والتاريخ الثاني هو مقتل قاسم سليماني في 2020 برفقة أبو مهدي المهندس، الذي مثّل كسر ظهر للمشروع التوسعي والقدرة على المواءمة بين مختلف الفرقاء بالحد الأدنى، لكن الحدث الأبرز كان خروج المظاهرات قبل ذلك بعام، منددة: «إيران برا برا، بغداد تبقى حرة».

فتلك المظاهرات التي خرجت ضد الفساد والبطالة وسوء الخدمات، كان لدى جمهورها الوعي الكافي لإدراك أن البوصلة الحقيقية لكل تلك المشاكل في بلد غني كالعراق هي إيران، وربما كانت الشرارة الأكبر حرق القنصلية الإيرانية في النجف وكربلاء خلال نوفمبر من 2019.

لكن منذ تولي الكاظمي في 2020، ومن تلاه من رؤساء حكومة، وصولاً لرئيس الوزراء الحالي علي الزيدي، هناك مساعٍ عقلانية لا تستهدف بطبيعة الحال انفكاك العراق عن النفوذ الإيراني، بل في أقله بناء علاقات وازنة مع المحيط العربي وتركيا، وبالطبع لم تكن إيران بهذه السماحة، فشراء البضائع السعودية يعني كساداً للبضائع الإيرانية الرديئة، كذلك القبول بعرض الشبكة السعودية للكهرباء يعني أن طهران لن تجني 5 مليارات دولار من بيع غازها لبغداد.

اليوم، ومع اشتداد الصراع الإيراني الأمريكي، لم يحظَ العراق بمعاملة خاصة، بل إن طلبه للسماح له بتصدير نفطه عبر هرمز جوبه بالرفض ثلاث مرات، فأهداف طهران في تجفيف صادرات النفط أولى، لكن الأكثر فجاجة كان بعد زيارة قاليباف ووضع خريطة مكتوب عليها الخليج الفارسي، وهو ما رد عليه رئيس البرلمان العراقي بصورة مكتوب على خريطتها الخليج العربي.

ومن هنا يتبيّن للعراقيين مجدّداً أن الإيرانيين ما زالوا بنفس الفوقية تجاه العراق بمختلف مكوّناته، ولا يريدونه أكثر من أداة، ولهذا أي جهود لمكافحة الفساد أو حصر السلاح في الدولة تبدو مرعبة، لسبب رئيسي، وهو إدراك أن الشارع الذي خرج في 2019 ما زال حيّاً يدعم هذا التحرك الحكومي.

العراق السيادي القوي ليس أمراً سهلاً، لكن في ظل التغيّرات الحالية، هو أمر صعب لم يعد مستحيلاً.

00:07 | 2-09-2026

هل يغلق ترمب المسام الإيرانية؟

يهم دول المنطقة كما العالم أن تعرف أفق هذا الصراع الممتد بين أمريكا وإيران، بعد انسحاب إسرائيلي من الصراع على الأرجح أنه بتوجيه من القيادة الأمريكية، وهذا الصراع نهايته الأقل ضرراً مهمة للعالم ليس لأننا نعيش في عالم أفلاطون، فالصراعات تمتد من أوروبا حيث روسيا وأوكرانيا وصولاً للسودان وغيرها من الصراعات الأفريقية، ولكن للخلاف هذا تأثير أكبر على العالم لطبيعته ولمقاربة لاعبيه.

فإيران على سبيل المثال حين انتهت من حرب الاثني عشر يوماً جلست لتحلل نقاط قوتها وأوراق ضغطها الممكنة، واتبعت سياسة سأهدّد ثم سأفعل ولكن المترجم الأمريكي اعتبرها عنتريات، وذلك لشح في التحليل العميق الذي يستند ولو غابت المعلومات الاستخبارية إلى تاريخ النظام على أقل تقدير، فمن قال إن النظام الذي احتجز الأمريكيين في السفارة بطهران، أو الذي طلب من حزب الله اقتحام مبنى داكار في غرب بيروت بشاحنة وتفجير مظليين فرنسيين إنه نظام تغيّر اليوم.

وقد قرأت إيران جيداً ضعف ورقة بعض الأذرع، فقررت تأجيل الحوثي والحشد قليلاً في فبراير والاستعانة باستهداف دول الخليج والناقلات ومضيق هرمز، ويأتي ذلك من زاوية عدم القدرة على التكافؤ العسكري مع الولايات المتحدة، واتبعت إستراتيجية الضغط على الاقتصاد وعلى عدة دول من المصدرين، حتى يقوموا بدورهم بالضغط على واشنطن كسلاح إيراني غير مباشر.

واليوم مع توجه إدارة ترمب لمسارات إيقاف الضربات والاستمرار في حصار الموانئ وحملة الضغط القصوى اقتصادياً، وبالتالي افتراض أن حرب استنزاف ستُسقط النظام، وهذا ليس خطأ بالمناسبة وسنفصل ذلك، قامت طهران بالرد على ذلك بالتلويح بضرب أهداف في شرق أوروبا حيث وردت تلميحات حول بلغاريا وقبرص، وكذلك عن قطع خطوط الإنترنت العابرة من هرمز، لإدخال اللاعب الأوروبي من الباب الكبير كأداة ضغط على الإدارة الأمريكية وهم من تأثروا بالفعل بأسعار الوقود منذ فبراير 2022 موعد انطلاق الحرب الروسية الأوكرانية.

وإذا اختزلنا المشهد في العناوين فلابد أن حالة الجمود هذه تُشعر بالقلق، حيث الرئيس ترمب يصرح بأنه أوقف المفاوضات، وترى طرفين كل منهما يراهن على سقوط الآخر، إما أن يسقط الإيرانيون اقتصادياً ويتنازلوا، وإما أن يصل الضغط السياسي أقصاه على إدارة ترمب ويقترب من تسوية، ومن الناحية الإيرانية الضغط الاقتصادي مؤثر جداً خاصة إذا توقفت العمليات العسكرية وغابت تصريحات مستفزة تشد العصب الشعبي، من شاكلة سنقضي على الحضارة الإيرانية، ولنا في مظاهرات يناير التي انتفض فيها الشعب ضد شظف العيش خير مثال.

أما أمريكياً فأكثر نقاط الرهان الإيراني ضعفاً أن الضغط السياسي الحقيقي يأتي من التوابيت، والتقديرات تشير إلى أن الوفيات الأمريكية لم تتجاوز 15 شخصاً وهو رقم منخفض لدولة خاضت حربي العراق وأفغانستان، ويبقى رهان الإيرانيين محصوراً في الانتخابات النصفية وغلاء أسعار الوقود وضغوط من داخل الحزب الجمهوري وماجا.

لكن هذا التفكير تصفه الدكتورة انيش تبريز في مقال منشور على تشاتام هاوس بأنه تفكير رغبوي، فأمنيات طهران لن تتحقق بهذه الطريقة وأمنيات واشنطن كذلك، فالنسق الإيراني يوحي بأمرين بالغي الأهمية؛ أولهما أن إيران لا تستنفد كروتها لأنها تشعر بأن الحرب دائماً ما ستجدّد ولا تثق في نظام قام بحربين عليها وانسحب من اتفاق في 2018، وهذا بظني أحد أكبر أسباب فشل مذكرة التفاهم في يونيو الماضي، حيث افترضت أنها قدّمت تنازلات آنية بانتظار رفع عقوبات مستقبلي وعناوين رنانة من ترمب على شاكلة صندوق إعمار بـ300 مليار، الأمر الآخر هو محاولة تغيير بيادق لعبة الشطرنج تماماً، فتصبح الأذرع الإيرانية والصواريخ نسياً منسياً ويأتي السيد هرمز ليجلس بجانب بيدق النووي الذي لا يمكن تجاوزه.

الاقتصاد الإيراني أسوأ من السيئ ويكفي دلالة إصدار عملة العشرة ملايين بعد شهر من إصدار الخمسة ملايين، كما شاهدنا المظاهرات بدأت بالخروج، ورئيس البرلمان قاليباف يطالب بالعودة للتوحد الشعبي كما في أيام الحرب وهو ما تكرر من عدة مسؤولين مما يشير للخشية من الشارع، لكن رغم الوضع الاقتصادي فهو نظام خبر الالتفاف على العقوبات لعقود، وبالتالي الكلمة المفتاحية هي إغلاق مسامات الالتفاف الإيراني حول العقوبات، وفي جزء كبير منها النفط الذي يتم تصديره للصين.

اليوم الرئيس ترمب لم يغلق قنوات التفاوض مباشرة لكن يبدو أن قناة خلفية مع الحرس الثوري مباشرة ومع قيادات مثل أحمد وحيدي هي المرجحة اليوم لمقاربة برغماتية بعيدة عن فلاشات الإعلام، ففي نهاية اليوم الخسارة المريرة هي التي تظهر للنور لا التي تحصل فعلاً.

00:01 | 21-08-2026

من أفاق الحوثيين.. ومتى يفيق العالم؟!

في تقديري لا يوجد سؤال أكثر سذاجة من لماذا تحرك الحوثيون الآن عسكرياً لقصف ميناء المخا ومناطق أخرى في اليمن؟ فالسؤال عن الحوثيين باعتبارهم كياناً مستقلاً، ناهيك عن كونهم دولة، سؤال به عوار منطقي ويعزّز سردية إيران في القول بأن أذرعها هم كيانات مستقلة وليسوا أكثر من حلفاء وأصدقاء، لدرجة تشعر أنهم يتحدثون عن الحزب الاشتراكي الموحد في فنزويلا.

وبالتالي فالسؤال هو لماذا تحركت إيران في اليمن الآن، وهنا يجب أن ننطلق من الطبقات الخارجية للداخلية، فالطبقات الخارجية أو طوق إيران من أذرعها تداعى بشكل كبير كما هو معروف بضربة قاضية في سوريا أنهت حليفاً رئيسياً في العقود الأربعة الماضية، وجفّفت لحد كبير معابر السلاح لحزب الله.

الحزب بدوره كان يدير خط بيروت الشام بريا خلال فترات طويلة من الثورة السورية، وكان بدوره ميناء بيروت مخزن النترات سيئة الذكر والأسلحة التي كانت تزوّد بشار الأسد بالأكسجين، قبل أن ينكفئ الحزب بدوره داخلياً ثم يتعرّض لضربات موجعة تناولت قيادته المؤثرة جداً في الطوق، والتي انطلقت من البياجر التي لم يسلم منها سفير طهران في بيروت في رمزية على فصوص السبحة الإيرانية.

ومن هنا يأتي تحرك إيران عبر الحوثي مدفوعاً بعدة أمور؛ أولها أسعار الوقود التي طلب ترمب من شعبه خلال حديثه في أكاديمية الشرطة أن يتحمّل بعض الزيادات الطفيفة في الأسعار، ذلك كان إيذاناً منه للاستمرار في حصار الموانئ الإيرانية رداً على إغلاق هرمز حتى يستسلم الإيرانيون بعيداً عن رومانسية الهدنة والتي لم تكن بالنسبة للحرس الثوري إلا فرصة لإعادة تشكيل الجبهة الداخلية، ورفع منسوب إنتاج الصواريخ والمسيّرات.

وإذا نظرنا إلى مؤشرات أسعار الوقود نجد أنها كانت عند معدل 63 دولاراً قبل الحرب، ثم كسرت حاجز المئة دولار في مارس وصولاً إلى ذروتها في الثاني من أبريل عند 109 دولارات، تلا ذلك أمران؛ أولاهما تحركات من السعودية وإعفاء من ترمب للنفط الروسي مما زاد المعروض وقلل من تأثير إغلاق هرمز على الاقتصاد العالمي وبالتالي أسعار الوقود، وطبع العالم مع أسعار دون السبعين منتصف يوليو.

عندها شعر الإيراني بأن التزام السعودية منذ تأسيس أوبك بالمحافظة على إمدادات الطاقة، ورفع التصدير عبر خط شرق غرب أفرغ ورقة هرمز من فحواها، فانطلقت التهديدات الحوثية نحو المملكة مباشرة، وضربت ناقلتي نفط نهاية يوليو مما أعاد الأسعار فوق المئة، بالإضافة إلى إطلاق صواريخ ومحاولة استهداف منشآت نفطية داخل المملكة، وصولاً لمحاولة تدمير ميناء المخا مما يسهل ولو معنوياً فرص الإيهام بالسيطرة المطلقة على باب المندب، وإن كان في واقع الأمر أكثر المتضررين هم الصيادون اليمنيون.

اختيار الحوثيين للسعودية كخصم وحيد مبني على ظروف الآخرين أولاً، فأمريكا لم تضربها منذ الهدنة وتركيزها سيكون منصباً على إيران، وكثرة الجبهات غير شعبي أمريكياً، وإسرائيل لن تتدخل ما لم تُستهدف ولم يستهدفها الحوثي منذ مايو، وميناء إيلات خسر أكثر من 80% من مدخولاته، لكن ميناءي حيفا وأشدود يمثلان الركيزة الأهم للتجارة الإسرائيلية، وحتى مصر لن تتدخل عطفاً على منهج آخره عدم الرد على مسيّرة دمياط.

فالهجوم إذن على المسار السعودي البديل لتصدير النفط وتحقيق توازن للسوق، وتقديراً من الحوثي بأن المملكة ستمتص الضربة ولن ترد عليها، والخطوات الثلاث التي قامت بها الرياض مؤخراً وربما لم يقرأها الحوثي بشكل جيد حتى الآن، كانت التحالف البحري الذي ضم 14 دولة ليس من ضمنها دول غربية، ثم التحالف السعودي التركي الباكستاني.

والأهم هو توجيه ضربة لمقرات الحشد الشعبي والتي سقط فيها ضباط من الحرس الثوري تماماً كبياجر بيروت، يحمل رسالة مفادها بأن تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية من قبل السعودية لا يعني غياب الأوراق الأخرى.

اليوم ما سيمثل رادعاً للحوثي ليس التصدي والدفاع إطلاقاً، بل القيام بعملية برية تنقل الحوثي إلى مواقع المدافع، وكما يشعر اليوم بنشوة ويلتمس فرصة داخلية لكسر الجمود من 2021، فما سيغيّر قواعد اللعبة هو أن يكون كسر الجمود ضده وتحرير الحديدة التي كان الغرب يعتقد واهماً بأنها مجرد خيار إنساني للحوثي.

00:03 | 19-08-2026

أزمة منتصف الثورة

كانت بين التسع والعشر سنوات ولم يشتد عودها بعد وأهلك منها الجار ما أهلك، بدأت بالتخلي عن مبادئها والتعامل مع الشيطان لإيجاد بوابة للسلاح سميت ووترغيت، ثم رضخت بعد عام من المكابرة وتجرعت السم، وقُبل من الخميني ما أورده عن المصلحة الوطنية خلف اتفاق وقف إطلاق النار مع صدام حسين.


ومرت السنين وأتت اللحظة التي اضطرت فيها للمواجهة المباشرة، بشكل أخطر من تلك التي كانت مع صدام، فهي تجابه اليوم أكثر جيوش العالم تطوراً، وخاصة وهي تأتي بعد سنوات من العقوبات الأمريكية والأممية، والاختراقات الإسرائيلية والتي أدت إلى تصفية عسكريين وسياسيين وعلماء بل وإخراج آلاف المستندات عن المشروع النووي دون أن تتمكن من كشف ذلك.


ولذا حاولت أن تتخذ مقاربتين رئيسيتين؛ الأولى مبنية على إيذاء الجوار بما فيهم الوسطاء العمانيون والقطريون، والإصرار على التمسك بمضيق هرمز، كورقة تساوم عليها وتقدمها كتنازل يعفيها عن التنازل الكامل عن الباليستي والنووي.


ولكن بالنظر إلى الوضع الإيراني نرى أن صادرات إيران النفطية في مايو صفرت تماماً تبعاً لحصار الموانئ الإيرانية مقارنة بحوالى مليونين شهرياً قبل اندلاع الحرب بأيام، وحوالى خمسة ملايين قبل سنوات قليلة، كما أن 90% من تجارة إيران تمر من مضيق هرمز، وبالتالي حاصرت نفسها بدفع ترمب لحصارها، أو كما وصفته في مقال سابق رمت حجراً في البئر الذي يشرب منه الجميع.


بالطبع يصعب الاطلاع على تفاصيل الأسعار داخل إيران بدافع التكتم وأيضاً توقف الإنترنت لفترة طويلة، لكن برنامج الأغذية العالمي يتوقع ارتفاعاً في أسعار القمح بما يتجاوز 120%، أما صندوق النقد فيتوقع انكماشا في الاقتصاد الإيراني بما لا يقل عن 6%، وربما أكثر المؤشرات دلالة هي أن العملة الإيرانية اليوم هي في أسوأ قيمة لها منذ قيام الثورة في 1979.


وبالحديث عن الثورة يتردد سؤال حول أزمة منتصف عمر الثورة وهي في منتصف الأربعينيات اليوم، ولماذا يبدو كأس السم أصعب من ذي قبل، أم أن النظام اختار الوفاة بطريقة أخرى، في واقع الأمر هناك اختلافات بنيوية كبيرة، أولاها حماقة الإسرائيلي حين اغتال المرشد في 28 فبراير، فخامنئي كان الوحيد الذي يحق له تجرع الهزيمة دون أن يلام، تماماً كما كان للخميني شرعية الهزيمة والخطأ، بينما مجتبى لا يملك هذه الشرعية، خاصة والهتافات خرجت يوم تأبين والده «الموت للمساوم».


الأمر الآخر أن سم الثمانينيات كان استسلاماً لقرار أممي، يوقف إطلاق النار ويحرك ملف تبادل الأسرى ويحافظ على الحدود الدولية، وكان دور رفسنجاني أيضا في مساعي إعادة الإعمار ورفع الصادرات النفطية وخلافه، بينما اليوم الاستسلام يعني الاستسلام لترمب بكل ما يحمله في الوجدان من اغتيال قاسم سليماني ودعم نتنياهو في تصفية قيادات المحور من حدب وصوب.


وهناك نقطة مهمة تصدر بشكل مكرر من الإيرانيين وهي أن لا مفاوضات مباشرة مع الأمريكان، ودافع ذلك أمران؛ أولاهما مصداقية شعار «الموت لأمريكا»، والآخر أن الوسطاء يريدون حلا لكننا لم نرضخ لنفاوض الأمريكان مباشرة.


وعليه نرى اليوم أن إيران تسعى لصناعة كأسها في عُمان، حتى يكون سماً يحفظ ماء وجهها، فهي تدرك أن ترمب في فترته الثانية لا يعنيه الوقت كثيراً، وأن ردات فعله العسكرية باهظة التكلفة، وأن استفزازه للسيطرة على الجزر السبع الإيرانية قد يكون أمراً بالغ التكلفة وسيقوض ما بقي من القوة البحرية الإيرانية، وحتى التعويل على الانتخابات النصفية غير دقيق فحتى مع تجاوز الديموقراطيين بست نقاط حسب الإحصاءات، فمن الصعب اتخاذ قرارات ملزمة بغياب الثلثين، كما أن الرئيس يمتلك الفيتو.


ومن هنا نفهم تصريحات إيران بأن لقاءاتها في عمان بناءة، لكن ليس لها علاقة بأمريكا، وهي هندسة حفظ ماء الوجه التي لم يشارك فيها ترمب، لكن يبدو أن لدى الرئيس بعض التفهم لها من خلال الوسطاء، وبالتالي تتخلى إيران عن حصار هرمز، لكن تصوره كتنسيق مع دوله جاره وليس كرضوخ للإرادة الترمبية.


وبالتالي يبدو الطرفان أقرب إلى مخرج يحفظ ماء وجه الجميع، والرسائل كانت واضحة من واشنطن والرياض بضرب المليشيات الموالية لإيران في العراق، وبالتالي سيتم طبخ الاتفاق عبر الوسطاء، وسيتم توسيعه ليبدو تم بجهد صيني وروسي داعم، أي التحول من الهزيمة الثنائية إلى الاتفاق الدولي، بالتزامن مع رفض توسيع المعركة أفقياً في اليمن والعراق.


يقول صن تزو في كتاب فن الحرب: «حين تحاصر جيشاً، اترك له منفذاً».

00:02 | 30-07-2026

حلقات إيران المتأرجحة

إيران ضعيفة كما تظهر الأرقام الاقتصادية، وما تكبدته خلال الحروب والعقوبات والحصار، وإيران قوية لأنها تخرج من كل جولة مفاوضات غير ناجحة لتتوعد وترعد وتزبد وتؤكد أن الوقت لا يهمها، وأن سلتها الغذائية مليئة بمؤن من العزة والكرامة والرصيد الحضاري.

ما يبدو تناقضاً هنا يحتاج تفكيكاً على مستوى ثلاث طبقات، الأولى ارتكاز إيران على أن مصلحة الصين وروسيا في بقائها كدولة مصد، ولكل منهما مصالحه المفصلة تحت هذا العنوان، ووجبتهما المختلفة على نفس الطاولة، أولاً كلاهما يجمعهما مصلحة في دور إيران المزعج للغرب، وبالتالي مصلحة في الدور الوظيفي لا الحليف الذي تضحي بمصالحك من أجله.

لكن الفروق الجوهرية تكمن في أن الصين تستورد جل النفط الإيراني وتتأثر بإغلاق مضيق هرمز، وأي خلل في نظام الحكم يؤثر إستراتيجياً على طريق الحرير، مع ضرورة التذكير أن نسبة إيران من مشتريات إيران النفطية قليلة، أما في الزاوية الأخرى فروسيا دولة منتجة للنفط، وخروج أي مُنتج من السوق وبالتالي شح في الصادرات فذاك خبر سار للكرملين، خاصة إذا ترافق مع لمسة عطف أمريكية برفع العقوبات عن الصادرات النفطية الروسية للحفاظ على استقرار السوق، كما حدث بداية الحرب.

لكن كلتا الدولتين تحتاجان إيران ضعيفة، فلافروف ذكر مراراً خلال المفاوضات السابقة مع إدارة أوباما، خشيته من أن إيران بمجرد أن تعطى بطاقة عضوية النادي الدولي بمباركة من البيت الأبيض، فلن تعود بذات الود مع موسكو، ومن ذلك يفهم كذلك إرجاء تسليم طهران للدفاعات الجوية S300.

وبالتالي تعرف إيران أن موسكو وبكين تشتريان مناكفة الغرب وإشغاله عن تايوان وأوكرانيا، وتبيع من أجل ذلك موقعها الجيوسياسي، في مقابل تجنب ضغوط من دولتين كبيرتين، وبطبيعية الحال تجنب أي قرارات أممية ستُمنع بالفيتو، وبالتالي فالوضع الذي تستند إليه إيران، هو مثالي للصين كنفط رخيص ولروسيا كدولة خارج السوق بقدرتها الكاملة.

نأتي للمستوى الثاني، وهو الجمهور الداخلي وما مدى ثقة النظام الإيراني الذي وصل بانقلاب ألا يحدث عليه انقلاب، بالإضافة إلى عدم وجود دعوات انفصالية بشكل إثني، وإنما كانت الاحتجاجات في السنوات الأخيرة تتحرك بدوافع اقتصادية ومطالبات بالحرية ونزع الحجاب، إلا أنها تدرك كذلك أن الورقة الأهم للإسرائيلي وهي الأكراد والذين سُلحوا بالفعل، هي ملف حساس جداً لجل دول المنطقة وخاصة تركيا.

ولأنقرة سوابق في التدخل براً في سوريا في فترة بشار الأسد لتجنب أي مشاريع كردية في المنطقة، ويدرك الأكراد أيضاً أن الاعتراف بكردستان العراق من قبل إسرائيل في 2017 لم يساوِ الحبر الذي كتب به.

وبالتالي الفيتو التركي والصواريخ الإيرانية هي استخدام إعلامي وردع يتجاوز الأكراد لغيرهم، فالملفات الإثنية للبلوش والآذريين توقظ شياطين نائمة لباكستان وأذربيجان تباعاً، ولا أحد يريد إيقاظها خشية من تأثير الدومينو، لكن يظل ذلك هاجساً يتسلل من بين خطابات القيادات الإيرانية وبين سطور الخطاب الأخير للمرشد أو الذي كُتب عن المرشد.

وبالحديث عن الداخل يجب التقاط العبارة المشتركة بين عراقجي وقاليباف في المقابلات الأخيرة، حيث تحدث كل منهما عن فكرة ألا أمان لأحد في الإقليم ما لم نكن آمنين، ولا تصدير لنفط أحد إن لم نكن من المصدرين، وهي ما يمكن تسميته مشاركة الألم.

ويجب الوقوف هنا عند نقطة منهجية وهي أن خطاب الشخصين المتطابق لا يعني أنهما يتوجهان لجمهور مختلف، فرئيس مجلس الشورى ذو الخلفية الأمنية في الحرس الثوري ووزارة الداخلية، يستدعي كربلائيات الألم والصبر، وبالتالي تحويل فشل الحكم الذي أدى لأزمات معيشية خرجت على إثرها مظاهرات يناير، إلى ثمن للصمود، وبالتالي شد العصب الداخلي وكذلك البطون الجائعة، وأن يلقم كل فم جائع حجراً فهو اعتراض هو دليل عمالة مع العدوان، ولا صوت فوق صوت المعركة.

أما عراقجي فيدرك، وهو من شارك كمفاوض رئيسي في اتفاق 2015، أن أكبر خسائر إيران اليوم هو غياب المفاوض الأوروبي الداعم له، وما خروج الترويكا الأوروبية (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) من اتفاقية رفع الزناد رغم الأوضاع الاقتصادية، إلا مؤشر لغياب الثقة بين الطرفين، ونفاد صبر الأوروبيين من أن يبقوا في صورة الحمقى الذين يراهنون أن نظام الحرس الثوري سيصبح نظاماً طبيعياً.

وبالتالي فمشاركة الألم مع دول الخليج والأردن هو تحرك مدفوع بعدة أمور، أولاها رفض العدوى الضاغطة على الشعب الإيراني من النموذج التنموي الخليجي، خاصة النموذج السعودي بعد الرؤية، فقد مثل النموذج السعودي في التحول والتطور قوة ناعمة مؤلمة لصناع القرار في طهران، كيف لا وهم يشاهدون دولة جارة كبيرة يرى فيها الشاب الإيراني كل ما يتمناه من حياة طبيعية، لا تنقص بلاده شيء من الموارد إلا استخراجها من أحشاء الاقتصاد الموازي للحرس الثوري.

لكن المحرك الأهم لمشاركة الألم، هي السعي لدفع دول الخليج لتتحول لأداة ضاغطة على الرئيس ترمب لإيقاف الحرب، هذا المنهج يشمل عاملين مهمين أيضاً، تحويل الخصم من ثنائي إلى متعدد عبر توسيع الألم ليصيب الهند واليابان والصين فتزيد أدوات الضغط على واشنطن، لكنه أيضاً دلالة ضعف عسكري واقتصادي وجرعة أولى من سم، وبالتالي هي مراهنة على أن يصرخ أحد ممن شاركتهم الألم قبل أن تصل شفير الانتحار.

00:02 | 26-07-2026

مجتبى غورباتشوف

في معاني النصر والهزيمة يسعى النظام الإيراني لقول إنه انتصر على الولايات المتحدة، مرتكزاً على قدرة الصواريخ على الانطلاق، لا على قدرة المخابز على إطعام الشعب، وعلى قدرة المختبئين في أنفاق الجبال أن يطلقوا الرصاص على ناقلات النفط في هرمز، وإن غابت ناقلات الغذاء والحبوب بدواعي الحصار.

معاني اللانصر أولاً من قائد نصّب مباشرة بمرتبة المرشد الغائب، حيث لم يظهر له صوت ولا صورة، بل حتى إنه لم يحضر مراسم عزاء والده، لا أحد يعرف إن كان مصاباً يعالج في مبنى آمن في ضواحي طهران، أو استدعت حالته نقله إلى موسكو لنواحٍ أمنية قبل أن تكون طبية.

وإذا عدنا للمشروع الإيراني في تصدير الثورة والذي قاده قاسم سليماني والذي قضى بتوجيهات من الرئيس ترمب في فترته الأولى، في زاوية من زواياه استلهم نموذج الاتحاد السوفييتي الذي ورث تركة روسيا القيصرية، فتحوّلت أذرع المقاومة لنموذج أصغر من الجمهوريات الشرقية.

مع العلم أن النظام الإيراني سعى لتصدير الثورة في كافة المحيط العربي، ونذكر شواهد تصدّت لها الجزائر والمغرب في سنوات خلت، بل إن الطموح وصل إلى السعي للتأثير في المراكز الإسلامية في أوروبا، ومن أمثلة ذلك بلجيكا وبريطانيا وألمانيا، وأيضاً في الولايات المتحدة.

ومن يعارضون هذه القراءة يستندون إلى اختلافات أبرزها أن السوفييت هوية شيوعية حزبية مؤهلة أن تتحلل بشكل أسرع إذا ما زادت الضغوط الاقتصادية، بينما الهوية الإيرانية مركبة بين الأيديولوجيا الدينية والوطنية والإرث الوجداني الفارسي.

وهناك جانب آخر دقيق فالسوفييت واجهوا الغرب وحدهم بعد أن حيّدت واشنطن بكين، لكن إيران ولو لم يتضح الدعم لها من لدن روسيا والصين، إلا أنها تمثل الجدار الذي يعزل الغرب Buffer state عنهما.

وإذا ما نظرنا للمتشابهات بين التجربتين نجد أن الاستنزاف كان مشتركاً، فالروس استُنزفوا في أفغانستان وخرجوا منها كما خرج الحرس الثوري من سوريا، وسوريا مثلت استهدافاً مزدوجاً لإيران، فقد استنزف فيها الحرس الثوري وأيضاً حزب الله بنتيجة أدّت أيضاً إلى أن يكون مكشوفاً قبل البياجر وبعدها.

وأهم المشتركات هي وضع اقتصادي منهار وتراجع كبير في أسعار العملة، وصحيح أن المقاتلين قد يحملون في جيوبهم جوازات للجنة، لكن ما قاله نابليون ليس بعيداً على نحو وصفهم حين قال «الجيوش تسير على بطونها».

وحتى بعيداً عن الاستنزاف العسكري يُعد التحرك السياسي الأمريكي في استضافة رئيس وزراء العراق ثم الرئيس اللبناني خطوة لاستنزاف مكانة إيران السياسية كدولة سيطرت على قرار الدولتين فيما مضى، وهذه الحبال السرية بقاؤها استنزاف وزوالها انكشاف.

عندما تكون على حافة الهاوية يكون في تصوّرك أحياناً أن نسب النجاة مطابقة تماماً لاحتمالات الانهيار، وترى خصمك استخدم هذه النظرية في فن الصفقات، فتحاول نسخ تكتيكاته؛ لأنك تعلم أنه قد حرق الأرض وما عليها من سجاد، وقطع الكهرباء عن حيل البازار.

ولكن في طور محاولة إنجاح فن التفاوض على أنغام ويتكوف وجي دي فانس وكوشنير، تجد أنك في حقيقة الأمر تردد السيمفونية السابعة «لينغراد» أحد أبرز أعمال الموسيقي العظيم السوفييتي دميتري شوستاكوفيتش.

التاريخ لا يكرر نفسه.. لكن تأبى شهوة بقاء النظام على حساب الشعب من أن تنقل بتصرف من صفحات التاريخ.. الأكيد أن مقولة الرئيس الراحل إيزنهاور عن أن السياسيين يقبلون على الحروب والجنرالات يخشونها لم تقع عين قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي عليها؛ ربما لانشغاله بكتابة بيانات المرشد الغائب.

00:01 | 23-07-2026