أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/265.jpg?v=1768301671&w=220&q=100&f=webp

عبدالرحمن الطريري

باكستان وسيط نوعي

تستضيف باكستان وزراء خارجية المملكة وتركيا ومصر، ضمن مساعيها للوساطة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بهدف إنهاء الحرب المستمرة منذ الثامن والعشرين من فبراير الماضي، دون أفق لإيقاف الحرب مع استمرار القصف داخل الأراضي الإيرانية، والرد الإيراني الذي يتوجّه جله نحو الأراضي الخليجية، مع قصف بعض المواقع في إسرائيل.

وخلال مسار الحرب اتضح غياب أي استراتيجية لليوم التالي، وتضاربت الأهداف المعلنة عن اليوم التالي وهل هو يحمل نفس النظام أم إسقاطه أم نسخة محسّنة منه، وهو ما سمّي بسيناريو فنزويلا، حيث يظل النظام يحمل نفس اللوحة، لكن المحل من الداخل يحوي بعض البضائع الأمريكية.

ونهج الطرفين نهج تصعيدي متوازٍ مع مسار المفاوضات، فلم تكن المفاوضات تتم بالتزامن مع وقف لإطلاق النار كما هو المعتاد، فمن الجانب الإيراني بدأ الحديث عن إغلاق مضيق هرمز وعن إتاوات تنوي فرضها على السفن العابرة رغم مخالفة ذلك لقانون البحار، ومن ناحية واشنطن فقد ارتأى الرئيس تسمية المضيق مضيق ترمب كنوع من الأخطاء المقصودة والمعتادة.

وعشية توجه الوزراء للاجتماع في إسلام آباد تحركت جبهة الحوثيين لأول مرة خلال الحرب، وهو تحرك لا يمكن قراءته عسكرياً باعتباره محاولة لإلحاق الأذى بإسرائيل، بقدر ما هو ورقة جديدة تلوّح بها طهران لتقول إنها تستطيع إزعاج الملاحة البحرية من باب المندب أيضاً، وهو ما يأتي تناغماً مع وحدة الساحات التي قام بها حزب الله في لبنان والفصائل العراقية.

أمريكا من جانبها فرضت شروطاً على إيران من أبرزها التخلي عن الطموحات النووية، وتسليم كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهو أمر يبدو أن إيران متمسكة به لحد كبير، وهنا سيظهر أيضاً العامل الإسرائيلي الذي يعتبر هذا السلاح خطراً وجودياً عليه.

من الجانب الإيراني شملت الطلبات ضمانات على عدم تكرار العدوان، وكذلك التزام واشنطن بدفع تعويضات عن الحرب، وهذا يشير إلى نقطة مهمة أشرت لها في مقال سابق بعنوان «سقوف إيران وإسرائيل»، حيث يسأل الجميع على القنوات الإخبارية كم صاروخاً تبقى لدى إيران، ولا يسأل أحد كم طناً من الدقيق تبقى لديها، وما مدى الضرر الذي تعانيه إيران من إغلاق مضيق هرمز وتأثر بضائع الأمن الغذائي التي كانت تصل عبر هذا المعبر.

الوسيط الباكستاني وسيط مثالي في فترة الاحتقان بلا أفق، فهو مقبول خليجياً وأمريكياً وإيرانياً، ولكن الموضوع مرتبط بالبعد الدولي أيضاً، فدور روسيا في أن لا تنظر للحرب في إيران كفرصة تخفّف الضغط عليها في أوكرانيا، ودور الصين ذات العلاقات الممتازة مع باكستان في دعم جهود الوساطة.

صعّدت الأطراف المتنازعة بمطالباتها المرتفعة على الشجرة، وتحتاج من باكستان تهيئة الظروف لوجود سلالم تسمح لكل الأطراف بالنزول من الشجرة، بما يكفي من مشاعر النصر المعنوي، عبر شعور كافة الأطراف أنهم توصلوا إلى أفضل صيغة ممكنة لاتفاق، لن يجنّب المنطقة فقط المزيد من الويلات، ولكن سينقذ العالم من أزمة اقتصادية قاسية.

منذ يومين

المعركة السعودية المختلفة..!

ظهرت عدة سرديات تهدف إلى ترسيخ قناعات معينة مرتكزة على التكرار كأداة للتساؤل ثم الشك وصولاً في بعض الحالات لليقين، ومن هذه السرديات ما سعت له عدة صحف أمريكية كنيويورك تايمز وواشنطن بوست حول موقف المملكة من الحرب القائمة.

حيث كان التحليل الأول صادراً من «واشنطن بوست» يوم إطلاق العملية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة، والذي عنونته بضغوط من إسرائيل والسعودية ساعدت في ضرب إيران، ثم أشارت في العنوان الفرعي إلى أن التحليلات الاستخبارية لا تشير إلى أي تهديدات فعلية من النظام الإيراني، وهو ما نقلته «تايمز أوف إسرائيل» لاحقاً.

نفت السفارة السعودية ذلك، مؤكدة أن السعودية تحث دوماً على الحلول الدبلوماسية وأنها لم تضغط على الرئيس ترمب لضرب إيران، وكان لافتاً أن «واشنطن بوست» لم تطلب تعليقاً من أي مسؤول سعودي حول الادعاء المنشور، وهو من المسلّمات الصحفية بحق الرد (Right of reply).

وفي 24 مارس نشرت «نيويورك تايمز» بأن سمو ولي العهد يحث الرئيس ترمب بأن يستمر في الحرب، ونفى ذلك مسؤولون سعوديون وذلك في المادة نفسها، ويأتي نشر المادة بعد يوم من مهلة الخمسة أيام التي منحها الرئيس ترمب لإيران لتأجيل الضربات وذلك بسبب وجود محادثات جادة، ويأتي أيضاً بعد يومين من مهلة الثماني وأربعين ساعة لفتح مضيق هرمز.

وقبل تحليل الموقف السعودي، فإن الحرب القائمة لا يبدو بأن أي طرف راغب في استمرارها إلا إسرائيل، وقد ظهر تباعاً مؤشرات لخشية تل أبيب من توقف الولايات المتحدة عن الحرب قبيل تحقيق ما تعتبره إسرائيل أهدافها، ولا زال في ذاكرة نتنياهو القريبة إعادة ترمب للطائرات الإسرائيلية قبل أن تقصف أهدافها في إيران وذلك إنهاءً لحرب الإثني عشر يوماً في يونيو الماضي.

وفي تقرير نشرته «Atlantic council» في 11 مارس أشار إلى أن إسرائيل استهلكت الكثير من مخزونها من الدفاعات الجوية، وبالتالي السماح لبعض الصواريخ بالسقوط في مناطق غير مأهولة يسمح لها بشد عصب الشارع الإسرائيلي عبر التوازن بين وحشية العدو وكفاءة أنظمة جيش الدفاع الإسرائيلي في صد 92% من الهجمات، وبالتالي يترسخ مفهوم «الخطر الوجودي».

وبالتالي يتبيّن أن المستفيد الأول من اقتران اسم المملكة مع إسرائيل في حث ترمب على الحرب والاستمرار فيها هو إسرائيل، وهذا يأتي مدفوعاً بنقيضين هو التأثير الإسرائيلي المعروف في وسائل الإعلام، والتراجع الشعبي الكبير والذي منيت به إسرائيل بعد حرب غزة.

أما الدافع الثاني للزج باسم المملكة هو عدم شعبية الحرب أمريكياً، ففي استفتاء لـ«yougov» و«الايكونومست» تبيّن أن 56% من الأمريكان يعارضون الحرب، بينما يرتفع عدد المعارضين لإرسال قوات برية إلى 74% بحسب استطلاع «كوينيبياك».

وبالإضافة لعدم شعبية الحرب، تأتي محاولة ترسيخ فكرة أن إدارة الرئيس ترمب تدار من الخلف، أو تسعى لتحقيق أجندة حلفائها، فقد استخدم هذا السلاح ضد ترمب منذ فترته الأولى، حيث تحوّلت دعاية تلاعب روسيا بالانتخابات وبالتالي فوز ترمب إلى يقين مع تكرارها مراراً، بالرغم من أن القضاء الأمريكي أثبت كذبتها، واليوم يحاول خصوم ترمب تسويق الأمر نفسه عسى أن ينتزعوا منه فوزاً في الانتخابات النصفية نوفمبر الماضي.

أما الموقف السعودي فيؤخذ تحليلياً بعدسة أوسع تتناول المنطقة، حيث طالما كانت المملكة داعماً لاستقرار المنطقة وتدعو دوماً إلى الحلول السياسية التوافقية، كما أنها سعت منذ مارس ٢٠٢٣ لتطوير العلاقات مع إيران بعد الاتفاقية التي رعتها بكين، على الأقل في مستوى الحد من التوترات في المنطقة.

ولم يكن ليغيّر من موقف المملكة أي خصومة سياسية، ومثال ذلك غزو العراق في 2003، حيث أكدت المملكة موقفها الرافض لإسقاط النظام، وحذرت من مخاطر ذلك على استقرار المنطقة في المدى الاستراتيجي، بالرغم من ما واجهته المملكة ودول الخليج من صدام حسين.

لا شك أن هذه الدعاية ضد المملكة تأتي مدفوعة بانزعاج من عدم مشاركة المملكة في الضربات ضد إيران، وهو ما يبدو كان منتظراً في مرحلة ما من الحرب، وبنظرة سيادية لم ترَ المملكة أن هذه المعركة معركتها، وربما يلاحظ المتابع لأي محاور غربي حين يلتقي مسؤولاً أو صحفياً سعودياً أن السؤال الأول (إلى متى ستصير المملكة دون التدخل في الحرب ؟).

السعودية اختارت معركة أخرى وهي دفع الجهود نحو حل سياسي، كما ساهمت في استمرار صادراتها النفطية للإسهام في توازن الأسواق، وشبكة النقل اللوجستي لكافة دول الخليج، فهذا هو العمق الخليجي والعمق العربي في خضم معركة أجندات غير عربية.

00:10 | 27-03-2026

تلازم المسار.. آفة لبنان

كان الرئيس الراحل حافظ الأسد هو من رسّخ مبدأ تلازم المسارين السوري واللبناني، كركيزة لسياسته الخارجية منذ توليه الرئاسة 1971، وهذا التاريخ يأتي في منتصف العقد الذي مثّل صعود نجم الأسد الأب في البعث وتوليه وزارة الدفاع في العام 1966، حيث أحسن الدفاع عن سوريا لدرجة أنها فقدت الجولان في عامها اللاحق، وصولاً إلى دخول لبنان في 1976 وذلك بعد عام من انطلاق شرارة الحرب الأهلية اللبنانية.

وبالطبع كان تلازم المسار من أبرز ما ورّثه حافظ الأسد لنجله بشار، لكنه ضمنياً سلّمه لإيران الثورة، حيث امتدّت علاقة حافظ معها قبل الثورة باستضافة معارضين للشاه، ثم كانت دمشق أول عاصمة عربية تعترف بالجمهورية الإيرانية الجديدة، وكانت هذه العلاقة رمزية جداً في برغماتيتها بين بعث علماني ونظام ديني.

وما يعنينا في علاقة سوريا بإيران هو لبنان حصراً، بعيداً عن جوانب التعاون في الحرب العراقية وغيرها، ففي لبنان كانت لحظة الاجتياح العسكري الإسرائيلي لبيروت في 82 إيذاناً بالدخول الرسمي للحرس الثوري إلى لبنان والذي لم يخرج منه حتى الآن، حيث عبر إلى البقاع معبّداً الطريق لتشكيل حزب الله، سيراً على دم اللبناني بل والشيعي في صراع مع أمل قبل أن يكون على دماء إسرائيل.

وظل الأسد الأب يحتفظ بعلاقة ندية مع إيران وقبضة على لبنان، ولأن الابن ليس سر أبيه، فقد تحوّلت تدريجياً سلطة تلازم المسار، لتصبح تلازم مسار بين لبنان وإيران، وذلك أولاً مع خروج الجيش السوري بعد اغتيال الحريري، وصولاً إلى 2011 حيث انقلبت الموازين، فأصبح نظام بشار الأسد هو من يحتاج حزب الله للحفاظ على حكمه.

ولأن تلازم المسار كان يعني لحافظ الأسد بمعناه الأسمى «أن لا سلام للبنان مع إسرائيل دون سوريا»، فكذلك فعلت إيران عبر حزب الله عند مباركتها ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان، بل والتراجع عن الخط الحدودي 29 إلى الخط 23 وبالتالي التخلي عن جزء من حقل كاريش، وكانت البرجماتية الإيرانية حينها تأمل في تقديم بادرة حسن نية عسى أن تنضج اتفاقاً نووياً جديداً، وكان حزب الله من ناحيته يأمل أن يحقّق تنقيب شركات توتال وغيرها في الجانب اللبناني فرصة لتحقيق مداخيل للحكومة اللبنانية، مما يمنع انهيار الدولة وتحولها عبئاً على حزب الله وعلى إيران بالنتيجة.

ترسيم الحدود تم في أكتوبر 22، لكن بعد عام اندلعت معركة طوفان الأقصى كما سميت، واختار حزب الله حينها تطوير تلازم المسار إلى وحدة الساحات، التي أصبحت عملياً وحدة الويلات، لكن الضربات التي تتالت على الحزب من البياجر مروراً باغتيال قياداته السياسية والعسكرية، دفعته للتوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل في 27 نوفمبر 2024.

وقد كان وقف إطلاق النار مع التغييرات الإيجابية على مستوى رئاسة الدولة ورئاسة الوزراء باعثة على الأمل بأن فجراً جديداً قد يشرق على لبنان، تطبق من خلاله قرار الأمم المتحدة 1701 وينضوي حزب الله في كنف الدولة، خاصة مع انقطاع شريان الإمداد بوصول الرئيس الشرع إلى دمشق وسقوط نظام الأسد.

لكن الموضوع لم يتوقف حتى عند الحد الأدنى من الفذلكات السياسية في لبنان في تفسير النصوص والالتفاف حولها، وهل القرار يعني نزع سلاح الحزب تماماً أم أن ذلك محصور في شمال نهر الليطاني (المنطقة المحاذية لإسرائيل شمالاً)، واستمر في منح الذرائع لإسرائيل للتوغل والسيطرة على التلال الجنوبية الخمسة، وكان دوماً الضحية سكان المناطق الجنوبية ممن استخدمهم الحزب دروعاً بشرية.

اليوم يعود الحزب ليمنع أي فرصة لانفكاك المسار عن كائن من كان من أجل لبنان، ويعاود استهداف إسرائيل ذوداً عن طهران، تماشياً مع خطاب العام 85، حيث أكد الأمين العام بأن الحزب جزء من الجمهورية الإسلامية في إيران، مما أعطى ذريعة لتل أبيب للتغول في الأراضي اللبنانية، واستمرار القصف في الضاحية والبقاع ومناطق أخرى.

اليوم قد تذهب إيران إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، مما يعني توقف الأعمال العسكرية بين طهران وتل أبيب، وحينها قد يحدث الأسوأ للبنان، فتستمر الهجمات الإسرائيلية، والمحزن أن حطبها سيكون الشعب اللبناني، وكبريتها شهوات نتنياهو الانتخابية بانتظار مواعيد أكتوبر آخر.

00:37 | 25-03-2026

مَن يخسر مِن توقف الحرب؟

ما يميّز هذه الحرب الجارية أن الأطراف الثلاثة لديها منطلقات مختلفة للحرب، وبالتالي حاجة للحرب داخلية وخارجية وقد يتعذر عليها تحقيق هذه الأهداف دونما حرب، وبالتالي تقديراتها لمضرة السلم ومضرة توقف الحرب مختلفة، أما النصر فهو مادة إعلامية تغلب عليها البروبغندا والعاطفة، ولا معنى من مناقشتها في منطقة طالما انتهت صراعاتها بإعلان كل أطراف النزاع النصر.

ولنبدأ من أمريكا حيث لا يتسق منهج الحرب مع رئيس يرى أحقيته بنوبل للسلام، وكان يسعى لذلك جدياً في العام الماضي، وقد أسهم – مع فهم لتحفظات الكثيرين- في وقف إطلاق النار في لبنان ثم غزة، وإيقاف آلة الجنون الإسرائيلية والتي مثل لها السابع من أكتوبر ذريعة لتغيير قواعد اللعبة ومحددات المعركة، والاستغراب الآخر يأتي بعد حرب الاثني عشر يوماً في يونيو الماضي، حيث لم تنضج المعاهدة النووية ولم تقطع جزماً بانتهاء مشروع السلاح النووي الإيراني.

وسيبقى الهاجس الرئيسي للرئيس ترمب هو الحصول على اتفاق نووي يباهي بأنه أفضل من اتفاق أوباما، ولكن مَن يريد اليوم اتفاقاً نووياً يخلو من التزامات إيرانية حول التدخل في دول الجوار ودعم المليشيات، وخلاياها تتكشف تباعاً في الخليج، ومَن يثق في طهران بعد اليوم، والتي صرح وزير خارجيتها عباس عراقجي بأن برنامجها الصاروخي لا يتجاوز مداه 2000 كلم، والأرجح أن ذلك التدليس كان منوماً للأوروبيين، فقد تبيّن من استهدافها الأخير لقاعدة دييغو غارسيا (الأمريكية البريطانية المشتركة) في المحيط الهندي والتي تبعد 4 آلاف كيلومتر من طهران، أن مدى صواريخ إيران أبعد بكثير من ما زعمت.

ومن جانب إسرائيل فهدف إسقاط النظام ليس منطقياً من الجو، وحتى نتنياهو تراجع عنه في خطاباته الأخيرة، ويعلم اليوم بأنه لا يستطيع البقاء في المعركة حتى الانتخابات القادمة في أكتوبر، ولكن الخط الفاصل بين مستهدفات إسرائيل وأمريكا غير إسقاط النظام، إن إسرائيل تريد تجويع النظام، واتضح ذلك من ضرب تل أبيب لحقل الغاز الإيراني (بارس الجنوبي)، والذي ردت عليه إيران بقصف حقل الغاز القطري (رأس لفان) على قاعدة (عليّ وعلى أعدائي)، وهنا تبرز إسرائيلياً بدائل التوغل الحربي في إسقاط النظام وذلك عبر تجويعه.

في إيران التي قطعت الإنترنت من اليوم الأول عن مواطنيها يجب الفصل بين ما هو معلن وما هو حاصل على الأرض، خاصه مع شح المراسلين، فصحيح أن الاستمرار في قصف دول الخليج وإسرائيل دلالة أن إيران استعدت جيداً للحرب، لكنه دلالة أيضاً على أنها استعدت لحرب طويلة، لكنها أرادتها حربا مكلفة أيضاً على الاقتصاد العالمي، لأن لإيران هدفين لا ثالث لهما كما ورد في تصريحات مسؤوليها، أولاً منع تكرار هذه الحرب مجدداً، حيث عُدت الحرب الجارية اليوم والتي سبقتها في العام الماضي، أول مهاجمة مباشرة لها منذ توقف حربها مع العراق وإعلانها الهزيمة.

وقد بنت إيران دون ذلك الأذرع، لتكون سياجاً حامياً لها، فأتت الضربات المتتالية على السوار ثم إلى المعصم، فقد كان سقوط بشار الأسد قاصمة ظهر، وتتالت الخسائر في باقي الأذرع، والهدف الثاني هو الحفاظ على صمود النظام، حيث تأكلت شعبية النظام كثيراً وحقّقت العقوبات الاقتصادية آثاراً متراكمة على قدرة النظام على الوفاء بالاحتياجات الرئيسية للشعب.

وبالتالي فالسلم اليوم يمثل فرصة لخصوم ترمب للقول بأنه ذهب إلى حرب بلا استراتيجية وعاد بلا نصر، ويمثل خسارة أيضاً لنتنياهو لأنه لا يستطيع القول بأنه ألغى الخطر الإيراني تماماً، ولكن بديله سيكون المزيد من التغول في لبنان للإمعان في إضعاف حزب الله، لكن الخاسر الأكبر من توقف الحرب اليوم سيكون إيران، أولاً لأن الحرب مثلت شريان حياة للنظام، حيث تمثل الحروب فرصة للأنظمة الثيوقراطية تسمح لها بقمع أي صوت معارض تحت قاعدة: «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة».

كما أن الخسائر الاقتصادية المتراكمة على مستوى القطع البحرية وقدرات التمويل عبر الغاز والنفط بعد الضربات، تجعل العودة للحالة الاقتصادية الصعبة قبل الحرب متعذرة، كما أن لا يوجد أي فرصة لمشاريع إعادة إعمار وطهران تقبع تحت العقوبات، ناهيك عن جفاف موارد تمويل ذلك، كما أن القصف استهدف مراكز حرس ثوري ومقار أمنية في مناطق الأكراد، مما قد يمثل فرصة لو توقفت الحرب لإيجاد خلل في النسيج المركب لإيران قد ينطلق من منطقة الأكراد ولا يتوقف عندها.

الحرب الطويلة هي أفضل ما يخدم إيران، وقد يكون التعنت أثناء المفاوضات وسيلة لاستجلاب الحرب، باعتبارها على المدى الطويل خسارة للآخرين، لكن توقفها كما أتوقع خلال أسابيع سيكون تكلفته عالية خاصة على مستوى قدرة النظام الإيراني على إدارة الدولة بعد كل هذه الخسائر، فشعبها لن يقف عند الأفران ليتناول شعارات الصمود بدلاً عن الخبز.

00:05 | 23-03-2026

فيلق الخليج.. وجبل طويق

استمرت إيران في تهديدها لأهداف في الدول الخليجية جلّها أهداف وأعيان مدنية، بعد ذريعة استخدمتها طويلاً وهي استهداف قواعد أمريكية، بعذر أنه يصدر منها هجمات نحو إيران، وهذا أولاً لم يتحقّق، كما أن وجود القواعد هو حق أصيل للدول ولا يعني أي مشروعية لاستهدافها، ومن جانب آخر من غير المنطقي لأي دولة على خلاف مع موسكو على سبيل المثال، أن تشرعن استغلال الحرب مع إيران لضرب التواجد الروسي لتشغيل محطة بوشهر.

وفي هجومها على الدول الخليجية تجاوزت يوماً بعد الآخر الحدود المقبول بها سياسياً، والحدود المستخدمة في خطاب الثورة المهترئ خلال أكثر من أربعة عقود، والذي تناول الوحدة الإسلامية والتصدي للإمبريالية الغربية، وما أسمته شيطان أكبر وشيطان أصغر، أم أن هذا الفارق العسكري والاستخباراتي والتصفية المتتالية لقيادات النظام، أزالت عن الشعارات قشورها، وأصبح المسلم لا سيما العربي هدفاً سابقاً على عدو الشعارات.

ومع انعقاد اجتماع وزراء الخارجية للدول العربية والإسلامية، زاد الاستهداف للعاصمة الرياض مما لا يمكن فهمه إلا كرسالة للمجتمعين، فأولاً هذا الاجتماع يرسّخ مكانة المملكة عربياً وإسلامياً، ويعد دلالة على قوة دبلوماسية الرياض وقدرتها على حشد رأي مناهض للممارسات الإيرانية والاعتداء على الدول الخليجية، وتهديد الاقتصاد العالمي عبر إغلاق مضيق هرمز.

والمزعجات الإيرانية من الاجتماع إذا حللناها فتشمل، تشكيل إجماع عربي وإسلامي يدين الهجمات الإيرانية خاصه أنه يشمل دولاً عربية زائداً دولاً إسلامية مثل باكستان وتركيا، كما أن وجودهما مع دول إسلامية أخرى يقلل هامش المناورة الذي كانت تلجأ إليه إيران تاريخياً، كما قد يسهم في تكامل منظومات الدفاع الجوي والتعاون الأمني بين المجتمعين.

كما أن المزعجات لإيران تشمل حالة انعزال في المحيطين العربي والإسلامي، وهذا منطقي من التعامل الإيراني في الأسبوعين الأخيرين حيث لم تُبقِ على صديق ولا وسيط، والاجتماع سيعزز هذه العزلة ويمثل النعش الأخير في سردية «المقاومة»، وأخيراً وربما الأكثر إيلاماً هو التنسيق على ترتيبات لما بعد الحرب تقيّد إيران ولا تمنحها فرصة تكرار العدوان مجدّداً.

وهذا ما يظهر من عزف أوركسترا وكالة تسنيم الإيرانية والمنار (حزب الله) والمسيرة (الحوثيين)، مما يعبّر عن تجييش نحو الانتقام لعلي لاريجاني وباقي القتلى من خلال مهاجمة الرياض والدوحة وأبوظبي والمنامة والكويت ومسقط، وكما روّجت هذه المنظومة الإعلامية لتحرير القدس وتشكيل فيلق القدس، والذي اكتشفنا عبر السنوات أنه لا يتعدى كونه فيلقاً يستهدف العواصم العربية ويسعى لنهب السيادة الوطنية بعربة ترفع راية القدس.

اليوم وكأنما هذا الفيلق يحمل اسم فيلق الخليج، فمجدّداً أضاعت طهران طريق القدس أو حتى طريق تل أبيب، لكن الفارق أن الخليج جباله راسيات كعزيمة رجاله، وأمواجه عتية على كل عدوان، والحلم والحكمة من القيادات في السعودية ودول الخليج سيكون من غير الحصافة إساءة تقديرهما.

00:04 | 20-03-2026

سقوف إيران وإسرائيل

منذ أن انطلقت المعركة والأخبار والتحليلات تدور في منطقة السلاح من صواريخ ودفاعات وأهداف مدنية، مثل محطات تحلية مياه أو تكرير نفط، أو في منطقة الوساطات والبحث عن مخرج دبلوماسي، ومن يضغط هنا أو هناك ليدفع الأطراف نحو طاولة المفاوضات العصية.

ولكن ماذا عن عوامل أخرى حاسمة لدى كل طرف في المعركة، وأولها الأمن الغذائي، فإسرائيل تعتمد على الاستيراد في المنتجات الأساسية: حبوب الأعلاف، السكر، الأرز، والقمح، بحسب موقع وزارة التجارة الأمريكية، والتي تشير إلى أن صادراتها لإسرائيل تقارب 5% فقط، كما أن روسيا وأوكرانيا كانتا المصدر الرئيسي للقمح حتى 2022 حين اندلعت الحرب بينهما، وهنا يأتي عامل تراكم الأزمات.

ثم يأتي العامل اللوجستي، حيث تمر معظم البضائع إلى إسرائيل عبر ميناءين بحريين رئيسيين: حيفا في الشمال وأشدود في الجنوب، إضافة إلى مطار بن غوريون، وجميع المنافذ الثلاثة تتعرّض للقصف الإيراني، وعامل التراكم يأتي مجدداً، حيث ميناء إيلات على البحر الأحمر شبه معطل جرّاء هجمات الحوثيين السابقة.

وبينما يوحي الاتساع الجغرافي لإيران ووجود معابر برية تسمح لها بالاستيراد من تركيا وروسيا عبر العراق، بالإضافة إلى إطلالتها على بحر قزوين في الشمال، إلى توسع خياراتها في الواردات الغذائية، إلا أن لديها تحدياً أن إغلاق هرمز يمثل سكب السم في البئر الذي يشرب منه الجميع.

مما يؤثر على واردات رئيسية كالأرز والذرة والتي تستورد أكثر من نصفها من الخارج، وكانت تدخل لإيران بشكل رئيسي عبر ميناء بندر عباس وميناء الخميني وكلاهما على الخليج العربي، مما يعني تعذر دخول 14 مليون طن من الحبوب لإيران سنويا مروراً بمضيق هرمز.

وفي البحث حول عوامل الصمود الداخلي، يجب عدم تجاهل الحركات الاحتجاجية التي خرجت تباعاً خلال السنوات الأخيرة في طهران، وتم التعامل معها بطبيعة الحال بالغلظة، من مظاهرات أسعار الغذاء والماء، إلى مظاهرات رفع أسعار الوقود في 2019، مروراً بمظاهرات مهسا أميني، حتى المظاهرات الأخيرة بعد السقوط الحر للريال الإيراني في ديسمبر الماضي.

وبالطبع لا أتوقع هنا أن المظاهرات ستنتج تغييراً سياسياً خلال الحرب، فنحن لسنا في بروكسل، لكن هذه الضغوط الاقتصادية التراكمية مع تحديات الأمن الغذائي تخلق نواة للانفجار الكامن، مع عدم إغفال أن الإعدامات زادت من 2022 بشكل سنوي حتى 2025، وكل هذا الضغط رشح وجود قبول غير معلن من فئات من الشعب للضربات الأمريكية الإسرائيلية.

وعلى مستوى الداخل الإسرائيلي يمثل ملف جنود الاحتياط ضغطاً متصاعداً منذ اندلاع حرب غزة، فتشير صحيفة جيرولزم بوست أن تكرار استدعاء جنود الاحتياط مثل ضغطاً نفسياً وعائلياً عليهم، كما أن هناك تكلفة اقتصادية متراكمة عسكرياً بشكل عام وعلى مستوى رواتب جنود الاحتياط بشكل خاص، حيث تكلف الحرب الراهنه أكثر من 4 مليارات دولار أسبوعياً.

وهناك تحدٍ سياسي أيضاً لنتنياهو في ملف جنود الاحتياط، فهو بين نار «الحريديم» وهم اليهود الأرذوكس المتشددون، فطاعتهم في إعفاء طلاب المدارس الدينية يحرم نتنياهو من كل جندي يحتاجه في واحدة من أكبر معارك إسرائيل عبر التاريخ، والتصدي لهم يعني عملياً سقوط حكومته، حيث سيصبح أقلية بخمسين نائباً، من 120 نائباً في الكينيست، وبحسب القناة 12 فإن أي انتخابات ستقلل مقاعد الليكود لـ 27 فقط.

وبالتالي فما هو السقف الذي يستطيع تحمّله كل طرف بما يتجاوز القدرات العسكرية، فالقدرة على معالجة الألم الداخلي أو حتى تحمله تكون أحياناً عاملاً أهم من النصر العسكري في حسم المعركة.

00:32 | 18-03-2026

حلفاء.. إلى حدٍّ ما

تتباين القوى العالمية من حيث تبني حلفاء من عدمه، وبعضهم يكتفي بالأصدقاء أو أحياناً الشركاء خاصة حين يكون التعامل بالقطعة، مصطلح الحلفاء قديم جداً، وقد تشكل في القرن العشرين بشكل رئيسي خلال الحربين العالميتين، خاصة في الثانية التي كان مصطلح الحلفاء يرمز للجبهة التي تتصدى لهتلر وحلفائه، وكان آخر المنضمين والعامل الحاسم في تلكم المعركة هو الولايات المتحدة الأمريكية.

ثم بعد ذلك تطور ليكون أحلافاً مثل حلف الناتو وحلف وارسو سالف الذكر، وهذا الشكل الأخير في الناتو مثلاً، يمثل مظلة حماية لكافة الدول المنضوية تحت الحلف، أو هكذا كان ينظر إليه على الأقل قبل حرب أوكرانيا، مع التأكيد على أنه لولا وجود دعم كبير من الدول الأوروبية والولايات المتحدة، لكان المشهد في كييف مختلفاً تماماً.

وبالطبع التحالفات تذهب أبعد من ذلك بحسب العلاقات العابرة للقارات وموضع التهديدات، فهناك تبادل المعلومات الاستخبارية الذي تعد العيون الخمس FEVY أحد تطبيقاته، حيث يتبادل الأمريكان مع بريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزلندا معلومات من شأنها أن ترفع الأمن الجمعي للتكتل، وفي مثال آخر تنتشر القواعد الأمريكية من شرق الكوكب في اليابان وكوريا الجنوبية، على مقربة من التهديد الصيني، مروراً بقواعد في ألمانيا وبولندا وغيرهما على مشارف التهديدات الروسية.

لكن التحالف لا يعني مشاركة كافة المعلومات ولا بيع كافة القدرات والأسلحة، وهذا ما نشهده اليوم في أسلحة تستخدمها واشنطن في المعركة، لكن محظور على إسرائيل الوصول إليها، فمثلاً طائرة F-22 Raptor منع الكونجرس بيعها لدول أجنبية رغم طلبات متكررة من ثلاثة حلفاء، وكذلك القاذفة B-2 Spirit التي تحمل قنابل بوزن يتجاوز 900 كيلو، وB-1B Lancer، وB2 وكلتاهما استخدمتها في الأيام الأخيرة وفي صراع الاثني عشر يوماً يونيو الماضي، وقائمة الأسلحة المحظورة تطول.

من جانب آخر رفضت روسيا مراراً بيع إيران أحدث أنواع الطائرات، كما امتنعت عن منحها أنظمة الدفاع الجوي S400 واكتفت ببيعها S300 مع بعض التعطيل والتأخير في التسليم، إضافة إلى الامتناع عن تحويل الاتفاقية بينهما إلى اتفاقية دفاع مشترك، كما ذكرت في مقال سابق بعنوان «مصائب قوم عند قوم عوائد».

لكن من اللافت أيضاً أن إيران لا تمنح حلفاءها أو أذرعها في المنطقة أحدث ما وصلت له تقنياتها الصاروخية، ومن مثال ذلك صاروخ سجيل ذو الوقود الصلب ثنائي المراحل، الذي يمنح إيران قدرة وصوله لتل أبيب بعد سبع دقائق من الإطلاق، بينما منحت «حزب الله» على سبيل مثال تقنيات أقل من فاتح-110 وزلزال، وشمل ذلك توطين تقنية الصناعة في لبنان وبدرجة أقل في اليمن، رغم ما ينبغى أن يكون وحدة الساحات بين المحور.

وتأتي جزئية التسليح المحدود والتسليح المشروط، من بواعث عدة ليس أقلها الثقة، كما أن الرغبة في المفاجأة يجعل الدولة المطورة تريد الاحتفاظ بهذا السلاح لمعركتها الخاصة، وتخشى من وقوعه في يد الخصوم، وبالتالي فهمه وتطوير آلية التصدي له أو اختراقه في حالات أنظمة الدفاع الجوي، واليوم في ظل التنافس في تقنيات من شاكلة طائرات الجيل الخامس، لا غنى عن التعاون في مجالات البحث العلمي العسكرية بالتوازي مع تعزيز الصناعات العسكرية الوطنية، حيث لا تحتاج إلا أن تشاهد نقاشات أحد اجتماعات الناتو لتدرك أن كل حليف هو حليف إلى حد ما.

00:10 | 17-03-2026

حامي الديار.. هنري نفسينجر

في خضم الصراع القائم في المنطقة يسعى المحللون لقراءة مستقبل الأحداث وما هي السيناريوهات المطروحة، ومن أبرزها هل سيسقط النظام أم لا؟ وما هي أسباب تماسك النظام لو بقي؟ وبعيداً عن التحليل المنطقي الذي يفترض أن بقاء النظام قد يكون دافعه الرئيسي طبيعة الرئيس ترمب الكاره للحروب والذي لا يريد أن يبقى في حرب للأبد، وإدراكه العميق لأثر ذلك سلبياً على الاقتصاد الأمريكي وعلى حاضنته الشعبية.

لكن أحد جهابذة التحليل العارفين بأمور إيران معرفة المرء بزوايا منزله، يرجّح بقاء النظام الإيراني معللاً ذلك بقوة النظام التي لا يمكن أن تسقطها كل الضربات الأمريكية والإسرائيلية، ولا التفوق الاستخباري الذي أدى لسرقة خمسين مليون وثيقة من برنامجها النووي، واغتيال العلماء النوويين في قارعة الطريق.

وكرّت سبحة المفكر فأضاف بأن مقدّمات سقوط النظام غير موجودة من الأساس، وهي بطبيعة الحال كما نعرف تبدأ من انشقاقات من داخل النظام، ويشير إلى أن سقوط نظام بشار الأسد مرتبط بالانشقاقات بالرغم من أن أحد أبرز أركان النظام وهو عبدالحليم خدام انشق قبل سقوط النظام بعقدين، ولكن جهبذ التحليل يعتمد بطبيعة الحال على أمرين مهمين، أن الناس لا تقرأ التاريخ، وأن الناس لا تتذكر ما قاله في اللقاءات السابقة.

العامل الثاني والذي يدل على قوة وتماسك النظام هو عدم تحرك الأقليات خاصة الأكراد، وهذا يجب أن يفسر لنا حجم القصف الكبير من النظام الإيراني على أربيل وباقي مناطق كردستان كاحتفالات رمضانية، ويضيف المفكر لهذا التحليل فقرة من الغزل في النظام الذي لا يرى أنه يخضع لحكم الشخص، عبر افتراض أن المرشد يبرأ بنفسه أن يدخل في التفاصيل، وبالتالي فجمهورية إيران دولة مؤسسات، قبل أن يعود ليقول إن الحرس الثوري والأجهزة الأمنية مرجعيتها للمرشد وليس للرئيس والحكومة.

من جهة أخرى لا يمكن كسب المشاهد دون أن يتم التموضع تحت عباءة العارف ببواطن الأمور حتى عند عدو إيران «إسرائيل»، حيث يشير إلى «أوري لوبراني» الذي شغل منصب سفير إسرائيل لدى طهران من 1973 حتى 1978 أي في أواخر فترة الشاه، ووصفه بالخبير بالشأن الشيعي، وبطبيعة الحال عمل لوبراني على عدة ملفات متعلقة بالشأن اللبناني والإثيوبي، لكن التحديث لم يصل للمفكر الجهبذ وهو أن أوبراني توفي في 2018، وبالتالي ربطه بالحرب الحالية تكرار للارتكاز على أمة لا تقرأ.

هذا المنطق يذكرنا بعبارات الفنان القدير سعد الفرج في مسرحية حامي الديار، حين أراد أن يعطي مصداقية لترهاته فوصف مصدر المعلومة بـ: توي مكلم ديوانية عروقها بالماي.. تقرأ المستقبل وهو بالأرحام.. تكشف المكتوم وتخفي المعلوم.

كان هنري كسينجر خبيراً ومحللاً سياسياً مميّزاً في قراءته للأحداث ورمزاً لاستقراء المستقبل، تستطيع أن تفصل نظارة تشبه نظارته، لكن ذلك لن يضمن لك بالضرورة أن تملك رؤيته.

00:10 | 16-03-2026

حروب الذكاء الاصطناعي والغباء البشري

قبل يوم واحد من انطلاق المعركة استبعدت وزارة الحرب الأمريكية (الدفاع سابقاً)، أحد أهم مورديها لتقنيات الذكاء الاصطناعي، بسبب أن شركة أنثروبيك تريد تعديل قيود موجودة في التعاقد القائم بين الشركة والوزارة، حيث أشار الرئيس التنفيذي للشركة داريو أمودي بأن سبب الخلاف كان رفض الشركة لإزالة القيود الأمنية المفروضة على نموذج الذكاء الاصطناعي كلود، وتحديداً تلك التي تمنع استخدامه في الأسلحة ذاتية التشغيل والمراقبة الجماعية.

ويأتي ذلك أيضاً بعد تقارير تؤكد استخدام القوات الأمريكية لنموذج الذكاء الاصطناعي في عملية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، والتي ما زالت عملية غامضة على مستوى دقتها ومحدودية الخسائر وسرعة الإنجاز، وكذلك خروج الهدف وزوجته سليمين واصطحابهم للولايات المتحدة.

بالطبع نتج عن ذلك تصعيد قضائي بين الطرفين وحديث عن توجه الوزارة إلى نموذج ذكاء صناعي آخر لا يقيّد وزارة الحرب في مهماتها، ولكن ما يعنينا هنا هو مناقشة دور الذكاء الاصطناعي في معارك اليوم.

فمن جهة يُطرح مبدئياً استخدامات بغرض رفع الكفاءة كالهدف الأول في تطبيقات الذكاء الاصطناعي عامة، فمثلاً في أروقة البنتاغون، لم تعد النقاشات تدور حول عدد الرؤوس الحربية، بل حول «سرعة الاستجابة» (Inference Speed)، وهو مصطلح مرتبط بجودة وسرعة تحليل البيانات المقدّمة وإعطاء تنبؤات دقيقة.

وهذا مهم في المعركة مع تواجد عدد ضخم جداً من البيانات سواء تلك المرتبطة بأهداف إيرانية، أو المتعلقة برصد مسيّرات إيرانية، فالخوارزميات حدّدت مواقع منصات الإطلاق المتنقلة بدقة تصل لحوالى 98%، وهي نسبة دقة كانت متعذرة سابقاً خاصة مع تقنيات التمويه.

من الجانب الإيراني لا يعني حجب التقنيات عنها خاصة رقائق «Nvidia» المتقدمة منعها من استخدام هذه التقنيات بالمطلق، لكنها لجأت إلى تطوير ذكاء هجين مبني على فهم التقنيات الدفاعية مثل القبة الصاروخية الإسرائيلية واختراقها، مثل توجيه أسراب من مسيّرات «شاهد-136» عبر شبكات عصبية محلية الصنع، مما أغرق المنظومة الدفاعية لتل أبيب ببيانات مشوشة تؤثر على دقة الرادارات.

لكن الميزة التي امتلكتها إيران من بيانات قد تكون جمعتها من تجارب صراع حزب الله وحماس مع إسرائيل، إلا أن العقوبات التقنية ظلت مؤثرة حيث تفتقر النماذج الإيرانية الهجينة إلى مرونة التعلم اللحظي على شاكلة تلك التي تتمتع بها الأنظمة الأمريكية.

ولكن السؤال الذي يلح على فضول الصحفي هو عن حقيقة الغباء البشري الذي استلزم الذكاء الاصطناعي، فهل مثل استخدام ملايين البيانات وصور الأقمار الصناعية مسار أكثر نجاعة في الحرب بغرض رفع الكفاءة أم كان بديلاً لضعف الاستخبارات على الأرض، وصعوبة اختراق الدوائر القريبة من الأهداف.

فالقبض على خلايا هنا وهناك قد يكون جزءاً منه فيه حرب نفسية، لكن الأكيد أنه دلالة على تضييق أوسع لقدرات جمع المعلومات على الأرض، وربما كان تصريح السلطات الإيرانية بأن من يخرج إلى الشارع لا يعتبر معارضاً بل عدواً دلالة على درجة الحذر العالية لأحد طرفي المعركة.

ختاماً، تصف مجلة Time والتي عنونت غلافها «معركة الـAI»، بأن الذكاء الاصطناعي لم يدفع العالم بالضرورة نحو مزيد من الأمان، بل أسهم في خفض كلفة الانخراط في الحرب، وتسريع وتيرة استخدامها، وتعقيد مسارات ضبطها وإنهائها.

لا شك أن الحرب الجارية تمثل أول نموذج لحرب تكون تقنيات الذكاء الاصطناعي فيه طاغية، ولا شك أن هذه النماذج رفعت الراية البيضاء وأعلنت أن الخوارزميات تفشل في التنبؤ بنهاية المعركة ما لم يكن هناك قرار بشري بذلك.

00:06 | 15-03-2026

الذبذبة في خطابات المعركة

إذا ما وضعنا مسارات الرسوم البيانية لاتجاهات السوق الاقتصادي منذ اندلاع الصراع مع إيران، فنجد عدة متغيّرات تبدأ من أسعار الأسهم وتمر بالملاذات الآمنة من ذهب ونحوه ولا تتوقف عند أسعار الطاقة بشقيها الرئيسيين من نفط وغاز، والتقديرات التي لا يمنعها في أحيان كثيرة من القفزات هبوطاً أو صعوداً إلا بعض الظن بأن النور الذي في آخر نفق ترمب دائماً هو صفقة، والصفقة في نمط التفاوض الذي شهدناه في العام الأخير على الأقل تُطهى في فترة قصيرة.

لكن ماذا عن مسارات الخطاب لأطراف المعركة، وإذا بدأنا من أمريكا نجد أن هناك أولاً توزيعاً للأدوار بين تصريحات ترمب على تروث سوشيال تحديداً، والتي تتحدث عن الاستسلام غير المشروط، وهي لغة لم تستخدم حتى مع خصوم الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، وبين لغة دبلوماسية وعسكرية يمثلها وزيرا الدفاع والخارجية الأمريكيان هيغسيث وروبيو.

وإذا عدنا خطوة للوراء فلم يقدم لنا أحد تفسيراً لبداية حرب الاثني عشر يوماً في يونيو السابق ولا سبباً لنهايتها، وفي عصر المراهنة على ذاكرة الأسماك لا يجيب المنطق بما إذا كانت تلك المعركة القصيرة قد حيّدت الخطر النووي الإيراني، والذي وصل إلى 970 رطلاً من اليورانيوم وبنسبة تخصيب تصل 60%، مما يعني اقترابها من النسبة المطلوبة للقنابل النووية وهي 90%، أما كما أشار روبيو في بداية المعركة معتبراً «منع القنبلة الإيرانية هو حجر الزاوية في عقيدة ترمب للأمن القومي».

كما أن المعركة أشارت ببارودها أن خط المفاوضات قد قطع وأن لا منطقة وسطى، وقد كان هذا جلياً من خطاب الرئيس ترمب في اليوم الأول، أما في اليوم الخامس فقد ارتفعت النبرة للحديث عن رفض الرئيس لاستقبال الاتصالات حول إيران، وتصريحه «سأجعلهم يشعرون بالحرارة قليلاً»، ومنذ يومين انتقلت لغة الرئيس ترمب من حملة الضغوط القصوى إلى هندسة الاستسلام الإيراني، عبر تصريحه في البيت الأبيض بأنه مستعد للتفاوض إذا اغتنموا الفرصة الأخيرة.

ويبقى السؤال الذي يتعذّر وجود إجابة دقيقة له سواء في التصريحات الأمريكية أو الإسرائيلية على حد سواء، هو المدى الزمني للمعركة، رغم كل الضربات الدقيقة والتي حيّدت القدرات الجوية والبحرية الإيرانية، وحيّدت جزءاً كبيراً من القدرات الصاروخية، لكنها لم تلغها وإن قل منسوبها كثيراً.

من الجانب الإيراني كان أول القصيدة كفراً، فالدول الخليجية التي وقفت ضد استخدام أراضيها وسماواتها للحرب ضد إيران صارت أهداف إيران الرئيسية، ولم يسلم من ذلك حتى الدول الخليجية التي اضطلعت بأدوار تفاوضية، وهذا في حد ذاته مؤشر حول جديتها في الحوار، وقبل ذلك مدى تقديرها لأوضاع شعبها الاقتصادية والتي من المفترض منطقياً أن يكونوا أكثر المستفيدين من رفع العقوبات.

فكانت النبرة عالية لشد العصب الداخلي بدءاً بحسين سلامي الذي اعتبر التفاوض مع ترمب انتحاراً سياسياً، وفي اليوم التالي خرج الرئيس بزكشيان بتصريح «الكرامة قبل الخبز»، وإن كانت الشعوب تحتاج الخبر لتعيش حتى ترى الكرامة، ومن السابع من مارس نزلت التصريحات الإيرانية أيضاً عن الشجرة، وبدأ الحديث عن مفاوضات ممكنه إذا توفرت ضمانات دولية، ولا يعرف المستمع العاقل هذه الضمانات الدولية ستأتي من أي من الأطراف التي تحرك بوارجها وحاملات طائراتها نحو قبرص والمنطقة، لأن قصف دولة أوروبية كقبرص وإغلاق مضيق هرمز خطان أحمران يوحدان العالم.

لكن اللافت كان تصريح عباس عراقجي وزير خارجية إيران، حين قال: يخطئ الأمريكيون إذا اعتقدوا أننا كابول أو بغداد، وهنا ربما نعود لكتابة قوة التفاوض، حين اعتبر أن الأهم للمفاوض ليس بلاغته بل مرتكزاته وهي قوة الدولة على مستوى القدرة العسكرية والوزن الاقتصادي والقدرة على الاحتمال.

مما يعني أن صراع طاولة التفاوض سيكون مرتبطاً بما يبقى من صبر وسلاح محدود مع الإيرانيين، وما يبقى من وقود سياسي لدى أمريكا وإسرائيل داخلياً ودولياً، وبالتالي ما يعود به ترمب من نصر عسكري وسياسي، يكون وقوداً لمعركة الانتخابات النصفية.

وإن كانت منطقتنا تعرف كثيراً بخروج طرفين من المعركة معلنين الانتصار معاً، على أمل أن لا أحد سيقرأ الصحف باللغتين في اليوم التالي.

00:25 | 13-03-2026