أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/263.jpg?v=1766066392&w=220&q=100&f=webp

علي مكي

دميرال «وحش» الأهلي..

في كرة القدم، هناك لاعبون يؤدّون أدوارهم، وهناك لاعبون يغيّرون الإحساس بالمكان. مريخ دميرال ينتمي إلى الفئة الثانية، ذلك النوع من اللاعبين الذين لا تحتاج الجماهير إلى شرح أهميتهم؛ لأن حضورهم يُرى قبل أن يُحلّل، ويُحَسّ قبل أن يُقاس بالأرقام.


منذ أن ارتدى قميص الأهلي، بدا واضحاً أن الفريق لم يتعاقد مع مدافع عادي، بل مع شخصية. شخصية صلبة، صارمة، تعرف كيف تفرض الهيبة، وكيف تُشعر الخصم أن الاقتراب من المرمى ليس قراراً سهلاً. دميرال لا يلعب الدفاع بوصفه مركزاً، بل بوصفه مسؤولية كاملة: مساحة، توقيت، صوت، وقرار.


في التحاماته، لا توجد أنصاف حلول. يدخل الكرة بعقل حاضر وقلب شجاع، كأنه يقول للمنافس: «هنا حدّك». قوته الجسدية ليست استعراضاً، بل أداة منضبطة، مسنودة بقراءة ممتازة للعب. يعرف متى يضغط، ومتى يتراجع خطوة ليغلق الزاوية، ومتى يقطع التمريرة قبل أن تولد؛ لذلك يبدو غالباً سابقاً للّقطة، لا لاحقاً لها.


الأهم من ذلك، أن دميرال لا يدافع وحده. وجوده يرفع مستوى من حوله. يمنح زملاءه ثقة إضافية، ويُعيد ترتيب الخط الخلفي بصوته وحضوره. يوجّه، يصرخ، يطالب بالتركيز، ويذكّر الجميع أن الدفاع ليس خطاً أخيراً فقط، بل بداية الانتصار. معه، يتحوّل الهدوء إلى انضباط، والفوضى إلى تنظيم.


وحين نصفه بـ«اللاعب الوحش»، فنحن لا نقصد القسوة فقط، بل الصلابة الذهنية. دميرال لاعب لا يهتز بسهولة، لا يربكه ضغط المدرجات، ولا تفقده الأخطاء تركيزه. يسقط؟ ينهض فوراً. يُخطئ؟ يُصلح في اللقطة التالية. هذه العقلية هي ما يحتاجه الأهلي في المباريات الكبيرة، حين تكون التفاصيل الصغيرة هي الفارق بين الفوز والتعثر.


هو مدافع، نعم، لكنه أيضاً رمز. رمز للاعب الذي يحترم القميص، ويقاتل من أجله، ويمنح الجمهور شعور الطمأنينة. حين يكون في الملعب، تشعر أن الأهلي أقرب إلى ذاته القوية، إلى صورته التي لا تقبل أنصاف الحلول ولا ترضى بالهشاشة.


دميرال ليس مجرد صفقة ناجحة، بل إضافة معنوية وفنية. لاعب يُذكّرك أن الدفاع يمكن أن يكون جمالاً من نوع آخر، جمال القوة، والالتزام، والهيبة. لذلك، حين يُذكر اسمه، لا يُقال فقط «مدافع الأهلي»، بل يُقال: هنا يقف الوحش.. وهنا يصعب المرور..!

00:00 | 13-01-2026

اليمن.. حتى إذا جاءت الساعة قال التاريخ كلمته..

ما الذي يجري في اليمن؟


سؤالٌ يتكرّر، لا لأن الإجابة غامضة فحسب، بل لأن المشهد اليمني صار مرآةً مكبّرة لتعقيدات الإقليم كلّه، واختباراً حقيقياً لموازين القوة، وحدود الصبر، وأخلاقيات السياسة في زمن الفوضى.


اليمن، في جوهر ما يحدث فيه، ليس ساحة حرب داخلية فقط، بل مسرحٌ مفتوحٌ لتصفية حسابات إقليمية، وميدانٌ تُدار فيه صراعات بالوكالة، وتُستثمر فيه الجغرافيا والهوية والتاريخ؛ لخدمة مشاريع تتجاوز اليمنيين أنفسهم.


منذ سنوات، واليمن يُدفع دفعاً إلى أن يكون الخاصرة الرخوة، لا لضعف أهله، بل لكثرة من تآمروا عليه، داخلياً وخارجياً، ولأن الدولة حين تضعف تتكاثر الأيدي التي تعبث بها.


في قلب هذا المشهد، وقفت السعودية موقف الدولة التي تعرف حجمها، وتدرك موقعها، وتقرأ الزمن السياسي لا بعصبية اللحظة، بل ببرودة الاستراتيجي الذي يملك النفس الطويل. السعودية لم تدخل اليمن بدافع نزوة، ولا رغبة في حرب، بل دخلت دفاعاً عن أمنها القومي، واستقرار جوارها، ومنعاً لتحويل اليمن إلى منصة تهديد دائمة، وسلاح موجّه إلى خاصرتها الجنوبية.


منذ بداية الأزمة، كانت السعودية أكثر الأطراف وضوحاً في أهدافها: يمنٌ آمن، دولة لا ميليشيا، وسيادة لا وصاية. لكنها في الوقت ذاته كانت أكثر الأطراف صبراً. تعرف أن السياسة ليست ردود أفعال، وأن الصراخ لا يصنع حلولاً، وأن ترك الخصم يكشف أوراقه أحياناً أجدى من مواجهته في لحظة لم تنضج بعد. لهذا، لم تكن السعودية في عجلة من أمرها، ولم تُغلق باب الحل السياسي، حتى وهي في قلب المواجهة.


على الضفة الأخرى، برزت جماعة (الحوثيين) بوصفها مشروعاً مسلحاً، لا يرى في اليمن وطناً جامعاً، بل غنيمة أيديولوجية. خطابها لا يتسع للدولة، وسلاحها لا يعترف بالمواطنة، وتحالفاتها الخارجية تفضح أكثر مما تخفي. لم يكن سلوك هذه الجماعة سلوك شريك في وطن، بل سلوك أداة، تُدار من خارج الحدود، وتُغذّى بوهم «الانتصار» حتى لو احترق البلد كله.


وسط هذا كله، كان الرهان لدى كثيرين أن السعودية ستُستنزف، أو تُستفز، أو تُدفع إلى قرارات متسرّعة. لكن ما حدث كان العكس تماماً. تركت الخونة يمارسون (تذاكيهم) الغبيّ، ويستعرضون شعاراتهم، ويكشفون حقيقتهم أمام الداخل اليمني وأمام العالم. تركتهم يراكمون الأخطاء، حتى صار خطابهم عبئاً عليهم، وصار سلوكهم حجة ضدهم.


السعودية تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت. ومتى تُفاوض، ومتى تحسم. هذا ليس ضعفاً، بل مدرسة دولة. مدرسة تفهم أن الصبر ليس تراجعاً، وأن التوقيت نصف القرار. ولهذا، حين تتكلم السعودية اليوم، فهي لا تتكلم من فراغ، بل من أرشيف طويل من التجربة، ومن قراءة دقيقة لموازين القوة، ومن إدراك عميق أن حماية الأمن القومي لا تعني فقط كسب معركة، بل منع تكرارها.


ما يجري في اليمن اليوم هو مرحلة فرز. فرز بين من يريد دولة، ومن يريد غنيمة. بين من يرى اليمن وطناً، ومن يراه منصة. وبين من يراهن على الفوضى، ومن يراهن على الاستقرار. والسعودية، في هذا الفرز، اختارت منذ البداية أن تكون في صف الدولة، حتى لو كان الطريق أطول وأثقل.


نعم، الكلفة كانت عالية. إنسانياً، وسياسياً، وأمنياً. لكن الكلفة الأكبر كانت ستقع لو تُرك اليمن يسقط بالكامل في يد مشروع لا يؤمن بالدولة، ولا بالجوار، ولا بالتوازن. التاريخ علّم السعودية أن تجاهل التهديد لا يُلغيه، وأن معالجة الجرح في بدايته أرحم من تركه (يتقيّح) حتى يصل القلب.


ولهذا، فإن ما يجري في اليمن ليس فوضى بلا معنى، بل صراع على المعنى نفسه: معنى الدولة، ومعنى السيادة، ومعنى أن تكون عربياً في إقليم تُختطف فيه العواصم باسم الشعارات. والسعودية، وهي «سيدة المشهد السياسي العربي»، كما يصفها كثيرون، لا تبحث عن تصفيق، بل عن نتيجة. لا تريد أن تنتصر في خطاب، بل أن يُغلق هذا الملف بطريقة تمنع عودته كقنبلة مؤجلة.


في النهاية، قد يطول الطريق، وقد تتبدل الوجوه، لكن الحقائق الكبرى لا تتغير: اليمن يستحق دولة، لا ميليشيا. والمنطقة تستحق استقراراً، لا حروب وكالة. والسعودية، بما راكمته من صبر وخبرة وحسابات دقيقة، أثبتت أنها لا تُدار بالعاطفة، ولا تُستدرج بالفخاخ، بل تمشي إلى لحظتها حين تعرف أنها لحظة الحسم.


وإذا كان بعضهم لا يزال يظنّ أن الصمت ضعف، فالتجربة اليمنية تقول العكس: أحياناً، الصمت هو أعلى درجات القوة، حتى إذا جاءت الساعة، قال التاريخ كلمته.

14:16 | 10-01-2026

لماذا يحبّ السعوديون محمد بن سلمان

ليس حبّ الشعوب لقادتها مسألة عاطفة عابرة، ولا نتيجة دعاية آنية، بل حصيلة تراكم طويل من الأفعال، والقرارات، والقدرة على لمس حياة الناس اليومية. وحين يُطرح سؤال: لماذا يحبّ السعوديون الأمير محمد بن سلمان؟ فإن الجواب لا يُختزل في سبب واحد، بل يتوزّع على مساحات واسعة من التحوّل، والطموح، واستعادة الثقة بالمستقبل.


أوّل هذه الأسباب أنّ محمد بن سلمان قدّم للسعوديين مشروعاً واضحاً ومعلناً، لا وعوداً فضفاضة. رؤية 2030 لم تكن مجرّد وثيقة حكومية، بل تحوّلت إلى لغة يومية يتداولها الناس في أعمالهم، وفي تعليم أبنائهم، وفي خياراتهم المهنية. للمرة الأولى، يشعر المواطن أنّ الدولة تخاطبه بخارطة طريق، لا بشعارات. هذا الوضوح منح الناس شعوراً بالأمان، لأنهم يعرفون إلى أين تتجه بلادهم، وما الدور المنتظر منهم.


السبب الثاني يتمثّل في الجرأة على اتخاذ القرار. في مجتمع محافظ بطبيعته، كان من الصعب تحريك ملفات مؤجّلة منذ عقود، سواء تعلّق الأمر بإعادة هيكلة الاقتصاد، أو بمراجعة أنماط الحياة، أو بفتح مجالات جديدة للترفيه، والفنون، والرياضة. غير أنّ محمد بن سلمان واجه هذه التحدّيات بجرأة محسوبة، لا صدامية، فبدت التغييرات وكأنها انتقالٌ طبيعي، لا قطيعة. هذه الجرأة خلقت احتراماً قبل أن تخلق إعجاباً.


وثالث الأسباب أنّ السعوديين رأوا في قيادتهم الجديدة قائداً شاباً يشبههم. لا يتحدّث من برج عاجي، ولا يُدير الدولة بعقلية تقليدية. حضوره الإعلامي، لغته المباشرة، واعترافه بالأخطاء أحياناً، كلّها عناصر قرّبته من الناس. هو قائد لا يدّعي الكمال، بل يعمل بمنطق التجربة والتعلّم، وهو منطق يقدّره جيل شاب يشكّل غالبية المجتمع.


السبب الرابع مرتبط بالاقتصاد وفرص العمل. لسنوات طويلة، كان هاجس الوظيفة يثقل كاهل الأسر السعودية. اليوم، ومع التحوّلات الكبرى في قطاعات السياحة، والتقنية، والصناعة، والترفيه، باتت الفرص أكثر تنوعاً. لم تعد الخيارات محصورة في مسار واحد. هذا التحوّل لم يلغ التحدّيات، لكنه أعاد الأمل، والأمل قيمة سياسية واجتماعية كبرى.


ولا يمكن إغفال البعد الوطني في علاقة السعوديين بمحمد بن سلمان. فقد أعاد التأكيد على سيادة القرار السعودي، وعلى استقلالية الموقف السياسي، مع الانفتاح المتوازن على العالم. هذا الجمع بين الاعتزاز بالهوية، والانخراط في العصر، خلق شعوراً بالفخر. فالمواطن يرى بلاده حاضرة على طاولات القرار العالمي، لا بوصفها تابعاً، بل شريكاً مهماً وفاعلاً.


ومن الأسباب المهمّة أيضاً محاربة الفساد بوصفه ملفاً (مسكوتاً) عنه طويلاً. حين يرى المواطن أنّ القانون يُطبّق، وأن المال العام ليس مباحاً، تتعزّز ثقته بالدولة. هذه الرسالة لم تكن قانونية فقط، بل أخلاقية، أعادت ترتيب العلاقة بين الفرد والمؤسسة.


ثمّة سبب إنساني لا يقلّ أهمية: الإحساس بأن الدولة تسمع. في السنوات الأخيرة، تطوّرت أدوات التواصل، وتحوّلت ملاحظات الناس إلى مادّة نقاش حقيقي. قد لا تُلبّى كل المطالب، لكن مجرّد الشعور بأن الصوت مسموع يُحدث فرقاً كبيراً في العلاقة بين القيادة والمجتمع.


أخيراً، يحبّ السعوديون محمد بن سلمان لأنه لم يعدهم بحياة مثالية، بل بوطن يعمل. وطن يخطئ ويصحّح، يتقدّم ويتعلّم، ويضع الإنسان في قلب مشروعه. هذا الصدق، وهذا الطموح العالي، هو ما جعل العلاقة بينه وبين السعوديين علاقة ثقة قبل أن تكون علاقة تأييد.


إنه حبّ نابع من الإحساس بأن المستقبل لم يعد فكرة بعيدة، بل واقع يتشكّل كل يوم. وهذا، في نهاية المطاف، هو أثمن ما يمكن أن يقدّمه قائد لشعبه.

23:45 | 4-01-2026

لماذا يجب أن يُدرّس تاريخ المملكة في الجامعات؟

يجيءُ هذا المقال ثمرة اقتراح فكريّ لافت من الأستاذ الدكتور علي بن حسن الصميلي، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة جازان، المعروف باشتغاله الجاد على التاريخ الوطني وقلقه العلمي إزاء حضوره في الوعي العام، ولا سيما في الفضاء الجامعي. فقد انطلق الاقتراح من إيمان عميق بأن التاريخ ليس مادة تكميلية، بل ركيزة أساسية في بناء الوعي الوطني، وأن غياب تدريس تاريخ المملكة بصورة منهجية وإلزامية في الجامعات يترك فراغاً معرفياً لا ينسجم مع مكانة الدولة ولا مع تحوّلاتها الكبرى. ومن هذا الهاجس المعرفي، تأتي هذه المقالة بوصفها محاولة لتفكيك الفكرة، وتوسيع أفقها، وطرحها للنقاش العام؛ بوصفها قضية تعليمية ووطنية ملحّة.

وبهذه المناسبة أقول إنها في لحظة تاريخية فارقة، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها دولة عظمى ذات ثقل اقتصاديّ عالمي، ودور سياسيّ فاعل في توجيه مسارات الإقليم والعالم. هذا التحوّل لم يكن نتاج طفرة عابرة، ولا نتيجة ظرف دوليّ مؤقّت، بل هو حصيلة مسار تاريخيّ طويل، تشكّلت خلاله الدولة، وترسّخت مؤسّساتها، وتراكمت خبراتها في إدارة التحدّيات وبناء الفرص. ومن هذا المنطلق، يصبح تدريس تاريخ المملكة كمادّة جامعية إجبارية على جميع الطلاب، بمختلف تخصّصاتهم، ضرورة معرفية ووطنية لا تقبل التأجيل.

فالجامعة ليست فضاءً مهنياً محضاً، يُعدّ الأطباء والمهندسين والمحاسبين فقط، بل هي مؤسّسة وعي، تُسهم في تشكيل الإنسان قبل المتخصّص، والمواطن قبل الموظّف. وحين يتخرّج الطالب السعودي وهو يفتقر إلى معرفة منهجية بتاريخ بلاده، فإنّ خللاً عميقاً يتشكّل في وعيه العام، مهما بلغ من التفوّق الأكاديمي في تخصّصه الدقيق، إذ لا يمكن بناء عقل وطنيّ متوازن من دون فهم السياق التاريخي الذي أنتج الدولة، وحدّد خياراتها، ورسم ملامح دورها الإقليمي والدولي.

إنّ تاريخ المملكة ليس سرداً لوقائع ماضية، ولا توثيقاً لأحداث منتهية، بل هو سرديّة تأسيس وبناء وتحويل. هو تاريخ الكفاح من أجل توحيد الدولة، وتثبيت الاستقرار، وبناء المؤسّسات، ثم الانتقال إلى مشاريع التنمية الشاملة، وصولاً إلى مرحلة التأثير العالمي وصناعة القرار. وهذا التاريخ، حين يُدرَّس بوعي علميّ نقدي، يمنح الطالب أدوات لفهم الحاضر: لماذا تتّخذ الدولة مواقف معيّنة، وكيف توازن بين مصالحها الوطنية والتزاماتها الدولية، وما الذي يجعلها قادرة على لعب أدوار قيادية في ملفات الاقتصاد والطاقة والسياسة والأمن.

كما أنّ إلزامية تدريس تاريخ المملكة تُسهم في ترسيخ الهوية الوطنية على أساس المعرفة لا الانفعال، وعلى الفهم لا الترديد. فالهوية التي لا تستند إلى وعي تاريخيّ راسخ تظلّ هشّة، قابلة للاهتزاز أمام الخطابات السطحية أو القراءات المشوّهة. أمّا حين يعرف الطالب تاريخ بلاده، ويُدرك تعقيداته، ويتعرّف على مراحل تطوّره، فإنه يصبح أكثر قدرة على الدفاع عن وطنه بالحجّة والمعرفة، لا بالشعارات وحدها.

ولا يصحّ القول إنّ التاريخ شأن يخصّ طلاب العلوم الإنسانية دون غيرهم. فطالب الطب الذي يمارس مهنته في مجتمع له خصوصيته التاريخية، وطالب الهندسة الذي يشارك في بناء مدنه، وطالب الاقتصاد الذي يقرأ مؤشّراته وأسواقه، جميعهم بحاجة إلى فهم الخلفية التاريخية التي شكّلت هذا المجتمع، وحدّدت مسارات نموّه وخياراته الاستراتيجية. إنّ التاريخ هنا معرفة مشتركة، تشكّل القاسم الثقافي والوطني بين مختلف التخصّصات.

ثمّة بُعدٌ آخر لا يقلّ أهمية، يتمثّل في أنّ الدول الكبرى تحرص دائماً على إدماج تاريخها في مناهجها الجامعية؛ إدراكاً منها بأنّ الوعي بالتاريخ جزء من الأمن المعرفي، ومن بناء الثقة بين المواطن ودولته. فالمواطن الذي يفهم تاريخ بلاده، ويُدرك حجم التحدّيات التي تجاوزتها، يكون أكثر استعداداً لتحمّل مسؤوليات الحاضر، وأكثر وعياً بتعقيدات المستقبل.

من هنا، فإنّ جعل تاريخ المملكة مادّة جامعيّة إجبارية ليس ترفاً أكاديمياً، ولا استجابةً لاعتبارات رمزية، بل هو خيار استراتيجي، يستثمر في الإنسان السعودي، ويعزّز وعيه، ويُحصّن انتماءه، ويجعله شريكاً حقيقياً في مسيرة الدولة. فالدولة التي تقود الاقتصاد العالمي، وتُسهم في توجيه السياسة الدولية، تستحقّ أن يكون تاريخها حاضراً في وعي أبنائها، مدروساً بعمق، ومفهوماً بوعي، ومحمولاً إلى المستقبل بثقة ومسؤولية.

00:01 | 4-01-2026

عبدالله صالح كامل.. رجل الأعمال الذي لم يفصل بين القيم والاقتصاد

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس التجارب بطول مدّتها وحده، بل بقدرتها على الاستمرار المؤثّر، وعلى التجدّد الهادئ دون أن تفقد معناها أو بوصلتها. ومن هذا المنظور، فإن إعادة انتخاب عبدالله صالح كامل رئيساً لاتحاد الغرف السعودية حتى عام 2029 لا يمكن قراءتها بوصفها حدثاً إدارياً أو استحقاقاً تنظيمياً فحسب، بل باعتبارها مؤشّراً عميقاً على طبيعة المرحلة، وعلى نوع القيادة التي يفضّلها الوسط الاقتصادي في زمن التحوّلات الكبرى.


لسنا أمام تجربة تبحث عن الأضواء، ولا أمام اسم صعد بالخطابة أو الحضور الإعلامي، بل أمام مسار طويل تشكّل بالصبر، وتراكم بالعمل، وتقدّم بثقة هادئة. أكثر من ثلاثة عقود من الحضور في المشهد الاقتصادي السعودي لم تصنعها الصدفة، بل صنعتها قدرة نادرة على فهم الاقتصاد بوصفه منظومة علاقات، لا مجرّد أرقام، وعلى التعامل مع الغرف التجارية كمساحات توازن بين مصالح السوق، ومتطلّبات الدولة، وتطلّعات المجتمع.


ما يميّز هذه التجربة ليس الاستمرار وحده، بل نوع الاستمرار. ففي مرحلة تتسارع فيها التغييرات، وتتبدّل فيها المفاهيم، وتُعاد فيها صياغة أدوار القطاع الخاص، ظلّ عبدالله صالح كامل حاضراً بعقل يقرأ التحوّل ولا يصطدم به، ويتفاعل مع الجديد دون أن يفرّط في الثوابت. وهذا ما يفسّر تجدّد الثقة به في مرحلة دقيقة من مسار الاقتصاد الوطني، مرحلة لا تحتمل الارتجال، ولا تُجامل التجارب السطحية.


إنّ اتحاد الغرف السعودية، في ظل التحوّلات الاقتصادية التي تعيشها المملكة، لم يعد مجرّد مظلّة تنظيمية للتجّار ورجال الأعمال، بل أصبح لاعباً مؤسّسياً في دعم مسارات التنويع الاقتصادي، وتمكين القطاع الخاص، وفتح قنوات الحوار بين السوق وصنّاع القرار. وإدارة هذا الكيان تتطلّب فهماً عميقاً لطبيعة الاقتصاد السعودي الجديد، اقتصاد الفرص، والاستثمار، والشراكات العابرة للقطاعات. وهنا تحديداً تتجلّى قيمة التجربة، لا في الشعارات، بل في القدرة على المواءمة بين الرؤية والطبيعة الواقعية للسوق.


ليس من المبالغة القول إنّ إعادة انتخاب عبدالله صالح كامل تمثّل تصويتاً على المنهج أكثر من كونها تصويتاً على الشخص. منهج يؤمن بالعمل التراكمي، وبناء الثقة، وإدارة الاختلاف، وتغليب الاستقرار المؤسسي على النزعات الفردية. وهو منهج أثبت جدواه في أوقات الرخاء كما في لحظات التحدّي، وفي مراحل البناء كما في محطات التحوّل.


هناك بُعد آخر لا يقلّ أهمية، يتمثّل في أن هذه التجربة عرفت كيف تُصغي. فالقيادة الاقتصادية اليوم لا تقوم على الفرض، بل على الاستماع، وعلى قراءة متغيّرات السوق، واحتياجات روّاد الأعمال، وتحدّيات المنشآت الصغيرة والمتوسطة، بوصفها العمود الفقري لأي اقتصاد حيّ. وهذا الوعي هو ما جعل الاتحاد، في فترات مفصلية، أقرب إلى هموم القطاع الخاص، وأكثر قدرة على تمثيله بواقعية ومسؤولية.


في المحصّلة، نحن أمام تجربة لا ترفع صوتها، لكنها تترك أثرها. تجربة تفهم أن الاقتصاد ليس سباقاً فردياً، بل عمل جماعي طويل النفس، وأن القيادة الحقيقية هي التي تُهيّئ الأرض للنجاح، لا التي تحتكره. ولهذا، فإن الحديث عن عبدالله صالح كامل ليس احتفاء باسم، بل قراءة لمسار يقدّم درساً مهمّاً؛ أن الاستمرار حين يكون قائماً على الكفاءة والثقة والرؤية، يصبح في ذاته قيمة وطنية.


عندما تكون الكتابة عن عبدالله صالح كامل، فإنها كتابة عن الهدوء الذي يصنع الأثر، وعن تجربة تعرف أن الزمن لا يكافئ الأكثر صخباً، بل الأكثر قدرة على الفهم والعمل والبقاء.

00:31 | 30-12-2025

المشكلة ليست في التحكيم.. بل فيمن يقفُ على الخطّ !

في كل مرة يتعثّر فيها الأهلي، تتكرّر الأسطوانة ذاتها: التحكيم، الغيابات، الظروف، وكل شيء إلا الاعتراف بالقصور الفني. عقب الخسارة البارحة الأولى أمام الفتح، خرج مدرب الأهلي "ماتياس ياسله" ليبرّر السقوط بأخطاء تحكيمية وغياب لاعبيه (الأفارقة)، وكأنّ الفريق يُدار بعقلية ردّ الفعل لا بعقلية الحلول، وكأنّ المدرب لا يُفترض به أن يكون صاحب البدائل، لا مجرد ناقل للأعذار.


الحقيقة التي باتت واضحة أن مشكلة الأهلي مع مدربه ليست طارئة ولا مرتبطة بمباراة واحدة، إنّها مسار ممتدّ طوال السنوات الثلاث التي قضاها مع النادي. فريق كبير بحجم الأهلي يُفترض أن يمتلك هوية فنية واضحة، وأن يكون قادراً على فرض أسلوبه على الفرق المتوسطة والضعيفة، لا أن يسقط أمامها تباعاً، وبالسيناريو نفسه: ارتباك، بطء في التعديل، قراءة متأخرة للمباراة، ثم هروب إلى شماعة التحكيم.


المدرب الجيد يُقاس بقدرته على التعامل مع النقص، دون الشكوى منه. الغيابات جزء أصيل من كرة القدم، والإيقافات والإصابات لا تُعفي الجهاز الفني من المسؤولية. هنا تحديداً تتجلى أزمة ياسله: فقر في الأدوات، وضيق في الخيارات، وعجز مزمن عن ابتكار حلول تكتيكية عند (تعقّد) المباريات. الأهلي غالباً يبدأ بلا خطة بديلة، وإذا اختنق اللعب، لا يملك المدرب سوى تغييرات متأخرة أو عشوائية لا تغيّر شيئاً في المشهد.


أما التذرّع بالتحكيم، فهو خطاب استهلاكيّ تجاوزه الزمن. الأخطاء التحكيمية، إن وُجدت، تصيب الجميع، لكنها لا تبرّر خسارة فريق يملك الإمكانات والنجوم أمام منافسين أقلّ جودة على الورق، مثل الفتح. حين تتكرر الهزائم أمام الفرق المتوسطة، لا يعود الخلل عارضاً، بل يصبح مؤشراً صريحاً على ضعف القراءة الفنية وسوء إدارة التفاصيل.


الأخطر من ذلك أن الأهلي في عهد ياسله يبدو بلا شخصية. لا ضغط منظم، لا بناء لعب متماسك، ولا قدرة على التحكم بإيقاع المباريات. الفريق إمّا يربح بمجهود فردي، أو يخسر بمجرد أن يُغلق الخصم المساحات ويجبره على اللعب تحت الضغط. هنا يسقط المدرب، مرة بعد أخرى، لأنه ببساطة لا يقرأ النزالات كما ينبغي، ولا يملك أدوات فك الاشتباك التكتيكي - (حلوة الاشتباك التكتيكي)!


الخلاصة أن استمرار هذا النهج يعني استمرار الدوران في الحلقة نفسها: تبريرات بعد كلّ إخفاق، ووعود بعد كلّ خسارة، بلا أيّ تغيير حقيقي على أرض الملعب. الأهلي لا يحتاج إلى مدرب يُحسن الحديث عن الأعذار، بل إلى مدرب يُجيد صناعة الحلول، ويملك الشجاعة لتحمّل المسؤولية الفنية كاملة، لأن الهروب منها لن يغيّر النتيجة، ولن يعفيه من حقيقة باتت واضحة للجميع: المشكلة ليست في التحكيم، بل فيمن يقف على الخط !

00:00 | 28-12-2025

جدولة بلا عدالة.. عندما تتحوّل المنافسة إلى لغز كبير (!)

في كلّ موسم رياضيّ للدوري السعودي، تظهر أزمةٌ أكبر من ضجيج الإعلام الرياضيّ نفسه. أزمةٌ لا تتعلّق بخطأ تحكيميّ عابر، ولا بجدل فنيّ قابل للاختلاف، بل بمسألة تمسّ جوهر العدالة التنافسيّة: الجدولة.


جدولة هذا الموسم بدت غريبة منذ أسابيعه الأولى، لكنها تحوّلت مع الوقت إلى لغز مفتوح على كلّ الأسئلة. فبطل الدوري في الموسم الماضي، الاتحاد، واجه سلسلة مباريات غير متّزنة زمنياً ولا فنياً، وكأنّ تتويجه السابق لم يكن معياراً يُراعى عند بناء روزنامة الموسم. الأمر نفسه انسحب على الهلال والأهلي، حيث توالت المواجهات الثقيلة دون فواصل منطقيّة، ودون اعتبار لحجم المشاركات، أو ضغط البطولات، أو الغيابات الدوليّة.


في المقابل، يبدو أن النصر هو الاستثناء الوحيد الذي خرج من هذا الفخ. فمبارياته الأصعب أمام الأهلي، والهلال، والاتفاق، والقادسية، والشباب، جرى تجميعها في فترة واحدة، لكنها صادفت توقيت كأس الأمم الأفريقيّة في يناير المقبل. توقيت ليس تفصيلاً هامشياً، بل عنصرٌ حاسمٌ في ميزان المنافسة.


خلال تلك الفترة، سيفتقد الأهلي ثلاثة لاعبين مؤثّرين للغاية، غيابهم يضرب عمق الفريق وتوازنه. الهلال بدوره سيفقد لاعبين، يتقدّمهم الحارس بونو، وهو غياب لا يحتاج إلى شرح تأثيره. ومع ذلك، تُلعب المواجهات المفصليّة في هذا التوقيت، وكأنّ الغيابات جزءٌ طبيعيٌّ من التخطيط، لا عاملاً يجب تحييده حفاظاً على تكافؤ الفرص.


السؤال الجوهري هنا ليس: من المستفيد؟


بل: أين المعايير؟


هل هناك نموذجٌ معلنٌ لبناء الجدولة؟


هل تُراعى المشاركات القاريّة؟


هل يُؤخذ في الاعتبار عدد اللاعبين الدوليين؟


هل يُحسب الحمل البدني وتتابع المباريات الثقيلة؟


أم أن كلّ ذلك يُترك لاجتهادات غير مفهومة؟


الدوريات الكبرى لا تترك الجدولة للمصادفة، ولا تُدار بالارتجال. العدالة لا تعني أن تتساوى الفرق في النتائج، بل أن تتساوى في الظروف. وما يحدث هذا الموسم يوحي بأن الظروف نفسها أصبحت غير متكافئة، وأن المنافسة تُدار بزوايا نظر مختلفة، لا بمعيار واحد.


إنها ليست مجرّد ملاحظة عابرة، بل كارثة تنظيميّة إن استمرّت دون تفسير أو مراجعة. فالدوري الذي يطمح إلى العالميّة، لا يمكن أن يترك أهمّ عناصره، لجدولة عبثيّة، بلا شفافيّة، وبلا مساءلة.


ما الذي يحدث؟


هذا هو السؤال الذي ينتظر إجابة مقنعة لا تبريراً مطاطياً أو أهوجاً !


@ali_makki2

23:45 | 20-12-2025

من حلم الوطن إلى منتخب بلا ملامح.. كيف قادت الإدارة كرة القدم السعودية إلى حافة التّيه!

ياسر المسحل والمنتخب السعودي والدمار الذي حلّ بكرتنا ليست مجرد عناوين صادمة تُكتب لاستفزاز القارئ، بل خلاصة مرحلة كاملة من سوء الإدارة، وارتباك القرارات الإدارية، وتبدّد الحلم الذي ظلّ طويلاً أحد أهم روافد الفرح الوطني، فمنذ سنوات وكرة القدم السعودية تسير بلا اتجاه واضح، تتحرك كثيراً لكنها لا تتقدم، تتغيّر الوجوه وتعيد الأخطاء ذاتها، وكأن المشكلة في التفاصيل لا في الفكرة، في الأسماء لا في المنهج، بينما الحقيقة أن الخلل أعمق وأكثر إيلاماً، خلل لا تعرف من أين يبدأ وينعكس تلقائياً على أرض الملعب، حيث يبدو المنتخب فاقداً لهويته، عاجزاً عن التعبير عن نفسه، ومثقلاً بقرارات لا علاقة لها بكرة القدم الحديثة إلا بالاسم.


المشكلة لم تكن يوماً في نقص الإمكانات، فالدعم الماليّ غير مسبوق، والبنية التحتية تطورت، والدوري بات من الأقوى إقليمياً وربما قارياً، لكن كل ذلك تحوّل إلى ديكور فاخر يخفي خلفه فراغاً فنياً وإدارياً، لأن الاستثمار الحقيقي لم يكن في الإنسان، لا في اللاعب المحلي الذي تراجع دوره وتآكل حضوره، ولا في المدرب الوطني الذي أُقصي تماماً، ولا في العقل الفني القادر على بناء مشروع طويل المدى، بل جرى التعاطي مع المنتخب بوصفه ملفاً طارئاً يُدار بالأزمات، وبردود الفعل لا بالتخطيط.


في عهد ياسر المسحل، لم تتشكّل هوية واضحة للمنتخب، لم نعرف ماذا نريد، ولا كيف نلعب، ولا أي نوع من اللاعبين نبحث عنه، تغييرات متكررة في الأجهزة الفنية، اختيارات مرتبكة، معسكرات بلا أثر، ومشاركات تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار، وكأن المنتخب ساحة تجارب مفتوحة، يدفع ثمنها اللاعب أولاً والجمهور أخيراً، حتى بات الإخفاق نتيجة متوقعة لا تثير الدهشة، والخيبة شعوراً مزمناً يتكرر بعد كل استحقاق.


الأخطر من النتائج السلبية هو تطبيع الفشل، حين يصبح الخروج المبكر أمراً عادياً، والخسارة مبرَّرة، والأداء الباهت مقبولاً، هنا تبدأ كرة القدم في فقدان معناها، لأن الرياضة في جوهرها وعد بالأمل، وعندما يتحوّل هذا الوعد إلى خطاب علاقات عامة، يفقد الجمهور ثقته، ويفقد اللاعب دافعه، وتفقد الإدارة شرعيتها المعنوية، مهما حاولت الاحتماء بالأرقام أو المقارنات.


لم يُبنَ المنتخب السعودي على مشروع فني متكامل، بل على قرارات مجتزأة، كل مرحلة تنقض ما قبلها، وكل مدرب يبدأ من الصفر، دون تراكم معرفي أو فني، ودون احترام لخصوصية اللاعب السعودي، الذي يُطلب منه أن يطبق فلسفات مستوردة لا تناسب بيئته ولا تكوينه، ثم يُحاسَب بقسوة عندما يفشل في أداء دور لم يُهيّأ له أساساً، في دائرة عبثية لا رابح فيها.


كما أن العلاقة بين الاتحاد والأندية ظلت مضطربة، فلا تنسيق حقيقياً، ولا توزيع أدوار واضحاً، ولا حماية للمنتخب من تضخم الدوري على حسابه، فتحوّل اللاعب المحلي إلى عنصر ثانوي، يفتقد الجاهزية الذهنية والبدنية للمنافسات الدولية، ثم نُحمّله وحده مسؤولية الإخفاق، في حين أن المنظومة بأكملها شاركت في إنتاج هذا الضعف.


الإدارة الناجحة لا تُقاس بعدد المؤتمرات الصحفية ولا بجودة الخطاب الإعلامي، بل بقدرتها على الاعتراف بالخطأ، وتصحيح المسار، وبناء مشروع ينجح بعد رحيلها، أما إدارة تُراكم الإخفاقات وتتعامل معها بوصفها عوارض مؤقتة، فهي إدارة تؤسس لانهيار طويل الأمد، حتى لو بدت مستقرة من الخارج.


كرة القدم السعودية لا تحتاج إلى معجزة، بل إلى عقل بارد، وشجاعة قرار، وإيمان حقيقي بأن المنتخب ليس عبئاً إدارياً ولا ملفاً موسمياً، بل هو العنوان الأهم لصورة الرياضة في الخارج، والمرآة التي يرى فيها الجمهور نفسه، وحين تتشقق هذه المرآة، لا يكفي تلميع الإطار.


الدمار الذي حلّ بكرتنا لم يكن ضربة واحدة مفاجئة، بل سلسلة أخطاء تراكمت، صمتت عنها الإدارات، وتعايشت معها الجماهير، حتى انفجرت في وجه الجميع، وما لم يبدأ الإصلاح من الجذور، من الفكرة قبل الاسم، ومن المشروع قبل النتائج، فسيظل المنتخب السعودي يدور في الحلقة ذاتها، كثير الضجيج، قليل المعنى، بعيداً عن المكانة التي يستحقها، والتي لا تُستعاد بالشعارات، بل بالعمل الصادق، والقرار الشجاع، والمساءلة التي لا تستثني أحداً!

01:27 | 17-12-2025

فراس البريكان.. حين ينتصر الهدوء على الضجيج !

«(وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ)، ‏أتوجه بالشكر لفريق الدفاع بقيادة القانوني على ما قدموه من جهود كبيرة. كما أنني ولله الحمد لم أشعر بأي ضغط خلال سير القضية بفضل دعم عائلتي وثقتي باحترافية إدارة أعمالي، وكنت على يقين بأن إجراءات الانتقال تمّت بشكل سليم ومتوافق مع الأنظمة.


‏كما أؤكد أن قراري بالانتقال إلى النادي الأهلي كان ولا يزال القرار الأفضل في مسيرتي الكروية، وأشكر جماهير الأهلي على دعمهم المتواصل، والله يجعلني عند حسن ظنهم».


هذا ما كتبه ودوّنه اللاعب السعودي النجم فراس البريكان في تعليقه في حسابه الشخصي عبر منصة (X)، مساء الجمعة 21 نوفمبر 2025، الساعة العاشرة و56 دقيقة، بعد قرار مركز التحكيم الرياضي في السعودية رفض الشكوى المقدمة من ناديه السابق (الفتح) ضدّ إجراءات انتقاله للنادي الأهلي، التي ثبتت سلامتها وصدقها وعدلها.


في كرة القدم، كثيرون يتحدثون، لكنّ قلّة فقط يعرفون كيف يضعون الكلام في مكانه. فراس البريكان واحد من هؤلاء، لاعبٌ لا يرفع صوته، لكنه يرفع رأسه دائماً. لا يبحث عن المعارك الصغيرة، بل يذهب مباشرة إلى خط النهاية، حيث تُقاس القيمة بالعمل لا بالصراخ.


في الفترة الماضية، منذ بداية القضية الشهيرة ببطلان تسجيله للنادي الأهلي، التي تحركت بعد انتقاله إلى الراقي بمدة زمنية كانت طويلة جداً، بدا واضحاً أن أصواتاً أرادت أن تُربك مسيرته، أن تُعلّق عليه أثقالاً ليست منه، وأن تصنع حوله دوائر من التشكيك. لكن فراس، الذي جرّب الضغط مبكراً، واختبر النقد في أكثر من محطة، لم ينكسر. بل جاء رده جملة واحدة، واثقة، هادئة، تشبه لاعباً يعرف نفسه جيداً: «أنا لا أحتاج أن أرفع صوتي.. الملعب يرفعني».


هذه الجملة لم تكن تعليقاً عادياً، كانت إعلاناً صغيراً بأن اللاعب الذي ظنّ البعض أنه سيتراجع، عاد وازداد قوة ونضجاً. اللاعب الذي أراد له البعض أن يكون «قصة عابرة»، كتب بفعله ومسيرته فصلاً جديداً، وأغلق الباب على كل المكائد بمنتهى الرقيّ.


البريكان ليس من اللاعبين الذين يُهزمون بالكلام. هذا واضح. هو من الجيل الذي يفهم أن كرة القدم الحديثة تحتاج شخصية قبل أن تحتاج مهارة. شخصية اللاعب الذي يعرف أين يقف، ومتى يتكلم، وما الذي يستحق الرد.


لم يشتم، لم يهاجم، لم ينجرّ، لم يرفع سقف التصعيد، بل قدّم درساً بسيطاً هو أنّ أرقى رد على المكائد هو النجاح، وأن أجمل تصفية حساب هي هدفٌ جديد، وتألق جديد، وخطوة جديدة نحو القمة.


كل ما فعله فراس في تعليقه الأخير هو أنه كشف ما كان واضحاً لمن يتابعه: أنّ لديه شخصية قيادية تتشكل بهدوء. وأن ثقته ليست ردة فعل، بل جزء من تكوينه. وأن اللاعب الذي واجه تقلبات الأندية والمنتخب لا يمكن أن تهزّه محاولات صغيرة من هنا أو هناك.


هو يعرف طريقه، ويعرف وزنه، ويعرف أن صمته ليس ضعفاً، بل احترام لنفسه ولجمهوره وللعبة.


فراس البريكان اليوم ليس مجرد مهاجم موهوب،


هو حالة من الوعي الرياضي، لاعب يفهم أنه أكبر من ضجيج الخصومات، وأعمق من محاولات التشويه.


وأن الإنسان الذي يثق بخطواته، لا يخاف من طريقه.


مبروك لفراس هذا الانتصار الهادئ.


وانتظروا منه ما هو أكبر، فاللاعب الذي يهزم المكائد بهذا الهدوء، سيهزم في الملعب ما هو أعند وأقوى (!)

00:06 | 23-11-2025

خطاب ولي العهد في «الشورى».. التحالفات وصناعة المستقبل

خطاب سمو ولي العهد في مجلس الشورى اليوم لم يكن مجرد مناسبة دورية لإلقاء كلمة حكومية، بل جاء كعلامة فارقة في تاريخ السياسة السعودية والخليجية. الكلمات التي قالها، وفي مقدمتها العبارة اللافتة «سنكون مع قطر في كل ما تتخذه من إجراءات بلا حد»، بدت كأنها مفاتيح مرحلة جديدة تنتقل فيها العلاقة الخليجية من مربع المصالحة إلى فضاء التحالف الكامل، وتغدو الوحدة خياراً وجودياً تمليه المصالح المشتركة، لا مجرد شعار للتوافق.

في هذا الخطاب حضرت لغة الثقة بوضوح. لم يكن في نبرة ولي العهد ما يوحي بالتردد أو الحذر، بل وضوح مباشر يؤكد أن السعودية تتحرك من موقع القوّة، مدركة ثقلها الإقليمي والدولي، ومتيقنة أن استقرار الخليج لم يعد مجرد شأن داخلي، بل هو رسالة موجّهة للعالم بأسره بأن المنطقة تتحدث بصوت واحد، وأن محاولات زعزعة أمنها ستصطدم بجبهة متماسكة.

ولم يكن هذا البعد السياسي منفصلاً عن المسار التنموي الوطني. بل جاء الخطاب منسجماً مع رؤية المملكة 2030، إذ أشار ضمناً إلى أن التكامل الإقليمي هو الطريق الأوسع لتحقيق طموحات التنمية. فحين تتعزز الشراكات مع قطر وسائر دول الخليج، تتسارع خطوات مشاريع الطاقة المتجددة، والاستثمار، والتقنية، والاقتصاد المعرفي، وتزداد فرص الرياضة والسياحة في أن تصبح روافع لمستقبل مزدهر.

الخطاب لم يقتصر على قطر وحدها، بل أعاد تثبيت الدور السعودي في عمقه العربي والإسلامي، مؤكداً أن المملكة ماضية في التزاماتها تجاه محيطها، داعمة للاستقرار، وبانية لتحالفات عربية أوسع قادرة على إعادة التوازن إلى المنطقة. إنه خطاب يصنع من السياسة الخارجية امتداداً طبيعياً لمشروع داخلي يهدف إلى تحويل المملكة إلى مركز عالمي للتأثير والابتكار.

وللداخل السعودي أيضاً نصيب من الرسائل، فقد جاء الخطاب مطمئناً ومشحوناً بالثقة، مؤكداً أن ما تحقق في السنوات الماضية ليس إلا بداية لطموحات أكبر، وأن الإنجازات في الاقتصاد والبنية التحتية والإصلاحات الاجتماعية ما هي إلا مقدمات لعصر جديد يليق بمكانة المملكة وتطلعات أبنائها.

إنه خطاب تاريخي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، خطاب يعلن الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة صناعة التحالفات، ومن الاكتفاء بحماية الاستقرار إلى السعي لرسم مستقبل المنطقة بأفق أرحب. لحظة يمكن قراءتها كإعادة تعريف لدور المملكة: دولة تجمع ولا تفرّق، تقود ولا تكتفي بالمتابعة، وتكتب من موقعها المتقدّم صفحة جديدة في سجل التاريخ.
00:09 | 11-09-2025