أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/236.jpg?v=1766066142&w=220&q=100&f=webp

عبداللطيف الضويحي

أزمة الطاقة والملاحة ونذر الحرب العالمية الثالثة

تدار الحروب الإقليمية غالبًا ضمن «قواعد اشتباك» غير مكتوبة. لكن في الحرب الحالية الدائرة في منطقتنا، يبدو أن تلك القواعد تتآكل بسرعة. والأطراف تتزايد والتهديد بإغلاق مضيق هرمز واستهداف منشآت الطاقة، والتلويح بضرب البنية التحتية المدنية، كلها مؤشرات على أن الصراع لم يعد محصورًا في ساحات عسكرية تقليدية، بل امتد إلى عمق النظام الاقتصادي العالمي.

في التاريخ، الحروب العالمية لا تبدأ دائمًا بقرار سياسي مباشر، بل كثيرًا ما تبدأ عندما تتعرّض المصالح الكبرى لتهديد وجودي أو انفلات غير محسوب من أحد الأطراف.

الحرب الأمريكية الإيرانية الدائرة حاليًا تتفاعل بشكل متسارع وتلقي بظلالها وتأثيرها على مختلف دول العالم لاسيما المستفيدة أو المتضررة من قطاع الطاقة والملاحة، فضلًا عن دول المنطقة، فهل نحن أمام مزيد من التصعيد وتوسيع نطاقاتها أم أن اشتداد الأزمات دائماً ما يسبق الانفراج، فهل باتت هذه الأزمة قريبة من احتوائها وإخماد جذوتها ؟

فهل بتنا قريبين من نشوب حرب عالمية ثالثة مع دخول أطراف إضافية لهذه الأزمة، وهل دخول العامل الاقتصادي يتسبّب بتوسيع الأزمة وعولمتها وتغيير الخطوط الحمراء لبعض القوى العظمى التي لم تتورط إلى الآن في هذه الحرب و ذلك للدفاع عن مصالحها ووجودها ؟

القوى العظمى الحقيقية لا تدخل الحروب مباشرة إلا بعد أن تستنفد كل السبل فما يهمها قطف نتائج الحروب وليس الانخراط بها. للصين وروسيا ظروفهما وحسابات كل منهما، وقطعًا لن يتدخلا قبل أن تتضح كلفة عدم التدخل، والحرب الحالية حتى الآن رغم خطورتها ما زالت ضمن حدود يمكن احتواؤها، لكن إذا تحوّلت إلى إغلاق فعلي لمضيق هرمز أو انهيار داخلي في إيران أو تهديد مباشر للمصالح الصينية أو الروسية، هنا قد تتغيّر المعادلة. ولا بد من أن نفهم أن الصين تاريخيًا خاصة ليست دولة استعمارية وليس لديها تاريخ استعماري. كما أن لدى الصين علاقات اقتصادية واسعة ومتوازنة تسمح لها بمعالجة الكثير من الأزمات العالمية بدبلوماسية ومن خلال التحالفات أو حتى من خلال حضور عسكري محسوب ومدروس، قبل الوصول للخطوط الحمراء الصينية والتي قطعًا في جوهرها قضية تايوان. فالحروب لا يربحها من يقاتل دائمًا، بل من يعرف متى يدخل الحرب وكيف يفرض نتائج لا تُقاتل عليها الجيوش.

لا أحد يرغب أو يستفيد من نشوب حرب عالمية ثالثة لأن نتائجها كارثية مهما كان الانتصار بها. فقط طرف واحد يبدو يحلم كثيرًا ومنذ زمن بعيد وهو يرغب بنشوب حرب عالمية ثالثة ويعمل عليها ويستميت لنشوبها. فلديه الرغبة القوية بذلك ولديه العلاقات المالية والإعلامية النافذة و المؤثرة في دوائر القرار الغربية والاستخبارات الغربية وشركات التقنية الكبرى للدفع بهذا الاتجاه.

هذا الطرف هو الذي لا يزال يحلم بما يسمى «إسرائيل الكبرى» و«الشرق الأوسط الجديد»، رغم أنه لم يحقق مقومات «دولة» إسرائيل الصغرى حتى الآن.

00:14 | 24-03-2026

عبقرية الجغرافية السعودية ومنافذ البحار الأربعة

لم تكتفِ السعودية خلال العقود الماضية، بأن تكون أكبر مصدر للنفط، لكنها بنت مقوّمات متكاملة من البنية التحتية للطاقة جعلتها مؤهلة لتصبح مركزاً عالمياً للطاقة، تتحكم إلى حد بعيد، بمفاتيح الإنتاج، والنقل، والتخزين، والتكرير، والأسواق، وربما تقنيات الطاقة مستقبلاً.

هناك عوامل مكّنت السعودية من أن تتبوأ هذه المكانة الطاقوية العالمية، بينها الموقع الجغرافي الإستراتيجي لتكون نقطة التقاء ثلاث قارات هي آسيا، أوروبا وأفريقيا. كما أن مشاطأة المملكة لأهم طرق الطاقة العالمية وهي الخليج العربي، البحر الأحمر، بجانب قربها من بحر العرب، والبحر الأبيض المتوسط يعد قيمة عالية.

كما أن امتلاك السعودي ثاني أكبر احتياطي نفطي عالمي مؤكد، بجانب القدرة على زيادة الإنتاج بسرعة عند حدوث أزمات طاقة عالمية، حيث تلعب السعودية صمام الأمان للحفاظ على توازن سوق النفط العالمي.

بجانب أن السعودية تملك شبكة منافذ تصدير متعددة، حيث استفادت السعودية في تنويع منافذ التصدير، من تجربة التابلاين في خمسينات القرن الماضي والذي ينطلق من شرق المملكة إلى شمال السعودية وصولا إلى ميناء الزهراني في لبنان، وتمتلك موانئ على الخليج العربي وأخرى على البحر الأحمر وتمتلك خطوط أنابيب داخلية تربط الضفتين، أهمها خط شرق–غرب«بترولاين» الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع.

كما أن السعودية تمتلك واحدة من أفضل البنى التحتية للطاقة في العالم، تتمثل في أكبر شركة نفط في العالم «أرامكو»، موانئ تصدير نفط متقدمة، مصافي تكرير ضخمة، ومجمعات بتروكيماويات عملاقة، وهذا مكّن السعودية من كامل قيمة الطاقة لديها.

بجانب أن السعودية تبني مستقبلها ليس على النفط فحسب، بل وعلى الغاز الطبيعي والهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

وتعد السعودية لاعباً قيادياً عالمياً في سوق الطاقة العالمي، من خلال دورها القيادي الدولي في تحالف «أوبك»، وتحالف «أوبك بلس» وهو ما يمنح المملكة التأثير المباشر في أسعار النفط، مستويات الإنتاج، وتوازن السوق العالمي وهذا ما يجعل المملكة مؤهلة لأن تكون مركزاً لتداول الطاقة ومركزاً عالمياً لتخزين الطاقة، ومركزاً لتجارة مشتقات الطاقة لتتحول من دولة نفطية إلى دولة طاقة، ومنها بالتالي إلى مركز طاقة عالمي.

انطلقت القيادة السعودية من منطلق فكر اقتصادي وسياسي إستراتيجي، عندما أنشأت خط التابلاين سنة 1950، فهذا المشروع المتقدم كثيراً في عصره، لم يكن مجرد مشروع نقل نفط، بل كان قراراً اقتصادياً سياسياً إستراتيجياً يتعلق بالأمن القومي للطاقة ويربط شرق المملكة بشمالها ليفتح بوابة تصدير متقدمة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط مروراً بالأردن وسوريا ولبنان، إلى جانب العديد من الأهداف التي يحققها خط التابلاين؛ منها إيجاد العديد من المدن السعودية الناشئة على امتداد الحدود السعودية من بعض دول الجوار وبمحاذاة خط التابلاين، بما ترتب عليه من إستراتيجية توطين البادية حينئذ.

كان خط التابلاين واحداً من أعظم مشاريع الطاقة في القرن العشرين، لكنه توقف تدريجياً حتى أُغلق نهائياً نتيجةً لعدة عوامل جيوسياسية واقتصادية وتقنية؛ منها الاضطرابات والتوترات السياسية والانقلابات في دول العبور، فالخط كان يمر بالأردن وسوريا ولبنان، إلى جانب الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وفقدان عنصر الاستقرار، الأمر الذي جعل استمرار تشغيل الخط مهدداً وأمنياً، وهو ربما ما جعل جدوى الخط أقل اقتصادياً حينها، مقارنة بموانئ الخليج العربي أكثر مرونة أكثر سيادة، أقل تعقيدات سياسية، أكثر سيطرة وأقل كلفة مالية، وهو ما تطور لاحقاً ليتوج خط أنابيب شرق-غرب من المنطقة الشرقية إلى موانئ البحر الأحمر، متجاوزاً بذلك تحديات مضيق هرمز وهو ما أثبتته الحرب الأمريكية الحالية على إيران.

السؤال هل تعود فكرة فتح نافذة على البحر الأبيض المتوسط مجدداً للطاقة السعودية والخليجية ومشتقاتها في خضم المتغيرات والمستجدات الإقليمية والدولية وفي خضم البحث عن تنويع الممرات خاصة ما أفرزته منها التوتر أزمة مضيق هرمز والذي يمر عبره حوالى 20% من تجارة النفط العالمية، وما أفرزته من صعود مفهوم «ممرات الطاقة العالمية» والتوجهات العالمية في إنشاء ممرات طاقة برية وشبكات أنابيب عابرة للقارات على غرار خطوط الغاز بين روسيا وأوروبا وممرات الطاقة في آسيا الوسطى والأفكار والمشاريع الإقليمية الجديدة والقريبة من فكرة خط التابلاين مثل ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا ومشاريع أنابيب عبر العراق أو تركيا أو سوريا وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط.

لقد حبا الله المملكة موقعاً جغرافياً وموارد طبيعية مكنها من شواطئها وموانئها مباشرة، وفكراً إستراتيجياً وتخطيطاً مبكراً لفتح منفذ على بحر البحر الأبيض المتوسط، وربما يتم التوافق مع اليمن بعد أن تستقر على مد خط للطاقة السعودية إلى بحر العرب.

أصبحت المنافذ البحرية والبرية اليوم لا تقل أهمية عن مشتقات الطاقة والمنتجات الصناعية والزراعية، وأصبحت الدول تقيم حساباتها للمعابر والموانئ والممرات تماماً مثلما تضع خططها وحساباتها لجذب الاستثمارات العالمية، مع أخذ كل التحوطات اللازمة للتغلب على الأزمات والحروب والنزاعات في الحسبان. فمن المؤكد أن القيادة السعودية تضع كل هذه الاعتبارات في الحسبان طالما توفرت عوامل الاستقرار الأمني في دول الممرات لخطوط الطاقة وتمت التفاهمات الإقليمية والأهم الجدوى الاقتصادية لبناء شبكات من خطوط الطاقة.

00:10 | 17-03-2026

جثة الأمم المتحدة وجثمان القانون الدولي !

كلما اندلعت حرب جديدة كالحرب الدائرة حالياً في منطقتنا، يعود السؤال: أين النظام الدولي ليمنع الحروب ويصون السلام؟ وأين المؤسسات التي تعهّدت بحماية الإنسان من جنون القوة وغطرسة السلاح؟

معلوم أن الأمم المتحدة تأسّست بعد كارثة الحرب العالمية الثانية بوعد كبير: أن البشرية لن تعود إلى الفوضى التي قادت إلى حربين عالميتين. وأن العالم لن يسمح بعد الآن لهتلر جديد ونازية جديدة أو متجدّدة لتدمير العالم وتعربد بالبشرية. فكان الهدف واضحًا؛ إقامة نظام دولي تحكمه القواعد لا المدافع والمقاتلات، القانون لا القوة والبطش.

لكن النظام الدولي يتهاوى ويتآكل مع كل حرب وأزمة جديدة، وتتحوّل الأمم المتحدة إلى منصة إدانات وبيانات، ومنبر خطابات، بينما يُنتهك القانون الدولي، وتدوي المدافع والطائرات والصواريخ، وتزهق الأرواح، وتباد البشرية والحضارات، وتتعطل التنمية.

ولأن القوى المنتصرة بعد الحرب العالمية أرادت تنظيم ميزان القوة بينها، فأسّست الأمم المتحدة، اليوم تغيّرت موازين القوى، بينما بقيت قواعد اللعبة الدولية كما هي.

وفي قلب هذه المفارقة أصبح مجلس الأمن، الذي يمتلك سلطة اتخاذ القرارات المصيرية، والذي يفترض أن يحفظ الأمن الدولي، رهينة لمعادلة سياسية واحدة: مصالح القوى الكبرى. فحق النقض، الذي وضع يومًا لمنع مواجهة مباشرة بين القوى العظمى، تحوّل مع الزمن إلى أداة تعطيل، تُسقط القرارات قبل أن ترى النور. وهكذا يصبح المجلس شاهدًا على عجزه عن حماية هذا الأمن.

أما القانون الدولي الذي كان يُفترض أن يكون الضمير العادل للعالم فقد وجد نفسه خارج الخدمة، رغم أنه يقوم على فكرة نبيلة وهي أن الدول، مهما بلغت قوتها، تخضع لقواعد مشتركة، لولا أن الانتقائية التي تخدم مصالح بعض القوى الكبرى أفرغته من مضمونه. فأصبح القانون الدولي يعمل بكفاءة فقط حين يتعلق الأمر بالدول الضعيفة. هنا أصبح القانون نصوصًا بلا أنياب أو مخالب؛

فهل ماتت الأمم المتحدة وهل انتهى القانون الدولي مع كل هذا الشلل الناجم عن حق النقض في مجلس الأمن، هناك أطر منها الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تسجّل على الأقل مواقف حيال الأزمات الكبرى والمتسببين بها والمنتهكين الدائمين لسيادة الدول والمرتكبين الدائمين للإبادات الجماعية والتطهير العرقي والتهجير والتجويع وانتهاكات حقوق الإنسان ولتبقى الحقيقة ساطعة، التي يراد تزويرها وتزييفها أمام الرأي العام، الذي يراد تضليله بشتى أساليب التضليل والخداع. وليبقى الوعي مرتفعاً فهو المحرك الدائم لضمير البشرية السوية الطبيعية وللتاريخ، ثم ليبقى دليلاً قانونياً لملاحقة الجناة والمجرمين عندما تسمح الظروف المستقبلية بذلك.

لقد علّمنا التاريخ عندما يموت القانون تبدأ الحروب. وعندما تتكاثر الحروب تكتشف البشرية متأخرة أنها كانت بحاجة إلى قانون أكثر مما كانت تظن.

ومع ذلك هناك مجال لتفعيل دور الجمعية العامة للأمم المتحدة في الأزمة الراهنة في منطقتنا بعيداً عن شلل مجلس الأمن، وذلك عبر آليات قانونية وسياسية أوجدت بسبب استخدام حق النقض (الفيتو). أهم هذه الآليات ما يلي الاتحاد من أجل السلام الذي يسمح للجمعية العامة بالتدخل عندما يفشل مجلس الأمن في حفظ السلم بسبب الفيتو، حيث للجمعية العامة أن تعقد دورة استثنائية طارئة خلال 24 ساعة وتوصي بإجراءات جماعية لحفظ السلم والأمن الدولي بما فيها عقوبات اقتصادية وعزلة دبلوماسية ومقاطعة دولية، وفي حالات استثنائية التوصية باستخدام القوة عبر تشكيل تحالف من دول خارج المجلس. وقد استُخدم ذلك تاريخياً عدة مرات.

الخطير في الحرب الدائرة حالياً في منطقتنا، بالإضافة لخلطها الأوراق العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية الإقليمية والدولية، هو أن هذه الحرب تأتي بين نظامين عالميين أحدهما ينهار ويضمحل وآخر يولد ويتشكّل.

00:44 | 10-03-2026

رمضان تحت القصف.. مدفع الإفطار ومدافع الدمار

هناك مدافعُ تحتفي بالحياة، وأخرى تحتفي بالموت. في الأزمنة الطبيعية، يأتي رمضان ليعيد ترتيب الداخل الإنساني يهدئ إيقاع الحياة، ويمنح الروح فرصة نادرة للصفاء. لكن رمضان في زمن الحروب لا يدخل كما نعرفه، بل يأتي محمّلاً بأسئلة ثقيلة، وصور دامية، وألم لا يمكن تجاهله. هنا لا يعود الصيام مجرد عبادة، بل يتحوّل إلى تجربة معقّدة، يتصارع فيها الإيمان مع الواقع، والسكينة مع الضجيج، والرحمة مع الحزن والغضب.

المفارقة القاسية أن الشهر الذي يُفترض أن يكون مساحة للطمأنينة والروحانية، يصبح مساحة للتوتر الداخلي والقلق. فالصائم يشعر بجوع للعدل والسلام وعالم أقل قسوة واضطراباً ووحشية وفوضوية.

متابعة الحروب لا تختلف عن معايشتها عندما تبسط الحروب امتداداتها على مساحة من الزمن والجغرافيا ولم تعد حدثاً عابراً. أصبحت الحروب حالة يومية من التعرّض المستمر للألم والصور والمقاطع والقصص والسرديات، تتراكم داخل الإنسان حتى تصنع الإنهاك العاطفي. فلا يعود الإنسان متفرجاً، بل يصبح مشاركاً نفسياً في المأساة وهذا النوع من الألم الصامت هو أحد سمات عصرنا. أما الذين يعايشون الحروب من الأبرياء في بلداننا العربية فليسوا ضحايا الأمكنة والحروب العبثية، لكنهم ضحايا مرحلة نظام دولي يستميت لإعادة إنتاج نفسه بأدوات استعمارية جديدة.

الخطر الأعمق ليس في الألم أو متابعته، بل في ما يتركه من آثار بعيدة. فإما أن يعتاد الإنسان على مشاهد العنف فيفقد حاسته وإنسانيته، أو يغرق في التعاطف حتى ينهك ويستهلك نفسياً. وفي الحالتين، يحدث خلل في التوازن الإنساني. وهنا تكمن الإشكالية الكبرى: كيف نحافظ على إنسانيتنا دون أن نحترق بها؟

رمضان في زمن الحروب يفرض علينا أن نعيد بناء علاقتنا مع العالم ومع أنفسنا في آنٍ واحد، وأن نتعلم كيف نحمي أرواحنا دون أن نعزلها، وأن نحافظ على إيماننا دون أن نهرب من الواقع. إنه اختبار مزدوج: اختبار القدرة على الصبر والقدرة على الفهم.

يبقى السؤال ليس كيف نعيش رمضان رغم الحروب، بل كيف نحوّله إلى مساحة ضد الانكسار والبلادة والاستسلام. لأن أخطر ما يمكن أن تفعله الحروب ليس تدمير المدن فحسب، بل أن تكسر الإنسان من الداخل. وهذه لعبة قديمة جديدة، يتقنها عرابو الحروب ومصاصو الدماء.

وهنا لا بد من أن نصنع من الصوم صبراً واعياً يعيد للإنسان التوازن الضروري كي لا يختلط صوت مدفع الإفطار بأصوات مدافع الحرب.

00:16 | 3-03-2026

رمضان.. أوسع وأهم مدرسة ومستشفى للأنسنة

لم تعد الحروب والأوبئة أكبر مهدد للإنسان المعاصر، بل في منظومة متكاملة تبدو في ظاهرها تقدماً وفي جوهرها استنزافاً بطيئاً للإنسان. الفردية المتطرفة، والرأسمالية المتوحشة، والمادية الصلبة، وحمى الثقافة الاستهلاكية، وهوس السرعة، والتعاملات الآلية.. كلها تشكّل اليوم شبكة ضاغطة تدفع بالإنسان خارج إنسانيته، وتجرده من آدميته الواعية، ليصبح موظفاً عند الآلة.

الفردية تحمي استقلالية الإنسان. لكنها حين تتضخم، تتحول إلى عُزلة. وتتآكل معها الروابط الاجتماعية، وتُختزل العلاقات إلى مصالح، ويصبح الشعور بالوحدة مرضاً رغم كمية وكثافة الاتصال. أما الحمى الاستهلاكية فلا يكفي أن تعمل، بل يجب أن تستهلك. لا يكفي أن تملك، بل يجب أن تعرض. عندئذ يتحول الاستهلاك من وسيلة إلى غاية، ومن خيار إلى ضغط اجتماعي. وتصبح الرغبة غير قابلة للإشباع، فالسوق لا يرى الإنسان إلا كائناً إستهلاكياً مستمراً. غير أن الرأسمالية، رغم دورها الإيجابي في الإنتاج والفرص، إلا أنها حين تتوحش، لا تكتفي بتنظيم السوق، بل تعيد هندسة الإنسان نفسه. فيتحول الإنسان معها تدريجياً من غاية إلى وسيلة، ومن كائن له قيمة ذاتية إلى رقم في معادلة اقتصادية. الطامة الجديدة هي هوس السرعة.. حيث تفرض إيقاعها القاسي، فكل شيء يجب أن يحدث الآن.. النجاح.. الربح، التفاعل، وحتى المشاعر. يُختصر الزمن، ويُضغط الإنسان داخله، حتى يفقد القدرة على التأمل، وعلى بناء علاقات عميقة، وعلى اتخاذ قرارات ناضجة. السرعة لا تسرق الوقت فقط، بل تسرق المعنى. تتسارع الحياة إلى حدّ يفقد الإنسان فيها القدرة على التأمل، وتُختزل فيه القيمة في الاستهلاك، ويُقاس النجاح بكم نملك لا بمن نكون.

وهنا تحديداً يتجلى تفرُّد رمضان كحدث استثنائي لا يشبه بقية الأشهر والمواسم. ليس لأنه شهر عبادة فحسب، بل لأنه أكبر مختبر لتشريح الحالة النفسية والاجتماعية والذهنية للفرد، ولأن رمضان أكبر وأوسع مستشفى لإجراء عمليات ترويض النفس التي عرفتها البشرية، وأهم مشروع لإعادة «أنسنة» الفرد والمجتمع في مواجهة موجات جارفة من الفردية والاستهلاكية والرأسمالية والسرعة الجارفة وقائمة طويلة من المتغيرات لها.

يقف رمضان في الجهة المقابلة تماماً. هو ليس فقط امتناعاً عن الطعام، بل امتناع عن الخضوع للاندفاع. هو تدريب يومي على تأجيل الرغبة، وعلى استعادة السيطرة على النفس في زمنٍ تُدار فيه النفس بمنطق السوق. حين يجوع الإنسان بإرادته، فهو لا يعاني... بل يتحرر؛ يتحرر من وهم أن حاجاته هي التي تقوده، ويكتشف أن بإمكانه أن يقودها.

وهنا يبدأ «الترويض». ليس ترويضاً قسرياً، بل ترويض واعٍ يعيد بناء العلاقة بين الإنسان ونفسه. اللسان يُضبط، الغضب يُكبح، الاستهلاك يُراجع، والوقت يُعاد تنظيمه. ومع التكرار اليومي، يتحول هذا الانضباط إلى نمط، وهذا النمط إلى إمكانية كامنة للاستمرار.

لكن الأثر لا يقف عند الفرد. ما يحدث في رمضان هو ترويض جماعي متزامن، وهو ما يمنحه قوته الاستثنائية. ملايين البشر يتوقفون عن الفعل في لحظة معلومة ويقومون بالفعل في لحظة معلومة. يعيشون التجربة نفسها في الوقت نفسه: يجوعون، ينتظرون، ويتشاركون لحظة الإفطار. هذه التجربة المشتركة تعيد إنتاج التعاطف الإنساني بشكل عملي، لا نظري. الفقير لم يعد فكرة بعيدة، بل حالة مُعاشة. والعطاء لم يعد خياراً أخلاقياً مؤجلاً، بل استجابة فورية لشعور مشترك.

في هذا المناخ، تتراجع الفردية لصالح الجماعة، ويتقدم التكافل على التملك، وتستعيد العلاقات الاجتماعية دفئها. صلة الرحم تعود، الموائد تجمع، والقلوب تميل إلى التسامح. حتى الاقتصاد، الذي تحكمه عادة معادلات الربح والخسارة، يكتسب في رمضان بُعداً أخلاقياً؛ إذ يتحول المال إلى وسيلة تضامن، وتتصاعد حركة الزكاة والصدقات بشكل لافت.

الأهم من ذلك كله أن رمضان يبطئ الزمن. في عصر السرعة، حيث كل شيء يُختزل في الإنجاز الفوري، يفرض رمضان إيقاعاً مختلفاً: انتظار، صبر، تأمل. وهذا الإبطاء ليس تعطيلاً، بل استعادة لعمق التجربة الإنسانية التي سلبتها السرعة.

هذا لا يعني أن الجميع ينجح بأن يستمر بتبني الحالة الإنسانية الرمضانية وتوسيعها إلى ما بعد رمضان وإلى الأبد، لكن البعض ينجحون بذلك، ومن لم ينجح بنقل التجربة خارج رمضان، يكون خاض تجربة الأنسنة وعاشها ويمكنه الرجوع إليها وتبنيها متى شاء وإلى الأبد والأهم أن الطريق أصبحت سالكة للتكرار والاستمرار على مستوى ملايين الأفراد.

أما على المستوى المؤسساتي، وخاصة في المجتمعات التي تعاني مشكلات اقتصادية واجتماعية مستدامة، فأدعوها لمأسسة الحالة الرمضانية في سبيل استدامتها وحفظ التوازن بين ما هو اقتصادي وما هو اجتماعي في المجتمع وهذا في ظني هو الأساس الطبيعي والحقيقي لحقوق الإنسان التي يمكن البناء عليها والتأسيس لها وليس مبادئ حقوق الإنسان التي جاءت بها «حضارة إبستين».

00:00 | 24-02-2026

وزارة الخارجية.. معهد الاستشراق ومعهد الاستغراب

منذ بدء العدوان الصهيوني الغربي على غزة سنة 2023، يشهد العالم توترات ونزاعات مسلحة زادت فيها بؤر الصراع واتسعت في العديد من مناطق العالم، بجانب ما تسبّبت به تلك النزاعات من فوضى غير مسبوقة سادت وتسود العلاقات الدولية، وتعطيل ممنهج للقانون الدولي والشرعية الدولية ومنظمات الأمم المتحدة، الأمر الذي تسبّب بهشاشة وسيولة غير مسبوقة في العلاقات الدولية كثر الحديث معها عن تسارع وتيرة تفكك النظام الدولي وتبلور مؤشرات على ميلاد نظام دولي جديد.

هذه السيولة والهشاشة في العلاقات الدولية أدت إلى تفكيك أو تصدع تحالفات وتكتلات دولية كبرى، منها الحلف الأطلسي والفجوة المتنامية بين ضفتي الأطلسي، كما أدّت في الوقت نفسه إلى بناء وتشكل تحالفات وتكتلات جديدة، منها مجموعة البريكس، ومنظمة شنقهاي، ومجموعة آسيان.

في ظل النشاط الدبلوماسي بين مختلف الدول لاحتواء ما يمكن احتواؤه من أزمات متفاقمة، ومحاولة استعادة الثقة بين مختلف الأطراف نتيجة لهذه التطورات والمستجدات الناجمة عن فوضى العلاقات الدولية، برز دور الدبلوماسية السعودية جلياً من خلال ما سجلته هذه الدبلوماسية من حضور وتأثير إقليمي ودولي انعكاساً لموقع المملكة، ونتيجة لمكانتها التي تبوأتها إقليمياً ودولياً، إضافة إلى تعدّد ومتانة علاقاتها وتشابك مصالحها الدولية، ناهيك عن تأثير المملكة من خلال عضويتها في مجموعة العشرين وقيادتها لمجموعة أوبك بلس والمجموعة العربية والمجموعة الإسلامية، فضلاً عن ثقلها وموقعها في المجموعة الخليجية، وقيادة المملكة للعديد من المبادرات ومنها مؤتمر حل الدولتين الذي يسعى لتثبيت حق الشعب الفلسطيني بدولته المستقلة وعاصمتها القدس.

لكل هذه الاعتبارات، ولما هو متوقع من تعاظم وتوسع للدور السعودي المستقبلي إقليمياً ودولياً، أدعو وزارة الخارجية لدراسة فكرة تأسيس معهد «استشراق» ومعهد «استغراب»، تحت مظلة الوزارة أو بالشراكة مع الجامعات السعودية والقطاع الخاص.

فالمعرفة أداة سيادية من أدوات الدولة، وإنشاء معهد للاستشراق (دراسة الشرق بعيوننا وليس استشراقياً غربياً)، وآخر للاستغراب (دراسة الغرب بعمق مؤسسي) تحت مظلة وزارة الخارجية أو بالشراكة ليس مشروعاً ثقافياً فحسب، بل هو أداة سيادية لصناعة الفهم، وتشكيل السردية المؤثرة، وصياغة النفوذ المعرفي المطلوب.

فالأزمات تسترجع جذورها التاريخية وأبعادها الثقافية والدينية والعرقية والجغرافية، كلما طال أمدها، وهذا يتطلب تسليح الدبلوماسية بالمعرفة الاستشراقية والاستغرابية، وإعداد الدبلوماسيين والسفارات وفقاً لمسارات الدراسات الاستشراقية والاستغرابية. ما يعكس أهمية المعرفة الدقيقة والعميقة، ودعم البعثات بتقارير تحليلية نوعية، وتحليل المخاطر مبكراً، ورصد التحولات الفكرية والسياسية قبل انفجارها، بما يتطلبه من صياغة خطاب دبلوماسي مؤثر مبني على وعي ومعرفة عميقة تتجاوز المواقف السياسية وإنتاج معرفة.

إن الدبلوماسية الاستباقية تتطلب دراسة الفكر الاستشراقي والاستغرابي دون الركون إلى الاستشراق الغربي، مما يمكن من تحليل منظوماته السياسية والاقتصادية، وفهم مراكز التأثير والإعلام، الجامعات، وتفكيك سردياته حول المملكة والمنطقة والعرب والمسلمين، وهو ضرورة لفهم بنية القرار في الغرب والعواصم الغربية، وتوقع التحولات السياسية، والانتخابات، وصعود التيارات من اليمين أو اليسار، وتغير السياسات، كما يسهم في إدارة الصورة الذهنية ورصد الكيفية التي يُبنى فيها الخطاب عن الدولة في الإعلام الغربي، ويعزّز القدرة التفاوضية، كما يسهم في فهم توجهات الأسواق والسياسات التجارية، ويعزّز الرواية الوطنية دولياً.

إن ما يشهده العالم اليوم من تصدعات وتفكك لقواعده ومرجعياته القانونية، وحتى الأخلاقية، مدعاة لتعميق الدراسات في كل الخلفيات التي بنيت عليها كل المنظومة التي أصبحت تتغير وتتصدع ويراد لها أن تتشكل وفق نظام دولي جديد، لا يمكن أن تكون فيه المعرفة الاستشراقية والمعرفة الاستغرابية ترفاً، لكنها حتماً ستكون منتجاً ضرورياً للفهم والتفاوض، وأداة فاعلة لنفوذ الدولة ودبلوماسيتها.

00:00 | 17-02-2026

تمكين المعلمين وتشجيعهم لتملّك أسهم الكيانات التعليمية الخاصة..

امتداداً لموضوع مقالتي الأسبوع الماضي، أؤكد على أهمية إعادة تعريف دور «المعلم» و«المعلمة» ومهنة «التعليم»، وذلك من منظور تنموي وليس منظوراً تعليمياً أو تربوياً، وبما ينسجم مع المتغيّرات الكمية والنوعية التي شهدها ولا يزال يشهدها قطاع التعليم، أسوةً بالتغييرات التي تشهدها مختلف قطاعات التنمية.

لا يستقيم أن تتغيّر عناصر العملية التعليمية، ويعاد تعريفها تنموياً، بينما تبقى مهنة «المعلم» «المعلمة» منكفئة على نفسها وفقاً للمفهوم التعليمي التاريخي فحسب. هناك ثلاثة تحوّلات شهدتها وتشهدها وزارة التعليم: تحوّلات رقمية، وتحوّلات مؤسسية، وتحوّلات تعليمية، ومن بينها أو من نتائجها التحوّلات التي تقتضيها الإستراتيجية الوطنية للتخصيص أو الخصخصة، وهو المطلب الذي تعمل من خلاله وزارة التعليم على إعادة هندسة دورها من مشغّل مباشر إلى منظّم ومُمكّن ورقيب للجودة بما ينسجم مع رؤية السعودية 2030 وبرنامج التحوّل الوطني، وذلك من خلال إشراك القطاع الخاص والقطاع غير الربحي في تشغيل وتقديم بعض خدمات التعليم وذلك لرفع الكفاءة والجودة وتخفيف العبء التشغيلي عن الدولة، وتمكين رأس المال البشري التعليمي من لعب أدوار نوعية جديدة. قد لا تطبّق الخصخصة دفعة واحدة، ولا تشمل كافة القطاعات، فهي تشمل الخدمات المساندة ومنها النقل المدرسي والتغذية والصيانة والتشغيل والأمن والنظافة. وقد تشمل لاحقاً التشغيل التعليمي الجزئي مع الإبقاء على المنهج والإشراف والتقويم بيد المؤسسة الرسمية. من هنا نفهم أن التخصيص هو إعادة توجيه وإعادة تأهيل وتغيير أدوار.

من هنا قد يكون الوقت مناسباً، وسانحاً لدراسة العلاقة الصحية المطلوب تأسيسها وتنميتها بين المعلم وملكية المؤسسات التعليمية الأهلية. من المهم التفكير الجدي في تمكين رأس المال البشري التعليمي وعلى رأسهم المعلمون والمعلمات من تملّك أسهم وشراكات جماعية في كيانات تعليمية (مدارس، منصات، مراكز، و معاهد) شريك أو مساهم ومن خلال الاستثمار التعليمي التشاركي لرفع كفاءة الاستثمار التعليمي، والدخول في نماذج تمليك وحامل أسهم أو إدارة وتأسيس شركات تشغيل تعليمية، وذلك حتى لا نفقد روح التعليم، ولكي نُمكّن الإنسان لا أن نستبدله!

هذا التوجّه يتطلب برنامجاً لتمكين المعلمين والمعلمات وكافة العاملين في المهن التربوية وشبه التربوية لتملّك كيانات تعليمية في القطاع الخاص، وذلك لتحقيق التمكين الاقتصادي: فتح فرص للمعلمين والمعلمات للاستثمار في قطاع التعليم من خلال تملّك أسهم في مدارس جديدة، ورفع جودة التعليم: أي ربط المكافآت والمنافع المالية بأداء المدارس وتحسين النتائج التعليمية، ودعم ريادة الأعمال التعليمية: أي تشجيع إنشاء مدارس خاصة نوعية مبتكرة جديدة، بجانب الاستقرار الوظيفي والاستثماري: أي إضفاء عنصر استقرار مالي طويل المدى للمعلمين الجدد في بداية مسيرتهم المهنية والخريجين الحاصلين على مؤهلات تربوية معتمدة، والمتميّزين في الأداء التعليمي، وذوي الخبرة الطويلة في مجالاتهم.

من نافلة القول، أن يتم إنشاء صندوق استثماري حكومي لشراء و إصدار الأسهم والتقييم المالي للمشاريع وإدارة هيكل الملكية، وضمان حقوق المستثمرين من المعلمين بحيث يفتح باب التسجيل سنوياً عبر منصة، وأن يتم توزع أرباح سنوية على المشاركين بناءً على أداء المدرسة، وتبقى حصة الصندوق لضمان الاستدامة. ويمكن إيجاد حوافز إضافية للمعلمين المساهمين من خلال خصم دراسي لأطفال المساهمين في المدارس التابعة. ومنح تدريب احترافي سنوي مدعومة حكومياً ومشاركة المساهمين في لجان تخطيط المدرسة.

00:09 | 10-02-2026

وزارة التعليم.. لماذا لا يكون المعلم مستثمراً وشريكاً ومشغِّلاً ؟

يمكنني الزعم أن أكبر منجم لرأس المال البشري هو قطاع التعليم كمياً ونوعياً ممثلاً بمختلف المجالات العلمية والتربوية والإدارية والفنية، من هنا لا بد من أن نتوقف عند التحولات الثلاثة الكبرى التي تشهدها وزارة التعليم: وهي التحولات التعليمية، والتحولات المؤسسية، والتحولات الرقمية، وذلك تحقيقاً لرؤية المملكة 2030، ومواكبة للمرحلة ومتطلباتها المهنية والتنافسية الاقتصادية. ولأن التحولات الكبرى عادةً ما يكون لها ثمن، فهل تحتاج وزارة التعليم تحولاً رابعاً يعيد تمكين وتموضع المتأثرين بالتحولات الثلاثة؟

في لقائنا يوم أمس مع وزير التعليم يوسف البنيان، وقيادات التعليم على طاولة مستديرة وثلة من الكُتاب والإعلاميين، تبين العمق الذي وصله تفكيك العملية التعليمية التقليدية واتساع الأفق الذي تم رسمه للتحولات التعليمية والمؤسسية والرقمية وصلابة القواعد المؤسسية التي تتم عليها إعادة بناء العملية التعليمية وغاياتها.

فتطوير المناهج وفق منهجية مؤسسية وطنية تستند إلى البحث والبيانات، وبما يوازن بين القيم والثوابت الوطنية وأفضل الممارسات العالمية، وبالمواءمة في المحتوى التعليمي مع متطلبات التنمية وسوق العمل، وتعزيز المهارات المستقبلية.

تمكين المعلم من خلال برامج تطوير مهنية نوعية مستمرة مع تناغم وانسجام بين برامج التدريب والمناهج المطوّرة وأساليب التعليم الحديثة، جنباً إلى جنب رفع كفاءة المعلمين في التخصص، والتقويم، وتوظيف التقنيات التعليمية داخل الصف. وتعزيز التكامل بين المعهد والجهات التعليمية لضمان استدامة الأثر وتحسين نواتج التعلم.

البيئة التعليمية هي الأخرى يتم تطويرها بالتخادم مع التعلم النشط، والابتكار، وتحسين تجربة الطالب، بما يضمن توحيد الجهود بين الجهات المعنية وتقليل الازدواجية ورفع كفاءة المنتج.

الركيزة الرابعة هي حوكمة الأداء كإطار ينتظم وضوح الأدوار وقياس الأثر وربط المبادرات التعليمية بمؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس وتعزيز المتابعة والتقييم المبني على البيانات.

ما تحدَّث به الوزير، وقيادات التعليم: وكيل الوزارة للتخطيط الدكتور سعد الغامدي، والرئيس التنفيذي لشركة تطوير القابضة المهندس متعب الشهراني، والرئيس التنفيذي للمركز الوطني للمناهج الدكتور عبدالرحمن الرويلي، ومدير عام المعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي الأستاذ عبدالله العودة، أضفى القناعة بأن البيات الإعلامي لوزارة التعليم ومسؤوليها خلال الفترة الماضية كان مبرراً قياساً بحجم الإنجازات التي تم الكشف عنها في اللقاء، وتم تحقيقها في لقاء الطاولة المستديرة.

نسبةً إلى حجم التحولات الثلاثة التي تشهدها وزارة التعليم، وقياساً بحجم ونوع رأس المال البشري الذي تمتلكه كأصول صلبة لا تقل ولا تختلف عن رأس المال المالي، وتحسباً لتأثير الاستغناء المتوقع عن بعض الكوادر، أسوق مقترحاً يجمع ما بين البعد الاقتصادي والاجتماعي لكي يستمر قطاع التعليم ملاذاً آمناً لكل من ألفوا هذه الحاضنة، وآمنوا بمهنة التعليم، وأدركوا أنه القاطرة التي تقود التنمية، أن تتبنى وزارة التعليم برنامجاً وطنياً للاستثمار الجماعي، وتحويل الموظفين المتأثرين من تربويين وإداريين وفنيين إلى شركاء في اقتصاد التعليم الجديد، والانخراط بالشراكات التعليمية الاستثمارية الجماعية سواء في المدارس الخاصة أو المؤسسات التعليمية المساندة والخدمات التعليمية غير المباشرة، هذه تجربة تشاركية ضرورية لتمكين المعلمين والإداريين والفنيين من المساهمة بحصص ملكية وإدارة وتشغيل كيانات تعليمية والاستفادة من عوائد تشغيلية مستدامة، بدلاً من أن يكون الفرد من هؤلاء ضحيةً للتحول، سيصبح جزءاً من منظومة إدارة وقيادة التحول. مع التأكيد على أهمية تأسيس صندوق تمويل للتعليم لمن يحتاج ويضطر للتمويل. هنا يصبح التعليم اقتصاداً وليس موازنة. إن التحول ليس مشكلة إذا تمت إدارته اقتصادياً بعين اجتماعية، كما أن التحول يجب أن يستنفد كل سبل إعادة التمكين والتموضع قبل الاضطرار للاستغناء عن بعض العاملين، كما أن الانتقال من نموذج حكومي تقليدي إلى نموذج يعمل بكفاءة يتطلب دائماً التفكير خارج الصندوق وفتح نوافذ وأبواب الابتكار.

إن رأس المال البشري في قطاع التعليم ليس فائضاً وظيفياً كما قد تُظهره الجداول الرقمية، بل هو ذاكرة التعليم، وحضارة سادت لعصور، وعموده التشغيلي. وإن إغفال هذه الحقيقة لا يهدد الأفراد لكنه يهدد جودة التحول نفسه. من هنا أرى أن تمكين قطاع التعليم يحتاج إلى نوع رابع من التحول، بجانب التحولات الثلاثة، وهو التمكين المهني والوظيفي والمالي للمعلمين وبقية رأس المال البشري في قطاع التعليم، وهو تحول لا يقل أهمية وضرورة عن التحول التعليمي والمؤسسي والرقمي.

00:03 | 3-02-2026

القطبية السعودية الإقليمية للأمن والاستقرار والازدهار..

لو أردنا أن نصف التوقيت الدولي الحالي بصفة تُجمّل المشهد الدولي لوصفناها بـ «التحوّلات الكبرى». ومن نتائج - وربما أسباب- هذه التحوّلات هي التحالفات.

فإذا تفكك حلف شمال الأطلسي الناتو، على سبيل المثال، بعد ما يقارب سبعة عقود، وهذا احتمال وارد وقائم، فلن يكون حدثاً عسكرياً فقط، ولن يكون محصوراً في الجغرافيا الأطلسية فحسب، بل سيكون بركاناً سياسياً عالمياً تاريخياً. وأكثر المتأثرين به سلباً وإيجاباً منطقتنا العربية، ما يعني إعادة كتابة منطق جديد للتحالفات الإقليمية والدولية من جذوره، وهو يعني كذلك أن تستثمر دولنا العربية الوازنة في هذه المحطة الزمنية الفارقة وما بعدها..

قام الناتو على فكرة مركزية وهي تهديد واحد، رد جماعي واحد. ومع تصدّع هذه الفكرة، سينتقل العالم من تحالفات قائمة على الجغرافيا السياسية، إلى تحالفات أكثر براغماتية، ومرونة.

إن تفكك الناتو يعني تآكل مفهوم المعسكر الواحد، بالتأكيد لن تختفي التحالفات، لكنها ستتحوّل إلى تكتلات سائلة، تحالفات أمنية، شراكات اقتصادية عابرة للقارات، اصطفافات تقنية وطاقة وموارد.

إن وجود الناتو جعل كثيراً من الدول تتحرك تحت مظلة وسقف شبه جاهز. أما بعد تفككه أو بقائه مهلهلاً، ستجد كثيراً من الدول نفسها أمام فرصة أو عبء المرحلة.

السياق الجيوسياسي يعلمنا أن منطقتنا العربية وجوارها الآسيوي والأفريقي قادمة لتصدّر المشهد المقبل بعد تراجع المشهد الأوروبي، ومن المؤكد أن هذا يتطلب أن يعمّ السلام والأمن والتنمية والاستقرار والازدهار.

تبنّت السياسة السعودية السلام والأمن والاستقرار منذ زمن بعيد، وجعلته برنامجاً في سياستها الخارجية، وقد برهنت عليه الدبلوماسية السعودية من خلال حملتها العالمية للاعتراف بدولة فلسطين، مروراً بمنصة جدة للسلام في السودان، ومساعيها التي أثمرت إعادة السوريين إلى سوريا، و سوريا إلى حضنها العربي، وصولاً إلى حملة المملكة لبسط الأمن والسلام في اليمن وقوفها سداً منيعاً ضد تقسيم الدول العربية وضد المليشيات المستنزفة للدولة العربية.

إن أداء المملكة وإدارتها للملفات الإقليمية يعد ترجمة فعلية وواقعية لسياستها الخارجية القائمة على التعامل مع الحكومات الشرعية للدول وليس التدخل في شؤون الدول من خلال دعم الحركات الانفصالية والمليشيات الإجرامية.

إن المدرسة السياسية التي تتبناها المملكة في نهجها الإقليمي والدولي ليست طارئة، ولا هي عبثية تخريبية.

إن موقع المملكة ومكانتها الجغرافية والإسلامية والقومية، وريادة المملكة في الطاقة والتنمية والاقتصاد والرقمية والذكاء الاصطناعي، يجعل المملكة في مكانة متقدّمة بين الأصدقاء من الدول والشعوب، وهو ما يجعل المملكة في مركز القرار الإقليمي الأهم، لكن كل ذلك لم يحل دون ريادة المملكة واحترافية قيادتها لتقديم نموذج فريد إدارياً و دبلوماسياً لملفات المنطقة.

تؤمن المملكة بحق شعوب المنطقة ودولها أن تتشارك معها الأمن والسلام والاستقرار والتنمية والازدهار، والتصدي للمشروعات الخفية الخبيثة في المنطقة، وهذا هو السبيل لنهوض الأمة العربية والشعوب المسلمة للاستفادة من التحوّلات الكبرى في العالم والتموضع مبكراً في المكان والمكانة التي تليق بنا ونستحقها.

23:55 | 26-01-2026

مأسسة الفوضى وتجارة المظلوميات..!

فصل جديد بدأت تتجلى ملامحه في المنطقة من خلال كشف أدعياء الحقوق وتُجّار المظلوميات عبر دكاكين الارتزاق في بعض دول المنطقة. ففي سوريا يسدل الستار على «قسد»، وفي اليمن يسدل الستار على «الانتقالي». لا أحد يقلل من الحقوق، لكن حجم الفظاعات الإنسانية التي تم ارتكابها في هذين البلدين، قادت وكشفت حجم الاصطفاف وراء أجندات خارجية وحجم الإثراء من اقتصاد الحروب الذي تحققه بعض الزعامات على حساب الفئات التي تتم المتاجرة بحقوقهم ومظلومياتهم.

المليشيات وتجارة الحقوق ودكاكين الارتزاق ثلاثية تتغذى بعضها من بعض، وتعمل كمنظومة واحدة في مناطق النزاع. فخلال سنوات ما بعد ما يعرف بالربيع العربي، ابتليت بعض الدول العربية بواجهات سياسية وعناوين فصائلية وزعامات حوّلت المطالب المحقّة إلى دكاكين للارتزاق والمتاجرة بحقوق الأقليات ومظلوميات بعض الفئات، فاختلط الحق العام بالإثراء الشخصي والشأن الداخلي بالأجندات الخارجية، وكل ذلك مدعوم بالمنصات الإعلامية الرقمية والكم الهائل من النشر والبث في شبكات التواصل الاجتماعي لسرديات أدعياء الحقوق وتجار المظلوميات السياسية والطائفية والعرقية والمناطقية الجغرافية، التي يتم المتاجرة بها في الغالب لتحقيق مصالح شخصية وأجندات خارجية.

لقد أثبتت الحكومة السورية الجديدة أنها الأحرص على حقوق الأكراد السوريين وليست «قسد»، فتجسّد ذلك من خلال القرارات الرئاسية، التي أعطت للمكوّن الكردي السوري حقوقه الثقافية، مثلما القيادات اليمنية الجنوبية أثبتت أنها الأحرص على حقوق الجنوب اليمني والجنوبيين، وليس عيدروس الزبيدي من خلال مشروعه، الذي أخذ القضية الجنوبية وانحرف بها عن مسارها، فأساء لحقوق الجنوبيين وتاجر بمظلوميتهم لتحقيق مصالحه الشخصية جنباً إلى جنب أجندات خارجية تمول مشروعه وتمده بالسلاح والخدمات اللوجستية.

لقد عمل عيدروس الزبيدي خلال السنوات الماضية على مأسسة العنف والفوضى والفساد في الجنوب اليمني من خلال مشروعه، لتمكين مشروعه المزعزع لأمن واستقرار اليمن والجزيرة العربية والإقليم. فقد صدم الرأي العام والمهتمون بالشأن اليمني بمشروع الزبيدي المليشياوي، فقد أثبت أن هذا المشروع لا يختلف عن بقية المشروعات الإرهابية لداعش وأخواتها في المتاجرة بحقوق الجنوبيين ومظلوميتهم لتوسيع مشروعه وفرضه على الجنوب والمنطقة وصولاً إلى السودان والصومال والقرن الأفريقي.

لقد أدرك العالم أجمع ودول الإقليم خاصة، أهمية توقيت التحرك السعودي لإجهاض مشروع الزبيدي، مثلما أدرك العالم والإقليم الحكمة والأناة والصبر والنفس الطويل الذي تمتعت به القيادة في المملكة خلال الفترة الماضية، فلكل مرحلة أدواتها وأساليب علاجها.

23:45 | 19-01-2026