أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1919.jpg?v=1788197211&w=220&q=100&f=webp

حسن الشمراني

ملوك السعودية واللغة العربية.. قرن من صون الهوية والعناية والتمكين

لم تكن اللغة العربية في تاريخ المملكة العربية السعودية مجرد أداة للتخاطب، أو وعاء للتعليم والمعرفة، بل كانت منذ البدايات الأولى لبناء الدولة أحد ملامح هويتها، وركيزة من ركائز نهضتها الحضارية، ولسانًا يجمع بين عمق الانتماء العربي والإسلامي ومتطلبات الدولة الحديثة. وعلى امتداد عهود ملوك المملكة السبعة، تشكّلت مسيرة متراكمة من القرارات والمؤسسات والمبادرات التي انتقلت بالعناية بالعربية من ترسيخ مكانتها في أنظمة الدولة وتعليمها، إلى نشرها خارج الحدود، ثم بناء المؤسسات المتخصصة لخدمتها، وصولًا إلى تمكينها في الفضاء الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي.


ولعل اللافت في هذه المسيرة أن الاهتمام النظامي بالعربية سبق إعلان توحيد المملكة باسمها المعروف اليوم. ففي عام 1346هـ، وتحديدًا في 24 ربيع الأول، صدر عن مجلس الشورى، وفق ما توثقه الدراسات المتخصصة في السياسة اللغوية السعودية، قرار يؤكد العناية باللغة العربية والمحافظة على أساليبها، بوصفها اللغة الرسمية للحكومة. كانت تلك الخطوة المبكرة تعبيرًا عن موقع العربية في مشروع بناء الدولة الذي قاده الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله، قبل أن يحمل الكيان الموحد، عام 1351هـ/1932م، اسم المملكة العربية السعودية، فغدت العربية جزءًا أصيلًا من الاسم والهوية معًا.


وفي عهد الملك عبدالعزيز، رحمه الله، اقترن تثبيت مكانة العربية ببناء المؤسسات التعليمية التي ستنهض بمهمة تعليم الأجيال. فقد أُنشئت مديرية المعارف عام 1344هـ، وتوالى تأسيس المدارس، ثم أُنشئ المعهد العلمي السعودي لإعداد المعلمين، وجاءت بعد ذلك كلية الشريعة بمكة المكرمة عام 1369هـ لتفتح مرحلة التعليم العالي. ولم تكن هذه المؤسسات جميعها مخصصة لخدمة اللغة العربية وحدها، لكنها أسّست البيئة التعليمية التي أتاحت لها الانتشار، ورسخت حضورها في تكوين الإنسان السعودي ومؤسسات دولته الناشئة.


وفي عهد الملك سعود بن عبدالعزيز، رحمه الله، اتسعت دائرة التعليم، وبدأت العربية تجد موقعًا أكثر تخصصًا في مؤسسات التعليم العالي. ففي عام 1374هـ/1954م، افتُتحت كلية اللغة العربية بالرياض، لتكون أول كلية متخصصة في علوم العربية بالمملكة، وقد أصبحت لاحقًا، إلى جانب كلية الشريعة، نواة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التي تأسست عام 1394هـ/1974م. وحين أُسست جامعة الملك سعود عام 1377هـ/1957م، كانت كلية الآداب منطلقها الأول، وضمّت قسمًا للغة العربية وآدابها، في دلالة على حضور العربية في البدايات الجامعية للمملكة. وشهد عهد الملك سعود أيضًا إنشاء الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام 1381هـ/1961م، التي استقبلت طلابًا من بلدان إسلامية متعددة، وأسهمت، من خلال الدراسة بالعربية، في توسيع دائرة المتعلمين بها خارج المجتمع العربي. وهكذا أخذت العربية تتجاوز وظيفتها التعليمية داخل المملكة إلى دور أوسع في التواصل مع العالم الإسلامي.


وفي عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز، رحمه الله، اكتسب تعليم العربية للناطقين بغيرها بعدًا مؤسسيًا أكثر وضوحًا. ففي 25 جمادى الآخرة 1394هـ/1974م، صدر المرسوم بإنشاء معهد اللغة العربية بجامعة الملك سعود، الذي بدأ عمله في العام التالي، وعُرف لاحقًا بمعهد اللغويات العربية. ولم يكن إنشاء المعهد مجرد إضافة إلى كليات الجامعة، بل خطوة متخصصة تستهدف تعليم العربية لغير الناطقين بها، وإعداد المعلمين وتأهيلهم لنقلها إلى مجتمعات وثقافات أخرى. وشهد عهده كذلك ترسيخ حضور العربية في المعاملات الاقتصادية؛ إذ أصدر مجلس الوزراء عام 1393هـ قراره رقم (1295) القاضي بإلزام الشركات الأجنبية باستعمال العربية في مكاتباتها ومعاملاتها. وعلى الصعيد الدولي، شهدت المحافل الأممية إنجازًا تاريخيًا باعتماد العربية لغة رسمية ولغة عمل في الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1973م، ثمرةً لجهد عربي جماعي شاركت المملكة في دعمه، امتدادًا لاهتمامها بتعزيز مكانة العربية وحضورها العالمي.


أما عهد الملك خالد بن عبدالعزيز، رحمه الله، فقد شهد خطوات مهمة في حماية اللغة العربية نظاميًا وتوسيع تعليمها؛ إذ نص نظام القضاء الصادر عام 1395هـ على رسمية العربية في المحاكم، وتأكد خلال عهده إلزام الشركات والمؤسسات الأجنبية باستعمالها في مراسلاتها مع الجهات الحكومية. وهي قرارات تكشف أن صون اللغة لم يكن شأنًا ثقافيًا فحسب، بل امتد إلى القضاء والتعاملات الاقتصادية والإدارية. وفي ميدان تعليم العربية ونشرها، اتسعت المؤسسات المعنية بها داخل المملكة وخارجها؛ ومن أبرز شواهد ذلك إنشاء معهد العلوم الإسلامية والعربية في إندونيسيا عام 1400هـ/1980م، التابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ليصبح أحد جسور التعليم والتواصل الثقافي السعودي في جنوب شرق آسيا. كما شهد عهده افتتاح معهد لتعليم اللغة العربية لغير العرب بالرياض عام 1401هـ، تابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وتأسيس جامعة أم القرى بما ضمته من تخصصات ومؤسسات تخدم العربية وعلومها.


وفي عام 1402هـ، الذي تولى فيه الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله، الحكم، تواصل تأكيد مكانة العربية في التعاملات الرسمية والاقتصادية؛ إذ رُفض طلب استثناء الهيئة الملكية للجبيل وينبع من استعمال العربية في تعاملاتها مع الشركات الأجنبية، وأُكد وجوب تحرير العقود ووثائقها باللغة العربية. وفي العام نفسه، صدر عن نائب رئيس مجلس الوزراء توجيه يؤكد استعمال العربية في كتابة لافتات الشركات والمؤسسات الأجنبية، انطلاقًا من أن «الاعتبارات الوطنية تقتضي بأن لا تُرفع لوحة إلا بلغة الدولة التي تقيم فيها الشركات والمؤسسات».


وكان للملك فهد بن عبدالعزيز إسهام مبكر في بناء التعليم السعودي؛ فقد كان أول وزير للمعارف حين أُنشئت الوزارة عام 1373هـ/1953م، وأشرف على مرحلة تأسيسية مهمة في مسيرة التعليم العام، اتسعت خلالها المدارس، وترسخت العربية لغةً للتدريس ووعاءً للمناهج والمعرفة. ثم جاءت المحطة الأبرز في عهده بصدور النظام الأساسي للحكم عام 1412هـ/1992م، الذي نصت مادته الأولى على أن المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية، وأن «لغتها هي اللغة العربية». ولم يكن هذا النص بداية الاعتراف الرسمي بالعربية، فقد سبقته قرارات وأنظمة منذ عهد التأسيس، لكنه مثّل تثبيتًا صريحًا لمكانتها في الوثيقة النظامية الأساسية للدولة، وربطًا مباشرًا بين اللغة وهوية المملكة.


وإلى جانب هذه العناية بمكانة العربية في التعليم والأنظمة والتعاملات الرسمية، شهد عهد الملك فهد بن عبدالعزيز إنشاء مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، الذي مثّل مشروعًا علميًّا وحضاريًّا بارزًا في خدمة القرآن الكريم. وقد امتد أثره، من خلال العناية بطباعة المصحف وضبطه، والدراسات المتصلة بعلومه، وترجمات معانيه إلى لغات العالم، إلى خدمة النص القرآني وما يرتبط به من تراث لغوي وعلمي، في إطار رسالته الأساسية المتمثلة في خدمة كتاب الله ونشره.


وفي عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز، رحمه الله، دخلت العناية باللغة العربية وتمكينها، مرحلة جديدة من التخصص المؤسسي والانفتاح على الفضاء الرقمي؛ ففي عام 1429هـ/2008م صدرت الموافقة على إنشاء مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي لخدمة اللغة العربية، ثم صدر تنظيمه عام 1431هـ، ليكون مؤسسة متخصصة تُعنى بالعربية بحثًا وتخطيطًا، وتطويرًا للمصطلحات، ودعمًا للدراسات والمشروعات اللغوية. ومن أعماله اللاحقة إصدار «مدونة قرارات اللغة العربية»، التي وثّقت 149 قرارًا متعلقًا باللغة صدرت على مدى عقود، بما يتيح تتبع العناية النظامية بها من خلال الوثائق والقرارات. وفي مسار موازٍ، انطلقت عام 2007م مبادرة الملك عبدالله للمحتوى العربي، بإشراف مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية، لدعم حضور العربية على الإنترنت وتطوير مواردها الرقمية والمعرفية، في خطوة وسّعت ميادين خدمتها من التعليم والبحث والنشر إلى المحتوى الإلكتروني والتقنيات الحديثة. وامتد هذا الاهتمام إلى المحافل الدولية؛ ففي أكتوبر 2012م، اعتمد المجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو، في دورته الـ190، مقترحًا تقدمت به المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية للاحتفاء بالثامن عشر من ديسمبر يومًا عالميًا للغة العربية، استحضارًا لليوم الذي اعتُمدت فيه العربية لغة رسمية ولغة عمل في الأمم المتحدة عام 1973م. وهكذا اجتمع العمل المؤسسي المتخصص، والتوجه نحو المحتوى الرقمي، والإسهام في تعزيز حضور العربية على المستوى الدولي.


وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، أيّده الله، اتخذت هذه المسيرة بعدًا أكثر شمولًا. فقد عُرف الملك سلمان، منذ سنوات إمارته للرياض ورئاسته مجلس إدارة دارة الملك عبدالعزيز، بعنايته بالتاريخ والثقافة والكلمة. ولم تكن العربية في خطابه شأنًا ثقافيًا عابرًا، بل جزءًا من تعريف الدولة نفسها، ورسالة يوجهها إلى الأجيال. ومن أقواله في هذا السياق: «بلادنا المملكة العربية السعودية دولة عربية أصيلة، جعلت اللغة العربية أساسًا لأنظمتها جميعًا، وهي تؤسس تعليمها على هذه اللغة الشريفة، وتدعم حضورها في مختلف المجالات، وقد تأسست الكليات والأقسام والمعاهد، وكراسي البحث في داخل المملكة وخارجها، لدعم اللغة العربية وتعليمها وتعلمها». وفي خطابه للشباب يقول: «نصيحتي الخالصة لأبنائي الشباب وبناتي الشابات أن يُقبلوا على تعلّم اللغة العربية ويتفننوا في استخدامها، فهي لغة دينهم ووطنهم وآبائهم وأجدادهم، وهذا لا يتعارض مع تعلم اللغات والعلوم الأخرى في مجالها الخاص». ويؤكد المعنى ذاته في قوله: «يجب على المواطن، وخاصة الشباب والشابات، أن ينهلوا من لغتهم العربية؛ ليتمكنوا من خدمة دينهم ووطنهم أكمل الخدمة».


ولم تكن هذه الجهود بمعزل عن المشروع الوطني الكبير الذي يقوده ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، مهندس رؤية المملكة 2030 وعرّابها، الرؤية التي انطلقت عام 2016م، وجعلت من تعزيز حضور اللغة العربية أحد مستهدفاتها الإستراتيجية في إطار تعزيز الهوية الوطنية ضمن محور «مجتمع حيوي»، إلى جانب غرس المبادئ والقيم الوطنية والمحافظة على تراث المملكة الإسلامي والعربي والوطني. وبهذا لم تعد مكانة العربية تُستمد من النصوص النظامية وحدها، بل أصبحت جزءًا من مشروع تنموي تتصل به البرامج والمبادرات، ويُتابع تحقيق مستهدفاته ضمن منظومة الرؤية. ومن خلال برامج تحقيقها، وفي مقدمتها برنامجا تنمية القدرات البشرية وجودة الحياة، اتسعت مجالات خدمة العربية، من التعليم والتأهيل إلى الثقافة والإبداع والمشاركة المجتمعية، بما يربط الاعتزاز بها بقدرتها على مواكبة التحولات الاقتصادية والمعرفية والتقنية.


وفي هذا السياق، أُنشئ مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية بقرار مجلس الوزراء عام 1442هـ/2020م، ليكون مؤسسة متخصصة في خدمة العربية وتعزيز حضورها محليًا وعالميًا، ضمن المنظومة الثقافية الوطنية التي تقودها وزارة الثقافة برئاسة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، الذي يرأس أيضًا مجلس أمناء المجمع. وكانت الوزارة قد أعلنت رؤيتها وتوجهاتها في مارس 2019م، وعدّت اللغة أحد القطاعات الثقافية الستة عشر، في دلالة على حضور العربية في التخطيط الثقافي الوطني. كما خصصت عام 2020م للاحتفاء بالخط العربي، ومُدد الاحتفاء إلى عام 2021م، ثم وافق مجلس الوزراء على تسمية عام 2023م «عام الشعر العربي». وتتولى هيئة الأدب والنشر والترجمة، التي أُنشئت عام 1441هـ/2020م، دعم النشر والترجمة وإثراء المحتوى المعرفي العربي.


ويعمل مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية عبر أربعة قطاعات متكاملة: التخطيط والسياسة اللغوية، والحوسبة اللغوية، والبرامج التعليمية، والبرامج الثقافية. وتتولى أمانته العامة قيادة هذه الجهود برئاسة الأستاذ الدكتور عبدالله بن صالح الوشمي، وبمشاركة نائب الأمين العام الأستاذ الدكتور إبراهيم أبانمي، في عمل مؤسسي تتكامل فيه الرؤية العلمية مع الإدارة التنفيذية، وتتضافر فيه جهود الباحثين والمتخصصين وفرق العمل، لتتحول الأهداف إلى مشروعات معرفية وتعليمية وثقافية يتسع أثرها داخل المملكة وخارجها. وتتجلى ثمار هذه الجهود في مشروعات نوعية، من أبرزها، «معجم الرياض للغة العربية المعاصرة»، الذي أُطلق عام 1445هـ/2023م، ويضم نحو 120 ألف مدخل معجمي، استند بناؤها إلى مدونات لغوية تقارب 400 مليون كلمة. ومنها منصة «فلك» للمدونات اللغوية، التي ضمت عند إطلاقها أكثر من مليار ونصف مليار كلمة، ومنصة «المستشار اللغوي». وفي تعليم العربية للناطقين بغيرها، أطلق المجمع منصة «أهلًا وسهلًا» لتيسير تعلم العربية، واختبار «همزة» لقياس الكفاية اللغوية وفق الإطار الأوروبي المرجعي المشترك للغات. وتمتد جهود المجمع إلى الخارج عبر برنامج «شهر اللغة العربية»، الذي حمل فعالياته وخبراته التعليمية إلى عدد من البلدان شرقا وغربا، فضلًا عن برامج الانغماس اللغوي والثقافي القصيرة. ويكرّم المجمع العاملين في خدمة العربية حول العالم بجائزته السنوية، موزعة على أربعة فروع: التعليم، والحوسبة، والبحث العلمي، ونشر الوعي اللغوي. وهي منجزات تعكس اتساع رسالة المجمع، وتكشف أثر العمل الذي يجمع بين العناية بالتراث اللغوي، واستثمار أدوات المعرفة الحديثة.


ومن المبادرات التي تجسّد هذا الامتداد الحضاري مركز «أبجد» لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، إحدى مبادرات المجمع التي جعلت من تعليم العربية تجربة تتجاوز قاعات الدرس إلى معايشة المجتمع السعودي والتعرف على ثقافته وقيمه. فمن بين نحو عشرين ألف متقدم سنويًا، يستقبل المركز قرابة 150 طالبًا وطالبة، فيما بلغ عدد الجنسيات التي استقبلها نحو 50 جنسية من مختلف أنحاء العالم. وخلال ثمانية أشهر من الدراسة المكثفة، يكتسب الطلاب القدرة على التواصل بالعربية والتعبير بها عن أفكارهم وتجاربهم، وقد تجلت بعض ثمار هذه التجربة في ظهور عدد من طلابه في برامج حوارية مباشرة على قناة «روتانا خليجية»، أظهروا خلالها كفاية لغوية وثقافية لافتة، استرعت اهتمام الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، وزير الثقافة، فزار المجمع والتقى بالطلاب، وأشاد بما تحقق من نتائج، مثمّنًا جهود القائمين على البرنامج، في دلالة على ما تحظى به العربية من عناية واهتمام.


ومن خلال تجربتي في إدارة مركز أبجد منذ إطلاقه عام 2023، رأيتُ عن قرب كيف تتجاوز رسالة تعليم العربية حدود القاعات الدراسية، لتترك أثرها في حياة المتعلمين وعلاقتهم بالمملكة وثقافتها ومجتمعها. فقد عايشتُ رحلة هؤلاء الدارسين منذ وصولهم إلى المملكة، وهم يخطون خطواتهم الأولى في تعلم العربية، حتى مغادرتهم وقد اتسعت حصيلتهم اللغوية، وتعمقت معرفتهم بالثقافة السعودية، وتكونت لهم صداقات وذكريات وتجارب لا تنتهي بانتهاء البرنامج. ويقوم نموذج «أبجد» التعليمي على التركيز على الفصحى المعاصرة ولغة التواصل اليومي، مع تعريف الدارسين باللغة البيضاء التي تيسر تفاعلهم مع المجتمع السعودي، بما يعزّز كفاياتهم اللغوية والثقافية والتداولية. ويتكامل التعليم داخل القاعات مع برنامج «الشريك اللغوي»، الذي يجمع الدارسين الدوليين بطلاب وطالبات سعوديين، وزيارات الأسر السعودية التي تتيح لهم معايشة الحياة الاجتماعية واستخدام العربية في مواقف طبيعية. كما تسهم فعالية «ثقافات الشعوب»، والزيارات الثقافية والتراثية والمشاركة في المناسبات المجتمعية والمعرفية، في جعل المملكة نفسها فضاءً للتعلم، وتمديد أثر التجربة التعليمية إلى ما وراء قاعات الدراسة. وقد أظهرت تجربة «أبجد» إمكان تحقيق تقدم لغوي ملموس خلال ثمانية أشهر من الدراسة المكثفة، من خلال تكامل التعليم المنظم والممارسة اليومية والانغماس الثقافي، بما يجعل هذا النموذج جديرًا بالدراسة والإفادة منه في مؤسسات تعليمية أخرى. ولعل أجمل ما لمسته في هذه التجربة أن العربية لم تعد لدى كثير من الدارسين لغة يتعلمونها فحسب، بل أصبحت وسيلة للتعارف والتقارب بين ثقافات متعددة، يحملون معها عند مغادرتهم المملكة مشاعر محبة وتقدير لبلد فتح لهم أبواب لغته وثقافته ومجتمعه.


كما تمثل وزارة التعليم، التي يتولى قيادتها اليوم معالي الوزير الأستاذ يوسف بن عبدالله البنيان، الحاضنة الأوسع للعربية؛ فالعربية لغة التعليم في المراحل الدراسية كافة، ولمقرراتها حيز واسع في الخطط الدراسية للتعليم العام. بل إن لائحة المدارس الأجنبية تُلزم كل مدرسة أجنبية في المملكة بتدريس مبادئ اللغة العربية والحضارة الإسلامية وتاريخ المملكة وجغرافيتها. وفي التعليم الجامعي، تضم الجامعات السعودية كليات وأقسامًا للغة العربية تمنح البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في النحو والصرف، والبلاغة والنقد، والأدب، واللغويات العربية. أما الناطقون بغيرها فتستقبلهم معاهد تعليم اللغة العربية المنتشرة في جامعات المملكة، ومنها معهد اللغويات العربية بجامعة الملك سعود (سابقا)، ومعاهد جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وجامعة أم القرى، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وغيرها من المعاهد والمراكز والبرامج، وفيها يدرس طلاب المنح من شتى أنحاء العالم.


ولم تقتصر العناية بالعربية على المؤسسات، بل تجلّت أيضًا في مواقف رجال دولة وأدباء جعلوا من خدمتها رسالة ثقافية ووطنية. ويبرز في هذا السياق صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، الأديب والشاعر، الذي تحتل العربية في وجدانه مكانة الهوية والانتماء، ويعبّر عن اعتزازه بها بقوله: «شرّفني الله ثم خادم الحرمين الشريفين بخدمة البيت الأمين، فوهبت حياتي لخدمة لغة القرآن والمسلمين في هذا الزمان والمكان، كيف لا؟ وهي قمة البيان وهوية الإنسان». وفي احتفاء إمارة منطقة مكة المكرمة باليوم العالمي للغة العربية، ربط العناية بها بمكانتها الدينية والحضارية، قائلًا: «لقد كرّمنا الله أن تكون لغة آخر الكتب السماوية بلغتنا، وبعث فينا ومن الأمة العربية آخر رسله محمد صلى الله عليه وسلم، كما أن مصدر الشرف والفخر لنا مجاورة بيته العتيق ومسجد رسوله الكريم، وهذه الأمور تحتم علينا العناية باللغة العربية والاحتفاء بها». ولم تقتصر مناصرته للعربية على القول، بل تجلّت أيضًا في مواقفه العملية؛ إذ دعا، إبان توليه وزارة التربية والتعليم، إلى التزام المعلمين والمعلمات باللغة العربية الفصحى في مدارس التعليم العام، إدراكًا لدور المدرسة في ترسيخ العربية لدى الأجيال الناشئة.


ومن المهم، عند استعراض هذه المسيرة، استحضار بعض المبادرات الجامعية المبكرة التي أسهمت في التأسيس للتحول الرقمي في تعليم العربية، وحضورها في الفضاء الإلكتروني، ومهّدت لما نشهده اليوم من توسع في المنصات التعليمية والتطبيقات اللغوية. ومن هذه المبادرات مشروع «العربية التفاعلية» الذي أطلقته جامعة الملك سعود عام 2012م، وكان لي شرف اقتراح فكرته ورئاسة فريقه، في تجربة سعت إلى تقديم العربية للناطقين بغيرها من خلال الوسائط الرقمية والتطبيقات التفاعلية. وتواصل هذا المسار عام 2015م مع مشروعي «العربية على الإنترنت» و«الاختبار المعياري للغة العربية» بالجامعة السعودية الإلكترونية، اللذين توليت إدارتهما التنفيذية لأكثر من ثلاث سنوات، ودشّنهما آنذاك معالي وزير التعليم. ولم تكن هذه المشروعات مجرد نقل للمحتوى التعليمي إلى الشاشة، بل خطوات عملية لتجاوز حواجز المكان والزمان، وتوسيع فرص تعلم العربية، وتطوير أدوات علمية لقياس المهارات اللغوية. وقد شكّلت هذه التجارب المبكرة امتدادًا لجهود الجامعات السعودية في توظيف التقنية لخدمة العربية، ومهّدت لمرحلة أكثر اتساعًا من المنصات الرقمية والاختبارات اللغوية المتخصصة.


وفي الوقت الذي امتدت فيه برامج تعليم العربية إلى متعلمين من دول وثقافات متعددة، أخذت التقنيات الحديثة موقعًا متقدمًا في هذه الجهود. ففي سبتمبر 2024م أطلقت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) ومجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية مؤشر «بَلْسَم»، ضمن مبادرات مركز «ذكاء العربية» التابع للمجمع. ويقيس المؤشر كفاءة النماذج اللغوية الكبيرة في معالجة العربية عبر 67 مهمة ونحو 50 ألف سؤال. ثم أطلق المجمع «حزمة معايير الحوسبة اللغوية العربية». وهنا تتجلى صورة مختلفة لخدمة اللغة؛ فبعد أن كان التحدي الأول تثبيت حضورها في المدرسة والإدارة، أصبح من تحديات الحاضر ضمان قدرتها على العمل بكفاءة في التطبيقات الرقمية والأنظمة الذكية.


غير أن قراءة هذا التاريخ لا تكتمل بمجرد إحصاء المؤسسات والقرارات؛ فالمسافة بين إصدار الأنظمة وتطبيقها ظلت أحد التحديات التي رصدتها دراسات السياسة اللغوية السعودية. ومن هنا تكتسب السياسة الوطنية للغة العربية، التي أقرها مجلس الوزراء في 15 شعبان 1447هـ (3 فبراير 2026م)، أهميتها الخاصة. فهي لا تضيف قرارًا جديدًا إلى ما سبقه، بل تبني مرجعية جامعة تنظم حضور العربية في أعمال الجهات العامة والتعليم والإعلام والأعمال والمشهد الثقافي والدولي، وتربط مكانتها في هوية الدولة بمتطلبات استخدامها الفعلي. ويبقى نجاحها، كنجاح ما سبقها، مرهونًا بأثرها في الممارسة اليومية، لا في النصوص الرسمية وحدها.


وهكذا، من قرار مبكر يؤكد رسمية العربية قبل توحيد المملكة، إلى معاهد في الداخل والخارج، ونص نظامي يثبت مكانتها، ومجمع عالمي وسياسة وطنية، ومنصات رقمية، تتضح ملامح مسيرة امتدت عبر عهود الملوك السبعة، واختلفت أدواتها باختلاف حاجات كل مرحلة. لقد ظلت العربية في هذه المسيرة أكثر من إرث يُحتفى به؛ كانت لغة دولة تُبنى، وتعليم يتسع، وثقافة تعبر الحدود، وهوية تتجدد. واليوم، إذ تدخل العربية عصر الذكاء الاصطناعي، فإن امتداد تلك العناية لا يُقاس بما حُفظ من ماضيها وحده، بل بما يُفتح أمامها من آفاق؛ لتكون لغة فاعلة في صناعة المعرفة والمستقبل.

منذ ساعة

هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على البشرية؟

لم يعد السؤال عن مستقبل الذكاء الاصطناعي مقتصراً على ما تستطيع الآلات فعله، بل امتد إلى سؤال أكثر إثارة للقلق: هل يمكن أن تبلغ هذه التقنية من القوة والاستقلالية ما يجعلها تهدد وجود البشرية نفسها؟ سؤال يتردد في أروقة شركات التقنية ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام، وتتباين بشأنه مواقف العلماء والخبراء بين من يحذر من كارثة وجودية محتملة، ومن يرى أن المبالغة في تصوير هذا المستقبل قد تصرف الأنظار عن مخاطر حقيقية نعيشها اليوم. لكن وسط هذا الجدل، ثمة سؤال آخر ربما يستحق اهتماماً مماثلاً: ماذا لو لم يكن الخطر في أن تصبح الآلات أكثر ذكاءً من الإنسان، بل في أن يتنازل الإنسان تدريجياً عن قدرته على التفكير والاختيار واتخاذ القرار؟


في مقال نشرته مجلة «رولينغ ستون» في سبتمبر 2026 بعنوان «لقد عملت في الذكاء الاصطناعي لعقد من الزمن.. إليكم لماذا لا أخاف منه»، تقدم رومان تشودري، المبعوثة العلمية الأمريكية السابقة لشؤون الذكاء الاصطناعي، رؤية مختلفة لمستقبل هذه التقنية. فمن واقع خبرتها الممتدة لأكثر من عقد في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وحوكمته، ترى أن انشغال بعض العاملين في صناعة التقنية بسيناريوهات انقراض البشرية قد حجب عن النقاش العام قضايا أكثر اتصالاً بحياة الناس، كفقدان الوظائف، والتضليل المعلوماتي، والتحيز الخوارزمي، وتأثير التقنية في الأطفال، والتكاليف البيئية المتزايدة لمراكز البيانات. وتتساءل، في جوهر طرحها، عن جدوى الانشغال بإنقاذ البشرية من خطر مستقبلي محتمل، بينما نتجاهل ما تتعرض له حياة البشر اليوم من تحولات عميقة بفعل التقنية نفسها.


لا تعني هذه الرؤية، بالضرورة، أن المخاوف المستقبلية لا تستحق البحث أو أن تطور الذكاء الاصطناعي يخلو من الأخطار؛ فثمة باحثون يحذرون من احتمال ظهور أنظمة فائقة القدرة يصعب على الإنسان التحكم في سلوكها أو التنبؤ بنتائج قراراتها، غير أن المسافة لا تزال واسعة بين الاحتمالات النظرية والأخطار التي ثبت وقوعها. وهنا تكمن أهمية التمييز بين ما يمكن أن يحدث في المستقبل وما يحدث بالفعل في حاضرنا. فحين يتركز النقاش العام على سيناريوهات انقراض البشرية، قد تتراجع في سلم الأولويات قضايا تمس ملايين البشر اليوم، وتستدعي قرارات عاجلة من الحكومات والمؤسسات وشركات التقنية. ومن ثم، يمكن القول، ليس المطلوب الاختيار بين الاهتمام بمخاطر الغد ومشكلات اليوم، بل منح كل خطر ما يستحقه من بحث واستعداد، بحسب ما نعرفه عنه من أدلة واحتمالات وآثار وتبعات.


والواقع أن هذه المفارقة تستحق التأمل؛ إذ لم تعد علاقتنا بالذكاء الاصطناعي مجرد علاقة مستخدم بأداة تساعده على إنجاز مهامه، وإنما أخذت تتحول إلى علاقة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الآلة مع تفكير الإنسان وتعلمه وعمله وتواصله مع الآخرين؛ فالأدوات التي بدأت بمساعدتنا على البحث والكتابة والترجمة أصبحت قادرة على اقتراح الأفكار، وصياغة الآراء، وتحليل المشكلات، وتقديم المشورة في قرارات مهنية وشخصية. وليس مستبعداً أن نجد أنفسنا، مع اتساع استخدامها وسهولة الوصول إليها، أمام جيل اعتاد الحصول على الإجابات الجاهزة قبل أن يتعلم كيف يطرح الأسئلة، ويلجأ إلى الآلة قبل أن تُمنح العقول فرصة؛ للتأمل والمحاولة والاكتشاف.


ولعل التعليم من أكثر الميادين التي تتجلى فيها هذه المفارقة؛ فمن جهة، يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقاً غير مسبوقة لتخصيص التعلم، ومراعاة الفروق الفردية، وتوفير المساعدة التعليمية لملايين المتعلمين، وتجاوز الحواجز اللغوية والمعرفية. ومن جهة أخرى، فإن تحوله إلى بديل دائم عن الجهد الذهني قد يضعف المهارات التي يفترض بالتعليم أن ينميها أصلاً. فما قيمة أن يقدم الطالب بحثاً متقناً لم يشارك عقله في بنائه؟ وما جدوى أن يحصل المتعلم على إجابة صحيحة إذا لم يمتلك القدرة على تفسيرها أو مناقشتها أو التحقق منها؟ إن التحدي الحقيقي أمام المؤسسات التعليمية ليس منع الطالب من استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما إعادة تصميم التعلم والتقويم بما يجعل التقنية وسيلة لتنمية التفكير، لا طريقاً مختصراً للاستغناء عنه.


هذه المخاوف لم تعد مجرد انطباعات تربوية؛ فقد كشفت دراسة نشرها باحثون من «مايكروسوفت» وجامعة «كارنيغي ميلون» عام 2025، شملت 319 من العاملين في المهن المعرفية و936 تجربة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في العمل، عن علاقة تستحق الانتباه بين الثقة في مخرجات هذه الأنظمة وممارسة التفكير النقدي. فكلما زادت ثقة المشاركين في قدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز المهمة، انخفض الجهد النقدي الذي أفادوا ببذله، بينما ارتبطت ثقتهم بقدراتهم الشخصية بمزيد من التفكير والمراجعة. ورغم أن الدراسة اعتمدت على تقييم المشاركين لتجاربهم، ولا تثبت أن استخدام التقنية يؤدي بذاته إلى تراجع التفكير، فإنها تثير سؤالاً مهماً: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي لنتعلم كيف نفكر بصورة أفضل، أم لنريح أنفسنا من مشقة البحث والتفكير؟ ولعل أخطر ما قد يصاحب الاعتماد المفرط على هذه الأدوات ليس أن تقدم لنا إجابات خاطئة فحسب، بل أن نفقد مع الوقت القدرة أو الرغبة في مساءلة الإجابات التي تقدمها.


وما ينطبق على التعليم يمتد إلى المؤسسات وبيئات العمل. فقد أصبحت الخوارزميات شريكاً متنامياً في تحليل البيانات، والتنبؤ بالاتجاهات، وتقييم البدائل، ودعم القرارات الإدارية. وهذه قدرات تحمل فرصاً اقتصادية وتنظيمية هائلة، لكنها تطرح في الوقت نفسه أسئلة تتعلق بالمسؤولية والمساءلة. فمن يتحمل تبعات قرار إداري خاطئ استند إلى توصية خوارزمية؟ وكيف نتأكد من أن البيانات التي بُني عليها القرار لم تتضمن تحيزاً أو قصوراً؟ وهل يمتلك المدير الذي يعتمد على الأنظمة الذكية القدرة المعرفية اللازمة لمراجعة توصياتها، أم أنه سيكتفي بالموافقة على مخرجات لا يفهم بالضرورة كيف توصلت إليها؟ هنا يظهر الفرق الجوهري بين الأتمتة التي تنقل المهام إلى الآلة، والتعزيز بالذكاء الاصطناعي الذي يوظف قدراتها لتوسيع إمكانات الإنسان، مع الاحتفاظ بدوره في التقدير والحكم وتحمل المسؤولية.


ولعل إحدى الوقائع التي شهدتها كندا تقدم مثالاً على هذه الإشكالية. ففي عام 2024، أصدرت جهة قضائية مختصة بتسوية المنازعات المدنية في مقاطعة كولومبيا البريطانية قراراً ضد شركة الخطوط الجوية الكندية، بعدما قدم روبوت المحادثة في موقعها معلومات غير صحيحة لأحد المسافرين بشأن استرداد جزء من قيمة تذكرته بسبب وفاة أحد أفراد أسرته. وعندما طالب المسافر بحقه استناداً إلى المعلومات التي تلقاها، رفضت الشركة طلبه، ثم حاولت التمييز بين مسؤوليتها ومسؤولية نظام المحادثة الذي قدم المعلومة. لكن القضاء حمّل الشركة مسؤولية المعلومات المنشورة عبر موقعها، بما فيها إجابات الروبوت. نعم، قد تبدو الواقعة محدودة الأثر، لكنها تطرح سؤالاً أوسع: إذا كانت مؤسسة ما مسؤولة عن معلومة خاطئة يقدمها نظام ذكي، فكيف سيكون الحال حين تعتمد المؤسسات على هذه الأنظمة في قرارات تمس توظيف الأشخاص أو فرصهم التعليمية أو حصولهم على الخدمات؟ إن تفويض بعض المهام إلى الآلة ينبغي ألّا يتحول إلى تفويض للمسؤولية الأخلاقية والقانونية عنها.


غير أن المسألة تتجاوز التعليم والعمل إلى ما هو أعمق من ذلك: علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين. ففي عالم تتطور فيه تطبيقات المحادثة الذكية إلى رفقاء افتراضيين قادرين على محاكاة التعاطف، وتذكر تفاصيل حياتنا، ومجاراة أفكارنا وتفضيلاتنا، قد يصبح التواصل مع الآلة لدى بعض المستخدمين أسهل من مواجهة تعقيدات العلاقات الإنسانية الحقيقية. وفي فضاء رقمي تتحكم فيه الخوارزميات بما نقرأه ونشاهده ونتفاعل معه، قد تضيق تدريجياً المساحة التي نمنحها للآراء المختلفة والتجارب غير المتوقعة. والمفارقة هنا أن التقنية التي يفترض أن توسع آفاق المعرفة والتواصل قد تسهم، إذا أسيء تصميمها أو استخدامها، في تضييق آفاق التفكير وتعميق العزلة الإنسانية.


تستحق هذه العلاقة الناشئة بين الإنسان والآلة قدراً أكبر من التأمل؛ فالتطبيق الذي يصغي إلينا بصبر، ويجيب عن أسئلتنا دون ملل، ويجاري اهتماماتنا، قد يمنح بعض المستخدمين شعوراً بالألفة والاهتمام. وليس في الاستفادة من هذه الإمكانات ما يدعو إلى القلق في ذاته، فقد توفر الدعم المعرفي وتخفف الشعور بالعزلة لدى بعض الأشخاص. لكن الإشكالية تبدأ حين تختلط محاكاة التعاطف بالتعاطف الإنساني الحقيقي، أو حين يصبح الحوار مع الآلة بديلاً عن العلاقات التي نتعلم من خلالها الاختلاف والتفاوض والتسامح وتقبل النقد. فالعلاقات الإنسانية لا تكتسب قيمتها من قدرتها على إرضائنا دائماً، وإنما أيضاً مما تفرضه علينا من فهم الآخرين ومراجعة مواقفنا والتعامل مع مشاعر لا تسير بالضرورة وفق ما نرغب فيه.


وهنا تبرز أهمية الحوكمة المسؤولة للذكاء الاصطناعي، لا بوصفها منظومة من القيود والإجراءات التقنية فحسب، بل باعتبارها إطاراً لحماية الإنسان وحقوقه واستقلاله في عالم تتسع فيه سلطة الخوارزميات؛ فالمطلوب ليس إبطاء الابتكار أو التخلي عن الفرص الاقتصادية والعلمية لهذه الثورة، وإنما بناء منظومة توازن بين التطور التقني والمصلحة الإنسانية، وتضمن الشفافية والمساءلة، وتحمي الخصوصية، وتحد من التحيز، وتمنح الأفراد والمؤسسات القدرة على فهم القرارات المؤثرة في حياتهم ومراجعتها والاعتراض عليها.


وفي المملكة، حيث تتسارع الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي وتتوسع تطبيقاته في قطاعات التعليم والصحة والصناعة والخدمات، تكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة. فبناء القدرات الوطنية ينبغي ألّا يقتصر على إعداد المتخصصين في تطوير النماذج والخوارزميات، بل يشمل أيضاً إعداد جيل يمتلك المعرفة التقنية والتفكير النقدي والوعي الأخلاقي، وقيادات مؤسسية قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي دون التفريط في مسؤوليتها عن القرارات التي تتخذها. إن الاستثمار في الإنسان، بالتوازي مع الاستثمار في التقنية، هو ما يمنح هذا التحول قيمته التنموية والاجتماعية المستدامة.


قد يختلف العلماء والخبراء كثيراً حول احتمالات أن يبلغ الذكاء الاصطناعي مستوى يهدد وجود البشرية، ولا ينبغي الاستهانة بهذه الاحتمالات أو التعامل معها بوصفها حقائق محسومة. لكن ثمة مخاطر لا تحتاج إلى انتظار ذلك المستقبل البعيد؛ فهي تتشكل اليوم في مدارسنا ومؤسساتنا ومنازلنا، وفي الطريقة التي نفكر ونتعلم ونعمل ونتواصل بها. ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على البشرية؟ بل: هل يمكن أن نفقد شيئاً من إنسانيتنا ونحن نسعى إلى امتلاك آلات تحاكي قدراتنا؟


إن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن تحدده قدرات الآلات وحدها، بل ستحدده كذلك اختيارات البشر والمؤسسات التي تطورها وتستخدمها وتنظم عملها. وقد لا يكون أعظم إنجاز نحققه في هذا العصر هو صناعة آلة تستطيع التفكير مثل الإنسان، وإنما أن ننجح في تسخير ذكائها لتوسيع قدراتنا وتنمية معارفنا، دون أن نفقد قدرتنا على التفكير المستقل، أو نتخلى عن مسؤوليتنا في اتخاذ القرارات، أو أن نسمح للتقنية بأن تحل محل الإنسان في ما ينبغي أن يظل من صميم دوره ومسؤوليته؛ فالقيمة الحقيقية لهذا التقدم لا تكمن فيما يمكن للآلة أن تفعله وحدها، بل فيما يستطيع الإنسان أن يحققه بمساعدتها.

00:01 | 11-10-2026

ماذا بقي للمترجم حين أصبحت الآلة قادرة على الترجمة الفورية للنص والصوت والصورة؟

قبل سنوات ليست بعيدة، كانت الترجمة الآلية تعني في أذهان كثيرين نصًا ندخله في برنامج فنحصل على نص آخر قد نفهم منه المعنى العام، ثم نعود إلى المترجم البشري إذا أردنا الدقة أو الأسلوب أو الاطمئنان إلى أن الرسالة وصلت كما ينبغي. اليوم تغيّر المشهد بصورة تكاد تجعل تلك المرحلة تبدو بعيدة أو كلاسيكية؛ إذ نستطيع اليوم أن نوجه كاميرا الهاتف إلى لوحة بلغة لا نعرفها فتظهر ترجمتها أمامنا، ونستمع إلى حديث بلغة أخرى فنحصل على ترجمة شبه فورية، ونرفع وثيقة كاملة إلى أحد نماذج الذكاء الاصطناعي فيترجمها، ثم نطلب منه أن يعيد صياغتها بلغة رسمية أو مبسطة أو حتى أدبية. وبهذا يمكن القول: لم تعد الآلة تتعامل مع النص وحده، بل أصبحت قادرة على التعامل مع الصوت والصورة والسياق معًا.


وأمام هذا التسارع يصبح السؤال مشروعًا: ماذا بقي للمترجم؟ قد يبدو السؤال لأول وهلة وكأنه إعلان مبكر عن نهاية مهنة وموت مترجم على غرار فلسفة «موت المؤلف» في النصوص الأدبية، لكنه في الحقيقة يقود إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا نعني أصلًا بالترجمة؟ فإذا كانت الترجمة مجرد استبدال كلمات بكلمات، أو نقل جمل من نظام لغوي إلى آخر، فقد قطعت الآلة بالفعل شوطًا هائلًا، وربما أصبحت في كثير من الاستخدامات اليومية أسرع من الإنسان، بل وأقل تكلفة وأكثر حضورًا. أما إذا كانت الترجمة نقلًا للمعنى في سياقه، وللقصد في مقامه، وللثقافة التي تقف خلف اللغة، فإن القضية أكثر تعقيدًا مما قد يُتصوّر.


الإنسان لا يتحدث بالكلمات وحدها؛ فنحن نقول شيئًا ونقصد أكثر أو أقل منه، وقد نقول الجملة نفسها فنقصد بها الترحيب مرة، والعتاب مرة، والسخرية مرة أخرى. ويدخل في فهم الخطاب عمر المتحدث والمخاطَب، والعلاقة بينهما، والمكانة الاجتماعية، والموقف الذي قيلت فيه العبارة، وما سبقها من حديث، وما يعرفه الطرفان ولا يحتاجان إلى قوله. ولذلك كله، قد تكون الجملة صحيحة نحويًا ودلاليًا، ثم تفشل مع ذلك في الوصول إلى المتلقي بالمعنى المقصود.


خذ مثلًا كلمة عربية بسيطة مثل «تفضل». قد تعني: ادخل، أو اجلس، أو ابدأ الحديث، أو تناول الطعام، أو خذ هذا الشيء، وقد تأتي في مقام من مقامات الاحترام والمجاملة لا يؤديه المقابل المعجمي وحده. وعبارة مثل «ما قصرت» قد تكون ثناءً صادقًا، وقد يتغير معناها ونبرتها باختلاف المقام والسياق لتتحول إلى لومٍ وعتاب. وكذلك عبارات الدعاء والتحية والاعتذار والمجاملة في العربية؛ فهي لا تحمل وظيفة لغوية فحسب، وإنما تتحرك داخل شبكة من العلاقات الاجتماعية والثقافية يفهمها أهل اللغة غالبًا من غير شرح.


ولعل موقفًا عابرًا في إحدى جلسات «مبادرة مستقبل الاستثمار» عام 2017 يختصر هذه المعضلة كلها. كان الياباني ماسايوشي سون، مؤسس «سوفت بنك»، يتحدث بحماس عن «نيوم»، فاستخدم كلمة Mecca بالمعنى المجازي الشائع في الإنجليزية؛ أي المكان الذي يتحول إلى مركز جذب يقصده الناس، وقال ما يفيد بأن السعودية لديها مكة، وستنشئ «مكتين» أخريين. أثارت العبارة دهشة الحضور، فتدخل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان سريعًا، موضحًا بابتسامة أن المتحدث يقصد «مراكز جذب» جديدة، لا مكة المكرمة.


ولتفسير هذه الفجوة الثقافية نقول: لم يكن الإشكال هنا في الكلمة ذاتها؛ فهي مستخدمة بهذا المعنى المجازي في الإنجليزية، وإنما في المسافة الثقافية بين ما تعنيه للمتحدث وما تستدعيه فورًا في ذهن المتلقي العربي والمسلم من قداسة دينية ومكانة خاصة. فعندما يسمع السعودي كلمة «مكة»، يصعب عليه غالبًا فصلها عن مكة المكرمة وحرمتها وقداستها. ومن ثم فإن نقل العبارة حرفيًا إلى العربية، حتى لو كان «دقيقًا» من الناحية اللغوية، قد يكون مضللًا من الناحية التداولية؛ فالترجمة قد تنقل الكلمات كاملة، ومع ذلك تفقد المقصود، أو تضيف إليه معنى لم يرده صاحبه.


وتحضرني في هذا السياق قصة طريفة للزميل الدكتور خالد أبا الحسن، وهو من المترجمين المرموقين في المملكة. كان يعمل مترجمًا لأحد المسؤولين الذي اعتاد أن يتحدث بالإنجليزية ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، قبل أن يفاجئه في أحد المواقف ببيت الشعر المعروف: «لقد أسمعت لو ناديت حيًّا، ولكن لا حياة لمن تنادي»، طالبًا منه نقله إلى الإنجليزية. لم يبحث أبا الحسن عن مقابل شعري للبيت، ولم يتكلف ترجمة ألفاظه وصورته كلمة بكلمة، وإنما التقط المعنى الذي أراد المتحدث إيصاله، فقال ببساطة As if you were talking to the dead، وفي هذه العبارة القصيرة شيء من جوهر الترجمة نفسها؛ فقد تجاوز المترجم مبنى النص إلى معناه، ونقل إلى المتلقي ما أراد المتحدث قوله برشاقة ويسر؛ فالبيت يحمل وراء ألفاظه إرثًا أدبيًا وثقافيًا وصورة بلاغية قد لا يؤدي نقلها الحرفي إلى الإنجليزية الغرض نفسه، ولربما وصلت الكلمات ولم تصل الفكرة.


وتروى في عالم الترجمة الفورية قصة طريفة حدثت في سيؤول، تكشف وجهًا آخر لهذه المسألة. افتتح أحد المسؤولين كلمته بنكتة أراد بها كسر الجمود مع الحضور، لكن المترجم لم يجد سبيلًا مناسبًا لنقلها إلى الكورية بما يحفظ أثرها، فاختار حلًا غير مألوف؛ أخبر الجمهور، ببساطة، أن المتحدث قال لتوه نكتة، وأنه يتوقع منهم أن يضحكوا ويصفقوا. وما إن انتهى حتى ضجت القاعة بالضحك والتصفيق، إلى حد أثار دهشة المتحدث نفسه. لم يترجم المترجم كلمات النكتة، لكنه أدرك وظيفتها في ذلك المقام، فسعى إلى نقل أثرها بدل ألفاظها. وهي حكاية طريفة، لكنها تضع أيدينا على جوهر مهم في الترجمة: أن المطلوب أحيانًا ليس نقل ما قيل حرفيًا، بل فهم ومن ثم نقل المقصود الذي أراد المتحدث إيصاله.


هذه الأمثلة الثلاثة تكشف منطقة شديدة الحساسية في الترجمة لا تتعلق بالمعجم وحده، بل بالسياق والتداولية والمعرفة الثقافية المشتركة؛ فالسؤال لم يعد: ما معنى هذه الكلمة؟ بل: ماذا تعني هنا، وفي هذا المقام، ولهذا المتلقي تحديدًا؟ وقد يكون المترجم أمام كلمة أو عبارة لها مقابل مباشر في اللغة الأخرى، لكنه يدرك أن استخدام هذا المقابل كما هو قد يربك المتلقي، أو يثير دلالة لم تكن في ذهن المتحدث، أو ينقل معنى صحيحًا لغويًا لكنه غير مناسب ثقافيًا وتداوليًا.


والإنصاف يقتضي القول إن الذكاء الاصطناعي يتقدم في هذه المساحة أيضًا؛ فالنماذج اللغوية الكبيرة لم تعد قواميس إلكترونية ضخمة، بل أصبحت قادرة على التعامل مع سياقات طويلة، واستنتاج المقصود، واقتراح أكثر من ترجمة، وتفسير سبب اختيار تعبير دون آخر، بل والتعامل مع تعليمات من قبيل: «ترجم هذه العبارة بما يلائم جمهورًا سعوديًا أو جمهورًا فرنسيًا أو أمريكيًا» أو «حافظ على درجة الرسمية الموجودة في النص الأصلي». وقد أحدث ذلك تحولًا حقيقيًا في الترجمة، ولا يبدو من الواقعي التعامل معه، باعتباره موجة عابرة ستترك المهنة كما كانت.


لكن اللافت أن البحث العلمي نفسه، على الرغم من الاعتراف بهذا التقدم، بدأ يكشف حدودًا أدق مما كنا نبحث عنه في الأجيال السابقة من الترجمة الآلية. ففي دراسة منشورة هذا العام ضمن المؤتمر السنوي لجمعية اللسانيات الحاسوبية ACL 2026، اختبر الباحثون عددًا من النماذج اللغوية وأنظمة الترجمة في مواقف تتطلب وعيًا بعناصر خاصة بالثقافة، وأظهرت النتائج تفاوتًا بين النماذج، والأهم أنها كشفت عن فجوة مستمرة بين قدرة النموذج على التعرف على المعرفة الثقافية وبين قدرته على توظيفها بصورة صحيحة داخل الترجمة. بمعنى آخر: قد يعرف النموذج العنصر الثقافي، لكن معرفته به لا تضمن دائمًا أن يترجمه بالطريقة الأنسب للسياق.


وتصبح المسألة أكثر دلالة عندما نقترب من العربية نفسها. فقد تناولت دراسة أخرى منشورة في ACL 2026 قدرات النماذج في التعامل مع العربية الفصحى واللهجات، وأظهرت استمرار الفجوة في الأداء بينهما، مع ضعف نسبي في عدد من المهام التي تتعامل مع اللهجات مقارنة بالفصحى. وهذه ملاحظة ذات أهمية خاصة؛ لأن اللغة المتداولة في الناس يوميًا، ليست بالضرورة اللغة المعيارية الموجودة في الكتب، لأن كثيرًا من المعاني الاجتماعية والثقافية تظهر تحديدًا في اللهجات، وفي طرائق التخاطب المحلية، وفي العبارات التي لا يُفهم معناها الحقيقي من ألفاظها منفردة.


ولا يعني ذلك أن الإنسان سيحتفظ إلى الأبد بكل ما كان يؤديه من مهام. الأقرب إلى الواقع أن أعمالًا كثيرة ستنتقل إلى الآلة، وأن قيمة بعض الأعمال الترجمية الروتينية ستتراجع، وأن المسودة الأولى في حالات كثيرة ستصبح عملًا تنتجه التقنية في ثوانٍ. لكن ذلك لا يعني بالضرورة اختفاء المترجم بقدر ما يعني إعادة تعريف دوره، وانتقاله من القيام بكل مراحل العمل بنفسه إلى أداء أدوار أكثر تعقيدًا تتعلق بالمراجعة والتحكيم واتخاذ القرار اللغوي والثقافي.


قد يصبح المترجم أقل انشغالًا بإنتاج كل كلمة من الصفر، وأكثر انشغالًا بالتحكيم بين البدائل، والتدقيق في المعنى، وضبط المصطلحات، ومراجعة الأخطاء، والتوطين الثقافي، وتكييف الرسالة مع الجمهور، وإدارة أدوات الذكاء الاصطناعي نفسها. وبذلك لا يلغي الذكاء الاصطناعي الحاجة إلى المترجم الجيد، بقدر ما يرفع سقف ما نعنيه بالمترجم الجيد. فمعرفة لغتين وحدها لن تكون ميزة كافية في سوق يستطيع فيه الجميع الوصول إلى مترجم آلي؛ أما فهم اللغتين وثقافتهما، والقدرة على التمييز بين صحة العبارة لغويًا وملاءمتها ثقافيًا وتداوليًا، فستزداد قيمته مع اتساع حضور الترجمة الآلية. وأعرف شخصيًا عددًا من المترجمين السعوديين الذين اكتسبوا معرفة عميقة بالثقافة الإنجليزية والأمريكية، سواء من خلال العيش والدراسة هناك، أو عبر سنوات طويلة من المتابعة والاحتكاك بالمحتوى الثقافي والإعلامي، حتى أصبحوا يلتقطون الكثير من الإشارات والدلالات الثقافية الدقيقة.


ومن هنا تكتسب الأسئلة التي يطرحها مؤتمر جمعية الترجمة الأول، الذي تستضيفه كلية اللغات وعلومها بجامعة الملك سعود بالشراكة مع جمعية الترجمة السعودية، المنعقد يومي 30 سبتمبر و1 أكتوبر 2026، وتحت شعار «الترجمة في عالم يتحول»، أهمية خاصة. فاللافت في برنامج المؤتمر أن الذكاء الاصطناعي لا يظهر بوصفه موضوعًا إضافيًا على هامش الترجمة، بل بوصفه تحولًا يعيد تشكيل المهنة نفسها؛ إذ تتناول جلساته وورش العمل النماذج اللغوية الكبيرة، والترجمة الذكية باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهندسة الأوامر، والأتمتة، وبناء منظومات العمل الترجمية الجديدة.


ولعل أهمية هذا التوجه لا تكمن فقط في مواكبة تقنية جديدة، بل في طرح السؤال الذي ينبغي أن تنشغل به كليات اللغات والترجمة اليوم: كيف نعد مترجمًا لعالم أصبحت فيه الآلة شريكًا دائمًا في عمله؟ وما المهارات التي ينبغي أن نضيفها إلى برامج إعداد المترجمين حين يصبح إنتاج ترجمة أولية جيدة أمرًا متاحًا في ثوانٍ؟ فالتحدي لم يعد في تعليم الطالب كيف يترجم النص وحده، بل في تعليمه أيضًا كيف يقيّم ترجمة الآلة، ومتى يثق بها، ومتى يشك فيها، وكيف يكتشف ما قد يسقط منها من معنى أو مقام أو حساسية ثقافية.


وقد يحتاج طالب الترجمة في السنوات القادمة، إلى جانب الكفاية المتقدمة في اللغتين، إلى معرفة أكبر بالتقنيات اللغوية والنماذج الكبيرة، والتحرير اللاحق، والتوطين، وإدارة المصطلحات، وأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي. وسيحتاج في الوقت نفسه إلى ما لا تمنحه التقنية بسهولة: المعرفة العميقة بثقافة اللغتين، والحس اللغوي والتداولي الذي يمكنه من ملاحظة الفرق بين ترجمة صحيحة من حيث الكلمات، وترجمة مناسبة من حيث المتلقي.


ولعل هذا هو التحوّل الحقيقي الذي يستحق أن نتأمله؛ ففي كل مرة تتقن فيها التقنية مهمة اعتدنا أن نعدها حكرًا على الإنسان لا يختفي دور الإنسان بالضرورة، بل ينتقل إلى مستوى أعلى من المهمة؛ فعندما أصبحت الآلة قادرة على الحساب لم تنته الرياضيات، وعندما أصبحت قادرة على البحث في ملايين الوثائق لم تنته الحاجة إلى الباحث. وكذلك قد يكون مستقبل الترجمة؛ تقل قيمة النقل الميكانيكي للكلمات، بينما تزداد قيمة الحكم البشري على المعنى والسياق والثقافة.


وختامًا، ربما لن يكون مستقبل الترجمة إذن معركة بين الإنسان والآلة، بل إعادة توزيع للأدوار بينهما. تستطيع الآلة أن تمنحنا السرعة، وأن تعالج أحجامًا هائلة من النصوص، وأن تقترح في ثوانٍ ما كان يستغرق ساعات، لكن ستظل هناك لحظة نحتاج فيها إلى من يسأل: هل قال النص المترجم فعلًا ما أراد صاحبه أن يقوله؟ وهل سيفهمه المتلقي كما ينبغي؟ وهل وصلت الكلمات وحدها، أم وصل معها العالم الثقافي والاجتماعي الذي جاءت منه؟ وعندئذ لن تصبح قيمة المترجم في نقل الكلمات فحسب، بل في قدرته على نقل الثقافة التي تقف خلفها؛ فحين تصبح ترجمة الكلمات متاحة للجميع، قد تصبح ترجمة الثقافة وفهم المقام والحكم على ملاءمة المعنى هي المهارة الأندر والأغلى.

00:37 | 5-10-2026

جامعاتنا وأسئلة المستقبل.. قراءة سعودية في تقرير كورنيل

لم يعد السؤال الذي يواجه الجامعات اليوم كيف تواكب التطورات التقنية المتسارعة فحسب، بل كيف تعيد تعريف دورها في عالم أصبحت فيه المعرفة متاحة بضغطة زر، والذكاء الاصطناعي قادرًا على كتابة النصوص، وتحليل البيانات، وإنتاج البرمجيات، والإجابة عن كثير من الأسئلة التي ظلت الجامعات تعلّم طلابها الإجابة عنها لعقود. وإذا كانت هذه التحولات تطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل المهن وسوق العمل، فإنها تضع مؤسسات التعليم العالي أمام سؤال أكثر إلحاحًا: ما القيمة التي ستضيفها الجامعة إلى الإنسان عندما تصبح المعلومات متاحة للجميع، وتستطيع الآلة إنجاز جانب متزايد من المهام المعرفية؟


في الثاني والعشرين من سبتمبر 2026، أصدرت جامعة كورنيل الأمريكية تقريرًا بعنوان «مستقبل الجامعة الأمريكية»، أعدّته لجنة تضم ثمانية عشر عضوًا من أعضاء هيئة التدريس، بعد عمل استمر عامًا كاملًا، استعانت خلاله بآراء أكثر من ستة آلاف مشارك من داخل الجامعة وخارجها. لم يكن الهدف من هذا التقرير معالجة تحديات آنية فحسب، وإنما استشراف مستقبل الجامعة خلال العقود المقبلة، في مواجهة تحولات كبرى، أبرزها التسارع التقني، وفي مقدمته الذكاء الاصطناعي، وتراجع الثقة المجتمعية بمؤسسات التعليم العالي، والتغيرات التي تشهدها علاقة الجامعات بالمؤسسات الداعمة، وما يرتبط بها من تحديات التمويل والبحث العلمي.


وما يستوقف القارئ في هذا التقرير ليس حجم التحديات التي يستعرضها، رغم أهميتها، وإنما جرأة الأسئلة التي يطرحها؛ إذ لم تقتصر مهمة اللجنة على البحث عن سبل تحسين النموذج الجامعي القائم، بل امتدت إلى تصور ما يمكن أن تصبح عليه الجامعة في العقود المقبلة. ومن أبرز ما يطرحه التقرير إعادة تعريف قيمة الشهادة الجامعية، والانتقال من التعليم القائم على نقل المعلومات إلى التعلم القائم على الخبرة، والمشروعات التطبيقية، وتنمية التفكير النقدي والحكم السليم؛ فالقيمة الحقيقية للشهادة لا تكمن في الحصول عليها وحدها، وإنما فيما يمتلكه الخريج من معارف وقدرات وكفايات تمكّنه من التعامل مع المشكلات الواقعية والمواقف الجديدة.


ويحتل الذكاء الاصطناعي موقعًا محوريًا في هذه الرؤية؛ فهو يفتح آفاقًا واسعة للبحث والتعليم والوصول إلى المعرفة، لكنه يفرض في الوقت نفسه تحديًا تربويًا غير مسبوق. فقد يستطيع الطالب إنتاج بحث متقن في ظاهره، أو تقديم إجابة نموذجية بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي، دون أن يكون قد مرّ بالتجربة المعرفية التي تبني قدرته على القراءة والتحليل والاستدلال وإصدار الأحكام. وهنا تصبح مهمة الجامعة أعمق من مجرد تدريب الطلاب على استخدام هذه الأدوات؛ إذ يتعين عليها أن تعلّمهم كيف يفكرون معها، وكيف يتحققون من مخرجاتها، ويميزون بين الإجابة الجاهزة والفهم الحقيقي الذي يمكّن الإنسان من اتخاذ القرار.


ولا يقف التقرير عند حدود التعليم الجامعي الأولي، بل يمتد إلى تجديد منظومة البحث العلمي، وتشجيع المشروعات الكبرى ومتعددة التخصصات، وتنويع مصادر التمويل، ومراجعة الحوافز الأكاديمية التي قد تعطي عدد المنشورات أهمية أكبر من جودة البحث وأثره. كما يدعو إلى تعزيز الشراكة المتبادلة بين الجامعة والمجتمع، ومراجعة برامج الدراسات العليا لإعداد الباحثين لمسارات مهنية متعددة داخل الجامعات وخارجها، وإعادة النظر في العلاقة التقليدية بين الجامعة وخريجيها؛ فالتخرج لم يعد نهاية رحلة التعلم، والشهادة التي يحصل عليها الإنسان اليوم قد لا تكفيه لممارسة المهنة نفسها بعد عشرة أعوام. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التعليم المستمر، والشهادات المصغرة، والبرامج المهنية المرنة؛ لتصبح الجامعة شريكًا معرفيًا ومهنيًا يرافق الطالب طوال حياته.


ولكن، ماذا يعني ذلك لجامعاتنا السعودية؟ وهل نحن بحاجة إلى انتظار وصول هذه التحولات إلينا، أم أن الفرصة مواتية للمشاركة في صياغة نموذج جديد للجامعة يتناسب مع طموحات المملكة وتحولاتها الاقتصادية والتقنية؟ من المهم هنا ألا ننطلق من افتراض أن جامعاتنا لم تبدأ مسيرة الإصلاح؛ فقد شهد التعليم العالي السعودي تحولات تنظيمية واستراتيجية مهمة، يأتي في مقدمتها نظام الجامعات الجديد، الذي يستهدف تمكين الجامعات من الاستقلالية المنضبطة، وتطوير برامجها وفق الاحتياجات التنموية وفرص العمل، وتنويع مواردها المالية، وتعزيز شراكاتها مع القطاع الخاص. كما يضع برنامج تنمية القدرات البشرية، أحد برامج تحقيق رؤية المملكة 2030، تطوير مهارات المستقبل والتعلم مدى الحياة في صميم التنمية الوطنية. وهي توجهات تتقاطع مع عدد من القضايا التي يطرحها تقرير كورنيل، وإن اختلفت السياقات والتحديات. والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس ما إذا كانت لدينا رؤية للتطوير، وإنما كيف نترجم هذه التوجهات إلى تحولات مؤسسية ملموسة في التعليم والبحث العلمي وعلاقة الجامعة بالمجتمع والاقتصاد.


ولعل من أهم الأسئلة التي ينبغي أن تطرحها جامعاتنا على نفسها سؤال الهوية المؤسسية والميزة التنافسية؛ فهل نحتاج إلى جامعات تتشابه في برامجها وتخصصاتها وأولوياتها البحثية، أم إلى منظومة جامعية تتكامل فيها الأدوار وتتباين فيها مجالات التميز؟ إن التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة تتيح لكل جامعة فرصة لإعادة تعريف هويتها، وبناء شراكاتها، وتوجيه أبحاثها وبرامجها نحو المجالات التي تستطيع أن تحقق فيها قيمة مضافة؛ فقد تتميز جامعة في البحث العلمي المتقدم، وأخرى في الابتكار التطبيقي وريادة الأعمال، وثالثة في تخصصات ترتبط بالمقومات الاقتصادية والثقافية لمنطقتها. ولا يعني هذا التنوع التخلي عن الرسالة التعليمية والبحثية المشتركة، وإنما بناء منظومة جامعية تتكامل فيها القدرات، ويصبح اختلاف الجامعات مصدر قوة للتعليم العالي الوطني.


وتبدأ ترجمة هذه الرؤية من إعادة النظر في تصميم البرامج الدراسية، لا بمجرد إضافة مقررات في الذكاء الاصطناعي أو تحديث الخطط الحالية، وإنما بمراجعة الكفايات التي ينبغي أن يمتلكها خريج الجامعة في عالم تتغير فيه طبيعة العمل بوتيرة متسارعة؛ فخريج الطب، على سبيل المثال وليس الحصر، يحتاج إلى القدرة على توظيف الأنظمة الذكية دون التفريط في الحكم السريري المعتاد والمسؤولية المهنية، وخريج الهندسة يحتاج إلى الجمع بين المعرفة التخصصية والقدرة على الابتكار والعمل مع التقنيات الجديدة، وخريج الإدارة يحتاج إلى مهارات اتخاذ القرار في بيئات تعتمد بصورة متزايدة على البيانات والخوارزميات. وينطبق الأمر كذلك على خريجي العلوم الإنسانية واللغوية، الذين تفرض عليهم تقنيات الترجمة الآلية والنماذج اللغوية إعادة النظر في كفاياتهم وأدوارهم المهنية، وتفتح أمامهم في الوقت نفسه مسارات جديدة في الصناعات اللغوية والثقافية والتقنيات الذكية؛ فالقضية لا تتعلق بمستقبل تخصص بعينه، بل بإعادة تصور التأهيل الجامعي بمختلف تخصصاته، في عصر يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل طبيعة المعرفة والعمل.


غير أن إعادة تصميم البرامج لن تحقق أهدافها ما لم يكن عضو هيئة التدريس شريكًا رئيسًا في هذا التحول؛ فالأستاذ الجامعي الذي ظل لعقود مصدرًا أساسيًا للمعلومات أصبح اليوم مطالبًا بأدوار تتجاوز نقل المعرفة إلى توجيه الطالب، وتنمية قدراته التحليلية، وتصميم الخبرات التعليمية التي تربط النظرية بالتطبيق. وهذا التحول يستدعي الاستثمار في التطوير المهني لأعضاء هيئة التدريس، وتمكينهم من الاستخدام المسؤول والمبتكر للذكاء الاصطناعي، ومراجعة معايير تقييم أدائهم، بحيث تحظى جودة التدريس والابتكار التعليمي والتوجيه الأكاديمي بالتقدير الذي تستحقه إلى جانب البحث العلمي؛ فالجامعة التي تطمح إلى تخريج جيل قادر على التعامل مع المستقبل تحتاج، قبل ذلك، إلى بيئة أكاديمية تمكّن أساتذتها من صناعة هذا المستقبل.


ويمتد التحول المطلوب إلى منظومة البحث العلمي؛ إذ لا يكفي أن تتنافس الجامعات على أعداد الأبحاث المنشورة أو مواقعها في التصنيفات الدولية، على أهمية هذه المؤشرات، ما لم يقترن ذلك بقدرتها على إنتاج المعرفة ذات الأثر، والمشاركة في معالجة التحديات الوطنية، وتطوير منتجات وتقنيات تجد طريقها إلى الأسواق. وفي ظل ما تشهده المملكة من توسع في قطاعات الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة والطاقة والسياحة والثقافة، تبرز الحاجة إلى منظومة بحثية أكثر تكاملًا بين التخصصات، وشراكات أعمق بين الجامعات والقطاعات الإنتاجية، وحوافز أكاديمية تمنح الابتكار ونقل التقنية والأثر المجتمعي، إلى جانب النشر العلمي، الأولوية؛ فالبحث العلمي لا تكتمل قيمته بمجرد نشر نتائجه، وإنما تتسع حين تتحول المعرفة إلى حلول وفرص وقدرات تسهم في التنمية.


وتستدعي هذه التحولات كذلك مراجعة برامج الدراسات العليا، ليس من حيث محتواها فحسب، وإنما من حيث علاقتها بمستقبل الباحث والاقتصاد الوطني. فليس من الضروري أن يكون المسار الأكاديمي التقليدي الوجهة الوحيدة لخريج الدكتوراه؛ إذ تستطيع الجامعات إعداد باحثين يمتلكون القدرة على قيادة الابتكار في المؤسسات الحكومية والشركات ومراكز البحث والتطوير. كما أن التوسع في برامج الماجستير ينبغي أن يستند إلى قراءة متجددة لاحتياجات سوق العمل، وأن يفسح المجال لبرامج مهنية متعددة التخصصات، تتسم بالمرونة وتستجيب للتحولات التقنية والاقتصادية.


ولن يكتمل هذا التحول ما لم تعِد الجامعات تعريف علاقتها بخريجيها. فمئات الآلاف ممن تخرجوا في جامعاتنا خلال العقود الماضية يمثلون رصيدًا بشريًا يمكن أن تستمر الجامعات في تنميته، من خلال برامج التأهيل، وإعادة التأهيل المهني، والشهادات المصغرة، والتعليم المستمر. ولعلنا نتطلع إلى نموذج تصبح فيه الجامعة وجهة يعود إليها الخريج كلما تغيرت مهنته، أو ظهرت مهارات جديدة يحتاج إليها، بما يحقق التكامل بين التعليم الجامعي وسوق العمل، ويجعل التعلم مدى الحياة ممارسة مؤسسية راسخة، لا مجرد شعار يتكرر في الخطط الاستراتيجية.


وثمة بُعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تطوير الحوكمة الجامعية والثقافة المؤسسية؛ فإعادة تصميم الجامعة لا يمكن أن تتحقق بتعديل المناهج وحدها، ما لم تصاحبها مرونة في اتخاذ القرار، وتكامل بين الكليات والمراكز البحثية، وحوافز تشجع أعضاء هيئة التدريس على التجديد والابتكار، ومؤشرات أداء تقيس جودة المخرجات والأثر الحقيقي. وقد يكون من المناسب أن تطلق جامعاتنا حوارات مؤسسية واسعة حول مستقبلها، يشارك فيها أعضاء هيئة التدريس والطلاب والخريجون، إلى جانب ممثلي القطاعين العام والخاص، وصولًا إلى تصورات مستقبلية لا تقتصر على معالجة التحديات الراهنة، وإنما تستشرف شكل الجامعة السعودية خلال العقدين المقبلين.


إن أهمية تقرير كورنيل لا تكمن في تقديم نموذج جاهز لمستقبل الجامعة، وإنما في مبادرته إلى طرح الأسئلة الكبرى قبل أن تفرض التحولات إجاباتها. ولدى المملكة اليوم، بما تشهده من تحولات اقتصادية وتقنية، وما تمتلكه من رؤية وطنية طموحة، فرصة لأن تشارك جامعاتها في صياغة مستقبل التعليم العالي، لا أن تكتفي بمواكبة تحولاته؛ فجامعات المستقبل التي نحتاجها ليست مجرد مؤسسات تمنح الشهادات أو تهيئ خريجيها للوظائف الجديدة، بل مؤسسات تنتج المعرفة والتقنية، وتسهم في ابتكار المهن وصناعة الفرص، وتبني الإنسان القادر على قيادة التحول.

00:20 | 28-09-2026

من يضع قواعد الذكاء الاصطناعي؟ الرياض في قلب السؤال العالمي

لم يعد سباق الذكاء الاصطناعي يدور فقط حول من يمتلك النموذج الأكثر تقدمًا، أو مركز البيانات الأضخم، أو القدرة الحوسبية الأكبر؛ فخلف هذا السباق التقني المتسارع يتشكل سباق آخر، ربما يكون أكثر تأثيرًا على المدى البعيد: من يضع القواعد التي ستحكم الذكاء الاصطناعي؟ من يقرر أين تنتهي حرية الابتكار وتبدأ المسؤولية؟ ومن يحدد معايير العدالة والشفافية والخصوصية؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تخطئ الخوارزمية؟ وهل تُترك هذه الأسئلة للشركات التي تطور النماذج، أم للجهات التنظيمية والتشريعية، أم للمنظمات الدولية، أم للمجتمعات التي ستعيش آثار هذه التقنية، وإن لم تشارك في صناعتها؟


هذه الأسئلة هي ما يجعل احتضان الرياض منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي 2026 حدثًا تتجاوز دلالته مجرد انعقاد مؤتمر دولي جديد في العاصمة السعودية. فالمنتدى، الذي يجمع نحو 1200 مشارك من 194 دولة، وأكثر من 100 متحدث في عشرات الجلسات، يضع الرياض في قلب حوار عالمي حول كيفية الانتقال بالذكاء الاصطناعي من تقنية تتسابق الدول على امتلاكها إلى منظومة تحتاج إلى قواعد ومسؤوليات وضمانات تحكم استخدامها.


وتزداد أهمية الحدث كونه يمثل أول استضافة عربية لهذا المنتدى العالمي. وهذه الدلالة تتجاوز المكان والتنظيم؛ فاحتضان حوار دولي من هذا النوع يعني أن الرياض أصبحت إحدى المنصات، التي يلتقي فيها صناع السياسات والخبراء والمؤسسات الدولية؛ لمناقشة القضايا التي ستحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي. وفي عالم لا تزال فيه قواعد هذه التقنية ومعاييرها في طور التشكل، فإن وجود المملكة العربية السعودية في قلب هذا النقاش يعكس طموحًا يتجاوز استخدام التقنية والاستثمار فيها إلى الحضور في المساحات الدولية، التي تناقش كيفية إدارتها وتنظيمها وتحديد مسؤولياتها.


لقد اعتدنا أن نقيس الحضور في سباق الذكاء الاصطناعي بحجم الاستثمارات، وعدد الشركات، ومراكز البيانات، والنماذج الوطنية، وكل ذلك مهم بلا شك، لكن هناك نوعًا آخر من الاستثمار أقل ظهورًا في الأرقام، وأكثر تراكمًا في الأثر: الاستثمار في المكانة العلمية والدبلوماسية للدولة، وفي قدرتها على أن تصبح منصة تناقش فيها القضايا التي ستحدد ملامح المستقبل. فالدولة، أي دولة، لا تبني حضورها الدولي بما تنتجه من تقنيات فحسب، بل يتعدى ذلك إلى ما تستضيفه من منتديات ومؤتمرات، وما تتيحه من مساحات لصياغة الأفكار والسياسات والأطر والمعايير.


ومن هذه الزاوية، تبدو إقامة المنتدى في الرياض جزءًا من تحول أوسع شهدته المملكة خلال سنوات رؤية 2030 بوصفها مركزًا متناميًا للمؤتمرات والمنتديات الدولية في التقنية والاقتصاد والاستثمار وصناعة القرار. إلا أن المنتدى الحالي يضيف بعدًا مختلفًا؛ ذلك أنه لا يناقش التقنية بوصفها فرصة استثمارية أو منتجًا اقتصاديًا فحسب، بل يناقش أخلاقيات استخدامها، وحدودها، ومسؤولية المؤسسات والدول عن آثارها. ويعكس برنامج المنتدى هذا التحول من خلال موضوعات عدة، مثل: جاهزية الدول للذكاء الاصطناعي، والحوكمة المؤسسية، وحماية البيانات، والتعليم، والبيئة، والتنوع اللغوي، إلى جانب أدوات عملية، مثل: منهجية اليونسكو لتقييم جاهزية الدول للذكاء الاصطناعي، المعروفة اختصارًا بـ«RAM 2.0».


وهذه نقطة مهمة؛ لأن التحدي المقبل لن يكون في تسارع قدرات الذكاء الاصطناعي واتساع إمكاناته فحسب، بل في قدرتنا على رسم حدود استخدامه، وتحديد ما ينبغي له أن يفعله وما لا ينبغي، ومن يتحمل المسؤولية عند تجاوز تلك الحدود. ومع اتساع استخدام هذه التقنية في الاقتصاد والتعليم والإعلام والصحة والإدارة العامة لم تعد الحوكمة موضوعًا هامشيًا أو تنظيريًا، بل أصبحت جزءًا من قدرة الدول على توظيف الذكاء الاصطناعي بكفاءة وثقة واستدامة.


ومن هنا يمكن قراءة انعقاد هذا المنتدى في المملكة، ضمن سياق أوسع من التحول السعودي في مجالات التقنية والبيانات والذكاء الاصطناعي؛ فطموح المملكة لم يعد محصورًا في أن تكون سوقًا كبيرة للتقنيات العالمية، بل يتجه إلى بناء قدرات وطنية، واستثمارات، ومنتجات، وأطر للبيانات والحوكمة، مع حضور دولي متزايد في النقاش حول مستقبل الذكاء الاصطناعي. وهنا يظهر الفرق بين دولة تستخدم التقنية، ودولة تسعى إلى المشاركة في تشكيل البيئة، التي تعمل فيها هذه التقنية، والقواعد التي تضبطها.


لكن أهمية هذا الحضور لا ينبغي أن تتوقف عند نجاح الحدث، أو حجم المشاركة الدولية فيه؛ فالفرصة الأكبر تبدأ عندما يتحول وجود هذا الحوار العالمي في الرياض إلى حافز للجامعات السعودية، ومراكز الأبحاث، والباحثين، ووسائل الإعلام، والمؤسسات التقنية للمشاركة بصورة أعمق في إنتاج المعرفة المرتبطة بحوكمة الذكاء الاصطناعي. فالحضور في صناعة القواعد لا يتحقق باستضافة من يناقشونها فحسب، وإنما بالمساهمة في الدراسات والأطر والمفاهيم والسياسات التي تدخل في صياغتها. وهو مسار اضطلعت به «سدايا» خلال السنوات الأخيرة عبر تطوير مبادئ وأطر وطنية لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي وتبنيه المسؤول، وبناء أدوات لتقييم الالتزام بالمعايير الأخلاقية، إلى جانب دورها في المبادرات والشراكات الدولية ذات الصلة؛ بما يعزز حضور المملكة في النقاش العالمي حول الحوكمة المسؤولة للذكاء الاصطناعي.


وهذه مسؤولية تحمل في طياتها فرصة سعودية وعربية في آن واحد. فكثير من النقاش العالمي حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي تشكل في بيئات ثقافية وتشريعية محددة، بينما تستخدم التقنيات في مجتمعات تختلف في لغاتها وقيمها وأولوياتها وأنظمتها الاجتماعية. ولذلك فإن المشاركة العربية ليست مجرد رغبة في تمثيل جغرافي أكبر، بل ضرورة لضمان أن تكون القواعد العالمية الجديدة أكثر قدرة على استيعاب التنوع الثقافي واللغوي والإنساني. ويقترب المنتدى نفسه من هذا المعنى عبر مناقشة التنوع اللغوي والحضور البارز للغة العربية في محاور الملتقى، وما يمكن أن يحدث عندما تُبنى النماذج المستقبلية على بيانات ولغات لا تمثل هذا التنوع تمثيلًا كافيًا.


ومن هنا فإن الرهان الحقيقي ليس القول إن الرياض استضافت العالم، بل أن نستطيع بعد سنوات أن نقول إن أفكارًا خرجت من الرياض أسهمت في تشكيل الطريقة التي يتعامل بها العالم مع الذكاء الاصطناعي؛ فقيمة هذا الحضور تكتمل عندما تتحول المنصة إلى إنتاج معرفي، والحضور إلى مشاركة فكرية، والمشاركة إلى إسهام سعودي وعربي مستدام، في صياغة السياسات والمعايير الدولية.


لقد أصبحت التقنية اليوم أحد ميادين القوة الوطنية، لكن القوة في عصر الذكاء الاصطناعي لا تُقاس بما تمتلكه الدول من قدرات حوسبية وخوارزميات فحسب، بل كذلك بقدرتها على بناء الثقة، وصياغة الأطر والمعايير، وتقديم نماذج للحوكمة، والمشاركة في سن التنظيمات والتشريعات التي ينبغي ألا تتجاوزها التقنية. ولهذا فإن السؤال الذي يفتحه المنتدى في الرياض يتجاوز في أهميته أيام انعقاده وجلساته وبرنامجه: من سيضع قواعد الذكاء الاصطناعي التي ستعيد تشكيل الاقتصاد والتعليم والإعلام والعمل والثقافة وحياة الإنسان؟ أن يجتمع العالم في الرياض لمناقشة مثل هذا السؤال، يحمل في حد ذاته دلالة مهمة: أن تكون المملكة العربية السعودية أحد الأصوات المؤثرة والفاعلة في صياغة إجابته.

00:33 | 15-09-2026

حين تتحدث الآلة بالفصحى واللهجة معاً.. «هيومين» تفتح فصلاً جديداً للعربية في عصر الذكاء الاصطناعي

وسط الزخم الكبير الذي شهده ملتقى ليب 2026، من إعلانات استثمارية وشراكات تقنية عالمية، برز إعلان يستحق أن يُقرأ من زاوية تتجاوز التقنية والاستثمار إلى اللغة والثقافة والتعليم. فقد أطلقت شركة هيومين (HUMAIN) السعودية، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، نموذج HUMAIN M3 ومنصة HUMAIN Voice، في خطوة تضع اللغة العربية، بفصحاها ولهجاتها، في قلب سباق الذكاء الاصطناعي المتسارع.


تكمن أهمية HUMAIN M3، من المنظور اللغوي، في أنه لا يتعامل مع العربية بوصفها لغة ملحقة بنموذج صُمم أساساً للإنجليزية ثم أضيفت إليه لغات أخرى، بل ينطلق من استثمار واسع في المحتوى العربي نفسه. فالنموذج -وفق البيانات المعلنة- دُرّب على أكثر من تريليون رمز نصي عربي، وهو حجم يلفت النظر ليس من الناحية التقنية فحسب، وإنما لما يعنيه من بناء قاعدة لغوية تستطيع أن تمنح الآلة قدرة أعمق على التعامل مع العربية في تراكيبها ودلالاتها وسياقاتها الثقافية.


وهنا تحديداً تتجاوز المسألة عدد البيانات أو حجم النموذج؛ فاللغة ليست كلمات وقواعد فحسب، بل ذاكرة ثقافية وطريقة في بناء المعنى ورؤية العالم. وكلما كان حضور العربية في بيانات التدريب أصيلاً وواسعاً، ازدادت فرص أن تتعامل نماذج الذكاء الاصطناعي مع المعرفة العربية بوصفها معرفة تُقرأ وتُفهم من داخل لغتها وسياقها، لا مجرد محتوى يمر عبر وسيط لغوي آخر.


لكن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام لغوياً ربما يأتي من HUMAIN Voice؛ فالمنصة لا تكتفي بالتعامل مع العربية الفصحى، وإنما تمتد إلى مجموعات لهجية عربية رئيسة، من بينها السعودية والخليجية والمصرية والشامية والمغاربية. وهنا نقترب من واحدة من أكثر خصائص العربية تعقيداً، وهي العلاقة بين الفصحى التي نكتب ونتعلم وننتج بها جانباً كبيراً من المعرفة، واللهجات التي تحتل مساحات واسعة من حياتنا اليومية.


هذه الازدواجية اللغوية diglossia التي نظر لها اللغوي تشارلز فيرغسون عام 1957، كانت دائماً تمثل تحدياً أمام تقنيات معالجة العربية. فالإنسان العربي ينتقل بصورة طبيعية بين الفصحى واللهجة، وقد يمزج بينهما، بل وقد ينتقل إلى الإنجليزية ثم يعود إلى العربية في الجملة نفسها في ما يعرف في اللغويات الاجتماعية بالتناوب اللغوي Code-switching، وما يبدو للمتحدث سلوكاً لغوياً عادياً، يمثل للآلة مسألة معقدة تتطلب فهماً للسياق، وليس مجرد تعرف على الكلمات. ولذلك فإن قدرة النماذج الصوتية الجديدة على الاقتراب من هذا الواقع اللغوي تمثل تطوراً مهماً في العلاقة بين العربية والذكاء الاصطناعي.


أما في تعليم العربية للناطقين بغيرها، وهو مجال يمكن أن يكون من أكبر المستفيدين من هذه التحولات، فإننا أمام إمكانات تتجاوز كثيراً فكرة المعلم الآلي التقليدية؛ فالمتعلم لا يحتاج إلى برنامج يخبره فقط بأن إجابته صحيحة أو خاطئة، بل يحتاج إلى من يسمعه، ويفهم ما يريد قوله، ويميّز خطأه الصوتي أو التركيبي، ويحاوره، ويعيد صياغة عبارته، ويشرح له لماذا تبدو جملة ما طبيعية في موقف، وأقل ملاءمة في موقف أو سياق آخر.


وحين يصبح النموذج قادراً على فهم الفصحى واللهجات والتفاعل الصوتي معهما، فإن ذلك يفتح الباب أمام جيل مختلف من بيئات تعلم العربية؛ متعلم يتدرب على الفصحى في السياقات الأكاديمية والرسمية، ثم ينتقل إلى مواقف وسياقات الحياة اليومية فيسمع اللهجة ويتفاعل معها، ويبدأ في إدراك الفروق بين ما يُكتب وما يُقال، وبين اللغة الرسمية واللغة الاجتماعية، في تكامل بين هذين المستويين اللغويين.


وهذا أمر مهم خصوصاً للعربية؛ لأن تعليمها للناطقين بغيرها ظل طويلاً أمام سؤال الفصحى واللهجة: أيهما نعلّم؟ وأين تنتهي حدود هذه وتبدأ تلك؟ وقد لا يحسم الذكاء الاصطناعي هذا النقاش العلمي، لكنه قد يغيّر شروطه؛ لأنه يتيح للمرة الأولى تقريباً بناء بيئات تعلم مرنة تستطيع أن تمنح كل مستوى لغوي وظيفته وسياقه، وأن تجعل المتعلم يتنقّل بينهما بطريقة أقرب إلى تجربة الناطق الأصلي بالعربية.


ولا يقف الأثر المحتمل عند حدود التعليم؛ فحين تتحسن قدرة الآلة على فهم العربية كما يستخدمها أهلها، تتسع الفرص أمام صناعة المحتوى العربي، والإعلام، والترجمة، والخدمات الرقمية، والصناعات الثقافية، والإبداعية. كما تصبح اللهجات نفسها جزءاً من الأصول اللغوية الرقمية التي يمكن توثيقها ودراستها ومعالجتها، بدل أن تظل خارج المساحة التي تبني الآلة بناء عليها معرفتها بالعالم العربي.


ومن هنا، فإن الأهمية الحقيقية لهذا الإطلاق قد تكون أكبر من منتجين تقنيين جديدين. نحن أمام مؤشر على تحول اللغة العربية نفسها إلى جزء من البنية التحتية لعصر الذكاء الاصطناعي؛ فالدول لم تعد تتنافس على امتلاك مراكز البيانات والرقائق والنماذج الحاسوبية فحسب، بل على حضور لغاتها وثقافاتها ومعارفها داخل هذه النماذج؛ لأن اللغة التي لا تجد مكانها في البنية الرقمية الجديدة، تخاطر بأن يصبح الآخر هو من يصف عالمها ويترجم ثقافتها ويبني صورتها داخل الآلة.


ولهذا تحمل الخطوة السعودية دلالة ثقافية لا تقل عن دلالتها التقنية. أن تستثمر المملكة في نموذج يفهم العربية ويولدها، وفي صوت اصطناعي يتعامل مع الفصحى واللهجات، يعني أن حضورنا في عصر الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على استهلاك التقنية، بل يمتد إلى سؤال أكثر عمقاً: بأي لغة ستفهم الآلة عالمنا؟ وبأي صوت ستتحدث إلينا؟


ربما لهذا تحديداً يستحق إطلاق HUMAIN M3 وHUMAIN Voice أن يُقرأ بوصفه فصلاً جديداً في قصة العربية مع التقنية. فالمستقبل الذي تتحدث فيه الآلة العربية بطلاقة لا يعني أن تحل الآلة محل الإنسان، ولا أن تذوب الفصحى في اللهجات أو اللهجات في الفصحى؛ بل أن تصبح العربية، بتنوعها وذاكرتها وثقافتها، حاضرة في صناعة المستقبل وهي تحمل صوتها الخاص.


وحين تتعلم الآلة أن تفهم العربية كما نكتبها، وأن تسمعها كما نتحدث بها، فإن السؤال لم يعد: هل تستطيع العربية أن تجد لها مكاناً في عصر الذكاء الاصطناعي؟ بل: ماذا سنفعل نحن بهذه الفرصة حين يصبح للعربية مكانها وصوتها داخل الآلة؟


ولعل في ذلك صورة أخرى من قصة الطموح السعودي الذي أراده ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لهذه البلاد: «بلوغ عنان السماء»؛ فالسعودية اليوم لا تقف عند حدود مواكبة سباق الذكاء الاصطناعي، أحد أكثر ميادين العالم تسارعاً وديناميكية، بل تدخل ميدانه بمنتجاتها ونماذجها، وتحمل معها إلى المستقبل لغتها وثقافتها وصوتها وسمتها الخاص.

00:40 | 9-09-2026

من مضمار الهجن إلى عوالم ليب: صورة السعودية الجديدة

قبل نحو عامين، كنت برفقة مجموعة من متعلمي اللغة العربية في المملكة، ينتمون إلى نحو ثمانٍ وأربعين جنسية؛ لزيارة إحدى الفعاليات التي تتيح لهم التعرف عن قرب إلى المجتمع السعودي وثقافته. كانت الوجهة يومها سباقاً للهجن في الرياض؛ الصحراء، والبعير، والخيمة، مشهدٌ ربما لم يكن بعيداً عن الصورة النمطية المختزلة، التي حملها بعضهم عن المملكة قبل أن يعيش فيها.


وبعد فترة وجيزة، كان المتعلمون أنفسهم على موعد مع مشهد آخر في الرياض: ملتقى LEAP، حيث الذكاء الاصطناعي والروبوتات والشركات التقنية والمبتكرون القادمون من أنحاء العالم. صورتان عاشهما الوافدون أنفسهم، في المدينة نفسها، وفي الدولة نفسها: إحداهما تمتد عميقاً في الموروث والأصالة، والأخرى تطل على أحدث ما يصنع من تقنيات في عالم رقمي متسارع.


ولعل الأجمل أن الصورة الأولى لم تختفِ لكي تظهر الثانية؛ فهذه بلادٌ تستطيع أن تحمل إرثها معها وهي تتقدم إلى المستقبل؛ فلا الخيمة نقيض لمركز البيانات، ولا الهجن نقيض للذكاء الاصطناعي، ولا الاعتزاز بالهوية يتعارض مع بناء اقتصاد رقمي عالمي. أسوق هذه الذكرى ونحن نعيش هذه الأيام النسخة الخامسة من ملتقى LEAP في الرياض؛ لأن ما يجري فيه لا أراه مجرد مؤتمر تقني آخر، ولا مجرد معرض للشركات والمنتجات فحسب، بقدر ما أراه مشهداً مكثفاً للتحول الذي تعيشه المملكة نفسها.


فالحدث الذي بدأ قبل سنوات قليلة أصبح اليوم يجمع في الرياض أكثر من مئتي ألف زائر، ونحو ألف متحدث، وأكثر من 1900 مستثمر، ومئات الشركات الناشئة، ونحو 1800 علامة تقنية عالمية. غير أن قيمة هذه الأرقام، في تقديري، لا تكمن في ضخامتها وحدها، بل فيما تقوله عن المكان الذي أصبحت تحتله الرياض على خريطة الاقتصاد الرقمي العالمي؛ فالسؤال الأهم لم يعد: كم بلغ عدد الجهات والأفراد الذين شاركوا في ليب؟ بل: ما الذي جعل كل هؤلاء يأتون إلى الرياض؟ ولماذا أصبحت الرياض مهمة لهم؟


ربما نجد جانباً من الإجابة في التحول الذي تشهده المملكة نفسها؛ فالاقتصاد الرقمي السعودي نما، وفق الأرقام المعلنة في الملتقى، من نحو 118 مليار دولار إلى قرابة 199 ملياراً منذ انطلاق LEAP، فيما تجاوزت الاستثمارات والشراكات التقنية المعلنة في نسخة هذا العام 15 مليار دولار. وهذه ليست أرقاماً مهمة لمجرد ضخامتها فحسب، بل لأنها تتجه إلى مجالات ستحدد جانباً كبيراً من اقتصاد المستقبل: الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والبنية التحتية الرقمية. وحين تتحرك الاستثمارات بهذا الحجم، فنحن لا نتحدث عن احتفاء بالتقنية بقدر ما نتحدث عن اقتصاد يعيد بناء جزء من قدراته حولها.


ومن هنا يمكن أيضاً فهم حضور أسماء من الصف الأول في صناعة التقنية العالمية؛ من ليزا سو، الرئيسة التنفيذية لـAMD، إلى تشاك روبنز، الرئيس التنفيذي لـCisco، وأندرو فيلدمان، الرئيس التنفيذي لـCerebras، وجاستن هوتارد، الرئيس التنفيذي لـNokia، إلى جانب قيادات سعودية في مقدمتها وزير الاتصالات وتقنية المعلومات المهندس عبدالله السواحة، والرئيس التنفيذي لـHUMAIN طارق أمين. وليست القضية في استعراض الأسماء هنا، على أهميتها، وإنما في دلالة اجتماعها هنا؛ فالشركات العالمية الكبرى ورؤوس الأموال لا تنتقل من قارة إلى أخرى من أجل صورة تذكارية في مؤتمر، بل تتحرك حيث ترى سوقاً وفرصة وبنية تحتية وطموحاً قابلاً للتحول إلى أعمال.


ومن ثَمّ، في تقديري، يكمن أحد التحولات المهمة في قصة المملكة مع التقنية. لقد اعتادت منطقتنا طويلاً أن تكون سوقاً لما ينتجه الآخرون، أما ما يتشكل اليوم فهو طموح إلى موقع مختلف: أن نستثمر في التقنية، ونبني بنيتها التحتية، ونستقطب صناعاتها وعقولها، ونشارك في تطويرها. وعلى سبيل المثال وليس الحصر، الشراكات المعلنة في LEAP بين HUMAIN وشركات عالمية مثل AWS وAMD وQualcomm، وما يصاحبها من استثمارات في الحوسبة والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، ليست سوى شواهد على هذا الاتجاه. هذه لم تعد دولة تستضيف المستقبل؛ بل أصبحت طرفاً وركناً شديداً في صناعته.


وليس هذا التحول منفصلاً عن المشروع الأكبر الذي تعيشه المملكة منذ انطلاق رؤية السعودية 2030، بقيادة عرّابها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ فالرؤية منذ بدايتها لم تكن برنامجاً للإصلاح الاقتصادي فحسب، بل مشروعاً لإعادة صياغة موقع المملكة وطموحها في العالم، وتنويع اقتصادها، والاستثمار في الإنسان والتقنية وصناعات المستقبل. ومن هذه الزاوية يبدو LEAP واحداً من المشاهد التي تتجسد فيها الرؤية أمامنا: الرياض لا تستقبل العالم فحسب، بل تستقطب استثماراته وعقوله وتقنياته، وتقدم نفسها بوصفها شريكاً في تشكيل ما هو قادم.


ولعل أكثر ما استوقفني في هذا المشهد إعلان يبدو، للوهلة الأولى، أقل صخباً من مليارات الدولارات ومراكز البيانات، لكنه يحمل دلالة ثقافية وتقنية عميقة. فقد أطلقت HUMAIN نموذجها اللغوي العربي M3، المدرب على أكثر من تريليون رمز نصي عربي، وإلى جانبه منصة HUMAIN Voice للمحادثة الصوتية، المصممة للتعامل مع لهجات عربية متعددة، من بينها السعودية والمصرية والشامية والمغاربية.


وليس اهتمامي بهذا الإعلان نابعاً من اللغة وحدها، بل مما يمثله مثل هذا التوجه؛ ففي عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد اللغة قضية ثقافية وتعليمية فحسب؛ بل أصبحت بيانات ونماذج ومنصات ومنتجات واقتصاداً. وحين تستطيع التقنيات التي نبنيها أن تفهم العربية، وأن تنصت إلى تنوع أصواتها ولهجاتها، فإننا لا ندخل العصر الرقمي بأجهزتنا واستثماراتنا، وإنما ندخله بشيء من هويتنا أيضاً. فالمملكة لا تريد أن تشارك في صناعة المستقبل فحسب، بل أن يكون للعربية صوتٌ فيه أيضاً.


وللمشهد هنا مفارقة جميلة تعيدني إلى أول المقال. أولئك المتعلمون الذين جاءوا من ثمانٍ وأربعين جنسية ليتعلموا العربية، وشاهدوا في إحدى تجاربهم الإبل والخيمة والصحراء، انتقلوا بعد ذلك إلى LEAP ليروا الذكاء الاصطناعي والروبوتات والتقنيات الجديدة. وبعد عامين تقريباً، نرى في LEAP نفسه الذكاء الاصطناعي يتجه إلى العربية ولهجاتها. وكأن اللغة والثقافة والتقنية، التي بدت في البداية عوالم متباعدة، تلتقي اليوم في «عوالم جديدة»؛ عوالم لا تفصل بين الهوية والتقنية، ولا بين اللغة والمستقبل، بل تجمعها في مشهد واحد. ولعل في ذلك شيئاً من المعنى الأعمق لشعار LEAP هذا العام: «إلى عوالم جديدة».


وليس LEAP بالطبع قصة التحول الرقمي السعودي كلها؛ بل ربما تكون أهميته أنه يمنحنا نافذة مكثفة نرى من خلالها قصة أكبر تجري خارجه. فالتقنية أصبحت جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية في المملكة، ومن الخدمات الحكومية والأعمال والتعليم والصحة والاستثمار. والمواطن والمقيم لا يحتاجان اليوم إلى دخول قاعات المؤتمر كي يلمسا هذا التحول؛ فالهاتف الذي في اليد أصبح بوابة إلى خدمات كانت قبل سنوات تحتاج إلى وقت ومكان وإجراءات طويلة، وطوابير وملف علاقي وصورة أربعة في ستة! وهنا ينتقل التحول الرقمي من الخطط والإستراتيجيات إلى تجربة يعيشها الإنسان في يومه العادي، كأحد تمظهرات الرؤية التي وضعت جودة الحياة في قائمة أولوياتها.


ولهذا لا تقاس أهمية LEAP، في رأيي، بعدد زواره وحده، ولا بحجم الصفقات التي تعلن تحت أضوائه، على أهمية ذلك كله؛ فالقيمة الأبعد تتمثل فيما تفتحه هذه الشراكات والاستثمارات من آفاق لبناء المعرفة، واستقطاب الخبرات، وتطوير القدرات المحلية، وخلق الوظائف والصناعات الجديدة. وحين تصبح الرياض مكاناً تُعقد فيه الشراكات، وتتحرك فيه رؤوس الأموال، وتلتقي فيه العقول، ثم تمتد آثار ذلك إلى مشروعات ومنتجات ومراكز بيانات وقدرات وطنية، فإننا أمام منظومة تتجاوز نجاح المؤتمر إلى ما يصنعه من أثر. وما نشاهده اليوم يمنحنا أسباباً كثيرة للتفاؤل بأن هذه الاستثمارات ليست إلا فصولاً جديدة في مسار رقمي وتقني أخذ يتسع عاماً بعد عام.


وربما لهذا يبدو شعار LEAP هذا العام «إلى عوالم جديدة» أوسع من أن يكون شعاراً لمؤتمر؛ فالمملكة نفسها تعبر إلى عوالم جديدة في الاقتصاد والتقنية والسياحة والثقافة ونمط الحياة، لكنها تفعل ذلك من دون أن ترى في المستقبل خصماً للماضي، أو في المعاصرة قطيعة مع الهوية. وهذه، في ظني، واحدة من أجمل سمات التحول السعودي: أن يتغير المكان ويتطور، دون أن يفقد ذاكرته.


وأعود في النهاية إلى أولئك المتعلمين القادمين من ثمانٍ وأربعين جنسية. لم يكونوا بحاجة إلى محاضرة طويلة نشرح لهم فيها التحول الذي تعيشه المملكة؛ فقد عاشوا شيئاً منه بأنفسهم. رأوا الإبل والصحراء والخيمة، ثم رأوا في المدينة نفسها الروبوتات والذكاء الاصطناعي وأحدث التقنيات التي تتنافس عليها شركات العالم. ولم تكن إحدى الصورتين أكثر صدقاً من الأخرى؛ فكلتاهما السعودية.


وما عاشه أولئك المتعلمون في تجربتهم يراه اليوم القادمون إلى LEAP من مختلف أنحاء العالم؛ فهم لا يعيشون المؤتمر في فراغ، وإنما يعيشون الرياض أيضاً؛ مدينة تحتضن واحداً من أكبر التجمعات التقنية، وفي طرف آخر منها تقف الدرعية سامقة، شاهدة على جذور الدولة السعودية، ويقف المصمك شامخاً، شاهداً على قصة التوحيد والبدايات «يوم بدينا». وبين هذا وذاك مدينة تتغير أمام أعينهم، وتعيد تقديم نفسها للعالم دون أن تتنكر لذاكرتها.


ولعل هذه هي الصورة التي تستحق أن يحملها العالم عن السعودية الجديدة: ليست بلاداً استبدلت الصحراء بمراكز البيانات، ولا الهجن بالروبوتات، ولا التاريخ بالمستقبل؛ بل بلاد وسعت صورتها لتتسع لكل ذلك. دولةٌ تستطيع أن تنظر بثقة إلى جذورها، وبالثقة نفسها إلى المستقبل؛ وأن تقول للعالم إن الأصالة والمعاصرة ليستا طريقين متعاكسين، وإن الهوية والطموح يمكن أن يسيرا معاً. من مضمار الهجن إلى عوالم LEAP، ومن الدرعية والمصمك إلى مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي؛ تتعدد المشاهد والصور، لكن الحكاية واحدة: هذه هي السعودية التي تحمل تاريخها معها وهي تمضي بهمة طويق والسروات وأجا وسلمى وشدا.. بأحلام وطموح قادتها إلى المستقبل.

00:00 | 4-09-2026