تحميل...
تسابق الدول السياحية الكبرى لتحويل كل زائر إلى سفير اقتصادي وثقافي يحمل معه جزءًا من هوية المكان عند عودته إلى بلده. ففي باريس ولندن وطوكيو وإسطنبول لا تقتصر تجربة السائح على زيارة المعالم، بل تمتد إلى شراء منتجات تذكارية تعكس روح المدينة وتاريخها وثقافتها. وفي كثير من الأحيان، تتحول هذه المنتجات الصغيرة إلى صناعة متكاملة تدر مليارات الدولارات وتوفر آلاف الوظائف للمصممين والحرفيين والمصنعين وتجار التجزئة. السعودية اليوم تمتلك فرصة استثنائية ربما لا تتوافر لأي دولة أخرى. فالمملكة تستقبل عشرات الملايين من الزوار سنويًا بين حجاج ومعتمرين وسياح، وتستهدف أعدادًا أكبر خلال السنوات المقبلة. ومع ذلك، ما زالت صناعة الهدايا التذكارية المحلية أقل بكثير من حجم هذه الفرصة. ولا يزال جزء كبير مما يُباع للزوار يعتمد على منتجات نمطية أو مستوردة لا تعكس عمق الهوية السعودية ولا القيمة الاقتصادية الممكنة. السؤال ليس لماذا نحتاج إلى صناعة للهدايا التذكارية، بل لماذا تأخرنا في بنائها حتى الآن؟ يمكن للسعودية أن تطور منظومة متكاملة تبدأ من مكة المكرمة والمدينة المنورة، باعتبارهما أكبر نقاط الجذب الديني في العالم الإسلامي، ثم تمتد إلى الرياض وجدة والعلا وأبها والدرعية والخبر وغيرها. هذه المنظومة يجب أن تنتج مستويات مختلفة من المنتجات تناسب جميع الشرائح. فمن جهة، هناك منتجات اقتصادية منخفضة السعر مثل الميداليات والبطاقات البريدية والملصقات والمغناطيسات. ومن جهة أخرى، توجد منتجات متوسطة القيمة مثل الحقائب والأكواب والدفاتر والهدايا المكتبية. أما الشريحة الأعلى دخلاً فتستهدفها منتجات فاخرة محدودة الإصدار، وقطع فنية، ومجسمات، وتصاميم مستوحاة من العمارة الإسلامية والتراث السعودي بجودة عالمية. لكن نجاح هذه الصناعة يتطلب أكثر من مجرد أفكار تصميمية. المطلوب برنامج وطني للتمكين الصناعي يربط المصممين الشباب بالمصانع المحلية، ويوفر قوالب إنتاج جاهزة، ويدعم حقوق الملكية الفكرية، ويمنح الشركات الناشئة تمويلًا ميسرًا ورأس مال نمو لتوسيع أعمالها. كما يمكن لبنك التنمية الاجتماعية، وصندوق التنمية الصناعية السعودي أن يخصصا مسارات تمويلية لهذه الفئة من الصناعات الإبداعية ممكنة وليس بضمانات شخصية أو بناء على ما يملكون. الأهم من ذلك، أن تتبنى وزارة الصناعة والثروة المعدنية هذا الملف باعتباره قطاعًا اقتصاديًا مستقلًا، من خلال تشكيل فريق عمل متخصص بقيادة مسؤول واحد يمتلك الصلاحيات اللازمة لتنسيق الجهود بين الجهات الحكومية والمصانع والمصممين ومشغلي المطارات والمنافذ ومراكز البيع في مكة والمدينة. الميزة النسبية للسعودية واضحة... لا توجد دولة أخرى تستقبل هذا العدد من الزوار المرتبطين عاطفيًا وروحيًا بالمكان. وإذا نجحت المملكة في تحويل جزء بسيط من إنفاق الحجاج والمعتمرين والسياح إلى منتجات سعودية مصممة ومصنعة محليًا، فإنها لن تخلق سوقًا جديدة فحسب، بل ستبني صناعة وطنية مستدامة تصدر الهوية السعودية إلى العالم قطعةً تذكاريةً بعد أخرى.
لا توجد دولة حققت تنمية اقتصادية مستدامة إلا وكان للنقل دور محوري في نهضتها، وتحديدًا النقل بالسكك الحديدية الذي أثبت عبر التاريخ أنه من أكثر وسائل النقل قدرة على تحفيز النمو الاقتصادي وربط مراكز الإنتاج بالاستهلاك وفتح آفاق التنمية بين المناطق المختلفة. وفي المملكة العربية السعودية يعود الاهتمام المبكر بالسكك الحديدية مع تولى الخبير الأمريكي مستر جولدي إدارة السكك الحديدية تحت إشراف شركة أرامكو. ومنذ ذلك الوقت تعاقبت الرؤى والطموحات لتوسيع شبكة القطارات وربط مناطق المملكة بعضها ببعض. وخلال فترة الدكتور غازي القصيبي في رئاسة المؤسسة العامة للخطوط الحديدية، تمت الاستعانة باستشاريين أمريكيين لدراسة التوسع في شبكة السكك الحديدية، إلا أن النتائج آنذاك لم تكن مشجعة من الناحية الاقتصادية. ومع ذلك أثبتت التجارب العالمية، أن مشاريع السكك الحديدية لا تُقاس فقط بالعائد المالي المباشر، بل بما تخلقه من تنمية اقتصادية واجتماعية وعمرانية طويلة الأمد، وما توفره من فرص استثمارية ترفع من تنافسية الاقتصاد الوطني. وكانت المؤسسة العامة للخطوط الحديدية تملك مساحات واسعة من الأراضي، التي لو تم استثمارها وفق أعلى معايير الحوكمة والشفافية لأصبحت مصدر دخل مستدام يدعم التوسع والتطوير ويخفف الأعباء المالية عن الدولة. كما شهدت المملكة محاولات جادة لتنفيذ مشروع الربط بين الشرقية والغربية بنظام البناء والتشغيل ثم الإعادة للدولة (BOT)، وشاركت في دراسته جهات تمويلية دولية، إلا أن اختلاف وجهات النظر حول حجم الدعم المطلوب أدى إلى تأخير التنفيذ. ومع مرور الوقت ارتفعت التكاليف بشكل كبير، وهو ما يؤكد، أن التأخر في اتخاذ القرار التنموي غالبًا ما تكون تكلفته أعلى من تكلفة التنفيذ نفسها. وعندما تم التسويق لمدينة الملك عبدالله الاقتصادية، كان أحد أهم عناصر الجذب فيها فكرة الربط البري بين البحر الأحمر والخليج العربي عبر شبكة السكك الحديدية، بما يختصر زمن وصول البضائع القادمة من أوروبا إلى أسواق الخليج ويوفر للمملكة مزايا لوجستية تنافسية على مستوى العالم. ولعل أبرز مثال على أثر السكك الحديدية في التنمية هو مشروع قطار الشمال، الذي ربط المناجم بمدينة رأس الخير الصناعية، فبدونه لما نشأت المنظومة الصناعية المتكاملة التي أسهمت في نمو شركة معادن وتحولها إلى إحدى الشركات العالمية الرائدة في صناعة الألمنيوم ومنتجات التعدين ذات القيمة المضافة. واليوم تتجدد الطموحات بمشاريع الربط مع دول الخليج، سواء مع قطر أو الكويت أو ضمن مشروع القطار الخليجي الشامل. كما أن التحديات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة وما ترتب عليها من اضطرابات في الممرات البحرية وارتفاع تكاليف النقل تؤكد أن شبكة السكك الحديدية لم تعد مشروعًا اقتصاديًا فحسب، بل أصبحت ضرورة أمنية وإستراتيجية. ومن هنا تبرز أهمية اتخاذ قرار فوري بالشروع في استكمال شبكة السكك الحديدية الوطنية من خلال شراكات إستراتيجية مع القطاع الخاص وصناديق الاستثمار المحلية والدولية، وفق نماذج تمويل وتشغيل حديثة لا تُحمّل الدولة أعباء مالية مباشرة، بل تحقق عوائد اقتصادية مستدامة من رسوم النقل والخدمات اللوجستية وتطوير الأراضي والمراكز التجارية والصناعية المرتبطة بالشبكة. فمثل هذه المشاريع قادرة على تمويل جزء كبير من تكلفتها ذاتيًا إذا ما أُحسن التخطيط لها وإدارتها. إن ربط المملكة من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب سيخلق ممرًا اقتصاديًا متكاملًا يربط الموانئ والمناطق الصناعية والتعدينية والزراعية والسياحية، ويؤسس لمراكز تنموية جديدة، ويحفز الاستثمارات المحلية والأجنبية، ويوفر آلاف الفرص الوظيفية لأبناء الوطن، ويعزز التكامل بين المناطق. فالسكك الحديدية ليست مجرد قطارات تسير على قضبان، بل شرايين تنقل التنمية، وتدعم الاقتصاد، وتعزز الأمن الوطني، وترسم مستقبلًا أكثر ازدهارًا للوطن و المواطن.
تواصل المملكة العربية السعودية، من خلال رؤية 2030، بناء اقتصاد متنوِّع ومستدام يرسخ مكانتها كقوة صناعية عالمية ومركز لوجستي يربط بين القارات الثلاث. وتعتمد هذه الرؤية على تعزيز التنوع الاقتصادي، وتوطين الصناعات الاستراتيجية، وتقليل الاعتماد على النفط، عبر تمكين القطاع الصناعي ورفع مساهمته في الناتج المحلي. وقد جاء تأسيس وزارة الصناعة والثروة المعدنية ليعكس اهتمام القيادة بتطوير القطاع الصناعي باعتباره أحد أهم محركات النمو الاقتصادي. كما ترتكز الاستراتيجية الوطنية للصناعة على تنمية القطاعات الواعدة. وفي الوقت ذاته، يساهم برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية (ندلب) في تحقيق التكامل بين قطاعات الصناعة والطاقة والتعدين والخدمات اللوجستية، بما يُعزِّز القيمة المضافة للموارد الوطنية ويرفع من تنافسية الاقتصاد السعودي. إلا أن القطاع الصناعي يختلف بشكل جذري عن قطاع الخدمات من حيث حجم الالتزامات والتكاليف. فالصناعة تعتمد على استثمارات ضخمة في المصانع والمعدات والبنية التحتية، إضافة إلى تكاليف التشغيل المرتفعة المتعلقة بالطاقة والمواد الخام والكوادر البشرية وسلاسل الإمداد. وعلى عكس قطاع الخدمات، فإن القطاع الصناعي أقل مرونة في نقل أعماله أو تقليص مصروفاته عند ارتفاع التكاليف التشغيلية. ومن هنا تبرز أهمية التعامل مع الصناعة بمنظور اقتصادي تنافسي يأخذ في الاعتبار الدول المنافسة للمملكة في الأسواق العالمية. فاليوم تفرض العديد من الجهات متطلبات تنظيمية ورسوماً متعددة؛ بعضها ضروري ومهم لضمان الجودة والامتثال، إلا أن تراكم هذه المتطلبات وما يرتبط بها من تكاليف استشارية ورسوم تشغيلية ينعكس بشكل مباشر على تكلفة أداء الأعمال ويؤثر على قدرة المصانع الوطنية على المنافسة. لذلك، من المهم أن تتولى وزارة الصناعة والثروة المعدنية قيادة ملف قياس ومقارنة تكلفة أداء الأعمال في المملكة مع الدول الصناعية المنافسة، والعمل على وضع تشريعات ومحفزات تجعل بيئة الاستثمار الصناعي في المملكة أكثر تنافسية وجاذبية، ليس فقط على المستوى الإقليمي بل عالمياً. وقد أثبت الأمير المقدام محمد بن سلمان -حفظه الله- دعمه المستمر للقطاع الصناعي عبر إنشاء وزارة مستقلة للصناعة، وإطلاق العديد من المبادرات والبرامج الداعمة. ولا شك أن هذا التوجه سيعزز من تحقيق مستهدفات رؤية 2030، ويجعل المملكة وجهة صناعية واستثمارية عالمية، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وبنيتها التحتية المتطورة، وقدرتها على توفير بيئة أعمال تنافسية تدعم المستثمر وتمكن الصناعة الوطنية من النمو والازدهار.
في كل عام، لا تدير المملكة العربية السعودية موسماً دينياً فحسب، بل تشغّل واحدة من أعقد عمليات إدارة الحشود والخدمات اللوجستية في العالم. فخلال أيام معدودة، تتحرك ملايين البشر بين مواقع محددة وفق توقيتات دقيقة، ضمن منظومة تتكامل فيها أكثر من عشرين جهة حكومية، ويعمل فيها ما يزيد على 94 ألف فرد من مختلف القطاعات الصحية والأمنية والخدمية والتنظيمية والكثير من المتطوعين. هذه التجربة، التي تراكمت عبر عقود طويلة من التطوير والتعلّم الميداني، لم تعد مجرد نجاح إداري موسمي، بل أصل استراتيجي قابل للتحوّل إلى صناعة عالمية متخصصة. تجارب الدول الكبرى لا تُقاس فقط بما تبنيه من بنى تحتية، بل أيضاً بما تطوره من معرفة تشغيلية قابلة للتصدير. والسعودية اليوم تمتلك خبرة فريدة يصعب تكرارها في إدارة الحشود الضخمة، وتنسيق الجهات المتعددة، وتشغيل المدن المؤقتة، والتحكّم في الحركة البشرية والنقل والطوارئ والصحة والأمن في وقت واحد. هذه الخبرة ليست نظرية أو أكاديمية، بل ممارسة سنوية حقيقية تحت ضغط كثافة بشرية هائلة وظروف تشغيلية معقدة. وزارة الصحة وحدها تشغّل خلال الحج منظومة تشمل عشرات الآلاف من الكوادر، مع مستشفيات ومراكز صحية وإسعافية موزعة بدقة داخل المشاعر. وفي المقابل، تدير وزارة الداخلية بمختلف قطاعاتها الأمنية واحدة من أكثر عمليات التحكّم المروري والحشود تطوراً في العالم، بينما تنسق إمارة منطقة مكة المكرمة بين مختلف الأجهزة ميدانياً عبر فرق إشراف متخصصة. وعندما تتكامل هذه المنظومة مع النقل والخدمات اللوجستية والبلديات والجهات الدينية والإعلامية، فإن الناتج النهائي يصبح نموذجاً تشغيلياً عالمياً متكاملاً. السؤال الاستراتيجي هنا... لماذا تبقى هذه الخبرة محصورة داخل الموسم فقط، بينما العالم يواجه طلباً متزايداً على حلول إدارة الحشود والمناسبات الكبرى والمدن المؤقتة؟ من كأس العالم والأولمبياد إلى المعارض الدولية والمهرجانات العملاقة، تبحث الحكومات والشركات حول العالم عن خبرات قادرة على إدارة الكثافات البشرية بأعلى درجات الكفاءة والسلامة. ومن هنا تبرز الفرصة لإنشاء شركة عالمية مشتركة بين صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص السعودي المتخصص والممارس، تكون مهمتها تحويل الخبرة السعودية المتراكمة إلى صناعة تصديرية متكاملة. شركة لا تكتفي بالاستشارات، بل تقدّم حلولاً شاملة تشمل الدراسات، والتخطيط، وإدارة المشاريع، والتشغيل، والتنفيذ، والتدريب، والحلول الرقمية، وتقنيات إدارة الحشود الذكية. ميزة هذه الشركة أنها لن تبدأ من الصفر، بل ستنطلق من أكبر مختبر عملي حي في العالم. كما أنها ستستفيد من تكامل القطاع الحكومي مع مرونة وكفاءة القطاع الخاص، لتصبح ذراعاً سعودية عالمية في قطاع يتنامى بسرعة مع توسع الفعاليات الكبرى والمشاريع العملاقة عالمياً. لقد نجحت المملكة في تحويل النفط إلى قوة اقتصادية، ثم حوّلت الخدمات اللوجستية والسياحة والترفيه إلى قطاعات استراتيجية جديدة. واليوم، ربما حان الوقت لتحويل «إدارة الحشود» نفسها إلى صناعة سعودية عالمية تحمل ختم الخبرة التي صُنعت في الحج.
عندما تضع مؤسسة بحجم غولدمان سكس المملكة العربية السعودية ضمن أكبر عشرين اقتصاداً في العالم بحلول عام 2075، فهذا لا يأتي من فراغ، بل من قراءة واقعية للتحولات الاقتصادية الكبرى التي تشهدها المملكة منذ إطلاق رؤية 2030. لكن الأهم من هذا التوقع هو أن يكون نقطة انطلاق لطموح أكبر، فالسعودية تمتلك الإمكانات البشرية والمالية والاستراتيجية التي تؤهلها ليس فقط للوصول إلى المركز الثامن عشر، بل لمنافسة أكبر عشر اقتصاديات في العالم خلال العقود القادمة. لقد أثبتت رؤية 2030، خلال سنوات قليلة، قدرتها على تحقيق تحولات غير مسبوقة في الاقتصاد السعودي. فالمملكة نجحت في تنويع مصادر الدخل، وتعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية، ورفع كفاءة الإنفاق، واستقطاب الاستثمارات العالمية، إضافة إلى القفزات الكبيرة في قطاعات السياحة والتقنية والترفيه والصناعة والخدمات اللوجستية والتغيرات في آليات الضرائب. كما أصبحت السعودية اليوم مركزاً عالمياً للأحداث والاستثمارات والمشاريع المستقبلية، وهو ما عزز الثقة الدولية في الاقتصاد السعودي وقدرته على النمو المستدام. لكن الحفاظ على هذا الزخم لعقود قادمة يتطلب عملاً مؤسسياً طويل المدى يتجاوز الوزارات التقليدية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء مركز فكري اقتصادي مستقل (Think Tank) يكون مرجعيته وارتباطه المباشر بسمو رئيس مجلس الوزراء، وتكون وزارة الاقتصاد أحد أطرافه الرئيسية، بمشاركة المفكرين الاقتصاديين، وأساتذة الجامعات، والخبراء في مختلف المجالات، إضافةً إلى مراكز الفكر الاقتصادية المحلية والعالمية. هذا المركز يجب أن يعمل على بناء خارطة طريق اقتصادية تمتد حتى عام 2075، مع تحديث شامل كل ثلاث سنوات لقياس الأداء ومراجعة المؤشرات والتأكد من استمرار المملكة على المسار الصحيح نحو أهدافها الكبرى. الاقتصادات العظمى لا تُبنى بردود الأفعال أو الحلول المؤقتة، بل بالتخطيط العميق والاستشراف المبكر للتغيرات العالمية. ومن أهم عناصر بناء اقتصاد قوي ومستدام دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة والعائلية والمتخصصة. فجزء كبير من قوة الاقتصاد الأمريكي والياباني والألماني لا يعتمد فقط على الشركات العملاقة، بل على وجود عشرات الآلاف من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تخلق الوظائف، وتبني الطبقة الوسطى، وتدعم الابتكار والتنافسية. أما تمركز معظم القطاعات الاقتصادية في عدد محدود من الشركات الكبرى، فهو لا يصنع اقتصاداً مرناً ولا يبني مجتمعاً اقتصادياً متوازناً على المدى الطويل. الاقتصاد القوي هو الذي يمنح الفرصة لرواد الأعمال والشركات الناشئة والمتخصصة للنمو والتوسع والمنافسة. الرهان الحقيقي خلال الخمسين سنة القادمة سيكون على الإنسان السعودي... على التعليم، والبحث العلمي، والابتكار، وريادة الأعمال، والصناعة، والتقنية. وإذا كانت رؤية 2030 قد نجحت في إعادة تشكيل الاقتصاد السعودي وفتح آفاق جديدة للعالم، فإن المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة ترسيخ هذا النجاح وتحويله إلى مشروع وطني طويل المدى يقود المملكة إلى موقع اقتصادي عالمي يليق بطموحاتها وإمكاناتها.
قرار مجلس الوزراء المتعلِّق بتطوير وتنظيم قطاع الحضانات يمثِّل خطوة محورية في مسار تمكين المرأة وتعزيز جودة رأس المال البشري، لأن الاستثمار الحقيقي في الاقتصاد يبدأ من السنوات الأولى للطفل. فالدراسات العصبية تؤكد أن أول ثلاث سنوات في حياة الإنسان هي المرحلة التي يتشكّل فيها الدماغ بوتيرة متسارعة، وتتكون خلالها أسس اللغة والسلوك والقدرة على التعلم والاستقرار النفسي. ولذلك فإن الحضانات ليست مجرد خدمة اجتماعية، بل جزء من البنية الاقتصادية والتنموية لأي دولة حديثة. نجاح هذا القطاع يعتمد على بناء معايير تشغيلية واضحة تضاهي أفضل النماذج العالمية، بدءاً من عدد المشرفات مقارنة بالأطفال، وصولاً إلى جودة البيئة التعليمية والصحية. فالأطفال بين عمر سنتين وثلاث سنوات يحتاجون إلى بالغ واحد لكل 4 إلى 6 أطفال، بينما تتراوح النسبة المثلى للأطفال من 3 إلى 5 سنوات بين بالغ واحد لكل 8 إلى 10 أطفال. كما أن جودة الحضانات ترتبط بتوفير ألعاب تعليمية مناسبة للعمر، ومرافق واسعة جيدة التهوية، وإجراءات سلامة وصحة عالية المستوى، إضافة إلى تدريب المعلمات وتأهيلهن بشكل احترافي. غير أن التحدي الأكبر يبقى اقتصادياً. فالحضانات ذات الجودة العالية تواجه تكاليف تشغيل مرتفعة تشمل عدد المدرسات، وتجهيزات السلامة، والألعاب التعليمية المكلفة، ومتطلبات المساحات المناسبة. وفي المقابل، فإن انخفاض الإيرادات لدى كثير من الحضانات يؤدي أحياناً إلى تراجع مستوى الخدمات، بما لا يتواكب مع الأهمية الحساسة لهذه المرحلة العمرية. وفي هذا السياق، تُعد مبادرة صندوق تنمية الموارد البشرية (هدف) برنامج دعم ضيافة الأطفال.. قرة.. من المبادرات المهمة التي دعمت تمكين المرأة السعودية، عبر تغطية تصل إلى 50% من قيمة الحجز وبحد أقصى 1600 ريال للطفل حتى عمر 6 سنوات. إلا أن الواقع التشغيلي اليوم يجعل هذا الدعم أقل من مستوى التكلفة الفعلية للحضانات عالية الجودة، ما يستدعي رفع قيمة الدعم على الأقل إلى الضعف، حتى تتمكن الحضانات من الالتزام بالمعايير المطلوبة دون تحميل الأسر أعباء مالية كبيرة. كما تبدو الحاجة ملحة لأن يتبنى «هدف» برنامجاً إضافياً يمنح دعماً خاصاً للحضانات التي تطبق الاشتراطات والمعايير الدولية في نسب المشرفات، وجودة المناهج، والسلامة، والنظافة، وتأهيل الكوادر. فالهدف لا يجب أن يكون زيادة عدد الحضانات فقط، بل رفع جودة مخرجات الطفولة المبكرة. الأثر الاقتصادي لهذا الدعم يتجاوز القطاع نفسه. فارتفاع جودة الحضانات يرفع مشاركة المرأة في سوق العمل، ويزيد الإنتاجية، ويخفض معدلات التسرب الوظيفي، كما ينعكس مستقبلاً على جودة التعليم والمهارات وسوق العمل. فكل ريال يُستثمر في الطفولة المبكرة يختصر لاحقاً تكاليف التعليم العلاجي والتأهيل وضعف الإنتاجية. لذلك فإن دعم الحضانات ليس إنفاقاً اجتماعياً، بل استثمار طويل الأجل في اقتصاد أكثر كفاءة وتنافسية.
في «عكاظ»، أبدأ الكتابة لا بوصفها حضوراً صحافياً عابراً، بل بوصفها موقفاً ومسؤولية. بتمكين من الجميل الأستاذ جميل الذيابي، وفريق «عكاظ»، حاملاً قناعة راسخة بأن الكلمة الاقتصادية لم تعد ترفاً، بل ضرورة في زمنٍ تتسارع فيه التحولات، وتتغير فيه موازين القوة، وتُعاد فيه صياغة مستقبل الأمم بقدر ما تملك من معرفة وإنتاج وقدرة على المنافسة. سأكتب عن الاقتصاد، وسأمنح الصناعة خصوصيةً في القراءة والتحليل، لأنها لم تعد قطاعاً بين قطاعات، بل عنوان للسيادة، ومصدر للقيمة، ورافعة للاستقلال الاقتصادي. فالأمم لا تُقاس اليوم بما تملك من موارد فقط، بل بما تستطيع أن تصنعه، وتطوره، وتصدره، وتضيفه إلى العالم. ومن هنا، فإن الصناعة السعودية ليست ملفاً اقتصادياً فحسب، بل مشروع وطني يتصل بالمستقبل، وبموقع المملكة في خريطة الاقتصاد العالمي. أكتب لأنني أؤمن أن الخوف والتردد والتسويف لا مكان لها في قاموس من يريد أن يؤدي واجبه. والكتابة، كما أفهمها، ليست زخرفة لغوية، ولا استعراضاً معرفياً، بل التزام بالحقيقة، وانحياز للعقل، ومشاركة في بناء الوعي العام. فالاقتصاد لا يكفي أن يُدار بالأرقام، بل يجب أن يُفهم، وأن تُشرح تحولاته للناس بلغة واضحة، تربط المؤشرات بحياة المجتمع، والقرارات بمآلاتها، والفرص بمسؤولية اقتناصها. إن وطننا يعيش لحظة تاريخية كبرى، لا تليق بها قراءة سطحية ولا خطاب متردد. ما يجري اليوم هو انتقال واسع من اقتصاد يعتمد على المورد إلى اقتصاد يصنع القيمة، ويبني الإنسان، ويستثمر في التقنية، ويعزز سلاسل الإمداد، ويفتح أبواباً جديدة للتنافسية. وهذه اللحظة تحتاج إلى كتابة واعية، لا تكتفي بالاحتفاء، ولا تستسلم للنقد الكسول، بل تسعى إلى الفهم، والتحليل، والإضافة. أكتب حباً للوطن، وأملاً بأن أكون جزءاً صغيراً من حوارٍ كبير يليق بطموحه. أكتب لأنني أريد للفكرة أن تصل، وللمعنى أن يتضح، وللقارئ أن يجد في المقال الاقتصادي ما يحفّزه على التفكير لا ما يثقله بالمصطلحات. ومن «عكاظ» أبدأ، مؤمناً بأن الكلمة الصادقة قد تكون مصنعاً آخر للوعي، وأن الوطن الذي يحلم بالمراكز الأولى يحتاج إلى اقتصاد قوي، وصناعة راسخة، وقلم محب وعاشق.