أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1898.jpg?v=1778328290&w=220&q=100&f=webp

سلمان الجشي

الادخار المؤسسي للأفراد... راتبٌ ثانٍ للمستقبل

استوقفتني في مقال الأخ المهندس عبدالله الرخيص، المعنون «ديون السعوديين»، فكرة تتجاوز سؤالاً.. كم اقترض السعوديون ؟ إلى سؤال ربما يكون أكثر أهمية للمستقبل.. كم يدخر السعوديون، وكيف يدخرون ؟

فالمقال يلفت النظر إلى مفارقة تستحق التأمل. مديونية الأسر في السعودية، وفق المقاييس الدولية، ليست مرتفعة بصورة استثنائية، إذ يضعها عند نحو 31.7% من الناتج المحلي، مقابل 59.1% لمجموعة العشرين. لكن الاعتدال في الرقم الكلي لا يعني بالضرورة أن كل أسرة في وضع مالي مريح. والأهم أن القسط، عندما يصبح أول مستحق من الراتب، يزاحم الغذاء والصحة والتعليم، ولكنه يزاحم أيضًا بندًا أقل إلحاحًا اليوم وأكثر أهمية غدًا.. الادخار. هنا أعتقد أن النقاش ينبغي ألا يقتصر على التوعية المالية أو مطالبة الفرد بأن «يدخر أكثر». الادخار الذي نحتاج إليه هو ادخار مؤسسي.. منتج مالي طويل الأجل، بسيط ومنخفض التكلفة، تديره مؤسسات متخصصة وتحت رقابة واضحة، ويُقتطع له مبلغ دوري من الدخل، مع خيارات استثمار تتناسب مع العمر والمخاطر، بحيث يتحول الادخار من قرار شهري قابل للتأجيل إلى عادة مالية مستمرة. لدينا بالفعل نظام تأمينات اجتماعية يوفر مظلة أساسية مهمة للتقاعد. لكن السؤال الاقتصادي ليس ما إذا كانت هذه المظلة جيدة، بل.. هل ينبغي أن تكون المصدر الوحيد لدخل المواطن بعد انتهاء حياته الوظيفية ؟ السؤال يصبح أكثر إلحاحًا مع نجاح المملكة صحيًا. فوزارة الصحة تشير إلى ارتفاع متوسط العمر المتوقع من نحو 74 عامًا في 2016 إلى 79.9 عام في 2025. وهذه أخبار ممتازة، لكنها تحمل نتيجة مالية واضحة.. إذا كان السعودي سيعيش سنوات أطول بعد التقاعد، فهو يحتاج إلى تمويل سنوات أكثر. طول العمر إنجاز صحي، لكنه أيضًا التزام مالي طويل الأجل. ومن هنا يمكن تصور منظومة يكون فيها معاش التأمينات الاجتماعية هو الراتب الأول بعد التقاعد، بينما يصنع الفرد أثناء سنوات العمل، عبر حساب ادخار واستثمار مؤسسي، راتبه الثاني. وليست الفكرة غريبة عن أهداف المملكة. فقد وضعت رؤية 2030 منذ البداية هدفًا لرفع ادخار الأسر من 6% إلى 10% من دخلها، فيما أظهر ميثاق برنامج تطوير القطاع المالي لاحقًا خط أساس بلغ 9.8% في 2022 ومستهدفًا عند 10%. كما تظهر الحسابات القومية لعام 2024، أن قطاع الأسر أسهم بنحو 22.9% من صافي الادخار في الاقتصاد السعودي. لكن المقارنات الدولية تستدعي الحذر.. فلا يوجد «رقم ادخار لمجموعة العشرين»، يمكن وضعه ببساطة أمام الرقم السعودي، لأن التعريفات المحاسبية ومصادر البيانات تختلف. ومع ذلك، تعطي بيانات OECD صورة مفيدة.. معدلات الادخار الأسري الإجمالي في عدد من الاقتصادات المتقدمة تقع في نطاقات أعلى، وتُظهر البيانات الحديثة مثلًا مستويات تقارب 16% في أستراليا و 9% في كندا، بينما تشير تقديرات المنظمة إلى معدلات أعلى بكثير في اقتصادات مثل ألمانيا. والقضية هنا ليست سباقًا دوليًا في النسب. القضية هي تحويل الادخار من فائض يحدث إن بقي شيء في نهاية الشهر، إلى أصل مالي يُبنى أول الشهر. فالريال الذي لا يُستهلك اليوم لا يختفي من الاقتصاد. حين يدخل عبر صناديق ادخارية واستثمارية منظمة، يمكن أن يتحول إلى رأسمال يمول الشركات، السندات، المشروعات، الإسكان والبنية التحتية. وهكذا يصبح الادخار الفردي ذا وظيفتين في آن واحد.. تأمين مستقبل الأسرة وتعميق رأس المال المحلي الذي يحتاج إليه الاقتصاد. لقد بنينا خلال العقود الماضية مؤسسات متطورة لتمويل استهلاك الفرد وامتلاكه للمسكن والسيارة. وربما حان الوقت لبناء صناعة لا تقل كفاءة في تمويل مستقبله. فالاقتصاد القوي ليس فقط اقتصادًا يستطيع مواطنه الاقتراض بثقة، بل اقتصاد يستطيع فيه المواطن أن يتقدم في العمر وهو يمتلك أصولًا تعمل من أجله. وربما يكون أفضل تعريف للادخار المؤسسي أنه ليس مالًا نؤجّل إنفاقه، بل دخلٌ مستقبلي نبدأ في شرائه اليوم.

00:00 | 13-09-2026

أخطر ما في الإدارة.. أن نعتقد أننا وحدنا نرى

ليس كل من ينظر يرى. هناك من يرى بعينيه، من يرى بقلبه، ومن يرى بعقله وتجربته. وهناك، للأسف، من يمتلك البصر كاملاً لكنه يفتقد البصيرة. وربما يكون النوع الآخر هو الأكثر خطورة في عالم الإدارة.. لأنه لا يعرف أنه لا يرى. في مجالس إدارات الشركات، كما في الحياة، لا تكمن المشكلة عادة في نقص الآراء، بل في قدرتنا على احتمال الرأي الذي لا يعجبنا. فالإنسان بطبيعته يحب من يؤكد له أنه كان على حق. والرئيس التنفيذي ليس استثناءً ولا رئيس مجلس الإدارة ولا المساهم ولا حتى المستشار الذي يفترض فيه الاستقلال. جميعنا، بدرجات متفاوتة، أسرى لما يسمى في علم السلوك بـ «انحياز التأكيد».. نبحث عما يؤيد قناعاتنا ونجد ألف سبب للتشكيك في ما يناقضها. ولهذا فإن أخطر مجلس إدارة ليس بالضرورة ذلك الذي تكثر فيه الخلافات، بل ربما ذلك الذي يتفق أعضاؤه دائماً. الإجماع السريع مريح. لكنه قد يكون مكلفاً. من المبادئ التي أحاول أن أتمسك بها في عملي وفي الأمور الشخصية، أن الرأي الآخر ضرورة، حتى عندما أكون مقتنعاً بأنني لن آخذ به. فأنا لا أستمع إليه بالضرورة لكي يغير قراري، بل لكي يختبره. والفرق كبير. قد يقول لك شخص شيئاً ترفض 90% منه، لكن الـ10% الباقية قد تكشف مخاطرة لم ترها أو افتراضاً لم تختبره أو سؤالاً كان ينبغي أن تسأله منذ البداية. هنا تأتي أهمية المراجعة.كي تسأل.. هل ما زالت الإستراتيجية التي أوصلتنا إلى هنا قادرة على إيصالنا إلى هناك؟ هذا السؤال يبدو بسيطاً. لكنه في الحقيقة شديد الصعوبة. لأن مراجعة الإستراتيجية تتطلب شيئاً أصعب من إعدادها.. أن نعترف بأن العالم تغير وربما علينا أن نتغير معه. المراجعة ليست اعترافاً بالفشل. وتغيير الرأي ليس ضعفاً. والعودة عن قرار لم تعد افتراضاته صحيحة ليست هزيمة إدارية. الهزيمة الحقيقية هي أن نعرف أن الطريق تغير ثم نستمر فيه فقط لأننا اخترناه بالأمس. لذلك أدعو نفسي قبل الآخرين إلى ممارسة أمر يبدو سهلاً في الكلام وصعباً في الواقع.. أن أتقبل من يخالفني وأن أستمع إليه حتى النهاية بل وأن أشكره. أشكره ليس لأنني سأتبنى رأيه بالضرورة وإنما لأنه منحني شيئاً لا يستطيع الموافقون دائماً أن يمنحوني إياه.. زاوية أخرى للرؤية. في النهاية.. القرارات الكبرى نادراً ما تفشل لأن أصحابها لم تكن لديهم معلومات كافية فقط. أحياناً تفشل لأن الجميع كانوا ينظرون إلى المشهد من النافذة نفسها. نحن لا نحتاج دائماً إلى من يرى ما نراه. نحتاج أحياناً وبشكل أكثر إلحاحاً إلى من يرى ما لا نراه.

00:00 | 6-09-2026

السعودية صنعت البتروكيماويات... الآن عليها أن تصنع ما بعدها

في عام 1975، اتخذت السعودية قراراً غيّر مسار اقتصادها الصناعي. لم يكن إنشاء مدينة الجبيل الصناعية، ثم تأسيس سابك، مجرد مشروعين كبيرين، بل كانا تعبيراً عن فكرة واضحة... إذا كانت المملكة تمتلك النفط والغاز، فلا ينبغي أن تكتفي بتصديرهما، بل عليها أن تبني فوقهما صناعة قادرة على المنافسة عالمياً. بعد نصف قرن، تبدو الحاجة إلى فكرة مماثلة أكثر إلحاحاً. حققت صناعة البتروكيماويات السعودية قصة نجاح استثنائية، وتوسعت سابك والشركات المماثلة حتى أصبحت المملكة لاعباً عالمياً. لكن الصناعة البتروكيماوية وصلت إلى حدٍ ما إلى مرحلة من الثبات. لم تعد إضافة وحدات التكسير الكبرى هي القصة الوحيدة التي ينبغي أن تشغلنا. السؤال الأهم اليوم هو.. ماذا نصنع من المواد التي تنتجها هذه المصانع ؟ قبل أكثر من عشرين عاماً، زرت مرات عديدة الأمير المخلص فيصل بن تركي، الذي كان مسؤولاً في وزارة البترول. كان شديد الإيمان بضرورة بناء صناعات متخصصة ومتقدمة تقوم على منتجات شركات البتروكيماويات السعودية. ولا أزال أتذكر خريطة معلقة في قاعة الاجتماعات، يغلب عليها اللون العنابي، ترسم تصوراً لسلاسل صناعية يمكن أن تنشأ فوق القاعدة البتروكيماوية القائمة. ربما كانت الفكرة سابقة لوقتها. واليوم أصبحت أكثر أهمية. تقدم سويسرا درساً يستحق التأمل. فقد نشرت «فايننشال تايمز»، هذا الأسبوع، تقريراً عن قدرة الصناعة السويسرية على البقاء رغم ارتفاع الأجور، قوة الفرنك وافتقار البلاد إلى الموارد الطبيعية. الإجابة لم تكن منافسة الصين في الإنتاج الرخيص والكثيف، بل التخصص.. منتجات أكثر تعقيداً، أعلى جودة وأغلى سعراً، موجهة إلى أسواق عالمية مستعدة لدفع علاوة مقابل التقنية والدقة. ولا تزال الصناعة تمثل نحو 19 في المائة من الاقتصاد السويسري، فيما تمتلك البلاد أعلى حصة من التصنيع عالي التقنية بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. السعودية تمتلك نقطة انطلاق ربما تكون أقوى.. النفط والغاز، شركات بتروكيماويات عالمية، مدناً صناعية وبنية تحتية تراكمت على مدى خمسة عقود. المطلوب ليس منافسة الصين في كل شيء، وإنما اختيار الجزء الأغلى من الكعكة. يمكن أن تكون مواد سابك والشركات المماثلة أساساً لمكونات متقدمة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، أشباه الموصلات، السيارات الكهربائية، الطيران، الأجهزة الطبية، المواد المركبة والإلكترونيات الدقيقة. الهدف ليس زيادة الأطنان المنتجة، بل زيادة القيمة التي يحققها كل طن قبل مغادرته المملكة. التغييرات الأخيرة، مع تولي سمو وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان مسؤولية وزارة الصناعة والثروة المعدنية، تفتح نافذة مهمة. ورغم إيماني بأهمية بقاء وزارة الصناعة والتعدين في وزارة مستقلة مؤسسياً، فإن القدرات الإدارية للأمير عبدالعزيز تمنح أملاً في بناء تصور صناعي متكامل يتجاوز الأشخاص ودورات المسؤولين. لكن الصناعة المتقدمة لا تُبنى بالمصانع وحدها. إنها تحتاج إلى تعليم استثنائي، بحث وتطوير، تدريب مهني متقدم، بيئة صحية واجتماعية تستطيع جذب أفضل العقول والاحتفاظ بها. التجربة السويسرية نفسها تقوم على منظومة تعليم وتدريب مهني عميقة.. نحو ثلثي الشباب يسلكون مسار التعليم والتدريب المهني. رؤية 2030 ستصبح أكثر حضوراً في حياة المواطن عندما تتحول ميزتنا في باطن الأرض إلى معرفة، مهارة ومنتجات عالمية فوق الأرض وإلى وظائف عالية الدخل. بدأت رحلة الجبيل قبل نصف قرن بسؤال.. ماذا نفعل بنفطنا وغازنا؟ السؤال الذي يستحق أن يقود نصف القرن المقبل هو.. ماذا نصنع مما صنعناه منهما؟

00:10 | 30-08-2026

متى تصبح السعودية اقتصاداً متقدماً بكل المقاييس؟

بدأ الأمر بسؤال عابر في جلسة مع أصدقاء.. كيف تُصنَّف السعودية عالمياً ؟ سؤال بدا بسيطاً، لكنه سرعان ما قاد إلى نقاش أكثر تعقيداً حول معنى أن تكون الدولة «متقدمة» أصلاً. كان هناك اتفاق واسع على ما هو أكثر أهمية من المصطلحات. المملكة تتمتع بمستويات عالية من الأمن والاستقرار، وشهدت خلال السنوات الأخيرة تحولاً ملموساً في قطاعات متعددة. ولعل التقنية والخدمات الرقمية هي المثال الأكثر حضوراً في الحياة اليومية، فإتمام معاملة حكومية، تأسيس نشاط أو تنفيذ خدمة مصرفية، أصبح في حالات كثيرة أسرع وأسهل مما يواجهه الفرد في بعض الاقتصادات التي اعتدنا وصفها بالمتقدمة، بما فيها دول أوروبية والولايات المتحدة الأمريكية. لكن سهولة الخدمات وجودة البنية التحتية لا تحسم وحدهما تصنيف الاقتصاد. لا توجد، في الواقع، شهادة دولية موحدة تحمل اسم «الدولة المتقدمة». البنك الدولي يصنف الاقتصادات أساساً وفق مستويات الدخل، بينما تقيس مؤشرات التنمية البشرية مزيجاً من الدخل، التعليم والصحة. أما المؤسسات الاقتصادية الدولية الأخرى فتنظر إلى عناصر إضافية، من بينها تنوع الاقتصاد، عمق الأسواق المالية، الإنتاجية، هيكل الصادرات، جودة المؤسسات ومدى اندماج الاقتصاد في المنظومة العالمية. وهنا تكمن المفارقة السعودية... المملكة اقتصاد مرتفع الدخل، عضو في مجموعة العشرين، تملك بنية تحتية ورقمية متقدمة، لكنها لا تزال في بعض التصنيفات الدولية ضمن الاقتصادات الناشئة لا المتقدمة. هذا ليس مجرد نقاش لغوي. بل يمكن أن يشكل أساساً لسؤال إستراتيجي مهم حول المرحلة التالية من رؤية السعودية 2030. لقد نجحت الرؤية في تغيير اتجاه الاقتصاد والمجتمع وفي تحويل أهداف كانت تبدو بعيدة إلى برامج ومؤشرات أداء ومشروعات قابلة للقياس. ومع اقتراب 2030، قد يكون من المناسب الانتقال من سؤال ماذا نريد أن نغيّر؟ إلى سؤال أكثر طموحاً.. ما الموقع العالمي الذي نريد أن تحتله المملكة في 2040 و2050؟ المرحلة المقبلة يمكن أن تتبنى هدفاً وطنياً واضحاً.. أن تصبح السعودية ضمن الاقتصادات الأكثر تقدماً اقتصادياً واجتماعياً ومالياً، ليس بالوصف، وإنما وفق مجموعة محددة وشفافة من المؤشرات الدولية. وهذا يتطلب أهدافاً أكثر دقة.. رفع إنتاجية الفرد والدخل الحقيقي، تعميق مساهمة القطاعات غير النفطية والصادرات ذات القيمة المضافة، تطوير جودة التعليم والبحث العلمي والابتكار، زيادة عمق وكفاءة الأسواق المالية، تعزيز تنافسية المدن، جودة الحياة وكفاءة المؤسسات. ويمكن الذهاب أبعد من ذلك بوضع لوحة مؤشرات وطنية للتقدم، تختار المملكة من خلالها أهم عشرة أو عشرين مؤشراً عالمياً، وتحدد لكل منها ترتيباً مستهدفاً لعامي 2040 و2050. عندها يصبح الانتقال إلى مصاف الدول المتقدمة مشروعاً قابلاً للقياس والمساءلة، وليس مجرد وصف اقتصادي فضفاض. لكن ثمة نقطة أكثر أهمية.. لا ينبغي أن يصبح تحسين التصنيفات غاية بحد ذاته. الدولة المتقدمة ليست التي تتقدم في الجداول الدولية فقط، بل التي يشعر مواطنوها بنتائج ذلك في دخله، إنتاجيته، تعليمه، صحته وفرص أبنائه، ويشعر المستثمر فيها بسهولة المنافسة والنمو، ويستطيع اقتصادها الاستمرار والازدهار حتى عندما تتغير أسعار النفط أو تتعرض الأسواق العالمية للصدمات. رؤية 2030 أثبتت أن تحديد أهداف كبيرة ومعلنة يمكن أن يحرك مؤسسات واقتصاداً كاملاً في اتجاه واحد. وربما يكون التحدي السعودي التالي هو البناء على هذه التجربة وصياغة طموح لما بعدها. عندها لن يكون السؤال في مجالسنا.. هل السعودية دولة متقدمة؟ سيكون السؤال الأكثر أهمية.. ما الذي بقي أمامها لتصبح بين أكثر دول العالم تقدما؟

00:00 | 23-08-2026

السعودية والديون... لماذا لا تروي الأرقام الكبيرة القصة كاملة؟

كلما ارتفع الدين العام تتكرر النبرة التحذيرية... هل دخل الاقتصاد مرحلة الخطر؟ لكن السؤال الاقتصادي الأهم ليس... كم اقترضت الدولة؟ بل.. لماذا اقترضت، ما نسبة الدين إلى حجم اقتصادها، وأين ستُوظف الأموال؟ لو نظرنا إلى دول مجموعة العشرين، سنجد تفاوتاً هائلاً في نسب الدين إلى الناتج المحلي. فبينما تأتي اليابان عند نحو 204.4%، تقف المملكة العربية السعودية في المركز السابع عشر عند نحو 32.1%. هذا الفارق الكبير يوضح أن الاقتراض في حد ذاته لا يعني أزمة، و أن الرقم المجرد للدين لا يكفي للحكم على سلامة الاقتصاد. وصل الدين العام السعودي إلى نحو 1.685 تريليون ريال، منها قرابة 1.06 تريليون ريال دين داخلي و 624.9 مليار ريال دين خارجي. كما جرى تمويل عجز الميزانية في النصف الأول من 2026، البالغ نحو 160 مليار ريال، من خلال الاقتراض دون السحب من الاحتياطيات. قد تبدو هذه الأرقام كبيرة، لكنها تصبح أكثر وضوحاً عندما توضع في سياق حجم الاقتصاد. فالدين يعادل نحو 32.7% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة لا تزال منخفضة مقارنة بالعديد من الاقتصادات الكبرى التي تجاوزت فيها المديونية 100% من الناتج. لذلك لا ينبغي أن يقترن الاقتراض بالخوف تلقائياً، وإنما بالمساءلة عن كفاءته وعائده الاقتصادي. فالاقتراض لتمويل مصروفات لا ترفع القدرة الإنتاجية يختلف جذرياً عن الاقتراض الموجه إلى بنية تحتية، استثمارات، مشروعات تزيد الناتج، تنشط وتشرك القطاع الخاص وتخلق الوظائف والإيرادات المستقبلية. وهنا تبرز نقطة أكثر أهمية من حجم الدين نفسه.. من يحدد الحجم الأمثل للاقتراض؟ في تقديري، يجب أن يكون قرار حجم الاقتراض ونسبته جزءاً أصيلاً من التخطيط الاقتصادي للدولة، مرتبطاً بمستهدفات النمو، الاستثمار، التنويع الاقتصادي ومستهدفات رؤية السعودية 2030. لذلك ينبغي أن يكون لوزارة الاقتصاد والتخطيط دور محوري في تحديد الاحتياجات التمويلية المرتبطة بالخطة الاقتصادية، بينما تقوم وزارة المالية بدور المدير المالي للدولة من خلال تحديد أدوات التمويل، إدارة آجال الاستحقاق، تكلفة الدين، السيولة، والمخاطر المالية بأعلى درجات الكفاءة. الهدف ليس الوصول إلى أقل دين ممكن، كما أن ارتفاع القدرة على الاقتراض لا يعني البحث عن أكبر دين ممكن. الهدف هو الوصول إلى الدين الأمثل.. المستوى الذي يسرّع نمو الاقتصاد دون أن يهدد استدامته المالية. السعودية اليوم تمتلك اقتصاداً كبيراً، واحتياطيات، أصولاً سيادية، تصنيفاً ائتمانياً قوياً وقدرة جيدة على الوصول إلى أسواق الدين. وهذه عناصر تمنحها مساحة للحركة. لذلك، السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس هل 1.685 تريليون ريال رقم مخيف؟ بل.. كم ريالاً من الناتج الاقتصادي المستقبلي سنخلق مقابل كل ريال نقترضه اليوم؟ هنا فقط يصبح النقاش حول الدين نقاشاً اقتصادياً حقيقياً.

00:08 | 16-08-2026

تكلفة العامل بين التوطين وجذب الاستثمار.. هل حان وقت إعادة معايرة الأدوات ؟

في سباق جذب الاستثمار، لا تتنافس الدول اليوم على الإعفاءات الضريبية أو الحوافز المالية فحسب، بل على تكلفة ممارسة الأعمال بكامل عناصرها. ويظل عنصر تكلفة العامل أحد أكثر العوامل تأثيراً في قرارات المستثمرين، ليس من زاوية الأجر وحده، بل من زاوية ما يتحمله صاحب العمل من رسوم والتزامات نظامية لا ترتبط مباشرة بالإنتاجية. ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة شاملة لهيكل تكلفة العامل في المملكة، تقودها وزارة الاقتصاد والتخطيط ووزارة الاستثمار بالشراكة مع الجهات المعنية، ليس بهدف تخفيض الإيرادات الحكومية، وإنما لتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد السعودي في مواجهة مراكز صناعية إقليمية. لقد حققت المملكة خلال السنوات الماضية إنجازات استثنائية في بناء البنية التحتية، تطوير البيئة التشريعية وتحسين الخدمات اللوجستية، حتى أصبحت تمتلك واحدة من أكثر البيئات الاستثمارية استقراراً في المنطقة. كما أن نعمة الأمن والأمان، في وقت يشهد الخليج والعالم اضطرابات جيوسياسية غير مسبوقة، والموقع الجغرافي الذي يربط بين الشرق والغرب، يمثلان ميزتين إستراتيجيتين يصعب على كثير من الدول منافستهما. غير أن المستثمر الصناعي لا ينظر إلى هذه العوامل بمعزل عن تكلفة التشغيل طويلة الأجل، وفي مقدمتها تكلفة العامل. فالاستثمار الصناعي يختلف جذرياً عن الاستثمار في قطاع الخدمات. فالمصنع يبدأ باستثمار ضخم في الأراضي والمباني والآلات وخطوط الإنتاج، ويُبنى على أفق يمتد لعقود، وليس لسنوات قليلة. لذلك فإن أي زيادة دائمة في تكلفة التشغيل تصبح جزءاً من معادلة العائد على الاستثمار طوال عمر المشروع. أما قطاع الخدمات، فرأس ماله أقل، وقدرته على تعديل نموذج أعماله أو الانتقال بين الأسواق أعلى، وهو ما يجعل المقارنة بين القطاعين عند تصميم السياسات التنظيمية أمراً يحتاج إلى قدر أكبر من التخصيص. وفي معظم الاقتصادات المنافسة، تُحتسب التكاليف غير الأجرية كنسبة من الراتب، بحيث ترتفع وتنخفض مع مستوى الدخل. أما في السعودية، فقد بُني جزء من الرسوم تاريخياً على مبالغ ثابتة لكل عامل، بغض النظر عن أجره. والنتيجة، أن العامل منخفض الأجر يتحمل... اقتصادياً.. تكلفة نسبية أعلى بكثير من العامل مرتفع الأجر. وهذا يخلق أثراً تنازلياً على القطاعات كثيفة العمالة، وفي مقدمتها الصناعة، والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وهي القطاعات التي تُعد تاريخياً أكبر مولد للوظائف الجديدة وأكثرها استدامة. ومن هنا يبرز سؤال اقتصادي مشروع.. ماذا لو كانت هذه الرسوم مرتبطة بنسبة من الأجر بدلاً من كونها مبالغ مقطوعة؟ عندها ستصبح تكلفة التوظيف أكثر اتساقاً مع قدرة المنشأة على الدفع، وأكثر عدالة بين الوظائف المختلفة، كما ستخف الضغوط على الوظائف التي لا يقبل عليها المواطن أصلاً، دون أن تتراجع أهداف التوطين. ولا يقتصر الأمر على تكلفة العامل، بل يمتد إلى مراجعة أدوات سوق العمل نفسها، وفي مقدمتها نظام نطاقات. فقد طُوِّر هذا النظام قبل أكثر من عشر سنوات، في مرحلة كانت فيها بنية الاقتصاد وأولوياته مختلفة عما هي عليه اليوم. واليوم، وبعد إطلاق رؤية 2030، وظهور قطاعات اقتصادية جديدة، وتغير طبيعة الاستثمار العالمي، تبدو الحاجة قائمة لمراجعة الفكرة وآليات القياس، وليس الهدف الإستراتيجي للتوطين. فقد يكون من المناسب الانتقال تدريجياً من قياس يعتمد بصورة رئيسية على نسب التوطين الموحدة، إلى نموذج يأخذ في الاعتبار حجم الاستثمار، القيمة المضافة، الإنتاجية وعدد الوظائف المستدامة التي يخلقها المشروع. فالمصنع الذي يستثمر الملايين في أصول إنتاجية ويخلق وظائف مستقرة لعقود، لا يمكن تقييمه بالمعايير نفسها التي تُطبق على منشأة خدمية صغيرة تختلف تماماً في نموذج أعمالها. كما أن من المفيد دراسة أثر بعض الالتزامات الإضافية على تنافسية القطاع الصناعي، ومنها تكلفة التأمين الصحي، وإمكانية إعادة تصميم العلاقة بينها وبين الاشتراك في التأمينات الاجتماعيّة للعامل غير السعودي، بما يحافظ على جودة التغطية الصحية ويخفف في الوقت ذاته من تكلفة الإنتاج كمثل. فهذه المراجعات ليست تنازلاً عن حقوق العامل، بل جزء من تحسين كفاءة بيئة الأعمال. ومن الإنصاف الإشارة إلى القرار الحكيم بإلغاء المقابل المالي السنوي على رخص العمل للقطاع الصناعي، وهو قرار يعكس إدراكاً لأهمية هذا القطاع في تحقيق مستهدفات التنويع الاقتصادي. إلا أن هذه الخطوة يمكن أن تكون بداية لمراجعة أوسع لبقية عناصر تكلفة العامل، بما يحقق التوازن بين أهداف التوطين وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة الوطنية. كما يجدر النظر إلى التجارب الإقليمية. المستثمر يقارن بين التكلفة الكلية للتشغيل عند اتخاذ قراره الاستثماري. وفي النهاية، فإن نجاح سياسات التوطين لا يُقاس فقط بعدد الوظائف التي تُخلق اليوم، بل أيضاً بعدد المصانع التي تُبنى اليوم وتستمر في التوسع بعد عشرين وثلاثين عاماً. فالاستثمار الصناعي هو استثمار في وظائف دائمة، في نقل التقنية، بناء سلاسل إمداد وطنية وفي رفع المحتوى المحلي. إن مراجعة تكلفة العامل، تحديث أدوات التوطين وإعادة تقييم نظام نطاقات بعد أكثر من عقد على إطلاقه، لا تمثل تراجعاً عن الأهداف الوطنية، بل تعكس نضجاً في صناعة السياسات الاقتصادية. فالسياسات الناجحة هي تلك التي تتطور مع تغير الواقع، وتحافظ على غاياتها مع تحديث وسائلها. وإذا كانت المملكة قد نجحت في بناء بيئة آمنة، مستقرة ومتصلة بالعالم... فإن الخطوة التالية هي ضمان أن تكون أيضاً الأكثر تنافسية في تكلفة الإنتاج، لأن الاستثمار الذي يأتي اليوم هو الذي يصنع وظائف الغد ويؤسس لاقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.

00:00 | 9-08-2026

من الرؤية إلى التنفيذ.. هل حان الوقت لتطوير نموذج الإنجاز؟

منذ إطلاق رؤية المملكة العربية السعودية 2030، بقيادة سمو ولي العهد الأمير المقدام محمد بن سلمان، انتقلت المملكة من مرحلة التخطيط الطموح إلى مرحلة التنفيذ واسع النطاق. ولم تعد الرؤية مجرد إطار إستراتيجي، بل مشروعاً وطنياً أعاد صياغة أولويات التنمية، ورفع سقف الطموح، وأطلق حراكاً اقتصادياً واجتماعياً غير مسبوق. واليوم، وبعد أن أصبحت العديد من مستهدفاتها واقعاً ملموساً، تبدو المرحلة المقبلة أكثر ارتباطاً بجودة التنفيذ واستدامته من ارتباطها بصياغة الأهداف. لقد أثبتت التجارب العالمية أن الرؤى الكبرى لا تحقق نجاحها بالتخطيط وحده، بل بامتلاك آليات تنفيذ تتطور باستمرار. فكلما تقدم المشروع الوطني، أصبحت الحاجة أكبر إلى أدوات أكثر مرونة، وأسرع في نقل المعرفة، وأكثر قدرة على التعامل مع التحديات اليومية التي لا تظهر في التقارير، بل في مواقع العمل. ومن هذا المنطلق، قد يكون من المناسب التفكير في تطوير نموذج التنفيذ، عبر الانتقال التدريجي من الاعتماد التقليدي على المكاتب الاستشارية إلى فرق إدارة مشاريع مشتركة، تضم ممثلين عن الجهات الحكومية والقطاع الخاص، إلى جانب خبرات دولية سبق لها تنفيذ مشروعات مماثلة في القطاعات نفسها، سواء في القطاع العام أو الخاص. فالقيمة المضافة هنا لا تكمن في تقديم توصيات جديدة، وإنما في مشاركة خبرات عملية تراكمت من خلال مواجهة تحديات حقيقية وإيجاد حلول قابلة للتطبيق. وتقدم التجربة السنغافورية مثالاً جديراً بالتأمل. فقد بُني نجاحها الاقتصادي على مؤسسات تنفيذية عالية الكفاءة، عملت وفق رؤية موحدة تربط الاستثمار بالتعليم، والابتكار، والبنية التحتية، وتنمية رأس المال البشري. كما تبنت نهجاً يقوم على استهداف قطاعات اقتصادية محددة، وتخصيص فرق حكومية ترافق المستثمر منذ مرحلة التخطيط وحتى بدء التشغيل، بما يضمن سرعة الإنجاز، وتقليل التعقيدات، وتحقيق قيمة اقتصادية طويلة الأجل. وقد أسهم هذا النموذج في جعل سنغافورة واحدة من الدول الأعلى عالمياً في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، مع قدرة لافتة على الحفاظ على استمرارية السياسات الاقتصادية عبر تعاقب القيادات وبدون بهرجة إعلاميّة. ولا يعني ذلك استنساخ تجربة بعينها، فلكل دولة خصوصيتها وإمكاناتها وأولوياتها. إلا أن الاستفادة من أفضل الممارسات العالمية أصبحت جزءاً من تنافسية الدول، خصوصاً عندما تُكيف بما يتناسب مع البيئة المحلية، وتتكامل مع الخبرات الوطنية التي تمتلك المعرفة الأعمق باحتياجات المملكة. لقد أرست رؤية 2030 الأساس لتحول تاريخي، ورسخت ثقافة الإنجاز والطموح. وربما تمثل المرحلة المقبلة فرصة لتطوير آليات التنفيذ ذاتها، بحيث يصبح نقل الخبرة العالمية جزءاً من بناء القدرات الوطنية، وتتحول فرق المشاريع إلى منصات لتبادل المعرفة وصناعة الحلول، لا مجرد جهات للإشراف والمتابعة. إن نجاح الرؤى لا يُقاس فقط بما تحققه من مشاريع، بل بقدرتها على بناء مؤسسات تتعلم، وتطور أدواتها، وتبتكر أساليب تنفيذ تواكب حجم الطموح. وهذه، في تقديري، هي المرحلة الطبيعية التالية لمسيرة تقودها رؤية واضحة، وتدعمها قيادة جعلت من الطموح معياراً للإنجاز، ومن المستقبل مشروعاً يُبنى بخطوات عملية ومدروسة.

00:00 | 2-08-2026

تطوير الإستراتيجية الصناعية السعودية يبدأ بمكونات السيارات..

تتجه دول العالم اليوم إلى إعادة رسم إستراتيجياتها الصناعية على أساس القيمة المضافة، وليس مجرد امتلاك خطوط الإنتاج النهائية. وفي هذا السياق، تبدو المملكة العربية السعودية أمام فرصة تاريخية لبناء صناعة سيارات مستدامة، لكن السؤال الأهم.. هل نصنع السيارات؟ أم من أين نبدأ؟ التجارب الصناعية الكبرى تؤكد، أن النجاح لا يبدأ من مصانع التجميع، وإنما من بناء قاعدة صناعية عميقة للمكونات والأجزاء. فالسيارة التقليدية تتكون، بالوزن، من نحو 50 إلى 65% من الفولاذ والحديد، و10 إلى 15% من البلاستيك والبوليمرات، و8 إلى 12% من الألمنيوم، إضافة إلى المطاط والزجاج والنحاس والمواد الكيميائية. وهذه المواد تمثل في الواقع نقاط قوة تمتلك المملكة فيها ميزات نسبية واضحة، سواء في الألمنيوم، أو الصناعات البتروكيماوية، أو التعدين والطاقة. بدلاً من استثمار مليارات الريالات في إنشاء مصانع لتجميع سيارات تستهدف سوقاً محلية لا يتجاوز حجمها نحو 600 ألف سيارة سنوياً، قد يكون من الأكثر جدوى توجيه الاستثمار نحو إنشاء مئات المصانع المغذية لصناعة السيارات. مصانع تنتج الأجزاء المعدنية، والمكونات البلاستيكية، والأنظمة المطاطية، والأسلاك، والدهانات الصناعية، اللواصق، والأجزاء الكهربائية، لتصبح مورداً معتمداً لكبرى شركات السيارات العالمية. الحصول على الاعتماد الرسمي من المصنعين العالميين هو التحدي الحقيقي، لكنه أيضاً الأصل الصناعي الأكثر قيمة. فعندما تصبح المنتجات السعودية جزءاً من سلاسل الإمداد العالمية، فإنها لا تخدم السوق المحلية فقط، بل تدخل إلى ملايين السيارات التي تُنتج سنوياً حول العالم، وتخلق قطاعاً صناعياً واسعاً يوفر آلاف الوظائف ذات القيمة المضافة، ويولد طلباً مستداماً على الصناعات الوطنية. التحدي كبير، ولذلك فإن التمكين المالي، والحوافز الاستثمارية، وبرامج نقل التقنية، يجب أن تكون في صميم الإستراتيجية الصناعية المقبلة. فبناء منظومة مورّدين عالميين يحتاج إلى تمويل طويل الأجل، ومراكز للاختبارات والاعتماد، وشراكات مع الشركات الدولية، إضافة إلى تطوير الكفاءات البشرية والهندسية. كما أن مراجعة مستهدفات صناعة السيارات الكهربائية تبدو خطوة منطقية. فالتحول إلى المركبات الكهربائية يمثل المرحلة التالية، وليس نقطة البداية. الصين، التي أصبحت اليوم أكبر منتج للسيارات في العالم بإنتاج يقارب 34 مليون سيارة سنوياً، وسوق تتجاوز 1.4 مليار نسمة، وأكثر من 100 شركة لتجميع السيارات، لم تصل إلى هذه المكانة بين ليلة وضحاها. فقد بدأت نهضتها الصناعية الحديثة عام 1978، بينما انطلقت إستراتيجيتها المركزة في السيارات الكهربائية بعد عام 2015، بعد أن امتلكت قاعدة صناعية هائلة في الصناعات التقليدية وسلاسل الإمداد. في المقابل، يبلغ عدد سكان المملكة نحو 35 مليون نسمة، وهي سوق مهمة لكنها لا تكفي وحدها لبناء صناعة تجميع ضخمة قادرة على المنافسة العالمية. كما أن تجربة أستراليا تقدم درساً مختلفاً، فعلى الرغم من وجود مصانع تجميع، فإنها أوقفت صناعة السيارات لعدم قدرتها على تحقيق الجدوى الاقتصادية أمام المنافسة الدولية.. لذلك، قد يكون الطريق الأقصر والأكثر استدامة هو الاستفادة من الخبرات العالمية التي خاضت تجارب ناجحة، والاستعانة بقيادات صناعية بارزة مثل كارلوس غصن وغيره، لوضع خارطة طريق واقعية تبدأ من الصناعات المغذية، ثم بناء شبكة مورّدين سعوديين معتمدين، مع تشجيع استخدام المكونات المحلية في السيارات المستوردة كلما أمكن ضمن الأطر النظامية والاتفاقيات التجارية. وعندما تنضج هذه المنظومة الصناعية، وتثبت قدرتها على المنافسة عالمياً، يصبح الانتقال إلى تجميع السيارات خطوة طبيعية، وليس مغامرة مكلفة. فالصناعة لا تُقاس بعدد السيارات التي تحمل شعار «صنع في السعودية»، بل بعدد المصانع التي تعمل خلف كل سيارة تُصنع في العالم. وهذه هي الصناعة التي تستحق أن تكون في قلب الإستراتيجية الصناعية السعودية المقبلة.

00:02 | 26-07-2026

الصناعة السعودية أمام لحظة الحقيقة

يمثل قرار إسناد وزارة الصناعة والثروة المعدنية إلى الأمير عبدالعزيز بن سلمان، إلى جانب وزارة الطاقة، أكثر من مجرد تعديل وزاري. إنه إعلان بأن المملكة تنظر إلى الصناعة بوصفها المرحلة التالية في قصة التحول الاقتصادي، وأن الطاقة لم تعد غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لبناء اقتصاد صناعي أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة. لكن نجاح هذه الخطوة لن يقاس بعدد المبادرات الجديدة، بل بقدرتها على مراجعة السياسات القائمة بشجاعة. فالصناعة السعودية لا تعاني اليوم من نقص في الإستراتيجيات أو الخطط، وإنما من فجوة بين الطموح والتنفيذ. أقول ذلك وأنا أستحضر موقفاً شخصياً لا يزال عالقاً في ذاكرتي. قبل خمسة عشر عاماً، عندما كنت رئيس اللجنة الصناعية بغرفة الشرقية، تلقيت اتصالاً من الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وكان آنذاك مسؤولاً في وزارة البترول. سألني بكل تواضع: كيف تنظمون ملتقى صناعياً دون إشراك الوزارة أو حتى دعوتها؟ اعتذرت له معترفاً بالتقصير، لكن ما بقي في ذهني لم يكن السؤال، بل أسلوبه. قائد يختار الحوار قبل اللوم، والاستماع قبل إصدار الأحكام. لذلك أجد من واجبي أن أطرح أمامه ما أعتقد أنه يمثل أولويات المرحلة المقبلة.

أولى هذه الأولويات هي إعادة تعريف دور صندوق التنمية الصناعي. الصندوق الذي كان يوماً شريكاً في بناء الصناعة الوطنية أصبح، في نظر كثير من المستثمرين، أقرب إلى بنك تجاري شديد التحفظ. وإذا تحول الممول التنموي إلى مؤسسة لا تختلف في فلسفتها عن البنوك، فمن سيقبل تمويل المخاطرة الصناعية التي تحتاجها المملكة؟ أما هيئة المحتوى المحلي، فرغم نجاحاتها الواضحة، فإن أثرها لا يزال يتركز على الحلقة الأخيرة من سلسلة القيمة، بينما الموردون المحليون الذين يغذون تلك المصانع لا يحصلون على الحوافز ذاتها. والمحتوى المحلي الحقيقي لا يبدأ عند المصنع النهائي، بل عند أول قطعة تدخل في عملية الإنتاج. كما أن تضخم الاستعانة بالجهات الاستشارية الخارجية في بعض الجهات التابعة للوزارة خلق تكلفة إضافية يدفعها المستثمر، في وقت تتنافس فيه المملكة مع دول تسابق الزمن لتقليل الأعباء على الصناعة لا زيادتها. وهناك أيضاً ملفات تحتاج إلى مراجعة صريحة، من الرسوم الجمركية في ظل التزامات منظمة التجارة العالمية التي لم تعد تُطبِّقها كثيرٌ من الدول الأعضاء، إلى برامج هيئة تنمية الصادرات التي تبدو أكثر تعقيداً من أن تستفيد منها المنشآت الصناعية المتوسطة والصغيرة، مروراً بالإستراتيجية الوطنية للصناعة التي تستحق تقييماً شفافاً: ماذا تحقق؟ وما الذي تعثر؟ وما الذي يجب أن يتغير؟ ثم تأتي المشاريع العملاقة لرؤية 2030، وهي ربما أكبر فرصة صناعية في تاريخ المملكة. السؤال لم يعد: كم سننفق؟ بل، كم منتجاً سعودياً ستولده هذه المشاريع؟ وكم مصنعاً وطنياً سينمو بفضلها؟ فإذا لم تتحول هذه المشروعات إلى محرك لبناء سلاسل إمداد وطنية، فإننا سنكون قد فوتنا فرصة قد لا تتكرر. قبل خمسين عاماً، كان مركز الأبحاث والتنمية الصناعية يرسل خبراء إلى المصانع، يعملون معها وجهاً لوجه لحل المشكلات ورفع الكفاءة. ربما نحتاج اليوم إلى استعادة تلك الفلسفة، ولكن بأدوات العصر.. فرق مستقلة تنزل إلى أرض المصنع، تستمع، وتقيس، وتقترح، بعيداً عن التقارير المكتبية. الصناعة السعودية لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى مراجعة صادقة للسياسات التي لم تعد تحقق أهدافها. وإذا كان هناك مسؤول قادر على قيادة هذه المراجعة دون حساسية فالأمير عبدالعزيز بن سلمان، بما عرف عنه من معرفة عميقة بالقطاع، وقدرة على الاستماع، وشجاعة في اتخاذ القرار، هو الأمل الذي نحلم به. فالمرحلة المقبلة يجب ألا تكون مرحلة إدارة الصناعة، بل إعادة اكتشافها.

00:00 | 19-07-2026

6 سنوات بعد التحوّل الصناعي... هل حان وقت مراجعة الأثر؟

في عام 2020، لم يكن تغيير مسمى «البرنامج الوطني لتطوير التجمعات الصناعية» إلى «المركز الوطني للتنمية الصناعية» مجرد تعديل إداري، بل إعلان عن تحوّل في فلسفة السياسة الصناعية السعودية. انتقلت المهمة من دعم مبادرات متفرقة إلى قيادة التنمية الصناعية، مع استقلال مالي وإداري، وارتباط مباشر بمنظومة تحقيق مستهدفات رؤية 2030. بعد مرور ست سنوات، لم يعد السؤال... هل كان القرار صحيحاً؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية.. كيف نقيس نجاحه؟ في الاقتصادات المتقدمة، لا تُقاس المؤسسات بعدد المبادرات ولا بحجم الإنفاق، وإنما بقدرتها على تحقيق نتائج قابلة للقياس. كم مصنعاً دخل مرحلة الإنتاج ؟ كم بلغت قيمة الاستثمارات الصناعية الجديدة ؟ كم ارتفعت الصادرات الصناعية ؟ ما نسبة المكوّنات المحلية ؟ وما العائد الاقتصادي لكل ريال أُنفق على التمكين ؟ الأهم من ذلك، هل توجد مراجعة مستقلة للأداء ؟ وهل تُنشر مؤشرات الإنجاز للرأي العام وللصناعيين ؟ فالشفافية ليست مجرد ممارسة إدارية، بل أداة لتصحيح المسار وبناء الثقة بين القطاعين العام والخاص. هناك سؤال آخر لا يقل أهمية.. هل نستمع فقط إلى الشركات التي نجحت، أم نستمع أيضاً إلى من لم ينجح ؟ المستثمر الذي ألغى مشروعه، أو نقل استثماره إلى دولة أخرى، أو اصطدم بعوائق تنظيمية، يملك من المعلومات ما قد يفوق أحياناً قصص النجاح نفسها. الاقتصادات الناجحة تعتبر الإخفاق مصدراً للتعلم، لا ملفاً يُغلق. وتقدم الصين مثالاً واضحاً على ذلك. فنجاحها الصناعي لم يكن نتيجة انخفاض الأجور كما يُعتقد غالباً، بل نتيجة مراجعات مستمرة للسياسات الصناعية على مدى أربعة عقود.. بنت الحكومة بنية تحتية ضخمة، وطورت سلاسل إمداد محلية، وشجعت التخصص الجغرافي، وسمحت باندماجات صناعية عزّزت الكفاءة، ثم انتقلت تدريجياً من العمالة منخفضة التكلفة إلى التصنيع المتقدم والروبوتات والذكاء الاصطناعي. كانت الخطة تتغيّر كلما تغيّر العالم. وهذا يقود إلى السؤال... هل القطاعات الخمسة التي حُددت قبل ست سنوات ما زالت تمثل الأولويات نفسها، أم أن التحوّلات العالمية تستدعي مراجعة جديدة ؟ في صناعة السيارات، تبدو الطموحات كبيرة، لكن النجاح في هذا القطاع لا يقاس بعدد مصانع التجميع، بل بوجود منظومة صناعية متكاملة من الموردين المحليين، ومراكز البحث والتطوير، وسلاسل الإمداد، والقدرة على المنافسة في التكلفة والجودة. الصين لم تصبح أكبر منتج للسيارات بقرار واحد، بل ببناء آلاف المصانع المغذية قبل أن تبني العلامات التجارية. وفي قطاع المعادن، يبرز سؤال القيمة المضافة. هل ما زلنا نصدّر المواد الخام، أم نجحنا في تصنيع منتجات نهائية ذات قيمة أعلى ؟ أما في الكيماويات، فهل ارتفع تنوع المنتجات، أم أن النمو لا يزال يعتمد على الصناعات التقليدية ؟ في المقابل، تبدو الطاقة وتحلية المياه نموذجاً مختلفاً، حيث تمتلك المملكة مزايا تنافسية واضحة، وخبرة متراكمة، وشركات وطنية أثبتت قدرتها على المنافسة عالمياً. والسؤال هنا لم يعد عن النجاح، بل عن كيفية تعظيمه وتحويله إلى صناعات تصديرية جديدة. أما الصناعات الدوائية والتقنية الحيوية، فقد استفادت بوضوح من سياسات المحتوى المحلي وأفضلية المنتج الوطني في المشتريات الحكومية، وهي خطوة أثبتت فعاليتها. لكن يبقى السؤال الأهم.. هل امتدت هذه الاستفادة إلى المصانع التي تزوّد القطاع بالمواد الخام والمكوّنات والخدمات الصناعية ؟ أم أن سلسلة القيمة ما زالت تعاني فجوات تحد من تعميق الصناعة المحلية ؟ وربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو.. هل ينبغي الاكتفاء بمراجعة أداء القطاعات الحالية، أم أن الوقت قد حان لإضافة قطاعات جديدة، مثل أشباه الموصلات، والمواد المتقدمة، والتصنيع الرقمي، والروبوتات الصناعية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت تشكّل محور المنافسة الصناعية العالمية ؟ ولا يمكن فصل هذا النقاش عن دور وزارة الاستثمار. فما حدود مسؤوليتها في جذب المستثمر الصناعي ؟ وأين يبدأ دور المركز الوطني للتنمية الصناعية ؟ وهل توجد مؤشرات مشتركة تقيس رحلة المستثمر منذ اتخاذ قرار الاستثمار وحتى تشغيل المصنع ؟ فنجاح السياسة الصناعية لا يعتمد على كفاءة كل جهة منفردة، بل على تكامل الأدوار بين الجهات الحكومية. ويبقى السؤال الأهم... كيف يستطيع الصناعي السعودي والدولي الاطلاع على الأرقام الحقيقية ؟ كم مشروعاً نجح ؟ وكم مشروعاً تعثر ؟ وما أسباب التعثر ؟ وما نسبة تحقيق المستهدفات مقارنة بما كان مخططاً له في عام 2020 ؟ فالأرقام ليست مجرد وسيلة للتقييم، بل هي اللغة التي تبني الثقة، وتجذب المستثمر، وتساعد صانع القرار على تصحيح المسار. بعد ست سنوات، قد يكون الإنجاز الحقيقي ليس في الدفاع عن السياسات، ولا في انتقادها، بل في إخضاعها لمراجعة مهنية مستقلة، تقيس النتائج، و تقارنها بالتجارب الدولية، وتعيد رسم الأولويات إذا استدعت الظروف ذلك. فالدول الصناعية الكبرى لم تصل إلى ما وصلت إليه لأنها تمسكت بخططها، بل لأنها امتلكت الشجاعة لتعديلها عندما تغيّر العالم.

00:02 | 12-07-2026