في التعليم، لا يبدأ الانحدار من نقص الموارد، ولا من ضعف الإمكانات، وإنما من لحظة صغيرة.. حين نقرر أن «نُجمّل الحقيقة»!
حين نقول: لا بأس، لن تُحدث هذه المرة فرقاً. لكنها تفعل. تفعل أكثر مما نتصور!
دعونا نواجه السؤال بصراحة:
كم مرة قلنا إن نسبة الغياب «محدودة»، بينما المقاعد الفارغة تروي حكاية أخرى؟
وكم مرة رُفعت التقارير بلغة مطمئنة، بينما الواقع داخل الفصول يئنّ بصمت؟
وكم مرة مُنحت درجات لا تعكس مستوى الطالب الحقيقي، فقط لأننا لا نريد فتح أبواب «لماذا؟» و«كيف؟» و«من المسؤول؟»
هذه ليست حالات فردية عابرة.. هي نمط يتكرر، وثقافة تتسلل بهدوء!
مدارسنا -في كثير من الأحيان- لا تتجنب الحقيقة لأنها لا تعرفها، ولكن لأنها تعرف كلفتها!
الصدق في التعليم اليوم ليس مجرد فضيلة، هو «مخاطرة إدارية». لأن قول الحقيقة قد يفتح سلسلة لا تنتهي من الإجراءات؛ مساءلات، خطط علاجية، زيارات إشرافية، تقارير إضافية، وضغوط متراكمة على المدرسة والمعلم.
ولأن النظام -في بعض صوره- يُثقل على من يقول الحقيقة، ويُريح من يُجمّلها.. يصبح الكذب خياراً عملياً، لا أخلاقياً فقط.
نكتب: «الغياب ضمن الحدود الطبيعية»، لنغلق ملفاً قد يُفتح على اتساعه!
ونرفع الدرجات، لئلا ندخل في دوامة الرسوب وما يتبعها من خطط وإجراءات!
نُظهر مؤشرات مطمئنة، لأن المؤشر الصادق قد يتحول إلى عبء يومي لا يُحتمل!
وهنا تكمن المفارقة القاسية: نحن لا نكذب لنخدع، بل لننجو. لكن.. من ينجو؟ ومن الذي يدفع الثمن؟
حين نكذب في أرقام الغياب، فإننا لا نُخفي رقماً، بل نُخفي مشكلة سلوكية وتربوية تتفاقم.
وحين نُجمّل الدرجات، فإننا لا نُكرم الطالب، ولكن نُخدّره، ونؤجل صدمته إلى مرحلة أكثر قسوة.
وحين نرفع تقارير مطمئنة، فإننا لا نُريح النظام، بقدر ما نحرمه من رؤية الحقيقة التي يحتاجها ليُصلح نفسه.
وفي سياق الحديث عن المصداقية في ممارساتنا التعليمية، تبرز اختبارات «نافس» -التي قدمت مؤخراً في مدارسنا-، كنموذج دالّ على هذه المفارقة.
فـ«نافس» وُجدت في الأصل لغاية نبيلة؛ لقياس نواتج التعلّم، وبناء صورة دقيقة عن مستوى الطلبة، بما يُمكّن من تحسين الأداء، وتوجيه الدعم، وصناعة قرار تعليمي قائم على بيانات حقيقية. وهذا في جوهره توجه صحيح وضروري لأي نظام يسعى للتطور.
لكن.. حين تتحول نتائج «نافس» إلى معيار ضغط، ومؤشر يُحاسَب عليه الميدان أكثر مما يُدعَم من خلاله، تبدأ الإشكالية!
ففي بعض الممارسات الميدانية، لم تعد «نافس» أداة تشخيص.. لكنها تحوّلت إلى سباق تحسين صورة.
نُدرّب الطلبة على نماذج متوقعة، لا على مهارات حقيقية. ونُركّز على «كيف نرفع النتيجة»، أكثر من «كيف نرفع المستوى».
وأحياناً.. نُمارس أشكالاً مختلفة من التجميل غير المباشر، لأن انخفاض النتيجة لا يُفهم دائماً كفرصة تطوير، إنما كإخفاق يجب تجنّبه!
وهنا، تعود ذات الدائرة: حين تكون كلفة الحقيقة مرتفعة، تصبح الممارسات الرمادية أكثر حضوراً.
المفارقة أن «نافس»، التي جاءت لتقيس الواقع، قد تُسهم -إن أُسيء استخدامها- في إخفائه.
لا لأنها أداة خاطئة، ولكن لأن البيئة المحيطة بها لم تُصمّم لتحمّل نتائجها بصدق.
ولهذا، فإن إصلاح أثر «نافس» لا يكون بإلغائها، إنما بإعادة تعريف علاقتنا بها؛ أن نراها أداة تعلّم، لا أداة محاسبة. وأن تُستخدم نتائجها لبناء خطط دعم حقيقية، لا لإصدار أحكام سريعة. وأن يُطمْأَن الميدان بأن انخفاض النتيجة هو بداية العمل، لا بداية اللوم.
حينها فقط.. تستعيد «نافس» معناها الحقيقي: مرآة صادقة، لا قناعاً إضافياً!
إن أخطر ما في الكذب التعليمي، أنه لا ينهار فجأة.. بل يتراكم بهدوء، حتى يصبح واقعاً مقبولاً. ثم معياراً. ثم ثقافة!
نصل إلى مرحلة يُصبح فيها الصادق «مزعجاً»، لأنه يُربك الصورة العامة. ويُنظر إلى المدرسة التي تُظهر مشكلاتها بصدق، على أنها «أقل جودة»، لا أكثر شفافية. بينما تُكافأ المدرسة التي تُحسن العرض، لا التي تُحسن العمل. وهنا يختل الميزان!
المعلم، الذي يُفترض أن يكون حامل رسالة، يجد نفسه بين خيارين؛ أن يكون صادقاً فيُثقل، أو مرناً فيُريح!
والمدرسة، التي يُفترض أن تكون بيئة تعلم حقيقية، تتحول أحياناً إلى مساحة إدارة مؤشرات، لا بناء إنسان.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:
لا يمكن أن «ننجو» في التعليم، ونحن نكذب عليه.
لا يمكن أن نُصلح نظاماً، ونحن نُخفي أعطاله.
ولا يمكن أن نبني مخرجات حقيقية، ونحن نُغذيها ببيانات غير حقيقية. فالتعليم، بطبيعته، لا يستجيب للتجميل.. بل للإصلاح.
ولنكن أكثر إنصافاً: لا يمكن أن نطالب الميدان بالصدق، ثم نُحمّله وحده تبعاته.
وليتنا حين يُبلّغ المعلم عن ضعف طلابه، فلا يجب أن يُثقل بسلسلة لا تنتهي من الإجراءات التي تستهلك وقته وجهده.
وحين تُظهر المدرسة نسب غياب مرتفعة، فلا ينبغي أن تُعامل كمتهمة، نعاملها كشريك في تشخيص المشكلة. وحين يُسجّل الرسوب بصدق، يجب أن يُنظر إليه كفرصة تدخل، لا كإخفاق إداري.
ولابد أن نعرف أن المشكلة ليست في الصدق.. ولكن في كلفة الصدق.
ولهذا، فإن إعادة المصداقية إلى التعليم، لا تبدأ بنداء أخلاقي فقط، تبدأ بإعادة تصميم الأنظمة بحيث تحمي الصادق، لا تُرهقه. وتُكافئ من يكشف الخلل، لا من يُخفيه.
نحن بحاجة إلى بيئة تقول للمدرسة: «قولوا الحقيقة.. ولن نُحاسبكم عليها، لإننا سنعمل معكم عليها».
وبحاجة إلى ثقافة تُدرك أن الأرقام الجميلة لا تعني تعليماً جيداً، وأن الواقع -مهما كان صعباً- هو نقطة البداية لأي إصلاح.
دعونا لا نكذب في تعليمنا.. ليس لأن الكذب خطأ فقط، لأنه يُعطّلنا. يُبقينا في المكان ذاته، بينما نظن أننا نتقدم.
صحيح أن الصدق أحياناً مؤلم.. نعم. لكنه الطريق الوحيد للنهوض.
أما الكذب، فمريح.. لكنه الطريق الأسرع للانحدار.
وبين الألم المؤقت، والراحة المضللة.. يُكتب مستقبل التعليم.