أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1885.jpg?v=1772116948&w=220&q=100&f=webp

خالد الباتلي

انتهى المؤتمر.. ماذا بدأ بعده؟

في بلادنا حراك واسع يستحق أن نعتز به؛ مؤتمرات ومنتديات ومعارض في الاقتصاد والثقافة والتعليم والتنمية، وعناوين تستشرف المستقبل، ومنصات تستضيف الخبراء، وفرص للقاء وتبادل المعرفة. لكن الاعتزاز بهذا الحراك لا يعفينا من سؤال استحقاقه: ماذا تغيّر بسببه؟ ماذا بقي في حياتنا ومؤسساتنا وأسواقنا بعد أن أُطفئت الشاشات، وغادر الضيوف، وفُككت الأجنحة؟


نحتاج إلى أن نسأل عن كل مؤتمر: أي مشكلة ساهم في حلها؟ وعن كل منتدى: أي قرار أصبح أفضل بفضل ما طُرح فيه؟ وعن كل معرض: ماذا أضاف إلى القطاع الذي يحمل اسمه؟ فنجاح التنظيم، على أهميته، لا يكفي لإثبات جدوى الحدث. قد تُدار فعالية بإتقان، ويخرج ضيوفها راضين، وتنتشر صورها، ثم ينتهي أثرها عند أبواب القاعة.


المشكلة تبدأ حين تتحول إقامة الحدث إلى غاية، ويصبح البحث عن مبرراته عملًا لاحقًا. يُحجز المكان، وتُختار الشركة، وتُصمم الهوية، ثم تُجمع الموضوعات والمتحدثون لملء البرنامج. عندها تقود متطلبات العرض محتوى اللقاء، ويتقدم ما يصلح للتصوير على ما يستحق النقاش، ويصبح إعلان التوصيات آخر فقرات الحفل، مع أنه يفترض أن يكون بداية العمل الحقيقي.


التوصية التي لا يعرف أحد مسؤول تنفيذها، وموعد إنجازها، وطريقة قياس نتائجها، لا تستحق كل هذا الاحتفاء. وإعلان الاتفاقيات لا يثبت وحده أن شيئًا تحقق؛ قيمتها فيما نُفذ منها، وفيما أضافته إلى المستفيدين. من حقنا أن نقرأ، قبل الإعلان عن النسخة الجديدة، تقريرًا واضحًا عما أنجزته النسخة السابقة: ما الذي تحقق؟ وما الذي تعثر؟ ولماذا؟ وما الذي تعلمه المنظمون؟


أما الأرقام التي تتصدر تقارير الفعاليات فتحتاج إلى مساءلة جادة. عدد الحضور، وحجم الوصول الإعلامي، وساعات البث، وعدد الجلسات، كلها تصف النشاط، لكنها لا تكفي لقياس أثره. يمكن أن تمتلئ القاعة دون أن تتقدم المعرفة خطوة، وأن تتضاعف المشاهدات دون أن تتغير ممارسة واحدة. وحين تضع الشركة المنظمة المؤشرات، وتجمع بياناتها، وتكتب تقرير نجاحها، يصبح التقييم محتاجًا إلى جهة مستقلة تتحقق منه. لا يجوز أن يتحول التقرير إلى مادة تسويقية ترتدي هيئة التقييم المهني.


ومن هنا تأتي أهمية ارتباط كل حدث معرفي بجامعة أو مؤسسة أكاديمية أو مركز بحثي مؤهل. ارتباط يبدأ من صياغة الأسئلة، واختيار الموضوعات والمتحدثين، ومراجعة الأوراق، وينتهي بتوثيق النتائج ومتابعتها. وضع شعار جامعة على لوحة الرعاة لا يضمن العلمية؛ الذي يضمنها مشاركة معرفية فعلية، وصلاحية للمراجعة والاعتراض، واستقلال يحمي المحتوى من المجاملة ومصالح التسويق.


نريد جلسات تضيف، ومتحدثين لديهم ما يقدمونه، ونقاشات تسمح بالسؤال الصعب. أما تدوير الأسماء نفسها بين المنصات، واستضافة ضيوف يكررون أحاديث عامة تصلح لكل مناسبة، فيستهلك وقت الجمهور ومال الجهة دون عائد يوازيهما. الضيافة جزء محترم من ثقافتنا، لكنها لا تصلح معيارًا لبناء برنامج علمي. والمنصة مسؤولية، وليست مكافأة على الحضور الاجتماعي.


ويستحق التكرار السنوي سؤالًا صريحًا: لماذا كل عام؟ بعض المعارض التجارية والفعاليات المهنية تحتاج إلى دورة سنوية تفرضها طبيعة السوق، لكن مؤتمرًا يناقش تحولات كبرى قد يحتاج إلى أربع سنوات حتى تتراكم تجربة تستحق عرضه من جديد. الفترة بين دورتين ينبغي أن تكون زمنًا للتنفيذ والبحث والتقييم، حتى تأتي النسخة التالية وفي يدها نتائج جديدة، لا عنوان جديد يغطي المحتوى نفسه. الأصل أن تُحدد دورية الحدث بحسب حاجته وأثره، وأن يثبت المنظم مبرر تكراره.


كذلك لا يصح أن تُترك روزنامة الفعاليات للمصادفات والتنافس على المواعيد. ازدحام أسبوع واحد بعدة أحداث كبرى يشتت الجمهور والخبراء والإعلام، ويضعف نصيب كل حدث من الاهتمام. نحتاج إلى تنسيق وطني يراعي القطاعات والفئات المستهدفة، وإلى توزيع أوسع على مدننا وفق ميزاتها وجامعاتها واقتصاداتها المحلية. فالمدينة المستضيفة ينبغي أن تستفيد معرفيًا وتنمويًا، وأن يشارك أهلها ومؤسساتها في الحدث، لا أن تكون موقعًا مؤقتًا لاستقبال القادمين.


وهناك سؤال لا ينبغي أن تحجبه فخامة المشهد: من يتحكم في مفاصل الحدث، ومن يربح منه؟ الربح المشروع حق، وصناعة الفعاليات نشاط اقتصادي معتبر، لكن الشفافية ضرورية حين تتداخل مصالح المنظمين والرعاة والاستشاريين ومقدمي الخدمات. من يختار المتحدثين؟ ومن يحدد الموضوعات؟ وهل تؤثر الرعاية في مساحة النقاش أو نتائج اللقاء؟ وضوح هذه العلاقات يحمي المال والمحتوى وسمعة الجهة، ويجعل الثقة قائمة على معلومات يمكن مراجعتها.


ولهذا نحتاج إلى شروط ترخيص وتأهيل أكثر جدية لمن يدير مؤتمرًا أو منتدى متخصصًا. القدرة على تجهيز المسرح وإدارة التسجيل لا تثبت القدرة على إدارة حدث معرفي. المطلوب فريق مؤهل، وحوكمة واضحة، وخطة للمحتوى، وإفصاح عن المصالح، وميزانية يمكن مساءلتها، وآلية مستقلة لتقييم النتائج. وتزداد هذه المتطلبات كلما ارتفع حجم الإنفاق، واتسع الادعاء بأهمية الحدث وتأثيره.


كفاءة الأداء، وكفاءة الإنفاق، والنزاهة العلمية، والأثر المنتظر هي أضلاع النجاح. وإذا غاب أحدها، احتاج الحدث إلى مراجعة مهما بدا مبهرًا. لسنا مطالبين بإثبات أن كل لقاء سيغير العالم، لكننا مطالبون بتحديد قيمة معقولة ننتظرها منه، ثم التحقق من بلوغها بصدق. ومن احترام الجهد والمال أن نوقف فعالية استنفدت غرضها، أو ندمج أحداثًا متشابهة، أو نمنح فكرة وقتًا أطول حتى تنضج.


لدينا طموح وطني يستحق فعاليات على قدره؛ فعاليات تبني المعرفة، وتفتح الفرص، وتحسن القرار، وتترك وراءها عملًا يمكن تتبعه. لذلك ينبغي أن تصبح المساءلة عن الأثر جزءًا من ثقافة التنظيم، وأن يُسأل أصحاب الحدث عن حصيلته بالجدية نفسها التي يُسألون بها عن ترتيبات افتتاحه.


بعد كل مؤتمر، نريد جوابًا يتجاوز عبارة «نجاح باهر». نريد أن نعرف: انتهى اللقاء، فماذا بدأ بعده؟

00:02 | 4-10-2026

بعد 18 عامًا.. أين شركة «تطوير التعليم»؟

قبل نحو ثمانية عشر عامًا، وُلدت واحدة من أكبر الأفكار في تاريخ التعليم السعودي الحديث: تأسيس شركة حكومية تستطيع أن تفعل ما قد تتأخر الوزارة في إنجازه بسبب طول الإجراءات وبيروقراطية الجهاز الحكومي. هكذا تأسست شركة تطوير التعليم القابضة عام 2008، لتكون ذراعًا أكثر مرونة لتنفيذ المبادرات والمشاريع الإستراتيجية، واستقطاب الكفاءات، وتسريع التحول، وتحسين جودة المنظومة التعليمية وكفاءتها.

كانت الفكرة ذكية وطموحة؛ فالوزارة تضع السياسات والتشريعات، وشركة متخصصة تتحرك بمرونة أكبر، وتستقطب الخبرات، وتبرم العقود، وتبني الشراكات، وتنجز ما يحتاج إليه الميدان بسرعة تتناسب مع حاجة المدرسة، لا مع زمن المعاملة الإدارية.

في بدايات الشركة، كان حضور التربويين ومنسوبي الوزارة واضحًا في قياداتها ومشروعاتها. وربما كان لذلك ما يبرره؛ فالشركة لم تُنشأ لتعمل في أي سوق، وإنما في أكثر القطاعات حساسية وتعقيدًا: التعليم. ومن يعمل فيه يحتاج إلى أن يعرف المدرسة من الداخل، وأن يفهم المعلم والطالب والمنهج، وأن يدرك أن بعض القرارات التي تبدو مثالية في قاعة الاجتماعات قد لا تصمد خمس دقائق أمام فصل يضم ثلاثين طالبًا.

ومع مرور السنوات، توسعت «تطوير»، وأنشأت شركات وأذرعًا متخصصة في المباني والنقل والخدمات والتقنيات التعليمية، ودخلت في مشروعات كبيرة ومتعددة. ولا يمكن إنكار أن كثيرًا من الخدمات والمشروعات التعليمية مرّ عبر هذه المنظومة. لكن مرور ثمانية عشر عامًا يجعل السؤال عن الأثر مشروعًا، بل واجبًا: ماذا قدمت «تطوير التعليم» فعلًا؟ وما الذي أصبح في مدارسنا أفضل بسبب وجودها؟

الأثر التعليمي لا يُقاس بعدد الشركات التي أُنشئت، ولا بعدد العقود الموقعة أو صور حفلات التدشين. يُقاس بما تغير داخل المدرسة: هل أصبح المعلم أكثر قدرة على أداء مهمته؟ هل تحسنت تجربة الطالب؟ هل وجد قائد المدرسة حلولًا أسرع لمشكلاته؟ وهل ارتفعت جودة المبنى والنقل والتقنية والتدريب؟ ما المشروع الذي يستطيع المعلم أو ولي الأمر أن يشير إليه ويقول بثقة: هنا أحدثت «تطوير التعليم» الفرق؟

ومن سؤال الأثر نصل إلى سؤال الشركات التابعة. فمن حق أي شركة قابضة أن تعيد هيكلة أعمالها، وأن تدمج كيانًا أو تنهيه إذا تغيرت الحاجة إليه؛ وقد يكون ذلك دليلًا على المرونة. لكن حين تُنشأ شركة للعمل في التعليم ثم يُغلق نشاطها أو تُدمج أو يتغير اسمها ودورها، فمن حق الميدان أن يعرف ما الحاجة التي استدعت إنشاءها، وما الذي أنجزته، ولماذا انتهى دورها، وأين ذهبت مشروعاتها وخبرتها المتراكمة.

المشكلة ليست أن تُغلق شركة، بل أن تُغلق قصتها معها. إذا كانت التجربة ناجحة، فمن حق المجتمع أن يعرف نتائجها؛ وإذا تعثرت، فمن المفيد إعلان ما تعلمته المجموعة منها، حتى لا تتكرر التجربة باسم جديد وشعار مختلف. هذا سؤال طبيعي لشركة حكومية تعمل في قطاع عام وتنفذ مشاريع تمس الطلاب والمعلمين، وليس تشكيكًا في كل قرار تنظيمي تتخذه.

ويزداد سؤال الأثر أهمية حين ننظر إلى من يصنع القرار داخل الشركة اليوم. تبدو «تطوير»، في صورتها الإدارية والتشغيلية، أقرب إلى شركات القطاع الخاص، وقد يكون هذا جزءًا من الغاية التي أُنشئت من أجلها. لكن هل بقي التعليم حاضرًا في قراراتها بالقدر نفسه؟ وأين التربويون في قيادة مشروعاتها؟

استقطاب خبرات الاقتصاد والتقنية وإدارة المشروعات مطلوب؛ فالتعليم يحتاج إلى من يعرف كيف يستثمر وينجز ويرفع الكفاءة. لكنه يحتاج أيضًا إلى من يدرك لماذا قد ينجح المشروع إداريًا ويفشل تربويًا، ولماذا لا يمكن أخذ حل جاهز وإسقاطه على المدرسة السعودية. ليس المطلوب أن يأتي جميع موظفي الشركة من الوزارة، وإنما أن يجتمع في قرارها الفهم الاقتصادي والكفاءة التشغيلية والخبرة التربوية. حين يغيب أحدها، قد تكتمل المشروعات على الورق دون أن يتغير ما يحدث في الفصل.

ثم يأتي اليوم اختبار أكبر مع نظام التعليم العام الجديد، وما يتيحه من مشاركة للقطاعين الخاص وغير الربحي في إدارة المدارس وتشغيلها. وهنا تبدو «تطوير التعليم»، بحكم صلتها بالوزارة وخبرتها في خدمات المدارس، من أبرز الجهات التي يمكن أن تتقدم لهذه المهمة. لكنها فرصة لا تمنحها الخبرة السابقة أهلية تلقائية؛ فإدارة عقود النقل أو المباني أو التقنية تختلف عن تحمل مسؤولية يوم دراسي كامل وما يترتب عليه من تعلم ورعاية ومساءلة.

هل تستطيع «تطوير»، أن تقدم نموذجًا تشغيليًا وتربويًا يلمس أثره الطالب والمعلم والأسرة؟ وهل تملك قيادات مدرسية وكفاءات تعليمية قادرة على اتخاذ القرار قريبًا من الفصل، لا في مكاتب الشركة وحدها؟ إذا دخلت هذا المجال، فلن يكون معيار النجاح عدد المدارس التي تتولى تشغيلها، بل مستوى التعلم فيها، واستقرار كوادرها، وقدرتها على حل المشكلات اليومية، مع وضوح دور الوزارة في الإشراف والتقويم.

لهذا نحتاج، بعد ثمانية عشر عامًا، إلى تقرير أثر لا تقرير نشاط: ماذا حققت كل شركة تابعة؟ من استفاد من مشروعاتها؟ ما الذي تغير قبل التنفيذ وبعده؟ ولماذا دُمجت بعض الكيانات أو انتهت أدوارها؟ وما المشروعات التي لم تحقق أهدافها، وما الدروس التي خرجت بها المجموعة؟ هذه الإجابات لا تخدم مساءلة الماضي وحده؛ إنها تساعد أيضًا على تقدير جاهزية الشركة لما قد يُسند إليها في المرحلة المقبلة.

لقد كانت «تطوير التعليم» أمنية كبيرة: أن تمتلك الوزارة ذراعًا مرنة تفعل ما تعجز الإجراءات التقليدية عن فعله. وبعد قرابة ثمانية عشر عامًا، لا نسأل لنقلل من عملها، بل لأن الفكرة كانت أكبر من أن تُختصر في شركات وعقود ومشروعات لا يعرف الميدان حصيلتها بوضوح. ومع اتساع فرص تشغيل المدارس، يصبح السؤال أشد إلحاحًا: هل حققت «تطوير» الأمنية التي أُنشئت من أجلها، وهل تستطيع أن تثبت أثرها حين تنتقل من خدمة المدرسة إلى مسؤولية إدارتها؟

00:00 | 27-09-2026

ماذا لو لم يعد الذهاب إلى المدرسة إلزاميًا ؟

لنتخيل قرارًا تعليميًا صادمًا: يُسمح للطالب أن يتعلم من منزله، مع بقائه مسجلًا في مدرسته، يحمل رقمًا دراسيًا وحسابًا في المنصة، ويلتزم بالمناهج والواجبات والمشروعات والاختبارات، لكنه لا يُلزم بالحضور اليومي، ولا يأتي إلى المدرسة إلا للتقويم والاختبارات والأنشطة التي تتطلب وجوده.


ماذا سيحدث؟


هل سيهرب الطلاب من المدارس؟ وإذا هربوا، فلماذا؟ وهل السؤال المخيف حقًا هو: كيف نعيدهم إليها؟ أم: لماذا لم تعد المدرسة مكانًا يريدون الذهاب إليه؟


سنوات طويلة ونحن نضع الخطط لعلاج الغياب، ونطلق المبادرات، ونرسل الرسائل إلى الأسر، ونحتفي بأسبوع الانضباط، ثم يعود الغياب في الخميس، وقبل الإجازة وبعدها، وكأننا نعالج النتيجة ونخشى الاقتراب من السبب.


لقد أصبح حضور الطالب في بعض الأيام إنجازًا إداريًا مستقلًا، بصرف النظر عمّا إذا كان قد تعلم شيئًا أم لا!


لكن ماذا لو نقلنا مركز الاهتمام من «حضور الطالب» إلى «تعلم الطالب»؟


ماذا لو أصبحت المدرسة مطالبة بإثبات أثرها، وأصبح الطالب مطالبًا بإثبات تعلمه، بصرف النظر عن الكرسي الذي جلس عليه؟


التعليم المنزلي المقصود هنا ليس انسحابًا من التعليم، ولا تركًا للطالب تحت رحمة اجتهاد أسرته، ولا نسخة دائمة من التعليم عن بُعد في أوقات الطوارئ. إنه مسار تعليمي نظامي له شروطه: طالب منتمٍ إلى مدرسة، ومنهج معتمد، وخطة أسبوعية، وواجبات ومشروعات موثقة، ولقاءات افتراضية، واختبارات حضورية، وتقويم دوري، وساعات إلزامية للأنشطة الرياضية والاجتماعية والمختبرات.


فإذا أخفق الطالب عاد إلى الانتظام الحضوري، وإذا نجح استمر في المسار.


والسؤال الأكثر حساسية: ماذا لو تفوق الطالب الذي يتعلم في منزله على زميله الذي يقضي يومه كاملًا في المدرسة؟


ماذا لو أنهى مهامه في ثلاث ساعات، وقرأ أكثر، ونما استقلاله، وتحسنت صحته النفسية، بينما قضى الآخر سبع ساعات بين طابور وانتظار وحصص متفاوتة الجودة ووقت ضائع في ضبط الصف؟


عندها لن تكون المشكلة في الطالب الذي بقي في منزله، ولكن في مدرسة لم تستطع أن تبرهن أن وجوده اليومي فيها يصنع فرقًا.


نحن نعيش عصر اقتصاد الوقت، وكفاءة الإنفاق، وجودة الحياة، وتخصيص الخدمات، ومع ذلك لا يزال التعليم يُقدَّم للجميع بالطريقة نفسها، وفي الساعات نفسها، وداخل الجدران نفسها.


الطالب المتفوق، والرياضي المحترف، وصاحب الموهبة، ومن يعاني ظرفًا صحيًا أو نفسيًا، ومن يستطيع التعلم ذاتيًا؛ جميعهم مطالبون بالجلوس في الصف ذاته حتى يثبتوا أنهم «منضبطون».


ولا يعني ذلك أن التعليم المنزلي مناسب للجميع. فالمدرسة ليست كتابًا ومعلمًا واختبارًا فقط؛ إنها مجتمع صغير يتعلم فيه الطفل الصداقة والاختلاف والعمل مع الآخرين.


كما أن بعض البيوت لا تملك الوقت أو القدرة أو البيئة المناسبة، وقد يتحول المسار إلى عزلة أو إهمال أو اعتماد كامل على الدروس الخاصة.


ولهذا لا ينبغي أن يكون بديلًا عامًا، بل خيار مقنن يبدأ تجريبيًا، ويُمنح وفق معايير واضحة، ويُراجع كل فصل دراسي.


لكن لماذا لا يفتح نظامنا التعليمي الباب لهذا الخيار؟ لماذا نظل أسرى ثنائية واحدة: إما أن يحضر الطالب يوميًا، وإما أن يُسجل غائبًا، حتى لو كان قادرًا على التعلم والإنجاز خارج المدرسة؟


ولماذا ننفق هذا الجهد الهائل على ملاحقة الغياب بدل أن نبني مسارًا يحوّل بعضه من مخالفة إلى اختيار تعليمي مسؤول؟


وما يجعل السؤال أكثر إلحاحًا أن نظام التعليم الجديد، وهو يعيد تنظيم العملية التعليمية ويستجيب لتحولات العصر، لم ينظّم التعليم المنزلي بوصفه مسارًا تعليميًا مستقلًا!


لم يمنح الطالب المؤهل خيار البقاء منتميًا إلى مدرسته، مسجلًا في أنظمتها، ملتزمًا بمنهجها ومنصتها وواجباتها واختباراتها، من دون أن يكون مطالبًا بالحضور اليومي.


لقد تطورت أدوات التعليم، وتغيرت قدرات الطلاب، وأصبحت المنصات قادرة على متابعة أدق تفاصيل التعلم، لكن التشريع ظل يربط الانتظام بالمقعد المدرسي أكثر مما يربطه بالإنجاز.


كان يمكن للنظام الجديد أن يفتح نافذة صغيرة للتجربة: مسار اختياري مشروط، يبدأ في المرحلة الثانوية، ويُمنح للطالب القادر على التعلم الذاتي، بموافقة أسرته ومدرسته، مع حزمة أسبوعية من الواجبات والتكاليف والمشروعات، واختبارات حضورية صارمة، وتقويم دوري يحدد استمراره أو عودته إلى الدراسة الحضورية.


لكن هذا الخيار لم يجد مكانه في النظام، مع أنه لا يُخرج الطالب من التعليم، ولا يفصله عن مدرسته، ولا يعفيه من المسؤولية؛ بل يغيّر فقط مكان التعلم وطريقة إثباته.


إن غياب التعليم المنزلي عن النظام الجديد ليس تفصيلًا تشريعيًا صغيرًا، لإنه فرصة تستحق المراجعة. فكيف نتحدث عن مرونة التعليم وتعدد مساراته، ثم نُبقي الحضور اليومي هو الصورة الوحيدة المعترف بها للطالب المنضبط؟


وكيف نستثمر في المنصات الرقمية والمحتوى الإلكتروني والحسابات التعليمية، ثم لا نثق بها لتقديم مسار تعليمي كامل يخضع للقياس والمساءلة؟


قد لا يكون التعليم المنزلي هو الحل الكامل لمشكلة الغياب والانضباط، لكنه سيجبرنا على مواجهة السؤال الذي نهرب منه طويلًا: هل نريد الطالب في المدرسة لأنه يتعلم، أم نريده فيها فقط كي لا يُكتب أمام اسمه: غائب؟


ربما يجب ألا نسأل: هل سينجح التعليم المنزلي؟ بل أن نسأل السؤال الأكثر إزعاجًا: ماذا لو نجح فعلًا، وتفوق طلابه؟


عندها لن يكون علينا أن نعيد النظر في مكان تعلم الطالب فقط، بل في المدرسة كلها، وفي القيمة التي تمنحها لسبع ساعات من عمره كل يوم.

00:00 | 20-09-2026

نتائج اختبارات بيزا.. متى سنغادر منتصف القائمة؟

صدرت نتائج PISA 2025، وتحسّن موقع المملكة في بعض جوانب الأداء، وهذا أمر يستحق التقدير والإنصاف، خصوصًا أن التعليم لا يتغير بقرار سريع، ولا تظهر نتائج إصلاحاته في عام أو عامين. لكن فرحتنا بأي تقدم لا ينبغي أن تمنع السؤال الأصعب: هل هذا هو الموقع الذي يليق بالتعليم السعودي وبطموح المملكة؟


اقتربنا من عشرة أعوام منذ دخول المملكة اختبارات PISA، وخضنا تجارب متتالية مع الاختبارات الدولية بمختلف مسمياتها؛ بيزا، وتيمز، وبيرلز، وغيرها. عرفناها، ودرّبنا عليها، وشكلنا فرقًا ولجانًا، ووضعنا خططًا للتحسين، وأقمنا البرامج، وقرأنا النتائج، ثم عدنا بعد كل دورة إلى السؤال نفسه: كيف نتقدم؟


والسؤال اليوم ينبغي أن يكون أكثر صراحة: متى نغادر مراتب الوسط؟


ليس في السؤال تقليل من عمل أحد، ولا إنكار لما تحقق. التعليم السعودي تغير كثيرًا، والمدرسة تغيرت، والمناهج تطورت، والتقنية أصبحت جزءًا من يوم الطالب، وفرص التدريب والتعلم اتسعت، كما أن نتائجنا الأخيرة تحمل إشارات تحسن لا يجوز تجاهلها. لكن دولة بحجم المملكة، وبما تملكه من إمكانات، وبما وضعته من طموحات كبرى لبناء الإنسان، لا ينبغي أن تقيس نجاحها بمجرد التحسن عن نفسها، وإنما بمقدار اقترابها من المكان الذي تستحقه بين أفضل الأنظمة التعليمية في العالم.


وهنا تظهر مفارقة تستحق أن نتوقف عندها.


أبناؤنا وبناتنا يعودون من المسابقات والأولمبيادات العالمية بالميداليات، ويقفون على منصات التتويج أمام دول ذات أنظمة تعليمية متقدمة، ويثبتون في كل مرة أن العقل السعودي قادر على المنافسة والتفوق. نفرح بهم ونفخر، ومن حقنا ذلك، لكن السؤال: لماذا لا ينتقل هذا التفوق من حالات متميزة إلى حالة تعليمية عامة؟


نجاح الموهوبين يقول إن لدينا القدرة، أما نتائج الاختبارات الدولية فتسألنا عن مدى قدرتنا على تعميمها.!


هناك فرق بين أن نصنع بطلًا عالميًا بعد اكتشافه ورعايته وتدريبه، وبين أن نصنع مدرسة جيدة ترفع مستوى الجميع. التعليم الحقيقي لا يقاس فقط بأعلى طالب وصل إلى القمة، وإنما بأضعف طالب: ماذا أعطيناه؟ وإلى أي مستوى استطعنا أن نرفعه؟


ومن هنا يأتي سؤال آخر ربما حان وقت طرحه: هل تستحق PISA وPIRLS وTIMSS كل هذا الجهد والتعب والاستنفار؟


بالتأكيد تستحق أن نشارك فيها؛ لأن النظام التعليمي الذي يريد المنافسة عالميًا يحتاج إلى مرآة يرى فيها نفسه، وهذه الاختبارات واحدة من أهم المرايا. لكنها لا تستحق أن تتحول إلى غاية مستقلة نستعد لها كما نستعد لمسابقة، ثم ينتهي الاهتمام بانتهاء الاختبار.


المشكلة ليست في بيزا، وإنما في أن يصبح هدفنا تحسين نتيجة بيزا بدل تحسين التعليم نفسه.


فلو كان الطالب يقرأ كل يوم قراءة حقيقية، ويفهم ما يقرأ، ويكتب بلغته بصورة سليمة، ويفكر رياضيًا، ويجرب في العلوم، ويسأل ويناقش ويستنتج، فلن نحتاج إلى أن نخبره كيف يتعامل مع سؤال دولي. سيكون مستعدًا له لأنه تعلم جيدًا، لا لأنه تدرب عليه.


وهذا يعيدنا إلى الفصل الدراسي.


ربما بالغنا خلال السنوات الماضية في البحث عن الحلول خارج الصف: برنامج جديد، منصة جديدة، مبادرة جديدة، مؤشر جديد، نموذج جديد، تدريب جديد، ثم برنامج لمعالجة نتائج البرنامج السابق!


وفي زحمة كل ذلك قد يكون الحل أقرب مما نتصور: معلم جيد، وطالب يتعلم فعلًا، ومنهج يُفهم لا يُنجز، ومدرسة مسؤولة عن نواتجها، وتقويم صادق لا يجامل أحدًا.


نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا بشجاعة: ماذا يعرف طالبنا فعلًا عندما يغادر المدرسة؟ هل يستطيع أن يقرأ نصًا جديدًا ويفهمه؟ هل يستطيع أن يكتب فكرة بلغته؟ هل يستطيع أن يستخدم الرياضيات في حياته؟ هل يستطيع أن يفسر ظاهرة علمية ويفكر فيها؟


هذه هي بيزا الحقيقية. أما الترتيب العالمي فهو النتيجة، وليس البداية.


لذلك فإن نتائج 2025 لا تستحق جلد التعليم، كما لا تستحق أن نكتفي بالاحتفاء بها. تستحق شيئًا أكثر فائدة: المراجعة. أن نعترف بأننا تقدمنا، ثم نعترف بالقدر نفسه أن تقدمنا لا يزال أقل من طموحنا.


لقد دخلنا مرحلة جديدة في المملكة لا تقبل أنصاف الطموحات. وطن ينافس في الاقتصاد والتقنية والذكاء الاصطناعي والسياحة والصناعة والرياضة، من الطبيعي أن يريد تعليمه في الصفوف الأولى أيضًا.


ولهذا، ونحن نقترب من إكمال عقد من التجربة مع PISA، لا ينبغي أن يكون سؤالنا في الدورة القادمة: كيف نحسن ترتيبنا؟


السؤال الأهم:


ماذا ينقص تعليمنا حتى تصبح المراتب المتقدمة نتيجة طبيعية له؟


لدينا الإمكانات، ولدينا المعلم، ولدينا الطالب السعودي الذي أثبت في المحافل العالمية أنه يستطيع، ولدينا دولة وضعت بناء الإنسان في قلب مشروعها.


فربما لا نحتاج إلى مزيد من الاستعداد لبيزا... نحتاج إلى مدرسة تجعلنا لا نخشى نتائج بيزا.

00:00 | 13-09-2026

حين كان الإعلام طريقًا إلى الحل...!

كان للصحافة الورقية، ومعها البرامج التلفزيونية التي انشغلت بقضايا الناس، دور يتجاوز صناعة الخبر إلى صناعة الانتباه. كانت عيناً ترى الخلل قبل أن يتسع، وصوتاً يصل إلى المسؤول قبل أن تتحول المشكلة الصغيرة إلى أزمة، ومنبراً يشعر المواطن من خلاله أن شكواه لا تضيع بين المكاتب، وأن هناك من يسأل نيابة عنه: لماذا حدث هذا؟ ومن المسؤول؟ ومتى يكون الحل؟


لسنوات، حملت الصحف الورقية قضايا الصحة والتعليم والإسكان والمرور والبلديات والاتصالات والخدمات العامة. لم تكن كل المعالجات مثالية، ولم يكن كل نقد مصيباً، لكن الفارق أن القضية حين تدخل إلى صحيفة محترفة تمر بمحرر، وتوثيق، واتصال بالجهة المعنية، ومحاولة للحصول على إجابة، ثم تصبح مادة منشورة تتحمل الصحيفة مسؤوليتها المهنية. ولذلك كان المسؤول يقرأ، والوزارة تتابع، والمواطن يشعر بأن هناك نافذة يستطيع من خلالها إيصال صوته.


وعندما انتقلت هذه الروح إلى التلفزيون، صنعت برامج الرأي العام مرحلة إعلامية لا تُنسى، كبرامج داود الشريان، وعلي العلياني، وخالد العقيلي، ومفرح الشقيقي وغيرهم، لم تكن مجرد برامج تبحث عن الإثارة؛ كان أفضلها يذهب إلى قلب المشكلة، يستضيف المواطن، ويضع المسؤول أمام السؤال، ويتابع القضية حتى تصبح جزءاً من النقاش العام. وتجبر المتحدث الرسمي للقطاع أن يخرج ويدافع ويقدم حضوراً إعلامياً يليق بمنصبه.


وقد عُرف برنامج «الثامنة» مثلاً باشتغاله المكثف على قضايا المجتمع وهموم الناس، كما عُرفت برامج أخرى كـ«الشارع السعودي» و«يا هلا» بروتانا بتناول القضايا الاجتماعية اليومية وإيصالها إلى المسؤول.


اليوم لدينا فضاء أوسع بكثير. يستطيع أي مواطن أن يكتب تغريدة، أو ينشر مقطعاً، أو يفتح «مساحة» ويتحدث إلى الآلاف خلال دقائق. وهذه مكاسب مهمة لا يمكن التقليل منها، لكنها لم تصنع حتى الآن بديلاً كاملاً لذلك الدور المهني.


فالمنصات سريعة، لكنها سريعة أيضاً في النسيان. والقضية التي تتصدر اليوم قد تختفي غداً أمام قضية أكثر إثارة، وقد يتحول الاهتمام من البحث عن الحل إلى البحث عن «الترند»، ومن مساءلة الخلل إلى مساءلة الأشخاص، ومن التوثيق إلى الانطباعات. وهنا تكمن المشكلة: ليس كل ما يصنع رأياً عاماً يصنع إصلاحاً.


لذلك تبرز مسؤولية أخرى لا تقل أهمية، تقع على أقسام الإعلام في الجامعات وعلى المؤسسات والشركات الإعلامية: أن نعيد صناعة الصحفي المستقصي الشامل، لا الصحفي الذي ينتظر أن تكتمل حوله فرق العمل. صحفي اليوم يجب أن يحمل أدواته معه؛ يلتقط القضية، ويتحقق من معلوماتها، ويكتب قصتها، ويجري المقابلة، ويسجل الصوت والصورة، ويصور، ويمنتج، ويبث، ويرسل مادته إلى المنصة المناسبة، ثم يتابع أثرها وما انتهت إليه.


نحتاج إلى جيل من الصحفيين يجمع بين عقل المحقق، وحسّ الكاتب، ومهارة المصور، وسرعة المنتج الرقمي، ومسؤولية الإعلامي الذي يعرف أن غايته ليست صناعة ضجة عابرة، وإنما كشف الخلل والمساهمة في إصلاحه. فلقد تغيرت أدوات المهنة، ولذلك يجب أن تتغير طريقة إعداد الصحفي؛ فبدلاً من انتظار عودة غرف الأخبار الكبيرة كما كانت، علينا أن نصنع صحفياً يستطيع أن يكون غرفة أخبار متحركة، يصل إلى الميدان ومعه كل ما يحتاجه لتحويل مشكلة المواطن من شكوى عابرة إلى قضية موثقة تستحق أن تصل إلى المسؤول.


نحن لا نفتقد الورق بوصفه ورقاً، ولا نطالب باستعادة زمن مضى كما كان؛ نحن نفتقد «وظيفة» كانت تؤديها الصحافة وبرامج الرأي العام: التقاط المشكلة، والتحقق منها، ومنح أطرافها حق الحديث، ومواجهة المسؤول بها، ثم متابعتها حتى نعرف ماذا حدث.


والأهم أن هذه الصحافة لم تكن صوت المواطن ضد المسؤول، كما قد يُفهم، فقد كانت في كثير من الأحيان صوت المواطن للمسؤول الأكبر. فمن يدير جهازاً ضخماً لا يستطيع أن يرى كل مدرسة ومستشفى وشارع وبلدية ومكتب خدمة، والإعلام المهني كان يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الرسمية.


البديل المطلوب إذن ليس إعادة الصحيفة الورقية إلى أبواب المنازل، ولا استنساخ برامج الأمس، وإنما إعادة بناء صحافة قضايا الناس بأدوات اليوم: منصات رقمية، وبرامج حوارية وتحقيقات ميدانية، وصحفيون يمتلكون الجرأة والمسؤولية معاً.


فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى من يخبره بما حدث، بل إلى من يسأل: لماذا حدث؟ وكيف نعالجه؟ ومن يتابع الحل؟


ذلك هو الفراغ الذي تركته الصحافة وبرامج الرأي العام، ولا تزال تغريدة مهما انتشرت، أو مساحة مهما ازدحم مستمعوها، عاجزة وحدها عن ملئه.

00:59 | 30-08-2026

ما يحك جلد التعليم مثل ظفره !

منذ أن دخل إلى منظومتنا التعليمية كقيادات أو أعضاء لجان ومديري مشاريع، جيل من خريجي الجامعات الأجنبية، حمل معه علمًا مهمًا، وأدوات بحث متقدمة، وقدرة على قراءة التجارب العالمية. وهذه إضافة لا يمكن إنكارها.

لكن المشكلة بدأت حين تحول بعض هذا العلم من نافذة نطل منها على العالم إلى مرآة لا نرى فيها إلا العالم وننسى أنفسنا !

امتلأت لغتنا التعليمية بالمصطلحات: الحوكمة، والتمكين، والاستدامة، والتحول، والنماذج التشغيلية، ومؤشرات الأداء، ومجتمعات الممارسة. وكلها قد تكون مهمة، لكن السؤال الأبسط ظل مؤجلًا: ماذا تغير داخل الفصل؟ هل أصبح الطالب أفضل قراءة وكتابة وتفكيرًا؟ هل أصبح المعلم أكثر قدرة على التعليم؟ وهل أصبحت المدرسة أفضل فعلًا؟

مشكلتنا لم تكن يومًا في نقص الأفكار، وربما كانت في فائض الأفكار ونقص الإنصات للميدان. والأكثر إثارة للتأمل أن كثيرًا مما نقدمه اليوم بوصفه مشروعًا جديدًا أو تحولًا نوعيًا، نجد له أصلًا في خطط ووثائق تعليمية قبل ثلاثين أو أربعين عامًا !

الفكرة موجودة، والتشخيص موجود، وأحيانًا الحل موجود؛ لكنه لم ينفذ، أو بدأ ثم توقف، أو تغيرت القيادات والأولويات فضاع في الطريق. ثم نعود إليه بعد سنوات بثوب جديد، ومصطلح أجنبي جديد، وعرض أكثر أناقة، ونقدمه وكأنه وُلد اليوم.

جزء كبير مما نسميه تطويرًا يدور حول ثلاث عمليات: تجميع ما سبق، واستنساخ ما نجح لدى غيرنا، وتطوير ما هو قائم. وكل ذلك مفيد، لكنه ليس ابتكارًا بالضرورة. الابتكار أن نصنع حلًا نابعًا من مشكلتنا، مناسبًا لبيئتنا، وقادرًا على فرض واقع تعليمي جديد.

نحن أحيانًا نتعامل مع التعليم وكأننا نسير في طريق دولي مستقيم، بينما واقعنا طريق فيه منخفضات جوية ومطبات صناعية وتحويلات؛ مدارس في مدن وقرى، ومعلمون متفاوتون في الخبرة، وأسر مختلفة في ظروفها، وطلاب لا يمكن اختصارهم في متوسط إحصائي داخل تقرير.

ولهذا أقولها بشيء من المبالغة المقصودة: قد يكون خريج معهد أو كلية معلمين أمضى ثلاثين عامًا في المدرسة أكثر قدرة على تشخيص بعض مشكلات تعليمنا من أستاذ تخرج في هارفارد، وحضر ألف مؤتمر، وشارك بمئة ورقة علمية. ليس لأن الأول أعلم من الثاني، وإنما لأنه يعرف المريض الذي نتحدث عنه.

يعرف لماذا لا يقرأ بعض الطلاب جيدًا رغم نجاحهم عامًا بعد عام، وكيف يمكن لمعلم واحد أن يغير مدرسة، وكيف يمكن لمدير ضعيف أن يطفئ حماس عشرات المعلمين. ويعرف أن القرار الذي يبدو رائعًا في قاعة الاجتماعات قد يتحول إلى عبء عندما يصل صباحًا إلى المدرسة !

وهنا تكمن المشكلة: من يعرف كيف يكتب عن المشكلة أصبح أحيانًا أعلى صوتًا ممن يعرف كيف يحلها. الباحث يجيد توصيف الظاهرة، والاستشاري يبني النموذج، لكن المعلم هو الذي سيقف في النهاية أمام ثلاثين وأربعين طالبًا ويسأل: ماذا أفعل بهم الآن؟

لا نريد أن نغلق أبوابنا أمام العالم؛ نريد هارفارد وأكسفورد وغيرها، ونريد الباحث والخبير والتجربة الدولية، لكننا نريد إلى جوارهم معلمًا من الميدان يستطيع أن يقول: هذه الفكرة جميلة، لكنها لن تعمل هنا بهذه الطريقة.

في المثل الشعبي حكمة تختصر القضية: «ما يحك جلدك مثل ظفرك».

فلنتعلم من العالم كله، لكن بعيوننا نحن. ولنتوقف عن البحث عن فكرة جديدة كل عام، ونبدأ بسؤال أكثر شجاعة: ماذا عرفنا منذ عقود ولم ننفذه حتى اليوم، ولماذا؟

فالتعليم السعودي لن يصنعه مؤتمر دولي ولا تقرير استشاري. هذه كلها تساعدنا، أما تعليمنا الحقيقي فيجب أن نصنعه نحن، من واقعنا، ولأبنائنا..

00:00 | 23-08-2026

لدينا الحكاية.. فأين الفيلم الكبير؟

العمل الفني الكبير ليس ذلك الذي تشاهده في الصالات أو عبر الشاشات ثم تغادره، هو الذي يغادرك إلى البيت، ويجلس معك أيامًا، ويجبرك بعد زمن على العودة إليه؛ لأنك تشعر أن شيئًا ما فاتك في المرة الأولى.


لهذا بقيت الأوديسة، وتطورت الإلياذة، وحضرت الكوميديا الإلهية؛ لأنها لم تُبنَ على حكاية واحدة مغلقة، وإنما على طبقات من الإنسان والخوف والحب والبطولة والموت والخطيئة والعودة والبحث عن المعنى.


وكل قراءة جديدة لها تفتح بابًا لم يكن ظاهرًا من قبل.


وحين تستطيع السينما التقاط عمل كهذا، فإنها لا تصنع فيلمًا فقط، بقدر ما تعيد إنتاج ذاكرة أمة بلغة العالم.


وهنا يأتي السؤال الذي يستحق أن نسأله عن السينما السعودية اليوم:


لماذا، رغم كل ما تحقق لها من تطور ودعم ومهرجانات وتجارب ومواهب، لم نصنع بعد الفيلم السعودي الملحمي الذي يحكي حكايتنا للعالم؟


المشكلة بالتأكيد ليست في نقص الحكايات.


لدينا من التاريخ ما يكفي لعشرات الأفلام الكبرى. لدينا حكاية التأسيس بما فيها من تحولات وتحالفات وصراعات وشخصيات وأمكنة..


ولدينا ملحمة توحيد المملكة، وهي في ذاتها رحلة سينمائية مذهلة؛ رجل يبدأ بحلم، ويسترد الرياض، ثم تمتد رحلته سنوات بين الصحراء والمدن والقبائل والمعارك والسياسة والانتصار والانكسار، حتى تتشكل دولة بحجم قارة.


ولدينا معارك وأبطال ورحلات وقضايا ومواقف إنسانية لم تقترب منها الكاميرا بعد.


إذن لماذا لا نملك «أوديسّتنا» السينمائية؟


ربما لأننا ما زلنا نخاف من التاريخ أكثر مما نحبه فنيًا..!


نتعامل معه بوصفه مادة ينبغي المحافظة عليها، لا عالمًا ينبغي اقتحامه.!


نريد من الفيلم التاريخي أن يكون صحيحًا ومحترمًا وآمنًا، وهذه شروط ضرورية، لكنها لا تصنع وحدها فنًا عظيمًا.!


الفيلم الكبير يحتاج فوق دقة الرواية إلى خيال، وشخصيات من لحم ودم، وصراع، وضعف، وانتظار، وخوف، وانتصار له ثمن.


هوليوود حين تعود إلى أساطيرها وتاريخها لا تصور الحدث فقط؛ إنها تبني حوله عالمًا. تستدعي الموسيقى والملابس والجغرافيا واللغة والصمت والضوء، وتنفق على التفاصيل الصغيرة لأنها تعرف أن العالمية لا تبدأ من محاولة إرضاء العالم، ولكن من الإيمان العميق بالحكاية المحلية.


وهذه ربما مفارقتنا الأهم. فنحن نملك المال، والمواقع الطبيعية المذهلة، والتقنيات، والدعم، وجيلًا سعوديًا جديدًا من المخرجين والممثلين والكتّاب، ونملك قبل ذلك كله حكايات لم تُستهلك بعد.


لكن الفيلم الملحمي لا يولد بمجرد اجتماع هذه العناصر؛ يحتاج إلى كاتب يرى التاريخ إنسانًا قبل أن يراه تاريخًا، ومخرج يمتلك خيالًا يتجاوز إعادة تمثيل الوقائع إلى خلق عالم كامل، ومنتج يؤمن بأن بعض الأفلام لا تُصنع لشباك التذاكر وحده، إنما لتبقى خمسين عامًا وأكثر...


وهنا تبرز مسؤولية المؤسسات التي تحفظ ذاكرتنا الوطنية، وفي مقدمتها دارة الملك عبدالعزيز. فالدارة لا تختزن وثائق وصورًا ومخطوطات وروايات شفوية فحسب؛ إنها تحفظ المادة الخام لعشرات الأفلام التي لم تُصنع بعد.


وربما حان الوقت لأن تُفتح كنوز هذه الذاكرة بصورة أوسع أمام كتّاب السيناريو والمخرجين والمنتجين، وأن تنشأ جسور حقيقية بين المؤرخ والفنان؛ لأن الوثيقة التي تبقى في الأرشيف تحفظ التاريخ، لكن الوثيقة التي تقع في يد فنان عظيم قد تجعل العالم كله يراه.


ولا يعني ذلك أن تتحول الدارة إلى منتج سينمائي، ولا أن يتنازل المؤرخ عن دقة التاريخ لمصلحة خيال الفنان، وإنما أن نخلق منطقة يلتقي فيها الاثنان: المؤرخ يمنح الحكاية جذورها، والفنان يمنحها أجنحتها.


وربما نحتاج مستقبلًا إلى مسارات بحثية مخصصة لصناع الأفلام، وملفات تاريخية درامية تُستخرج من الوثائق والسير والروايات الشفوية، وتقول للمبدع: هنا حكاية تستحق أن تُروى.


فذاكرة الوطن لا يكتمل دورها حين نحفظها فقط؛ يكتمل حين نجعل الأجيال تراها وتسمعها وتشعر بها. وإذا كانت دارة الملك عبدالعزيز هي إحدى أهم خزائن الذاكرة السعودية، فإن السينما قد تكون واحدة من أجمل النوافذ التي نطل بها من تلك الذاكرة على العالم.


نحن لا نحتاج فيلمًا تاريخيًا يشرح للعالم من نحن.


نحتاج فيلمًا عظيمًا يجعل العالم هو الذي يريد أن يعرف من نحن.


فالعالم لم يعرف طروادة لأنه قرأ تقريرًا عن حربها، ولم يبقَ أوديسيوس آلاف السنين لأنه انتصر في معركة؛ بقي لأن الإنسان وجد نفسه في رحلة عودته.


وحكايتنا السعودية تمتلك الإنسان والمكان والصراع والحلم والبطولة.


لدينا الملحمة كاملة.. ما ينقصنا فقط أن يأتي من يراها بعين السينما.

23:59 | 10-08-2026

أين اختفى مديرو الجامعات؟

في زحام الأخبار، مرّ خبر وفاة معالي الدكتور بكر عبدالله بن بكر، مدير جامعة الملك فهد للبترول والمعادن الأسبق، رحمه الله، بهدوء لا يليق برجل كان في زمنه أحد أبرز الوجوه الأكاديمية في المملكة.


وما إن قرأت الخبر حتى وجدتني لا أستحضر سيرته وحدها، إنما أستحضر زمنًا كاملًا كان فيه مدير الجامعة شخصية وطنية معروفة، وصاحب حضور يتجاوز أسوار الحرم الجامعي إلى المجتمع بأسره.


من عاش مرحلة الثمانينيات والتسعينيات، فقد استعاد اسمًا كان يمثل جيلًا كاملًا من القيادات الجامعية التي لم تكن تدير الجامعات فحسب، بل كانت جزءًا من المشهد الوطني والثقافي والاجتماعي.


ذلك الخبر أعاد إلى ذهني سؤالًا ظل يرافقني منذ سنوات: لماذا لم نعد نعرف رؤساء جامعاتنا كما كنا نعرفهم في الماضي؟


قبل ثلاثة أو أربعة عقود، لم يكن مدير الجامعة مجرد مسؤول إداري يوقع القرارات ويترأس المجالس. كان رمزًا علميًا، وصوتًا فكريًا، وقائدًا تربويًا، وشخصية عامة يعرفها الناس كما يعرفون الوزراء وكبار المسؤولين. كانت صورته مألوفة في الصحف، واسمه يتردد في نشرات الأخبار، وكلماته تحظى بالاهتمام، وحضوره في المناسبات العلمية والثقافية يحظى بالمتابعة والتقدير.


من عاش تلك المرحلة يتذكر بسهولة أسماء مديري الجامعات الكبرى في المملكة. جامعة الملك سعود، وجامعة الملك عبدالعزيز، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وجامعة أم القرى، وجامعة الملك فيصل، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. لم تكن تلك الجامعات مجرد مؤسسات تعليمية، كانت لكل واحدة منها شخصية وهوية، وكان مديرها جزءًا من هذه الهوية، وأحد أبرز من يمثلها أمام المجتمع.


أما اليوم، فقد تضاعف عدد الجامعات، وتوسعت إمكاناتها، وارتفعت ميزانياتها، وتقدمت في التصنيفات العالمية، وحققت منجزات بحثية وعلمية نفخر بها جميعًا. ومع ذلك، فإن كثيرًا من المواطنين، وحتى بعض طلاب الجامعات أنفسهم، قد لا يعرفون اسم رئيس الجامعة التي يدرسون فيها، فضلًا عن صورته أو سيرته العلمية أو مشروعه القيادي.


ليس هذا انتقاصًا من رؤساء الجامعات الحاليين، فبينهم علماء مرموقون، وأكاديميون مشهود لهم بالكفاءة، وقيادات تمتلك خبرات دولية رفيعة. لكن القضية ليست في الأشخاص، ولكن في المكانة التي أصبح يشغلها رئيس الجامعة في الوعي العام.


فما الذي تغيّر؟


هل أصبحت الجامعات مؤسسات ضخمة تبتلع حضور قادتها؟ أم أن الإدارة اليومية وتعقيداتها استهلكت وقت رئيس الجامعة، فلم يعد قادرًا على ممارسة دوره الفكري والثقافي؟ أم أن الإعلام الجامعي انشغل بالأخبار والاتفاقيات والمذكرات، وأغفل التعريف بالإنسان الذي يقود هذه المؤسسة؟ أم أن المجتمع نفسه لم يعد يمنح القيادات الأكاديمية المساحة التي كان يمنحها في السابق؟


ربما اجتمعت هذه الأسباب كلها.


لكن المؤكد أن الجامعة لا تحتاج إلى إدارة ناجحة فقط، تحتاج أيضًا إلى قيادة ملهمة. فالجامعة ليست مباني وقاعات ومعامل ومؤشرات أداء، وإنما مشروع حضاري يقوده عقل يمتلك رؤية، ويستطيع أن يحاور المجتمع، وأن يلهم الشباب، وأن يقدم نموذجًا للعالم والمفكر والإداري في آنٍ واحد.


في الجامعات العالمية المرموقة، كثيرًا ما يكون رئيس الجامعة شخصية عامة، يُستضاف في وسائل الإعلام، ويكتب المقالات، ويشارك في النقاشات الوطنية، ويُسهم في تشكيل الرأي العام في القضايا التي تمس التعليم والبحث والابتكار ومستقبل الأجيال. لأن المجتمع لا يرى فيه موظفًا حكوميًا، يراه قائدًا فكريًا يقود إحدى أهم مؤسسات بناء الإنسان.


أما نحن، فقد أصبحنا للأسف نعرف أسماء بعض المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي أكثر مما نعرف أسماء من يقودون جامعاتنا. وهذا ليس تقليلًا من أحد، لكنه يعكس خللًا في ترتيب الاهتمام المجتمعي، وربما في طريقة تقديم هذه القيادات للرأي العام.


إن بناء الصورة الذهنية لرئيس الجامعة ليس ترفًا إعلاميًا، ولا بحثًا عن الشهرة، هو جزء من بناء الثقة بالمؤسسة نفسها. حين يعرف الطالب من يقود جامعته، وما إنجازاته، وما رؤيته، وما مسيرته العلمية، فإنه يشعر بانتماء أكبر، ويجد أمامه قدوة حقيقية صنعتها المعرفة والاجتهاد، لا الصدفة ولا الشهرة العابرة.


ولعلنا اليوم، ونحن نودع أسماء بحجم الدكتور بكر عبدالله بن بكر، لا نحتاج إلى استذكار إنجازاتهم فحسب، نحتاج إلى استعادة الفكرة التي كانوا يمثلونها. فكرة أن الجامعة كانت تمتلك وجهًا يعرفه الناس، وصوتًا يسمعونه، ورمزًا يثقون به.


لقد تغيرت الجامعات كثيرًا، وهذا أمر طبيعي، لكن لا ينبغي أن يكون ثمن هذا التطور غياب الشخصية الأكاديمية عن المشهد الوطني. فكل جامعة عظيمة تحتاج إلى قيادة عظيمة، وكل قيادة عظيمة تحتاج إلى حضور يليق بمكانتها ورسالتها.


ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح بصراحة: هل المشكلة أن رؤساء الجامعات أصبحوا أقل حضورًا، أم أننا توقفنا عن تقديمهم للمجتمع بوصفهم قادة للفكر والعلم، لا مجرد مسؤولين في الهيكل الإداري؟


الإجابة عن هذا السؤال قد تكون بداية الطريق لاستعادة واحدة من أهم صور القوة الناعمة التي امتلكتها الجامعات السعودية عبر تاريخها؛ يوم كان مدير الجامعة اسمًا يحفظه الناس، وصورةً يعرفونها، وقامةً علميةً يفخر بها المجتمع.

00:00 | 31-07-2026

اختطف الأكاديميون التعليم العام.. فمن يعيده إلى أهله؟!

من أكثر الأسئلة إيلاماً في التعليم السعودي سؤالٌ لم يجرؤ أحد على طرحه بالوضوح الكافي: ماذا استفاد التعليم العام من هيمنة بعض الأكاديميين على أهم قراراته طوال العقود الماضية؟ سؤال يبدو قاسياً، لكنه مشروع.


فبعد أكثر من ثلاثة عقود من الخطط والمبادرات والاستراتيجيات والمشروعات التي تعاقبت على التعليم العام، يحق لنا أن نتساءل عن الحصيلة الحقيقية.


لقد تغيّرت المسميات أكثر مما تغيّرت النتائج، وتعاقبت الإدارات والقيادات الأكاديمية لها أكثر مما تعاقبت الإنجازات، بينما ظل المعلم في فصله، وقائد المدرسة في مدرسته، والمشرف المغضوب عليه في ميدانه، يراقبون مشهداً يتكرر بصورة تكاد تكون مملة!


لو كان النجاح التعليمي يُصنع بالنظريات وحدها، لكانت مدارسنا اليوم من بين الأفضل عالمياً، لكن ما حدث أن النظريات تبدلت، والمسميات تغيرت، والمشروعات تعاقبت، بينما بقي السؤال نفسه معلقاً: لماذا لا تنعكس كل هذه الجهود على واقع المدرسة بالقدر المأمول؟


لا أحد يعترض على العلم، ولا أحد يقلل من قيمة البحث العلمي، لكن التعليم العام ليس ورقة بحثية، وليس مؤتمراً أكاديمياً، وليس مشروعاً تجريبياً يمكن التراجع عنه عند الفشل. التعليم العام حياة يومية يعيشها ملايين الطلاب والمعلمين والأسر، وأي خطأ في قراره لا يبقى حبراً على ورق، بل يتحول إلى سنوات ضائعة يدفع ثمنها جيل كامل.


فالواقع لا يتغير بالقرارات وحدها، ولا تتحول المدارس إلى نماذج عالمية بمجرد إصدار الأدلة التنظيمية أو إطلاق المنصات أو تغيير المسميات ووضع المؤشرات. التعليم كائن حي ينمو على أرض الواقع، لا على أوراق الاجتماعات، وكل مشروع يُطلب من الميدان تطبيقه دون أن يُبنى معه تدريجياً، يشبه من يطلب من طفل أن يركض قبل أن يتعلم الوقوف.


المشكلة ليست في وجود بعض الأكاديميين، ولكن في هيمنة العقل الأكاديمي النظري على القرار الميداني. فكثير ممن تولوا قيادة مسارات التعليم العام خلال العقود الماضية، لم يعيشوا الحياة الحقيقية للمدرسة كما عاشها المعلم والمشرف وقائد المدرسة. لم يقفوا سنوات طويلة أمام الفصول الدراسية، ولم يواجهوا تفاصيل الواقع اليومية التي تصنع الفرق بين نجاح القرار وفشله، ومع ذلك كانوا في كثير من الأحيان هم من يحددون الاتجاه، بينما يُطلب من الميدان التنفيذ دون مشورته أحياناً!


وهكذا تحول التعليم العام، في فترات كثيرة، إلى ساحة تتزاحم فيها المبادرات أكثر مما تتراكم فيها الإنجازات.. يأتي فريق جديد محمّلاً بأفكار جديدة ومنصات جديدة ومصطلحات جديدة، ويبدأ بإعادة تشكيل المشهد وفق ما قرأه في الكتب أو شاهده في المؤتمرات أو طُبِّق في بعض الدول، ثم لا يلبث أن يغادر قبل أن تُقاس النتائج الحقيقية، ليأتي فريق آخر يبدأ من جديد وكأن السنوات السابقة لم تكن!


وفي كل مرة تُستنزف الطاقات، وتُستهلك الميزانيات، ويُطلب من المدارس أن تتكيف مع الاتجاه الجديد، فيما يبقى الطالب والمعلم الحلقة التي تتحمل كلفة التغيير المستمر. المفارقة المؤلمة هنا، أن أكثر الناس غياباً عن صناعة القرار هم أكثر الناس التصاقاً بالتعليم الحقيقي.


المعلم الذي أمضى عشر سنوات في فصل مكتظ، يعرف عن التعليم ما لا يمكن أن تمنحه عشرات الدراسات النظرية. ومديرة المدرسة التي تتعامل يومياً مع الطالبات والأسر والمعلمات، تدرك تفاصيل لا تظهر في أي تقرير. والمشرف الميداني الذي كان يجوب المدارس، يرى من الحقائق ما لا تصل إليه مكاتب الوزارة المكيفة.


لهذا فإن خبرة الميدان ليست أقل من الشهادات العليا، قد تكون في التعليم العام أكثر قيمة عند صناعة القرار.


إن معلماً ناجحاً في مدرسة حكومية، أو قائد مدرسة يدير مئات الطلاب، قد يفهم احتياجات التعليم العام أكثر من خريج أرقى الجامعات العالمية، إذا كان الأخير لم يعش يوماً واحداً داخل واقع المدارس الحقيقي.


ولو جمعنا تكلفة هذا العبث الإداري والفكري المتكرر عبر العقود، لوجدنا أننا دفعنا ثمناً باهظاً من المال والوقت والجهد والطاقة البشرية، بينما ظل السؤال الكبير بلا إجابة: لماذا لا نبدأ من أهل الميدان أنفسهم؟


الأكثر غرابة، أن هذا كله يحدث في الوقت الذي تزخر فيه منظومة التعليم بكفاءات ميدانية عالية التأهيل. ففي المدارس وإدارات التعليم آلاف المعلمين والمشرفين وقادة المدارس الحاصلين على الماجستير والدكتوراه، ممن جمعوا بين المؤهل العلمي والخبرة العملية. هؤلاء عرفوا المدرسة قبل أن يكتبوا عنها، وعاشوا الفصل الدراسي قبل أن يدرسوا نظرياته، وواجهوا التحديات الحقيقية قبل أن يناقشوها في رسائلهم العلمية.


فلماذا يُنظر إلى أستاذ الجامعة بوصفه الخيار الطبيعي للقرار التعليمي، بينما يُهمش معلم أو مشرف أو قائد مدرسة يحمل المؤهل نفسه، ويملك فوقه عشرين عاماً من الخبرة الميدانية؟


أيُّهما أقدر على فهم التعليم العام: باحث يقرأ عن المدرسة أم معلم عاش المدرسة؟


وأيهما أصدق تشخيصاً للمشكلة: أكاديمي يدرس الظاهرة من خلال الاستبيانات، أم مشرف تربوي كان يراها كل يوم في عشرات المدارس؟


لقد ترسخت، من حيث لا نشعر، ثقافة إدارية تعطي وزناً أكبر للسيرة الأكاديمية من الخبرة الميدانية، وكأن سنوات الوقوف أمام الطلاب خبرة، أقل قيمة من سنوات الكتابة عنهم. وكأن المعرفة الحقيقية بالتعليم تُكتسب من الأوراق، أكثر مما تُكتسب من الواقع. وهنا تكمن المفارقة.


ففي معظم المهن الكبرى لا يُسمح بقيادة الميدان إلا لمن خبر تفاصيله، أما في التعليم العام، فقد أصبح من الطبيعي أحياناً أن يتصدر القرار من درس المدرسة أكثر مما عاشها، وأن يتراجع دور من أفنوا أعمارهم بين طلابها ومعلميها وقضاياها اليومية.


إن التعليم العام لا يحتاج إلى مزيد من المنظّرين، بقدر حاجته إلى من يجمعون بين العلم والخبرة، بين الشهادة والممارسة، وبين المعرفة والواقع. يحتاج إلى من يعرف رائحة الفصل، وضغط الحصة الأولى، وتحديات المدرسة، وتعقيدات الأسرة، والفجوة بين ما يُكتب في التقارير وما يحدث فعلاً على الأرض.


ولست أدعو إلى إقصاء الأكاديميين كما أُقصي أهل الميدان طويلاً، لكنني أدعو إلى إعادة التوازن المفقود. فمكان الأكاديمي الطبيعي أن يقود البحث العلمي، ويطور الجامعات، ويرتقي بمخرجاتها، بينما ينبغي أن يكون صوت أهل الميدان حاضراً في قلب القرار التعليمي العام، لا على هامشه.


وكما تحرص الدولة على كفاءة الإنفاق وتعظيم الأثر وتحقيق المستهدفات الوطنية، فإن من حقنا أن نسأل: ألم يحن الوقت لإعادة الاعتبار إلى الخبرة الميدانية؟ ألم يحن الوقت لأن يكون حامل الدكتوراه الذي خرج من الفصل الدراسي أولى بالقرار من حامل الدكتوراه الذي لم يعرف الفصل إلا من نافذة البحث العلمي؟


لقد اختُطف التعليم العام طويلاً باسم التطوير، وحان الوقت أن يعود إلى أهله.


وحين يصبح القرار بيد من عاشوا المدرسة لا من زاروها في تقاريرهم، سنكتشف أن كثيراً من الحلول التي بحثنا عنها في اللجان والاستشارات والمؤتمرات، كانت تقف كل صباح أمام السبورة، لكنها لم تجد من يستمع إليها.


وعندما يعود القرار التعليمي إلى أهله الحقيقيين، سنكتشف أن كثيراً من المشكلات التي عجزت عن حلها اللجان والاستشارات والمؤتمرات، كان يعرف حلها منذ البداية معلمٌ يقف في آخر الممر، أو قائدة مدرسة تبدأ يومها قبل الجميع وتغادر بعد الجميع.


لقد آن الأوان لأن يستعيد التعليم العام صوته المفقود، آن الأوان لأن ينتقل أهل الميدان من مقاعد التنفيذ إلى مقاعد القرار، آن الأوان لأن يكون المعلم الخبير، والمشرف المتمرس، وقائد المدرسة الناجح، شركاء في رسم السياسات لا مجرد متلقين لها.

00:16 | 8-07-2026

كل شيء في الجامعة لأجل الطالب.. إلا الطالب!

في كل جامعة تُرفع الشعارات عن جودة التعليم، وتمكين الشباب، وصناعة المستقبل، لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بشجاعة هو: أين يقف الطالب من كل ذلك؟


الطالب هو سبب وجود الجامعة أصلًا، وهو المبرر الأخلاقي والمهني والوطني لكل مبنى وقاعة ومكتب وميزانية. ومع ذلك، يشعر كثير من الطلاب أنهم الحلقة الأضعف في المنظومة، وأن أصواتهم لا تُسمع.!


لماذا لا نُعلّم الطالب حقوقه منذ يومه الأول في الجامعة؟ ولماذا نحفظه اللوائح المتعلقة بالغياب والاختبارات والعقوبات، بينما لا نعرّفه بالقدر نفسه بحقوقه الأكاديمية والإدارية؟ لماذا يعرف ما عليه أكثر مما يعرف ما له؟


إن الطالب الذي لا يعرف حقوقه لن يطالب بها، والطالب الذي يطالب بها دون معرفة دقيقة قد يُتهم بالمشاغبة أو سوء الأدب أو الخروج عن النص، بينما الحقيقة أن المطالبة بالحق ليست تمردًا، وإنما جزء من البيئة التعليمية السليمة التي يفترض أن تربي شخصية مستقلة وقادرة على الحوار.


ومن المؤسف أن بعض الطلاب يشعرون بأن مجرد مناقشة عضو هيئة التدريس قد تُفسر على أنها تحدٍ شخصي، وأن السؤال الإضافي أو الاعتراض العلمي قد ينعكس على العلاقة الأكاديمية أو حتى على التقييم. وهنا تتحول الجامعة من بيئة للحوار إلى بيئة للخوف، ومن مساحة للتفكير إلى مساحة للتلقي الصامت.


كيف نطلب من الطالب أن يكون باحثًا ومبدعًا وناقدًا وهو يتعلم منذ سنواته الأولى أن الصمت أكثر أمانًا من السؤال؟


ثم تأتي المعضلة الأخرى؛ الوصول إلى المسؤول. فكثير من الطلاب يعتقدون أن مقابلة العميد أو الوكيل أو المسؤول الأكاديمي مهمة شبه مستحيلة، ليس لأن المسؤول يرفض اللقاء بالضرورة، ولكن لأن هناك طبقات من الإجراءات والحواجز الإدارية تجعل الطالب يستسلم قبل أن يصل. وبعض موظفي مكاتب القيادات -للأسف- تتقن فن تقليل فرص اللقاء أكثر مما تتقن تسهيله، وكأن حماية المسؤول من الطالب أهم من خدمة الطالب نفسها.!


والسؤال الذي يجب أن يؤرق الجميع: لماذا لا تتحرك بعض المشكلات إلا عندما تتحول إلى «ترند»؟ ولماذا يحتاج الطالب أحيانًا إلى مقطع مصور أو قضية متداولة حتى يجد من يسمعه؟ أليس من المفترض أن تكون قنوات الاستماع المؤسسية أكثر فاعلية من ضجيج وسائل التواصل؟


الحقيقة التي يجب ألا تغيب هي أن كل شيء في الجامعة وُجد لأجل الطالب. المباني لأجله، والأنظمة لأجله، وأعضاء هيئة التدريس لأجله، والقيادات لأجله. فإذا أصبح الطالب يشعر أنه آخر من يُستشار وأول من يتحمل النتائج، فهناك خلل يستحق المراجعة.


وللأسف، كثير من الطلاب لا يختارون الكلية التي يحلمون بها، ولا التخصص الذي يرغبونه، بل تقودهم الأرقام والنسب والفرص المتاحة. ثم قد يجد أحدهم نفسه بعد سنوات من الجهد أمام معدل تأثر بمادة واحدة، أو تجربة تعليمية ضعيفة، أو عضو هيئة تدريس لم يقدم ما اؤتمن عليه كما ينبغي. وحينها لا يخسر درجة فقط، بل قد يخسر مسارًا مهنيًا كاملًا كان يحلم به.


لذا متى يأتي اليوم الذي يكون فيه القبول الجامعي بحثًا عن الشغف والموهبة والاستعداد الحقيقي، لا مجرد سباق أرقام ونسب مئوية؟ متى ندرك أن بعض العقول خُلقت للهندسة وللتقنية ولو عثرت في مادة لا تمت إليها بصلة، وأن بعض المبدعين كان يمكن أن يصبحوا علماء أو أطباء أو مهندسين لولا أن رقمًا واحدًا أغلق في وجوههم باب العمر كله؟


ومتى يعود الأستاذ الجامعي إلى دوره الأجمل؟ دور المعلم الذي يتبنى طلابه، ويكتشف مواهبهم، ويفتح لهم الأبواب، ويمنحهم الثقة، ويأخذ بأيديهم نحو النجاح. فالعالم كله يتذكر الأستاذ الذي صنع أثرًا في حياة طلابه أكثر مما يتذكر الأستاذ الذي وزع الدرجات والعقوبات.


الجامعة ليست مصنعًا للشهادات، بل مصنع للإنسان. وأعظم ما يمكن أن يقدمه الدكتور لطلابه ليس محاضرة يحفظونها، بل إيمانًا بقدراتهم حين يشكون في أنفسهم، وفرصة حين تضيق الفرص، ونصيحة حين تتعثر الخطوات.


إن الطالب لا يحتاج إلى من يراقب أخطاءه بقدر حاجته إلى من يرى إمكاناته. ولا يحتاج إلى من يذكّره بعثراته بقدر حاجته إلى من يفتح أمامه نافذة للأمل. فكم من طالب تغيرت حياته لأن أستاذًا آمن به، وكم من موهبة انطفأت لأن أحدًا لم يلتفت إليها.


إن إعادة الطالب إلى مكانه الطبيعي لا تحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى ثقافة جديدة. ثقافة تؤمن أن الطالب شريك لا متلقٍ، وأن الاستماع إليه ليس مجاملة إنما ضرورة، وأن الحوار معه ليس تنازلًا بقدر ما هو علامة نضج مؤسسي.


نحتاج إلى جامعات تُعرّف الطالب بحقوقه كما تُعرّفه بواجباته، وتفتح له أبواب المسؤولين قبل أن يطرق أبواب وسائل التواصل، وتحمي حقه في السؤال والمناقشة، وتستثمر طاقته وأفكاره، وتستطلع رأيه في القضايا التي تمس حياته الأكاديمية.


عندها فقط سيذهب الطالب إلى الجامعة وهو يشعر أنه ينتمي إليها، لا أنه مجرد رقم في سجلاتها. وعندها فقط ستتحول سنوات الدراسة من رحلة قلق ومطاردة للدرجات إلى رحلة بناء للإنسان الذي نريد أن نصنع به المستقبل.


إذا كانت الجامعات ومجلس شؤون الجامعات يؤمن فعلًا بأن الطالب هو محور العملية التعليمية، فلماذا يغيب عن طاولات صناعة القرار؟ لماذا تُناقش الخطط الدراسية، وتُراجع البرامج الأكاديمية، وتُصاغ السياسات التي تمس حياته اليومية دون أن يكون له فيها صوت حقيقي؟


إن تمثيل الطلاب لا ينبغي أن يكون نشاطًا شكليًا أو صورةً تذكارية في مناسبة سنوية، بل حضورًا مؤسسيًا مؤثرًا داخل مجالس الجامعات والكليات والأقسام العلمية. فالطالب هو الأكثر التصاقًا بالواقع الأكاديمي، والأقدر على وصف التحديات التي يعيشها يوميًا، وهو المستفيد الأول من القرارات والمتضرر الأول من أخطائها.


نحتاج إلى مقاعد مخصصة للطلاب في المجالس المختلفة، وإلى ممثلين منتخبين ينقلون آراء زملائهم، وإلى اجتماعات دورية تُستمع فيها أصوات الطلاب قبل صدور القرارات لا بعدها. كما نحتاج إلى أن يضاعف مجلس شؤون الجامعة من الحضور الفعلي للطلاب، لا الحضور الرمزي الذي لا يغيّر شيئًا في الواقع. فالجامعات المتقدمة لم تصل إلى ما وصلت إليه لأنها تتحدث عن الطالب فقط، بل لأنها تسمح له بالمشاركة في رسم مستقبلها. والطالب الذي يُشارك في القرار يصبح أكثر انتماءً للمؤسسة وأكثر حرصًا على نجاحها، بينما الطالب الذي يُقصى عن كل شيء يشعر أنه مجرد متلقٍ لقرارات تُفرض عليه من أعلى.


إن الجامعة ليست ملكًا للإدارة، ولا لأعضاء هيئة التدريس، ولا للمجالس واللجان وحدها؛ إنها مجتمع أكاديمي متكامل، والطالب أكبر مكوناته وأهمها. ومن غير المنطقي أن يكون الصوت الأكثر تأثرًا بالقرار هو الأقل حضورًا عند صناعته.


ربما آن الأوان أن ننتقل من شعار «الطالب أولًا» إلى مرحلة أكثر صدقًا تقول: «لا قرار يخص الطالب دون أن يكون للطالب مقعد على الطاولة». ولنتذكر أن الجامعات العظيمة لا تُقاس بعدد مبانيها ولا بحجم ميزانياتها، ولكن بعدد الطلاب الذين وجدوا فيها من يؤمن بهم قبل أن يؤمنوا بأنفسهم.

00:26 | 24-06-2026