أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1885.jpg?v=1772116948&w=220&q=100&f=webp

خالد الباتلي

هل يناسبنا تقويم العام الدراسي فعلاً؟

في كل عام دراسي يتكرر المشهد ذاته: بداية حماسية، ثم سلسلة من الإجازات والانقطاعات، ثم عودة متعثرة، ثم اختبارات تأتي بعد موسم عيد أو بعد فترة انقطاع طويلة، ثم أيام دراسية أخيرة يكاد الجميع يتعامل معها بوصفها أياماً شكلية أكثر من كونها أيام تعلم حقيقية.


ومع كل ذلك يبقى السؤال حاضراً: هل شكل العام الدراسي الحالي هو الأنسب فعلاً لواقعنا الاجتماعي والتعليمي؟ أم أننا أصبحنا أسرى لأرقام ومعايير عالمية لا تنسجم بالضرورة مع خصوصية المجتمع السعودي وطبيعة مواسمه؟


التعليم ليس عدّاداً للأيام. والتعليم الجيد لا يُقاس بعدد الساعات التي يقضيها الطالب داخل الفصل، بل بمقدار ما يتعلمه ويكتسبه من معرفة ومهارات وقيم. ولهذا فإن التركيز المستمر على استكمال حوالي 180 يوماً دراسياً قد يدفعنا أحياناً إلى الاهتمام بالكم أكثر من الكيف، وبإكمال التقويم أكثر من تحقيق التعلم.


من يتأمل تضاريس العام الدراسي لدينا سيجد أنه عام مليء بالتوقفات والانقطاعات. إجازات رسمية، وإجازات فصلية، ومواسم وطنية، وإجازات مطولة، ثم شهر رمضان، ثم موسم الحج وعيد الأضحى. وكل محطة من هذه المحطات تؤثر بطبيعتها في الإيقاع النفسي والاجتماعي للطالب والمعلم والأسرة.


نحن لسنا دولة تعيش عاماً دراسياً مستقيماً من سبتمبر إلى يونيو دون مؤثرات كبرى. لدينا رمضان بكل ما يحمله من خصوصية روحية واجتماعية، ولدينا الحج الذي يعد أكبر مناسبة دينية يشهدها العالم الإسلامي. وهاتان المحطتان ليستا مجرد إجازتين يمكن وضعهما في التقويم ثم تجاوز أثرهما؛ بل هما جزء من نمط الحياة ذاته.


ولهذا يبدو التساؤل مشروعاً: هل أخذ تصميم العام الدراسي الحالي هذه الخصوصية بعين الاعتبار بما يكفي؟


التجربة اليومية في المدارس تقول إن كثيراً من الفاقد التعليمي لا ينتج من قصر عدد الأيام، بل من تقطعها. فالطالب يحتاج إلى إيقاع تعليمي مستقر ومتصل حتى تتكون لديه العادات الدراسية والانضباط الذهني. أما حين يتحول العام إلى سلسلة من البدايات المتكررة بعد كل إجازة، فإن جزءاً من الجهد يضيع في إعادة التهيئة وإعادة استرجاع ما تم تعلمه سابقاً.


ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو ما يحدث قبل الإجازات وبعدها. فمعدلات الغياب ترتفع بصورة ملحوظة، وتضعف الدافعية، ويبدأ كثير من الطلاب وأسرهم في التعامل مع بعض الأيام الدراسية باعتبارها أياماً يمكن الاستغناء عنها دون أثر كبير. حتى أصبح يوم الخميس في بعض الفترات، وما يسبقه أو يعقبه من أيام، جزءاً من معادلة الغياب المتوقعة لدى الجميع.


وهنا يبرز سؤال تربوي مهم: هل المشكلة في الطلاب وأسرهم فقط؟ أم أن تصميم التقويم نفسه أصبح ينتج هذا السلوك بصورة غير مباشرة؟


كما أن الالتزام الصارم بالتقويم الميلادي في بناء العام الدراسي يثير تساؤلات أخرى. فالتقويم الميلادي أداة تنظيمية مهمة بلا شك، لكنه ليس نصاً مقدساً في التخطيط التعليمي. وما يصلح في بيئات أخرى قد لا يكون الأنسب في بيئة ترتبط حياتها الاجتماعية والدينية بدورات زمنية مختلفة ومواسم ذات تأثير عميق في المجتمع كله.


إن بناء عام دراسي أكثر انسجاماً مع واقعنا لا يعني تقليل التعليم أو التهاون في الجودة، بل ربما يكون العكس تماماً. فقد يكون من الأفضل إعادة النظر في توزيع الأيام، وتكثيف فاعليتها، وتقليل الانقطاعات المرهقة، بدلاً من مطاردة رقم محدد من الأيام لا ينعكس بالضرورة على جودة المخرجات.


ومن هنا يحق للميدان التعليمي أن يسأل: هل توجد دراسات منشورة أو نتائج قياس معلنة تثبت أن الشكل الحالي للعام الدراسي هو الأكثر فاعلية للطلاب والمعلمين والأسر؟ وهل تمت مقارنة أثره بأشكال تنظيمية أخرى أكثر انسجاماً مع خصوصية المجتمع السعودي؟


هذه الأسئلة لا تستهدف النقد من أجل النقد، ولا التقليل من جهود وزارة التعليم أو هيئة تقويم التعليم والتدريب، بل هي أسئلة يفرضها الواقع، ويطرحها أولياء الأمور والمعلمون ومديرو المدارس بصورة متزايدة.


فالتعليم قضية وطنية كبرى، وأي نظام تعليمي ناجح هو النظام القادر على التوازن بين المعايير العالمية والخصوصية المحلية، وبين الانضباط الإداري والواقع الاجتماعي، وبين عدد الأيام وجودة التعلم.


ولعل الجرأة التي يحتاجها الحوار التربوي اليوم لا تقتصر على مراجعة عدد الأيام الدراسية أو توزيع الإجازات، بل تمتد إلى إعادة التفكير في فلسفة التقويم الدراسي نفسها.


فمن قال إن العام الدراسي يجب أن يبدأ في أغسطس أو سبتمبر وينتهي في يونيو؟ وهل هناك نص تربوي أو علمي يلزمنا بهذا التوقيت تحديداً؟


الواقع أن كثيراً من دول العالم تبني تقاويمها الدراسية وفق ظروفها المناخية والاجتماعية والثقافية، لا وفق نموذج عالمي واحد. فدول شرق آسيا، على سبيل المثال، لا تبدأ أعوامها الدراسية جميعها في سبتمبر، كما أن دولاً أخرى تنطلق من يناير أو أبريل أو غيرها من الأشهر بحسب ما يناسب واقعها الوطني.


ومن هنا يمكن طرح فكرة تستحق الدراسة الجادة: ماذا لو أصبح العام الدراسي في المملكة مرتبطاً بالدورة الزمنية التي يعيشها المجتمع فعلاً، فيبدأ مع مطلع شهر محرم وينتهي بنهاية شعبان؟


عندها ستتحوّل أشهر رمضان وشوال وذي القعدة وذي الحجة إلى مساحة مختلفة للتعلم غير التقليدي؛ مساحة للبرامج الإثرائية، والمراكز الصيفية، والرحلات التعليمية، والتطوع، والأنشطة الثقافية والرياضية، واكتشاف المواهب، وتنمية المهارات الحياتية التي كثيراً ما تضيق عنها الجداول الدراسية المعتادة.


وقد يكون المكسب الأكبر في مثل هذا التصور هو بناء عام دراسي أكثر استقراراً وانسيابية، بعيداً عن الانقطاعات المتكررة التي تستهلك جزءاً من الطاقة التعليمية في إعادة التهيئة والاستعداد بعد كل إجازة أو موسم.


لسنا هنا بصدد الدعوة إلى نموذج بعينه، ولكننا ندعو إلى فتح باب النقاش حول المسلمات التي اعتدناها طويلاً. فربما كان السؤال الصحيح ليس: كيف نُكمل عدد الأيام المطلوبة؟ بل: كيف نبني عاماً دراسياً ينسجم مع مجتمعنا، ويحقق أفضل تعلم ممكن لأبنائنا الطلاب.


وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم الذي يستحق أن نتحاور حوله بهدوء وشفافية: هل نريد عاماً دراسياً أطول على الورق؟ أم نريد عاماً دراسياً أكثر انسيابية وفاعلية وأثراً في حياة أبنائنا؟


فاليوم التعليمي الحقيقي ليس ذلك اليوم الذي يُضاف إلى الإحصاءات، بل ذلك اليوم الذي يضيف شيئاً لعقل الطالب وشخصيته ومستقبله.

منذ يومين

حين يغيب صوت المؤسسات الرسمية.. يحكم المؤثرون!

في زمن أصبحت المعلومة تمس حياة الناس اليومية بشكل مباشر، لم يعد مقبولاً أن تتعامل بعض الجهات الرسمية مع التواصل بوصفه ترفاً إعلامياً أو نشاطاً هامشياً يمكن تركه لحسابات مجهولة أو مؤثرين أو تسريبات غير رسمية.


فحين يتعلق الأمر بالتعليم أو الصحة أو التوظيف أو تحديث البيانات أو القرارات التنظيمية التي تمس ملايين الأفراد، فإن الصمت الرسمي لا يصنع الهيبة، ولكن يفتح الباب للفوضى والقلق والتأويلات.


المثير للتأمل أن بعض الجهات تمتلك متحدثين رسميين، وإدارات اتصال مؤسسي، ومنصات إعلامية متكاملة، لكنها لا تتحرك إلا بعد تصاعد الغضب المجتمعي أو انتشار وسم غاضب أو تداول خبر أربك الناس. حينها فقط يظهر النفي السريع، وتبدأ لغة «لا صحة لما يتم تداوله»، وكأن تلك الحسابات التي سبقت الجميع بالمعلومة قد اخترعت الأخبار من فراغ، لا من فراغ الاتصال الرسمي ذاته.


المشكلة ليست في وجود حسابات تنقل الأخبار، فالمجتمع بطبيعته يبحث عن المعلومة أينما وجدها، لكن الأزمة الحقيقية أن بعض الجهات تركت المجال فارغاً حتى أصبحت الحسابات غير الرسمية أكثر حضوراً وتأثيراً وثقة لدى الناس من القنوات الرسمية نفسها. وهذا مؤشر خطير على فجوة الاتصال، لا على قوة تلك الحسابات.


والأغرب أن بعض الجهات، بدل أن تعزز خطابها المؤسسي المباشر، تلجأ إلى المؤثرين لتسويق قراراتها أو تحسين صورتها أو تمرير رسائلها المجتمعية، وكأنها علامة تجارية تبحث عن انتشار، لا مؤسسة عامة يفترض أن تبني ثقتها عبر الوضوح والشفافية والمصارحة.


لا أحد يعترض على الاستفادة من الإعلام الجديد أو الشخصيات المؤثرة، لكن حين يصبح المؤثر أسبق من المتحدث الرسمي، وأكثر اطلاعاً من المواطن نفسه، فهنا يجب أن نتساءل: من يدير المشهد الاتصالي فعلاً؟


المجتمع اليوم أكثر وعياً، ولم يعد يبحث فقط عن «الخبر»، أصبح يبحث عن الجهة التي تحترم عقله وتصارحه وتشرح له وتتحمل مسؤولية قراراتها. فالتواصل المؤسسي الحقيقي ليس حملة دعائية، هو جزء من المسؤولية العامة. والجهة التي تخاف من المواجهة أو تتأخر عن توضيح الحقائق، تترك الناس فرائس للشائعات والتوتر وفقدان الثقة.


ولعل الأهم أن بعض الجهات لا تدرك أن الشفافية لم تعد خياراً تجميلياً، إنما هي ضرورة إدارية ووطنية. فكلما كان الخطاب الرسمي حاضراً وواضحاً وسريعاً، تقلصت مساحة الشائعة، وتراجع نفوذ الحسابات المجهولة، وشعر المواطن أن هناك من يخاطبه بوضوح لا عبر التسريبات أو «جس النبض» أو حملات المؤثرين.


وربما أحد أسباب هذا الارتباك الاتصالي أننا فقدنا كثيراً من أثر الصحافة الورقية المهنية، تلك الصحافة التي كانت تبحث عن الخبر، ثم تذهب إلى المسؤول مباشرة، وتسأله بوضوح، وتفتح الملفات الشائكة، وتطالب بالمعلومة والتبرير والتفسير دون خوف أو مواربة.


كانت الصحيفة آنذاك، ليست مجرد ناقل خبر، كانت سلطة رقابية ناعمة تخلق توازناً بين المؤسسة والمجتمع، وتجبر الجهات على الحديث لا الاختباء خلف البيانات المقتضبة أو الصمت الطويل.


أما اليوم، فقد ملأت الحسابات السريعة والمؤثرون جزءاً من هذا الفراغ، لكن الفرق كبير بين صحافة تملك أدوات السؤال والمعرفة والمسؤولية، وبين محتوى يبحث غالباً عن التفاعل والسبق والانتشار.


المؤسسات الكبرى لا تُقاس فقط بما تنجزه، تقاس بقدرتها على الحديث بثقة ووضوح مع المجتمع. لأن الصمت الطويل، ثم الظهور المتأخر تحت ضغط الغضب، لا يصنع هيبة.. بقدر ما يكشف ارتباكاً كان يمكن تجنبه منذ البداية.


وهنا يبرز سؤال مهم حول دور هيئة تنظيم الإعلام ومركز التواصل الحكومي في إعادة ضبط العلاقة بين الجهات الرسمية والمجتمع إعلامياً.


فالمشهد اليوم لا يحتاج فقط إلى حملات ترويجية أو حضور رقمي كثيف، يحتاج إلى بناء ثقافة تواصل مؤسسي واضحة، تجعل المعلومة الرسمية حاضرة قبل الشائعة، والمتحدث الرسمي أقرب من الحسابات المجهولة، والشفافية ممارسة يومية لا رد فعل مؤقتاً عند الأزمات.


كما أن من أدوار التنظيم الإعلامي حماية المجتمع من الفوضى المعلوماتية، وفي المقابل دفع الجهات إلى احترام حق الناس في المعرفة والتفسير والتوضيح، لأن غياب المعلومة الدقيقة لا يخلق فراغاً.. ولكنه يخلق روايات متعددة قد يصعب احتواؤها لاحقاً.


وفي النهاية، لا يمكن لأي مؤسسة أن تبني ثقة المجتمع وهي تخجل من قراراتها، أو تبحث دائماً عمّن ينوب عنها في شرحها وتبريرها وتمريرها.


فالمؤسسات الواثقة تتحدث بنفسها، وتواجه النقد بشفافية، وتحترم الناس بالمعلومة الواضحة لا بالتسريبات ولا بحملات المؤثرين.


ومتى تدرك بعض الجهات أن الصراحة المؤسسية ليست مخاطرة.. هي جزء أصيل من احترام المجتمع ووعيه!

00:26 | 25-05-2026

في يومها العالمي.. حرية الصحافة أم فوضى اليوزرات؟

في اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا يبدو الحديث عن الحرية ترفًا فكريًا بقدر ما هو ضرورة لإعادة تعريفها في زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم وتبدّلت فيه موازين التأثير. فالحرية، في معناها الأصيل، ليست انفلاتًا من كل قيد، هي التزامٌ واعٍ بالحقيقة، وانحيازٌ مهنيّ لما يثبّت الوعي العام ويحميه من التشوّش.


هي ليست حقّ القول فحسب، إنما مسؤولية القول؛ وليست القدرة على النشر، بل القدرة على التحقّق، والجرأة على التصحيح، والالتزام بما يتجاوز اللحظة إلى ما يخدم المجتمع.


من هنا، تبدو الصحافة —في جوهرها— أحد أكثر المهن تعقيدًا في ممارسة الحرية، لأنها تتحرك دائمًا بين خطوط دقيقة: بين حق الجمهور في المعرفة، وواجب حماية الاستقرار بكل أنواعه، بين كشف الحقيقة، وتجنّب التسرّع أو التهويل. هذه المعادلة لم تكن يومًا سهلة، لكنها اليوم أصبحت أكثر هشاشة في ظل مشهد إعلامي عالمي تتقدّمه السرعة على حساب الدقة، والتفاعل على حساب المهنية.


لقد عانت الصحف، محليًا ودوليًا، من تحوّلات عميقة تجاوزت مسألة «الخطوط الحمراء» التقليدية إلى ما يمكن تسميته بـ«الخطوط الرقمية الطيّارة». لم تعد القيود تأتي فقط من أنظمة أو سياسات تحرير، ولكن من موجات رأي عام تتشكّل في لحظات عبر منصات التواصل، تفرض بدورها سقوفًا جديدة، وتعيد توجيه البوصلة الإعلامية نحو ما يطلبه الجمهور، لا ما يحتاجه. وهنا تحديدًا تبدأ معاناة الصحافة الحديثة: كيف تحافظ على استقلالها المهني في بيئة تُكافئ الإثارة أكثر مما تُكافئ التحقّق؟


في المشهد المحلي، نلحظ أن الصحف تسعى إلى مواكبة التحوّلات الاجتماعية والاقتصادية الكبرى، وتعمل ضمن إطار مسؤول يحفظ التوازن بين الانفتاح الإعلامي ومتطلبات الاستقرار. إلا أن التحدي الحقيقي لم يعد في «ما يُسمح بنشره»، التحدي في «ما يسبق النشر» خارج الأطر المهنية. فالحسابات الفردية —بقدرتها على التأثير السريع— باتت تفرض واقعًا إعلاميًا موازيًا، يتجاوز أحيانًا المؤسسات، ويضعها في موقف المتلقي بدل أن تكون صانعة للسرد.


أما دوليًا، فقد دخلت الصحافة في اختبار أكثر تعقيدًا، حيث تتقاطع حرية التعبير مع الاستقطاب السياسي، وتتحوّل المنصات إلى ساحات صراع معلوماتي، تختلط فيها الحقائق بالشائعات، وتُستثمر فيها الحرية أحيانًا كأداة للتأثير لا كقيمة إنسانية. وفي هذا السياق، لم تعد الصحف تواجه فقط ضغوط السلطة أو السوق، بل تواجه منافسة مفتوحة مع ملايين «الناشرين الأفراد» الذين لا تحكمهم ذات المعايير المهنية.


إن المفارقة الكبرى اليوم أن سقف التعبير لم ينخفض بقدر ما تغيّر موقعه. لم تعد الصحافة وحدها من تمارس حرية النشر، بل أصبح الأفراد —عبر حساباتهم— يمارسون تأثيرًا واسعًا دون ذات القدر من المساءلة. وهذا التحوّل أوجد حالة من «تضخم الصوت» مقابل «تراجع المعنى»، حيث يعلو الصخب على حساب العمق، ويُكافأ الانتشار أكثر من الدقة.


لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح في هذا اليوم لا يقتصر على قياس مساحة الحرية، بل يتجاوزها إلى مساءلة جودتها: هل ما نملكه اليوم هو حرية تُنتج وعيًا، أم حرية تُغرقه في فوضى الانطباعات؟ وهل استطاعت الصحافة أن تحافظ على دورها كمرجعية موثوقة، أم أنها باتت تنافس على ذات أرضية التفاعل اللحظي؟


إن استعادة المعنى الحقيقي لحرية الصحافة لا تكون بمزيد من الأصوات، تكون بمزيد من المسؤولية. ولا تكون بإلغاء الحسابات، إنما بإعادة الاعتبار للمعايير التي تجعل من الكلمة قيمة، لا مجرد محتوى. ففي زمنٍ تتكاثر فيه المنصات، تظل الحاجة قائمة إلى صحافة تعرف أن الحرية ليست ما يُقال فقط، ولكن كيف يُقال، ولماذا، ولمن؟!

00:36 | 5-05-2026

هل حين يخفّ الحضور الرسمي... يبدأ الأثر الحقيقي.. التعليم والإعلام أنموذجًا..!

ليست المشكلة في وجود المؤسسات، إنما في اللحظة التي يتحوّل فيها حضورها من دعمٍ للعمل... إلى عبءٍ عليه، ومن تنظيمٍ يحفظ الجودة... إلى طبقاتٍ تستهلكها قبل أن تصل.!


ليست الفكرة أن نُلغِي، ولا أن نستغني، بل أن نتأمّل شكل الحضور حين يثقل، ودوره حين يخفّ.


في لحظة تفكير هادئة، يمكن أن نطرح سؤالًا لا يبحث عن إجابة بقدر ما يكشف زاوية جديدة للنظر:


ماذا لو تغيّر حضور بعض المؤسسات الكبرى من إدارة التفاصيل اليومية إلى الاكتفاء برسم الاتجاه العام؟


ليس السؤال موجّهًا ضد أحد، ولا يحمل رغبة في تقليل قيمة أي دور، بل هو محاولة لفهم العلاقة بين «كثافة الحضور» و«جودة الأثر».


لأننا في كثير من الأحيان، نخلط بينهما، فنظن أن زيادة الإجراء تعني بالضرورة تحسن النتيجة، وأن تضاعف المتابعة يضمن ارتفاع الجودة.


ولنعش لحظة صادقة، بعيدًا عن المجاملات، ونطرح سؤالًا يبدو جريئًا، لكنه ضروري:


هل كل ما نفعله اليوم في التعليم والإعلام... يضيف فعلًا إلى النتيجة؟


أم أن جزءًا منه وهو ليس بالقليل، بات يدور حول ذاته؟


ليس المقصود التقليل من أهمية الدور، ولا الدعوة إلى فراغ مؤسسي، بل مواجهة حقيقة تتسلل بهدوء:


أن تضخم الإجراء قد يصبح عائقًا أمام الهدف الذي وُجد من أجله.


في التعليم، لم يعد التحدي في غياب الخطط، إنما في كثرتها. ولم يعد السؤال: هل نُتابع؟ أصبح السؤال: كم مرة نُتابع الشيء ذاته بصيغٍ مختلفة؟


المعلم اليوم لا يعاني من نقص التوجيه، يعاني من كثرة فائضه..!


تعاميم، نماذج، مؤشرات، زيارات، تقارير...


كلها وُجدت لضبط الجودة، لكنها حين تتكاثر تسحب جزءًا من طاقة المعلّم بعيدًا عن أهم ما يقوم به: التعليم نفسه.


في التعليم، حيث تتشكّل العقول قبل أي شيء آخر، قد يبدو هذا السؤال أكثر حساسية. فالمؤسسات التعليمية لم تُنشأ عبثًا، بل لضبط المسار، وتوحيد الحد الأدنى من الجودة، وضمان أن يصل كل طالب إلى فرصة عادلة من التعلم. لكن، مع مرور الوقت، قد تتكاثر الوسائط بين المعلم والطالب، حتى تصبح هي المشهد، ويتراجع الجوهر إلى الخلف.


وفي خضم هذا الزخم، يحدث التحول الأخطر دون أن نشعر: ينتقل الجهد من تحسين الفعل... إلى إثبات حدوثه. ومن تطوير التجربة... إلى توثيقها.


هنا، لا تختفي الجودة، لكنها تُستبدل بصورةٍ عنها.


نقيس ما يمكن تسجيله... لا ما يستحق أن يحدث.!


ولو خفّ هذا الحمل—ولو جزئيًا—سنكتشف مفارقة لافتة: أن كثيرًا من المعلمين قادرون على تقديم أفضل مما يُطلب منهم... لو تُركت لهم مساحة أوسع للتركيز، لا للملاحقة.!


وقد يحدث ما يشبه العودة إلى الأصل؛ أن يقف المعلم أمام طلابه دون أن يسبقه «النموذج»، ولا يلاحقه «المؤشر».!


ولكن عندما يخفّ هذا الحضور التنفيذي، ولو نظريًا، قد نكتشف شيئًا مختلفًا. قد يعود المعلم إلى موقعه الأول، لا بوصفه منفّذًا لإجراء، بل بوصفه صانعًا للحظة تعليمية حقيقية.


سؤال بسيط، لكنه كفيل بإعادة تشكيل اليوم الدراسي: ماذا يحتاج هذا الطالب الآن؟


ليس ما الذي ينبغي أن يُكتب في الخطة، ولا ما الذي سيُسجَّل في الزيارة الصفية، إنما ما الذي سيبقى في ذهن الطالب بعد أن ينتهي الدرس.


هنا، لا تختفي الجودة، لكنها تتغير في مصدرها؛ تصبح نابعة من داخل الممارسة، لا مفروضة من خارجها.


وقد نكتشف أن بعض أعمق اللحظات التعليمية لم تكن يومًا ضمن إطارٍ رسمي، بل حدثت حين كان المعلم حاضرًا بكل وعيه، غير منشغلٍ بإثبات ما يفعل، بل منصرفًا إلى تحسينه.


قد لا يختفي النظام، لكن سيعود إلى حجمه الطبيعي: إطارٌ يحمي، لا شبكة تُقيّد.


وفي مجال آخر، في الإعلام، الصورة لا تقل وضوحًا.


الإشكال لم يعد في القدرة على النشر، بل في فائضه.


نُنتج أكثر... لكننا لا نقول أكثر.!


بيانات تُعاد بصياغات مختلفة، تغطيات تُشبه بعضها..


ومحتوى يستهلك الجهد في إخراجه... أكثر مما يستحقه مضمونه.


وحين يتراكم هذا النمط، يتشكّل وهم خطير:


أن الحضور المستمر يعني تأثيرًا حقيقيًا، بينما الحقيقة أن التكرار حين يفقد معناه، يُضعف الرسالة بدل أن يعززها. ولو خفّ هذا الإيقاع المفروض، لن يختفي الإعلام...ولكن سيُختبر. وسيبقى من يملك ما يقوله، ويتراجع من اعتاد أن يملأ الفراغ.


حين يخفّ الإيقاع المفروض، ويتراجع الضغط نحو الإنتاج المستمر، قد يتقلص الكم، لكنه يفسح المجال للمعنى. قد تختفي بعض الصيغ المتكررة، وتقلّ إعادة تدوير الرسائل، ويبقى الصوت الذي يملك ما يضيفه، لا ما يكرره.


ليس لأن التنظيم غاب، ولكن لأن الحاجة أصبحت هي المعيار. ولأن الرسالة، حين تكون حقيقية، لا تحتاج إلى أن تُقال عشر مرات لتصل.


وهنا تظهر الفكرة الجوهرية: المشكلة لم تكن يومًا في «وجود» المؤسسات، بقدر ما كانت في «كيفية حضورها».!


حين تصبح المؤسسة حاضرة في كل تفصيلة، تفقد تدريجيًا قدرتها على التأثير في الصورة الكبرى.


وحين تنشغل بإدارة التفاصيل، تبتعد عن دورها الأهم: ضبط الاتجاه.


لذلك، فإن النضج المؤسسي لا يُقاس بمدى السيطرة،


يقاس بقدرة المؤسسة على أن تتراجع خطوة... دون أن يختل المسار.


أن تثق بالميدان، لا أن تلاحقه. وأن تكتفي بتحديد الإطار، لا أن تُدير كل ما داخله.


هذا التصور لا يدعو إلى فراغ مؤسسي، ولا يتجاهل أهمية الإطار المنظّم، هو يطرح احتمالًا آخر: أن المؤسسات تبلغ نضجها الحقيقي حين لا تحتاج إلى أن تكون حاضرة في كل تفصيلة.


أن تتحول من إدارة العمل... إلى تمكينه. ومن متابعة كل خطوة... إلى الثقة في المسار.


عند هذه النقطة، لا يعود الحضور مقاسًا بعدد التعميمات، ولا بكمّ التقارير، سيكون بمدى وضوح الاتجاه، واستقرار البيئة، وقدرة الميدان على أن يعمل بثقة. لأن التحدي الحقيقي ليس في وجود المؤسسة، التحدي في المسافة بينها وبين من يعمل داخلها.


كلما طالت هذه المسافة، احتجنا إلى مزيد من الإجراءات لردمها، وكلما قصرت، أصبح العمل أكثر سلاسة، وأقرب إلى هدفه.


في هذه اللحظة، سيتغيّر شكل العمل بالكامل.


في كثير من التجارب، لا يكون العائق نقص الكفاءة، ولا غياب الرغبة، بل تضخم الوسيط بين الفعل ونتيجته.


طبقات من التنظيم، تبدأ لحماية الجودة، ثم تتكاثر حتى تستهلك جزءًا من الجهد الذي كان من المفترض أن يصل إلى المستفيد النهائي.


المعلم، في هذه الحالة، قد يقضي وقتًا في توثيق ما يقدّمه، أكثر مما يقضيه في تطويره.


والإعلامي قد ينشغل بإخراج المادة وفق القالب، أكثر من انشغاله بما إذا كانت تضيف شيئًا جديدًا.


هنا، لا تكون المشكلة في وجود النظام، بل في تحوّله بالتدريج إلى غاية بحد ذاته.


لذلك، فإن إعادة التفكير لا ينبغي أن تنطلق من فكرة التقليل أو الإلغاء، بل من إعادة التوازن.


أن تبقى المؤسسات، لكن بحضورٍ أذكى، أخف، وأكثر تركيزًا على الأثر لا الإجراء.


يصبح المعلم مسؤولًا عن جودة ما يقدّم... لا عن اكتمال ما يُطلب منه. ويصبح الإعلامي منشغلًا بما يقول... لا بعدد ما ينشر.


أن تصل التوجيهات حين تكون حاجة، لا عادة.


وأن تُكتب الخطط لتُنفّذ، لا لتُرفع. وأن تُقاس النتائج بما يحدث فعليًا، لا بما يُسجَّل فقط.


وقد يبدو هذا التحول، في ظاهره، تقليلًا للدور...


لكنه في حقيقته إعادة تعريف له. لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي منظومة، ليس ضعفها... هو اعتيادها على العمل دون أثرٍ يتناسب مع الجهد المبذول.


أن تستمر... لكن دون أن تُحدث فرقًا يُشعر به.


وهنا، لا يعود السؤال: هل يمكن أن نعمل بدون المؤسسات؟


يتحول إلى: هل يمكن أن نعمل... بشكلٍ يجعل حضورها أقل، وأثرها أكبر؟


هل يمكن أن نبني نموذجًا مؤسسيًا يمنح الميدان مساحة كافية ليبدع، دون أن يفقد الاتجاه؟


هل يمكن أن نجعل الثقة جزءًا من النظام، لا استثناءً داخله؟


هل يمكن أن نقلل الضجيج... لنسمع النتيجة؟


أن نخفف الإجراء... لنرى الفعل؟


ربما لا نحتاج إلى تقليل عدد المؤسسات،


لكننا بحاجة بشكلٍ أكثر إلحاحًا إلى تقليل ما يدور حولها من تعقيد.


أن تعود التوجيهات إلى معناها، والخطط إلى هدفها،


والقياس إلى حقيقته.


وربما لا نحتاج إلى أن نتخيّل غياب أي مؤسسة، لكننا بحاجة إلى أن نتخيّل شكلها حين تصل إلى أقصى درجات النضج؛ حاضرة حين يجب، وغائبة حين لا تضيف، تدعم دون أن تثقل، وتوجّه دون أن تُقيّد.


وحين يحدث ذلك، لن نشعر بأن شيئًا غاب... سنشعر أن ما كان موجودًا... أصبح يعمل أخيرًا كما ينبغي.


لأن الأثر الحقيقي، لا يبدأ حين نحضر أكثر..


يبدأ حين نحضر... بالقدر الذي يصنع فرقًا..


حينها فقط، لن يكون السؤال: هل يمكن أن نتقدّم بدونها؟


بل: كيف ساهمت بهدوئها في أن نتقدّم بشكلٍ أفضل؟


لأن النجاح الحقيقي لأي منظومة، لا يظهر حين تكون في الواجهة طوال الوقت، ولكن حين يصبح أثرها جزءًا طبيعيًا من المشهد...لا يحتاج إلى أن يُعلن عن نفسه.


النجاح أن تحوّلهما من «مُديرٍ للتفاصيل» إلى «حارسٍ للاتجاه»..


من جهةٍ تُدير كل شيء... إلى جهةٍ تضمن أن كل شيء يسير في المسار الصحيح.


عندها لن يكون السؤال: هل يمكن أن نعمل بدونها؟


سيكون:


هل يمكن أن نعمل... بشكلٍ يجعل حضورها أخف، وأثرها أعمق؟


لأن التجارب الناضجة لا تُقاس بكمّ ما تُديره..


بل بقدرتها على أن تجعل من يعمل داخلها... قادرًا على أن يُبدع دون أن يُثقل، وأن يُنجز دون أن يُراقب في كل خطوة، وأن يقدّم أفضل ما لديه... لأنه يريد، لا لأنه مطالب فقط.


حينها فقط...


قد لا نحتاج أن نتخيّل الغياب، لأننا سنكون قد وصلنا إلى مرحلةٍ يصبح فيها الحضور نفسه... غير مُرهِق،


بل مُعينًا، صامتًا، وفعّالًا.

19:10 | 24-04-2026

دعونا لا نكذب في تعليمنا.. لكي ننجو!

في التعليم، لا يبدأ الانحدار من نقص الموارد، ولا من ضعف الإمكانات، وإنما من لحظة صغيرة.. حين نقرر أن «نُجمّل الحقيقة»!

حين نقول: لا بأس، لن تُحدث هذه المرة فرقاً. لكنها تفعل. تفعل أكثر مما نتصور!

دعونا نواجه السؤال بصراحة:

كم مرة قلنا إن نسبة الغياب «محدودة»، بينما المقاعد الفارغة تروي حكاية أخرى؟

وكم مرة رُفعت التقارير بلغة مطمئنة، بينما الواقع داخل الفصول يئنّ بصمت؟

وكم مرة مُنحت درجات لا تعكس مستوى الطالب الحقيقي، فقط لأننا لا نريد فتح أبواب «لماذا؟» و«كيف؟» و«من المسؤول؟»

هذه ليست حالات فردية عابرة.. هي نمط يتكرر، وثقافة تتسلل بهدوء!

مدارسنا -في كثير من الأحيان- لا تتجنب الحقيقة لأنها لا تعرفها، ولكن لأنها تعرف كلفتها!

الصدق في التعليم اليوم ليس مجرد فضيلة، هو «مخاطرة إدارية». لأن قول الحقيقة قد يفتح سلسلة لا تنتهي من الإجراءات؛ مساءلات، خطط علاجية، زيارات إشرافية، تقارير إضافية، وضغوط متراكمة على المدرسة والمعلم.

ولأن النظام -في بعض صوره- يُثقل على من يقول الحقيقة، ويُريح من يُجمّلها.. يصبح الكذب خياراً عملياً، لا أخلاقياً فقط.

نكتب: «الغياب ضمن الحدود الطبيعية»، لنغلق ملفاً قد يُفتح على اتساعه!

ونرفع الدرجات، لئلا ندخل في دوامة الرسوب وما يتبعها من خطط وإجراءات!

نُظهر مؤشرات مطمئنة، لأن المؤشر الصادق قد يتحول إلى عبء يومي لا يُحتمل!

وهنا تكمن المفارقة القاسية: نحن لا نكذب لنخدع، بل لننجو. لكن.. من ينجو؟ ومن الذي يدفع الثمن؟

حين نكذب في أرقام الغياب، فإننا لا نُخفي رقماً، بل نُخفي مشكلة سلوكية وتربوية تتفاقم.

وحين نُجمّل الدرجات، فإننا لا نُكرم الطالب، ولكن نُخدّره، ونؤجل صدمته إلى مرحلة أكثر قسوة.

وحين نرفع تقارير مطمئنة، فإننا لا نُريح النظام، بقدر ما نحرمه من رؤية الحقيقة التي يحتاجها ليُصلح نفسه.

وفي سياق الحديث عن المصداقية في ممارساتنا التعليمية، تبرز اختبارات «نافس» -التي قدمت مؤخراً في مدارسنا-، كنموذج دالّ على هذه المفارقة.

فـ«نافس» وُجدت في الأصل لغاية نبيلة؛ لقياس نواتج التعلّم، وبناء صورة دقيقة عن مستوى الطلبة، بما يُمكّن من تحسين الأداء، وتوجيه الدعم، وصناعة قرار تعليمي قائم على بيانات حقيقية. وهذا في جوهره توجه صحيح وضروري لأي نظام يسعى للتطور.

لكن.. حين تتحول نتائج «نافس» إلى معيار ضغط، ومؤشر يُحاسَب عليه الميدان أكثر مما يُدعَم من خلاله، تبدأ الإشكالية!

ففي بعض الممارسات الميدانية، لم تعد «نافس» أداة تشخيص.. لكنها تحوّلت إلى سباق تحسين صورة.

نُدرّب الطلبة على نماذج متوقعة، لا على مهارات حقيقية. ونُركّز على «كيف نرفع النتيجة»، أكثر من «كيف نرفع المستوى».

وأحياناً.. نُمارس أشكالاً مختلفة من التجميل غير المباشر، لأن انخفاض النتيجة لا يُفهم دائماً كفرصة تطوير، إنما كإخفاق يجب تجنّبه!

وهنا، تعود ذات الدائرة: حين تكون كلفة الحقيقة مرتفعة، تصبح الممارسات الرمادية أكثر حضوراً.

المفارقة أن «نافس»، التي جاءت لتقيس الواقع، قد تُسهم -إن أُسيء استخدامها- في إخفائه.

لا لأنها أداة خاطئة، ولكن لأن البيئة المحيطة بها لم تُصمّم لتحمّل نتائجها بصدق.

ولهذا، فإن إصلاح أثر «نافس» لا يكون بإلغائها، إنما بإعادة تعريف علاقتنا بها؛ أن نراها أداة تعلّم، لا أداة محاسبة. وأن تُستخدم نتائجها لبناء خطط دعم حقيقية، لا لإصدار أحكام سريعة. وأن يُطمْأَن الميدان بأن انخفاض النتيجة هو بداية العمل، لا بداية اللوم.

حينها فقط.. تستعيد «نافس» معناها الحقيقي: مرآة صادقة، لا قناعاً إضافياً!

إن أخطر ما في الكذب التعليمي، أنه لا ينهار فجأة.. بل يتراكم بهدوء، حتى يصبح واقعاً مقبولاً. ثم معياراً. ثم ثقافة!

نصل إلى مرحلة يُصبح فيها الصادق «مزعجاً»، لأنه يُربك الصورة العامة. ويُنظر إلى المدرسة التي تُظهر مشكلاتها بصدق، على أنها «أقل جودة»، لا أكثر شفافية. بينما تُكافأ المدرسة التي تُحسن العرض، لا التي تُحسن العمل. وهنا يختل الميزان!

المعلم، الذي يُفترض أن يكون حامل رسالة، يجد نفسه بين خيارين؛ أن يكون صادقاً فيُثقل، أو مرناً فيُريح!

والمدرسة، التي يُفترض أن تكون بيئة تعلم حقيقية، تتحول أحياناً إلى مساحة إدارة مؤشرات، لا بناء إنسان.

لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:

لا يمكن أن «ننجو» في التعليم، ونحن نكذب عليه.

لا يمكن أن نُصلح نظاماً، ونحن نُخفي أعطاله.

ولا يمكن أن نبني مخرجات حقيقية، ونحن نُغذيها ببيانات غير حقيقية. فالتعليم، بطبيعته، لا يستجيب للتجميل.. بل للإصلاح.

ولنكن أكثر إنصافاً: لا يمكن أن نطالب الميدان بالصدق، ثم نُحمّله وحده تبعاته.

وليتنا حين يُبلّغ المعلم عن ضعف طلابه، فلا يجب أن يُثقل بسلسلة لا تنتهي من الإجراءات التي تستهلك وقته وجهده.

وحين تُظهر المدرسة نسب غياب مرتفعة، فلا ينبغي أن تُعامل كمتهمة، نعاملها كشريك في تشخيص المشكلة. وحين يُسجّل الرسوب بصدق، يجب أن يُنظر إليه كفرصة تدخل، لا كإخفاق إداري.

ولابد أن نعرف أن المشكلة ليست في الصدق.. ولكن في كلفة الصدق.

ولهذا، فإن إعادة المصداقية إلى التعليم، لا تبدأ بنداء أخلاقي فقط، تبدأ بإعادة تصميم الأنظمة بحيث تحمي الصادق، لا تُرهقه. وتُكافئ من يكشف الخلل، لا من يُخفيه.

نحن بحاجة إلى بيئة تقول للمدرسة: «قولوا الحقيقة.. ولن نُحاسبكم عليها، لإننا سنعمل معكم عليها».

وبحاجة إلى ثقافة تُدرك أن الأرقام الجميلة لا تعني تعليماً جيداً، وأن الواقع -مهما كان صعباً- هو نقطة البداية لأي إصلاح.

دعونا لا نكذب في تعليمنا.. ليس لأن الكذب خطأ فقط، لأنه يُعطّلنا. يُبقينا في المكان ذاته، بينما نظن أننا نتقدم.

صحيح أن الصدق أحياناً مؤلم.. نعم. لكنه الطريق الوحيد للنهوض.

أما الكذب، فمريح.. لكنه الطريق الأسرع للانحدار.

وبين الألم المؤقت، والراحة المضللة.. يُكتب مستقبل التعليم.

00:04 | 19-04-2026

تمرُّد هادئ يعيد تشكيل الجامعات.. من يملك حق صناعة الإنسان؟

ماذا لو قررت جهات العمل يوماً، أن تقول للجامعات: شكراً.. لكننا سنُعلّم بطريقتنا؟

ماذا لو لم تعد تنتظر مخرجات جاهزة، وبدأت تصنع الإنسان الذي تحتاجه منذ البداية؟

الفكرة قد تبدو صادمة، لكنها في الحقيقة بدأت تتسلل بهدوء!

في هذا التحول، لم تعد الشهادة كافية لتمنحك مكاناً، ولا المناهج التقليدية قادرة على ملاحقة تسارع الواقع. فالسوق يتحرك بسرعة، بينما التعليم -في كثير من حالاته- ما زال يسير بخطى ثابتة، وربما بطيئة.

هنا تبدأ لحظة «التمرد»، ليس تمرداً عدائياً، بل إعادة تعريف للأدوار.. فلم يعد السؤال المطروح اليوم: أين ندرس؟

بل أصبح: من يملك حق تشكيل الإنسان معرفياً ومهنياً؟

في التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم تعد الجامعات وحدها اللاعب المركزي في صناعة الكفاءات، كما لم تعد بيئات العمل مجرد متلقٍّ لمخرجاتها.

وهنا يكمن الخطر..

ليس في تمرد الشركات، بل في جمود الجامعات.

ما يحدث بصمت -لكنه بوضوح متزايد- هو إعادة توزيع عميقة للسلطة بين التعليم والعمل، حيث بدأت المؤسسات والشركات والهيئات الإنتاجية تتحرك خارج أدوارها التقليدية، لتؤسس منظومات تعليمية خاصة بها، لا تنتظر، ولا تتكيف.. بل تبادر وتُعيد البناء.

هذا التحول لا يأتي من فراغ. فالسوق اليوم لا يحتمل البطء، ولا يُجيد الانتظار.

المهارات تتقادم بسرعة، والتخصصات تتغير، والوظائف نفسها لم تعد ثابتة كما كانت.

وفي ظل هذا الواقع، لم تعد الشهادة الجامعية -في صورتها التقليدية- كافية لتكون جواز عبور مضموناً إلى سوق العمل، لأنها أصبحت في كثير من الأحيان مجرد نقطة بداية، أو حتى مجرد مؤشر غير كافٍ.

من هنا، بدأت بعض بيئات العمل تتخذ خطوات تتجاوز فكرة التدريب إلى ما هو أعمق:

تصميم مسارات تعليمية متكاملة، بناء أكاديميات داخلية، وإعادة تعريف العلاقة مع (الموظف المستقبلي) منذ مراحل مبكرة. لم يعد الهدف توظيف من هو جاهز، بل صناعة الجاهزية ذاتها.

لكن هذا (التمرد الهادئ) يطرح سؤالاً أكثر جوهرية: هل نحن أمام أفول دور الجامعات؟

الإجابة -على قدر ما تبدو حاسمة- هي أكثر تعقيداً. فالجامعة، في أصل فكرتها، لم تُنشأ لتكون مجرد مزود للمهارات، ولكن لتكون بيئة لتكوين العقل النقدي، وبناء القدرة على الفهم العميق، واستيعاب السياقات، وتوليد المعرفة لا استهلاكها فقط.

وهو دور لا يمكن لأي منظومة مهنية -مهما بلغت من التطور- أن تؤديه بمعزل عن استقلال فكري ومنهجي.

لكن الحقيقة المؤلمة أن هذا الدور نفسه بدأ يتآكل حين اختزلت بعض الجامعات نفسها في (شهادة)، وحين أصبح الطالب يمر عبرها ليخرج منها دون أن تتغير طريقته في التفكير، بل فقط سيرته الذاتية.

غير أن الإشكال لا يكمن في الفكرة.. إنما في الممارسة. فحين تختزل بعض الجامعات نفسها في دور مانح الشهادات، وتفقد قدرتها على التجدد، فإنها تفرغ من جوهرها، وتفتح المجال لبدائل أكثر مرونة، وأكثر التصاقاً بالواقع.

في المقابل، فإن بيئات العمل -رغم سرعتها وكفاءتها- تواجه تحديّاً آخر:

كيف تبني إنساناً لا يقتصر على الأداء، بل يمتلك القدرة على التفكير، والمراجعة، والابتكار خارج الأطر المحددة له؟

فالتعليم الذي يُصمم على مقاس الحاجة الآنية، قد ينجح في سد فجوة، لكنه قد يعجز عن بناء أفق.

وهنا يتضح أن القضية ليست صراعاً بين طرفين، بقدر ما هي اختبار لنموذجين:

تعليم يسعى إلى الفهم العميق، وتعليم يسعى إلى الجاهزية الفورية.

المعادلة الأكثر خطورة ليست في انتصار أحدهما، ولكن في اختلال التوازن بينهما.

لذلك، ربما لا نشهد نهاية الجامعات، ولا صعوداً مطلقاً لبيئات العمل كبديل تعليمي، سنشهد لحظة مفصلية تعيد تعريف الأدوار:

جامعات مطالبة بأن تستعيد جوهرها، وتواكب واقعها، وبيئات عمل مدعوة لأن تتجاوز فكرة التدريب إلى المساهمة في بناء الإنسان، لا استهلاكه.

في نهاية المطاف، لن يكون السؤال: من يملك الشهادة؟

سيكون: من يملك القدرة على التعلم المستمر، والتكيف، وصناعة المعنى في عالم لا يتوقف عن التغير؟

وهناك.. فقط، تتحدد القيمة الحقيقية للتعليم.

الشهادة اليوم لم تعد ضماناً، لكنها لم تفقد قيمتها بالكامل.

قيمتها لم تعد في وجودها، بل في معناها.

هل تعني أنك تعلّمت؟ أم أنك فقط أنهيت؟

في عالم يتغير بهذه السرعة، لم يعد السؤال: من يملك المعرفة؟

السؤال: من يستطيع أن يُعيد تشكيلها، وتوظيفها، والتكيف معها؟

ربما نحن لا نشهد نهاية الجامعات، بل نشهد اختبارها الحقيقي.

إما أن تعود إلى دورها الأصيل: بناء العقول القادرة على فهم العالم، أو تترك المساحة لجهات تُتقن تدريب الأيدي فقط.

وفي المنتصف، يقف جيلٌ جديد، لا يبحث عن شهادة.. بل عن قيمة.

00:01 | 12-04-2026

كما ألغينا الورق.. هل نلغي المكاتب؟

في كل عام، ومع دخول شهر رمضان، يتكرر المشهد نفسه: تقليص ساعات العمل، ومرونة أكبر في الأداء، وتجربة أوسع للعمل عن بعد في عدد من الجهات. وفي كل عام يتضح أن العمل لم يتوقف، وأن المؤسسات لم تتعطل، وأن كثيراً من المهام تُنجز بكفاءة لافتة. ومع ذلك، ما إن ينتهي هذا الشهر حتى تعود المؤسسات إلى نمطها التقليدي الصارم، وكأن التجربة لم تكن درساً يستحق أن نتوقف عنده.


الحقيقة التي يصعب على بعض أصحاب القرار التقليدي الاعتراف بها هي أن نموذج الدوام الطويل داخل المكاتب لم يعد النموذج الوحيد للإنتاجية. العالم تغيّر، وأدوات العمل تغيّرت، وطبيعة الوظائف نفسها لم تعد مرتبطة بالمكان بقدر ارتباطها بالمعرفة والاتصال الرقمي.


ما كشفه رمضان بوضوح هو أن تقليص ساعات العمل ومرونة الأداء لا يعنيان انخفاض الإنتاجية. في كثير من الحالات يحدث العكس؛ فحين يشعر الموظف أن وقته مُدار بعقلانية، وأن حياته الشخصية تحظى بالاعتبار، يعمل بتركيز أعلى ويقدم جودة أفضل، ويصبح أقل استنزافاً وأكثر قدرة على العطاء.


الفكرة التي قد تبدو صادمة للبعض أننا بحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم الدوام نفسه. فإذا نجحت المؤسسات في التحول إلى المعاملات بلا ورق، فلماذا لا نفتح النقاش حول دوام بلا مكاتب في كثير من الوظائف؟ ليس كل عمل يحتاج إلى مبنى ضخم أو حضور يومي خلف طاولة ثابتة.


توسيع نماذج العمل المرن والعمل عن بعد في جزء من السنة أو في بعض القطاعات سيحقق فوائد متعددة. أول هذه الفوائد خفض تكاليف التشغيل على المؤسسات؛ فالمقار الكبيرة تستهلك ميزانيات مرتفعة في الإيجارات والطاقة والخدمات والصيانة. ويمكن تقليص جزء معتبر من هذه التكاليف عندما تتبنى المؤسسات نماذج عمل هجينة تجمع بين الحضور والعمل عن بُعد.


الفائدة الثانية تتعلق بالموظف نفسه. آلاف الموظفين يقضون جزءاً كبيراً من يومهم في التنقل بين المنزل والعمل، ويصرفون من دخلهم على الوقود والمواصلات، ويواجهون ضغط الطرق والازدحام. تقليل أيام الحضور أو ساعات الدوام يعني تخفيف التكلفة المادية والنفسية على الموظف، وهو ما ينعكس مباشرة على رضاه الوظيفي وعلى مستوى إنتاجه.


أما الفائدة الثالثة فهي أثرها على المدينة. تقليل الحركة اليومية في الطرقات يخفف الازدحام، ويخفض استهلاك الطاقة، ويقلل من الانبعاثات، ويجعل المدن أكثر هدوءاً وانسيابية. نحن لا نتحدث هنا عن قرار إداري صغير، بل عن تحول اقتصادي واجتماعي وحضري.


كثير من الاقتصادات المتقدمة بدأت تعيد تعريف العمل. المعيار لم يعد عدد الساعات التي يقضيها الموظف في المكتب، بل قيمة ما ينجزه فعلياً. الإنتاجية أصبحت مرتبطة بالنتائج لا بالحضور، وبالأثر لا بعدد ساعات البقاء في المبنى.


يبقى سؤال مهم ينبغي طرحه اليوم:


لماذا يُفرض نموذج عمل واحد على جميع الجهات؟


ولماذا لا تُمنح كل جهة الصلاحية الكافية لتحديد النموذج الأنسب لطبيعة أعمالها، بدل أن تلتزم جميع المؤسسات بنظام موحد وتشريع واحد؟ فالجهات تختلف في مهامها، وفي طبيعة وظائفها، وفي نوع الخدمات التي تقدمها. ما يصلح لجهة قد لا يكون مناسباً لأخرى.


المرونة المؤسسية قد تكون أحد مفاتيح الكفاءة في المرحلة المقبلة. منح الجهات مساحة لاتخاذ القرار في تنظيم العمل سيخلق نماذج متنوعة، ويكشف التجارب الأكثر نجاحاً، ويتيح تطوير السياسات بناءً على الواقع لا على الافتراض.


رمضان يقدّم لنا كل عام تجربة عملية. تجربة تقول إن العمل لا يتوقف عندما تقل ساعات الدوام، وإن الإنتاجية لا ترتبط دائماً بطول الجلوس خلف المكتب. وربما آن الأوان أن نتعامل مع هذه التجربة بوصفها مختبراً إدارياً يمكن أن يقود إلى تحول أكبر في ثقافة العمل.


المستقبل يتجه نحو المرونة، نحو الثقة في الموظف، ونحو قياس الأداء بالنتائج. وإذا أردنا اقتصاداً أكثر كفاءة، وموظفاً أكثر توازناً، ومدناً أقل ازدحاماً، فإن الخطوة الأولى تبدأ بإعادة التفكير في فكرة بسيطة تعودنا عليها طويلاً: أن العمل لا يحدث إلا داخل المكتب.


ربما حان الوقت لنقولها بوضوح:


كما نجحنا في بناء معاملات بلا ورق.. يمكننا أيضاً أن ننجح في بناء دوام بلا مكاتب.

00:19 | 16-03-2026

هيئة التقويم والتدريب.. من يقيّم عملها؟

لم تعد اختبارات الرخصة المهنية واختبارات القدرات العامة والتحصيلي وبقية اختبارات هيئة التقويم والتدريب مجرد أدوات قياس عابرة، لقد تحولت إلى مصير حقيقي، وإلى بوابة تُفتح أو تُغلق أمام مستقبل إنسان، ووظيفة شاب، وفرصة معلم، ومسار أسرة كاملة تُعلّق أحلامها على رقمٍ يخرج في رسالة نصية. وعندما يصبح «الرقم» بهذا الوزن وهذه الخطورة، فإن السؤال العادل الذي يجب أن يُطرح بصوت المجتمع التعليمي كله هو:


من يراجع هذه الاختبارات؟ من يُقيّم المقيّمين؟ ومن يحاسب الجهة التي تمتلك سلطة إصدار حكمٍ نهائي على مستقبل الناس؟


لسنا ضد القياس، ولسنا ضد التطوير، ولسنا ضد أن توجد اختبارات تضع معايير وتكشف الفروق؛ نحن ضد الغموض، وضد الثقة المطلقة بمنتج غير قابل للمساءلة، وضد أن تتحوّل الهيئة إلى جهة تحاسب الجميع ولا يُحاسبها أحد!


أصبح من الضروري، بل من الواجب الوطني، تشكيل لجنة عليا مستقلة تضم خبراء جامعات ومتخصصين تربويين ونفسيين وقانونيين وممثلين حقيقيين من الميدان التعليمي لمراجعة فلسفة هذه الاختبارات ومحتواها وعدالتها وأثرها النفسي والاجتماعي، والأهم آليات التصحيح وتوزيع الدرجات.


آلاف الساعات تُهدر في المذاكرة، ملايين الريالات تُصرف على الدورات، وقلق طويل يعيشه المختبِر وعائلته، ثم يفاجأ بأن النتيجة لا تتغير، وأنه يعود ليقف عند الدرجة نفسها، كأن جهده لم يُحتسب ولم يُرَ!


هل من المنطقي أن تتكرر درجات ضخمة من المختبرين حول سقف (65) بهذا الشكل الواسع والمستمر رغم اختلاف الأفراد والجهود والخلفيات؟ هذا النمط المتكرر يضعنا أمام احتمالين؛


إما أن تصميم الاختبارات يحمل خللاً في قدرته على التفريق بين المستويات!


أو أن آلية التصحيح والوزن النسبي للأسئلة غير عادلة أو غير مفهومة!


في كل أنظمة التعليم التي تحترم نفسها، ثبات الأرقام على نمط واحد مؤشر خطر يستدعي تدخلاً علمياً عاجلاً، لأن الاختبار العادل يفترض أن يُفرّق، وأن يمنح مساحة للتحسن، وأن يترك للجهد فرصة أن يظهر ويُقدَّر!


أما أن يتحول إلى ختم قاسٍ يطبع الدرجة نفسها مهما تغيّر الجهد، فذلك ظلم تربوي لا يمكن تبريره. الشفافية هنا ليست ترفاً، ولكنه حقٌ أخلاقي ومهني وقانوني، ومن حق المختبر أن يعرف كيف تُحسب درجته، وما وزن كل محور، وهل كل الأسئلة متساوية الدرجة أم أن بعضها حاكم وبعضها هامشي؟


وماذا يعني أن يفوته سؤال أو سؤالان، وما الذي يحدد أن يكون 70 أو 80 أو 50.


فليس من حق أي جهة تقول إنها «تقيس جودة التعليم والمخرجات» أن تمنع الشفافية عن المجتمع الذي تُقوِّمه!


وإذا كنا نتحدث تحديداً عن الاختبار التربوي، فإن المطالبة بالوضوح تكون أكثر قوة، لأننا نتحدث عن معلم يفترض أنه شريك واعٍ في العملية التعليمية، فكيف يُطالب بالثقة في اختبار لا يعرف فلسفته ولا آلية حسابه؟


المطلوب أن تخرج هيئة التقويم بوضوح للمجتمع وتشرح آلية التصحيح، وتكشف وثيقة واضحة لوزن المحاور، وتفسر السبب الواقعي والعلمي لتكرار الدرجات المتشابهة بهذا الشكل اللافت، فهذا ليس سراً عسكرياً ولا أمناً وطنياً، إنما هو حق لمختبر دفع وتعب وانتظر ثم وجد نتيجة قد تحرمه من وظيفة أو تقلل فرص ترقيه أو تعطي عنه حكماً قاسياً بأنه غير مؤهل!


نحن لا نتحدث عن ورقة اختبار فقط، نحن نتحدث عن مستقبل دراسي ووظيفي، واستقرار نفسي، وثقة اجتماعية، وعدالة تعليمية، وعن أثر نفسي عميق يصيب الطلاب والمعلمين والأسر والميدان التعليمي كله.


المطلوب الآن، وليس غداً، هو تشكيل لجنة مستقلة، ونشر وثيقة واضحة لآلية التصحيح خاصة في الاختبار التربوي، وفتح قنوات اعتراض حقيقية وليست شكلية، والاعتراف بأن منظومة التقويم نفسها تحتاج إلى تقويم، وأن القياس يحتاج إلى أن يُقاس علمياً وبصدق!


لسنا في معركة ضد هيئة التقويم، نحن في معركة من أجل العدالة والشفافية وكرامة المعلم واطمئنان الطالب وثقة المجتمع، ومن أجل أن يشعر كل مجتهد أن جهده لن يُختزل في رقم غامض لا يعرف كيف وُلد. القياس الحقيقي ليس في تعقيد الاختبار بل في عدالته، والنجاح الحقيقي للهيئة ليس في فرض واقع صامت، بل في مواجهة أسئلة المجتمع بشجاعة، وحين تكون الهيئة واثقة من جودة منتجاتها، فلن تخشى كشفها.

11:32 | 10-03-2026

من أطفأ صوت الصحفي؟ وهل وجوده فعلًا عبء على المرحلة؟

لم يختفِ الصحفي لأن الزمن تجاوزه، بل لأن المشهد قرر الاستغناء عنه.!

اختفى لأن الحقيقة صارت ثقيلة، ولأن السؤال الجاد لم يعد مرغوبًا، ولأن المهنة التي كانت يومًا ضمير الحدث تحوّلت إلى عبء على صناعة تبحث عن الهدوء لا عن الصدق.!

لم يغب الصحفي فجأة، ولم ينقرض بضربة واحدة.! ما جرى أشبه بموتٍ بطيء، صامت، جرى أمام أعين الجميع... بلا فتح تحقيق، وبلا تقديم متهم، وبلا جنازة تليق بدوره الذي كان يومًا حجر الزاوية في المشهد الإعلامي.

كان الصحفي قلب الخبر النابض: يتقصّى، يتحقّق، يسأل السؤال المزعج، ويكشف المخالفة قبل أن تتحوّل إلى كارثة.!

كان عين المجتمع، وأحيانًا درعه.. شعاره «جئتكم بنبأ يقين»، «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت..».

يدعم المسؤول حين يُظلم، وينفي الشائعة حين تتضخم، ويقف في المنتصف حين تتنازع الروايات.

اليوم؟ صار الخبر يُنتج بلا صحفي، ويُستهلك بلا مساءلة..! بعد أن كان الصحفي سابقًا هو من يذهب إلى الموقع، يسمع الروايات المتناقضة، يتأكد، ويكتب. لم يكن يملك منصة ضخمة، ولا أدوات رقمية مبهرة، ولا فريق إنتاج خلفه.!

كان يحمل دفترًا، ومسجلاً بسيطًا، وكاميرا متواضعة إن وُجدت.

اليوم، ومع صعود ما يُسمّى بالإعلام الجديد، خصوصًا عبر منصة X، تغيّر المشهد كليًا.

آلاف يُطلق عليهم شبه «صحفيين» أو «صنّاع محتوى»، يكتبون في اللحظة، يحلّلون في الثانية، ويصدرون الأحكام قبل اكتمال الرواية.!

من الظلم أن تكون هناك مقارنة حقيقية بين مهنية الصحفي الورقي سابقًا، الذي كان يُحاسَب على كل كلمة، وبين ممارسات واسعة اليوم لا تخضع لتحرير ولا لتدقيق ولا لمسؤولية واضحة.!

الفرق ليس في الوسيلة، ولكن في المنهج والمبدأ والرسالة.!

الصحافة ليست سرعة، هي تحقق من معلومة. هي ليست مجرد رأي، يسكنها استقصاء وبحث.. ليست تفاعلًا، إنما مسؤولية ومهنية محضة.

ويبقى السؤال: من المسؤول عن موت الصحفي؟

وتأتي الإجابة، المسؤول ليس جهة واحدة، بل منظومة كاملة ساهمت في إزاحة الصحفي من المشهد، ممثلة في المؤسسات الإعلامية التي استبدلت التحقيق بالبيان، والتحرير بالنسخ، والميدان بالمنصّة السريعة.

وكذلك المنصّات الرقمية التي رفعت سرعة النشر فوق قيمة التحقق، وحوّلت «الترند» إلى معيار وحيد.

وفي ظل تبدل المصالح أتت ثقافة العلاقات العامة التي تمدّدت حتى ابتلعت الصحافة، فصار الخبر إعلانًا مقنّعًا، والحدث حملة، واللغة تلميعًا.

ولا ننسى في المقابل، الصحفي نفسه حين قَبِل التنازل عن أدواته، أو استسهل الطريق، أو صمت طويلًا.

وسط هذا التحوّل، لا بد من السؤال الصريح:

هل يصح أن نناقش مستقبل الإعلام دون أن نواجه حقيقة تراجع دور الصحفي؟ هل يمكن الحديث عن صناعة إعلامية متقدّمة بينما الصحفي الحقيقي غائب أو مُقصى؟ وهل أصبح الإعلام أقوى فعلًا بعد أن خفّ صوته المهني، أم فقط أكثر ضجيجًا؟

ثم يأتي الدور المنتظر لهيئة الصحفيين السعوديين، ليس بوصفها جهة رمزية، بل لأنها حارس للمهنة.

السؤال هنا لها ليس اتهامًا، إنما هو مراجعة: هل دافعت الهيئة بما يكفي عن الصحفي؟ عن حقه في السؤال؟ عن مكانته أمام تمدد المحتوى غير المهني؟ أم أن التحوّلات كانت أسرع من قدرة المهنة على حماية نفسها؟

أين الهيئة من حماية المهنة؟ من تمكين الصحفي؟ من بناء مظلة أخلاقية ومهنية واضحة؟ من الدفاع عن حق السؤال، وكرامة الممارسة، وأمن الميدان؟ هل اكتفت بالدور البروتوكولي، أم آن لها أن تقود معركة استعادة الصحافة من الهامش؟

الحقيقة القاسية: لا إعلام بلا صحفي، ولا صحافة بلا حرية مهنية مسؤولة، ولا منتديات ولا هيئات تُجدي إن لم تُترجم إلى سياسات وتمكين وحماية.

إحياء الصحفي لا يحتاج خطابات، يحتاج لقرارات: غرف تحقيق حقيقية، تشريعات تحمي السؤال، تدريب يُعيد الاعتبار للمهارة، ومساءلة تُعيد الثقة.

ولنكن أكثر صراحة، وربما أكثر إيلامًا: هل وجود الصحفي المناضل الآن يضر بالمرحلة الحالية وتسارعها وتحوّلاتها؟

الإجابة التي يتجنبها كثيرون هي: نعم، يضر... إن كانت المرحلة لا تريد الأسئلة.!

يضر إن كانت لا تحتمل النقد.!

يضر إن كانت تفضّل الصورة المصقولة على الحقيقة الكاملة.!

الصحفي الحقيقي يحمل هم وطنه فلا يصفّق كثيرًا، ولا يصمت طويلًا، ولا يمرر كل شيء. وهذا بالضبط ما يجعله غير مريح للبعض..!

لكن الحقيقة الأعمق أن المرحلة التي تخشى الصحفي، هي مرحلة تخشى نفسها.!

فالصحفي المهني لا يعرقل التنمية، هو يحميها من الخطأ.

لا يهدم الثقة، ولكن يبنيها على أساس متين. ولا يعادي المسؤول، إنما يمنحه فرصة الظهور في صورته الصحيحة، بعيدًا عن الشائعة والمبالغة.

غياب الصحفي عن المشهد التنموي ليس تطورًا، ولكنه يتسبب بفراغ ونقصان لافت.!

وكل فراغ تملؤه الفوضى، مهما بدا لامعًا على الشاشات.

هذا ليس رثاءً لمهنة، ولكنه إنذار للبحث عن حل.!

فالصحفي إن عاد، عاد معه التوازن.. وإن غاب، ظلّ الخبر ناقصًا... مهما كان لامعًا.

00:25 | 27-02-2026