أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1885.jpg?v=1772116948&w=220&q=100&f=webp

خالد الباتلي

دعونا لا نكذب في تعليمنا.. لكي ننجو!

في التعليم، لا يبدأ الانحدار من نقص الموارد، ولا من ضعف الإمكانات، وإنما من لحظة صغيرة.. حين نقرر أن «نُجمّل الحقيقة»!

حين نقول: لا بأس، لن تُحدث هذه المرة فرقاً. لكنها تفعل. تفعل أكثر مما نتصور!

دعونا نواجه السؤال بصراحة:

كم مرة قلنا إن نسبة الغياب «محدودة»، بينما المقاعد الفارغة تروي حكاية أخرى؟

وكم مرة رُفعت التقارير بلغة مطمئنة، بينما الواقع داخل الفصول يئنّ بصمت؟

وكم مرة مُنحت درجات لا تعكس مستوى الطالب الحقيقي، فقط لأننا لا نريد فتح أبواب «لماذا؟» و«كيف؟» و«من المسؤول؟»

هذه ليست حالات فردية عابرة.. هي نمط يتكرر، وثقافة تتسلل بهدوء!

مدارسنا -في كثير من الأحيان- لا تتجنب الحقيقة لأنها لا تعرفها، ولكن لأنها تعرف كلفتها!

الصدق في التعليم اليوم ليس مجرد فضيلة، هو «مخاطرة إدارية». لأن قول الحقيقة قد يفتح سلسلة لا تنتهي من الإجراءات؛ مساءلات، خطط علاجية، زيارات إشرافية، تقارير إضافية، وضغوط متراكمة على المدرسة والمعلم.

ولأن النظام -في بعض صوره- يُثقل على من يقول الحقيقة، ويُريح من يُجمّلها.. يصبح الكذب خياراً عملياً، لا أخلاقياً فقط.

نكتب: «الغياب ضمن الحدود الطبيعية»، لنغلق ملفاً قد يُفتح على اتساعه!

ونرفع الدرجات، لئلا ندخل في دوامة الرسوب وما يتبعها من خطط وإجراءات!

نُظهر مؤشرات مطمئنة، لأن المؤشر الصادق قد يتحول إلى عبء يومي لا يُحتمل!

وهنا تكمن المفارقة القاسية: نحن لا نكذب لنخدع، بل لننجو. لكن.. من ينجو؟ ومن الذي يدفع الثمن؟

حين نكذب في أرقام الغياب، فإننا لا نُخفي رقماً، بل نُخفي مشكلة سلوكية وتربوية تتفاقم.

وحين نُجمّل الدرجات، فإننا لا نُكرم الطالب، ولكن نُخدّره، ونؤجل صدمته إلى مرحلة أكثر قسوة.

وحين نرفع تقارير مطمئنة، فإننا لا نُريح النظام، بقدر ما نحرمه من رؤية الحقيقة التي يحتاجها ليُصلح نفسه.

وفي سياق الحديث عن المصداقية في ممارساتنا التعليمية، تبرز اختبارات «نافس» -التي قدمت مؤخراً في مدارسنا-، كنموذج دالّ على هذه المفارقة.

فـ«نافس» وُجدت في الأصل لغاية نبيلة؛ لقياس نواتج التعلّم، وبناء صورة دقيقة عن مستوى الطلبة، بما يُمكّن من تحسين الأداء، وتوجيه الدعم، وصناعة قرار تعليمي قائم على بيانات حقيقية. وهذا في جوهره توجه صحيح وضروري لأي نظام يسعى للتطور.

لكن.. حين تتحول نتائج «نافس» إلى معيار ضغط، ومؤشر يُحاسَب عليه الميدان أكثر مما يُدعَم من خلاله، تبدأ الإشكالية!

ففي بعض الممارسات الميدانية، لم تعد «نافس» أداة تشخيص.. لكنها تحوّلت إلى سباق تحسين صورة.

نُدرّب الطلبة على نماذج متوقعة، لا على مهارات حقيقية. ونُركّز على «كيف نرفع النتيجة»، أكثر من «كيف نرفع المستوى».

وأحياناً.. نُمارس أشكالاً مختلفة من التجميل غير المباشر، لأن انخفاض النتيجة لا يُفهم دائماً كفرصة تطوير، إنما كإخفاق يجب تجنّبه!

وهنا، تعود ذات الدائرة: حين تكون كلفة الحقيقة مرتفعة، تصبح الممارسات الرمادية أكثر حضوراً.

المفارقة أن «نافس»، التي جاءت لتقيس الواقع، قد تُسهم -إن أُسيء استخدامها- في إخفائه.

لا لأنها أداة خاطئة، ولكن لأن البيئة المحيطة بها لم تُصمّم لتحمّل نتائجها بصدق.

ولهذا، فإن إصلاح أثر «نافس» لا يكون بإلغائها، إنما بإعادة تعريف علاقتنا بها؛ أن نراها أداة تعلّم، لا أداة محاسبة. وأن تُستخدم نتائجها لبناء خطط دعم حقيقية، لا لإصدار أحكام سريعة. وأن يُطمْأَن الميدان بأن انخفاض النتيجة هو بداية العمل، لا بداية اللوم.

حينها فقط.. تستعيد «نافس» معناها الحقيقي: مرآة صادقة، لا قناعاً إضافياً!

إن أخطر ما في الكذب التعليمي، أنه لا ينهار فجأة.. بل يتراكم بهدوء، حتى يصبح واقعاً مقبولاً. ثم معياراً. ثم ثقافة!

نصل إلى مرحلة يُصبح فيها الصادق «مزعجاً»، لأنه يُربك الصورة العامة. ويُنظر إلى المدرسة التي تُظهر مشكلاتها بصدق، على أنها «أقل جودة»، لا أكثر شفافية. بينما تُكافأ المدرسة التي تُحسن العرض، لا التي تُحسن العمل. وهنا يختل الميزان!

المعلم، الذي يُفترض أن يكون حامل رسالة، يجد نفسه بين خيارين؛ أن يكون صادقاً فيُثقل، أو مرناً فيُريح!

والمدرسة، التي يُفترض أن تكون بيئة تعلم حقيقية، تتحول أحياناً إلى مساحة إدارة مؤشرات، لا بناء إنسان.

لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:

لا يمكن أن «ننجو» في التعليم، ونحن نكذب عليه.

لا يمكن أن نُصلح نظاماً، ونحن نُخفي أعطاله.

ولا يمكن أن نبني مخرجات حقيقية، ونحن نُغذيها ببيانات غير حقيقية. فالتعليم، بطبيعته، لا يستجيب للتجميل.. بل للإصلاح.

ولنكن أكثر إنصافاً: لا يمكن أن نطالب الميدان بالصدق، ثم نُحمّله وحده تبعاته.

وليتنا حين يُبلّغ المعلم عن ضعف طلابه، فلا يجب أن يُثقل بسلسلة لا تنتهي من الإجراءات التي تستهلك وقته وجهده.

وحين تُظهر المدرسة نسب غياب مرتفعة، فلا ينبغي أن تُعامل كمتهمة، نعاملها كشريك في تشخيص المشكلة. وحين يُسجّل الرسوب بصدق، يجب أن يُنظر إليه كفرصة تدخل، لا كإخفاق إداري.

ولابد أن نعرف أن المشكلة ليست في الصدق.. ولكن في كلفة الصدق.

ولهذا، فإن إعادة المصداقية إلى التعليم، لا تبدأ بنداء أخلاقي فقط، تبدأ بإعادة تصميم الأنظمة بحيث تحمي الصادق، لا تُرهقه. وتُكافئ من يكشف الخلل، لا من يُخفيه.

نحن بحاجة إلى بيئة تقول للمدرسة: «قولوا الحقيقة.. ولن نُحاسبكم عليها، لإننا سنعمل معكم عليها».

وبحاجة إلى ثقافة تُدرك أن الأرقام الجميلة لا تعني تعليماً جيداً، وأن الواقع -مهما كان صعباً- هو نقطة البداية لأي إصلاح.

دعونا لا نكذب في تعليمنا.. ليس لأن الكذب خطأ فقط، لأنه يُعطّلنا. يُبقينا في المكان ذاته، بينما نظن أننا نتقدم.

صحيح أن الصدق أحياناً مؤلم.. نعم. لكنه الطريق الوحيد للنهوض.

أما الكذب، فمريح.. لكنه الطريق الأسرع للانحدار.

وبين الألم المؤقت، والراحة المضللة.. يُكتب مستقبل التعليم.

منذ 5 ساعات

تمرُّد هادئ يعيد تشكيل الجامعات.. من يملك حق صناعة الإنسان؟

ماذا لو قررت جهات العمل يوماً، أن تقول للجامعات: شكراً.. لكننا سنُعلّم بطريقتنا؟

ماذا لو لم تعد تنتظر مخرجات جاهزة، وبدأت تصنع الإنسان الذي تحتاجه منذ البداية؟

الفكرة قد تبدو صادمة، لكنها في الحقيقة بدأت تتسلل بهدوء!

في هذا التحول، لم تعد الشهادة كافية لتمنحك مكاناً، ولا المناهج التقليدية قادرة على ملاحقة تسارع الواقع. فالسوق يتحرك بسرعة، بينما التعليم -في كثير من حالاته- ما زال يسير بخطى ثابتة، وربما بطيئة.

هنا تبدأ لحظة «التمرد»، ليس تمرداً عدائياً، بل إعادة تعريف للأدوار.. فلم يعد السؤال المطروح اليوم: أين ندرس؟

بل أصبح: من يملك حق تشكيل الإنسان معرفياً ومهنياً؟

في التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم تعد الجامعات وحدها اللاعب المركزي في صناعة الكفاءات، كما لم تعد بيئات العمل مجرد متلقٍّ لمخرجاتها.

وهنا يكمن الخطر..

ليس في تمرد الشركات، بل في جمود الجامعات.

ما يحدث بصمت -لكنه بوضوح متزايد- هو إعادة توزيع عميقة للسلطة بين التعليم والعمل، حيث بدأت المؤسسات والشركات والهيئات الإنتاجية تتحرك خارج أدوارها التقليدية، لتؤسس منظومات تعليمية خاصة بها، لا تنتظر، ولا تتكيف.. بل تبادر وتُعيد البناء.

هذا التحول لا يأتي من فراغ. فالسوق اليوم لا يحتمل البطء، ولا يُجيد الانتظار.

المهارات تتقادم بسرعة، والتخصصات تتغير، والوظائف نفسها لم تعد ثابتة كما كانت.

وفي ظل هذا الواقع، لم تعد الشهادة الجامعية -في صورتها التقليدية- كافية لتكون جواز عبور مضموناً إلى سوق العمل، لأنها أصبحت في كثير من الأحيان مجرد نقطة بداية، أو حتى مجرد مؤشر غير كافٍ.

من هنا، بدأت بعض بيئات العمل تتخذ خطوات تتجاوز فكرة التدريب إلى ما هو أعمق:

تصميم مسارات تعليمية متكاملة، بناء أكاديميات داخلية، وإعادة تعريف العلاقة مع (الموظف المستقبلي) منذ مراحل مبكرة. لم يعد الهدف توظيف من هو جاهز، بل صناعة الجاهزية ذاتها.

لكن هذا (التمرد الهادئ) يطرح سؤالاً أكثر جوهرية: هل نحن أمام أفول دور الجامعات؟

الإجابة -على قدر ما تبدو حاسمة- هي أكثر تعقيداً. فالجامعة، في أصل فكرتها، لم تُنشأ لتكون مجرد مزود للمهارات، ولكن لتكون بيئة لتكوين العقل النقدي، وبناء القدرة على الفهم العميق، واستيعاب السياقات، وتوليد المعرفة لا استهلاكها فقط.

وهو دور لا يمكن لأي منظومة مهنية -مهما بلغت من التطور- أن تؤديه بمعزل عن استقلال فكري ومنهجي.

لكن الحقيقة المؤلمة أن هذا الدور نفسه بدأ يتآكل حين اختزلت بعض الجامعات نفسها في (شهادة)، وحين أصبح الطالب يمر عبرها ليخرج منها دون أن تتغير طريقته في التفكير، بل فقط سيرته الذاتية.

غير أن الإشكال لا يكمن في الفكرة.. إنما في الممارسة. فحين تختزل بعض الجامعات نفسها في دور مانح الشهادات، وتفقد قدرتها على التجدد، فإنها تفرغ من جوهرها، وتفتح المجال لبدائل أكثر مرونة، وأكثر التصاقاً بالواقع.

في المقابل، فإن بيئات العمل -رغم سرعتها وكفاءتها- تواجه تحديّاً آخر:

كيف تبني إنساناً لا يقتصر على الأداء، بل يمتلك القدرة على التفكير، والمراجعة، والابتكار خارج الأطر المحددة له؟

فالتعليم الذي يُصمم على مقاس الحاجة الآنية، قد ينجح في سد فجوة، لكنه قد يعجز عن بناء أفق.

وهنا يتضح أن القضية ليست صراعاً بين طرفين، بقدر ما هي اختبار لنموذجين:

تعليم يسعى إلى الفهم العميق، وتعليم يسعى إلى الجاهزية الفورية.

المعادلة الأكثر خطورة ليست في انتصار أحدهما، ولكن في اختلال التوازن بينهما.

لذلك، ربما لا نشهد نهاية الجامعات، ولا صعوداً مطلقاً لبيئات العمل كبديل تعليمي، سنشهد لحظة مفصلية تعيد تعريف الأدوار:

جامعات مطالبة بأن تستعيد جوهرها، وتواكب واقعها، وبيئات عمل مدعوة لأن تتجاوز فكرة التدريب إلى المساهمة في بناء الإنسان، لا استهلاكه.

في نهاية المطاف، لن يكون السؤال: من يملك الشهادة؟

سيكون: من يملك القدرة على التعلم المستمر، والتكيف، وصناعة المعنى في عالم لا يتوقف عن التغير؟

وهناك.. فقط، تتحدد القيمة الحقيقية للتعليم.

الشهادة اليوم لم تعد ضماناً، لكنها لم تفقد قيمتها بالكامل.

قيمتها لم تعد في وجودها، بل في معناها.

هل تعني أنك تعلّمت؟ أم أنك فقط أنهيت؟

في عالم يتغير بهذه السرعة، لم يعد السؤال: من يملك المعرفة؟

السؤال: من يستطيع أن يُعيد تشكيلها، وتوظيفها، والتكيف معها؟

ربما نحن لا نشهد نهاية الجامعات، بل نشهد اختبارها الحقيقي.

إما أن تعود إلى دورها الأصيل: بناء العقول القادرة على فهم العالم، أو تترك المساحة لجهات تُتقن تدريب الأيدي فقط.

وفي المنتصف، يقف جيلٌ جديد، لا يبحث عن شهادة.. بل عن قيمة.

00:01 | 12-04-2026

كما ألغينا الورق.. هل نلغي المكاتب؟

في كل عام، ومع دخول شهر رمضان، يتكرر المشهد نفسه: تقليص ساعات العمل، ومرونة أكبر في الأداء، وتجربة أوسع للعمل عن بعد في عدد من الجهات. وفي كل عام يتضح أن العمل لم يتوقف، وأن المؤسسات لم تتعطل، وأن كثيراً من المهام تُنجز بكفاءة لافتة. ومع ذلك، ما إن ينتهي هذا الشهر حتى تعود المؤسسات إلى نمطها التقليدي الصارم، وكأن التجربة لم تكن درساً يستحق أن نتوقف عنده.


الحقيقة التي يصعب على بعض أصحاب القرار التقليدي الاعتراف بها هي أن نموذج الدوام الطويل داخل المكاتب لم يعد النموذج الوحيد للإنتاجية. العالم تغيّر، وأدوات العمل تغيّرت، وطبيعة الوظائف نفسها لم تعد مرتبطة بالمكان بقدر ارتباطها بالمعرفة والاتصال الرقمي.


ما كشفه رمضان بوضوح هو أن تقليص ساعات العمل ومرونة الأداء لا يعنيان انخفاض الإنتاجية. في كثير من الحالات يحدث العكس؛ فحين يشعر الموظف أن وقته مُدار بعقلانية، وأن حياته الشخصية تحظى بالاعتبار، يعمل بتركيز أعلى ويقدم جودة أفضل، ويصبح أقل استنزافاً وأكثر قدرة على العطاء.


الفكرة التي قد تبدو صادمة للبعض أننا بحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم الدوام نفسه. فإذا نجحت المؤسسات في التحول إلى المعاملات بلا ورق، فلماذا لا نفتح النقاش حول دوام بلا مكاتب في كثير من الوظائف؟ ليس كل عمل يحتاج إلى مبنى ضخم أو حضور يومي خلف طاولة ثابتة.


توسيع نماذج العمل المرن والعمل عن بعد في جزء من السنة أو في بعض القطاعات سيحقق فوائد متعددة. أول هذه الفوائد خفض تكاليف التشغيل على المؤسسات؛ فالمقار الكبيرة تستهلك ميزانيات مرتفعة في الإيجارات والطاقة والخدمات والصيانة. ويمكن تقليص جزء معتبر من هذه التكاليف عندما تتبنى المؤسسات نماذج عمل هجينة تجمع بين الحضور والعمل عن بُعد.


الفائدة الثانية تتعلق بالموظف نفسه. آلاف الموظفين يقضون جزءاً كبيراً من يومهم في التنقل بين المنزل والعمل، ويصرفون من دخلهم على الوقود والمواصلات، ويواجهون ضغط الطرق والازدحام. تقليل أيام الحضور أو ساعات الدوام يعني تخفيف التكلفة المادية والنفسية على الموظف، وهو ما ينعكس مباشرة على رضاه الوظيفي وعلى مستوى إنتاجه.


أما الفائدة الثالثة فهي أثرها على المدينة. تقليل الحركة اليومية في الطرقات يخفف الازدحام، ويخفض استهلاك الطاقة، ويقلل من الانبعاثات، ويجعل المدن أكثر هدوءاً وانسيابية. نحن لا نتحدث هنا عن قرار إداري صغير، بل عن تحول اقتصادي واجتماعي وحضري.


كثير من الاقتصادات المتقدمة بدأت تعيد تعريف العمل. المعيار لم يعد عدد الساعات التي يقضيها الموظف في المكتب، بل قيمة ما ينجزه فعلياً. الإنتاجية أصبحت مرتبطة بالنتائج لا بالحضور، وبالأثر لا بعدد ساعات البقاء في المبنى.


يبقى سؤال مهم ينبغي طرحه اليوم:


لماذا يُفرض نموذج عمل واحد على جميع الجهات؟


ولماذا لا تُمنح كل جهة الصلاحية الكافية لتحديد النموذج الأنسب لطبيعة أعمالها، بدل أن تلتزم جميع المؤسسات بنظام موحد وتشريع واحد؟ فالجهات تختلف في مهامها، وفي طبيعة وظائفها، وفي نوع الخدمات التي تقدمها. ما يصلح لجهة قد لا يكون مناسباً لأخرى.


المرونة المؤسسية قد تكون أحد مفاتيح الكفاءة في المرحلة المقبلة. منح الجهات مساحة لاتخاذ القرار في تنظيم العمل سيخلق نماذج متنوعة، ويكشف التجارب الأكثر نجاحاً، ويتيح تطوير السياسات بناءً على الواقع لا على الافتراض.


رمضان يقدّم لنا كل عام تجربة عملية. تجربة تقول إن العمل لا يتوقف عندما تقل ساعات الدوام، وإن الإنتاجية لا ترتبط دائماً بطول الجلوس خلف المكتب. وربما آن الأوان أن نتعامل مع هذه التجربة بوصفها مختبراً إدارياً يمكن أن يقود إلى تحول أكبر في ثقافة العمل.


المستقبل يتجه نحو المرونة، نحو الثقة في الموظف، ونحو قياس الأداء بالنتائج. وإذا أردنا اقتصاداً أكثر كفاءة، وموظفاً أكثر توازناً، ومدناً أقل ازدحاماً، فإن الخطوة الأولى تبدأ بإعادة التفكير في فكرة بسيطة تعودنا عليها طويلاً: أن العمل لا يحدث إلا داخل المكتب.


ربما حان الوقت لنقولها بوضوح:


كما نجحنا في بناء معاملات بلا ورق.. يمكننا أيضاً أن ننجح في بناء دوام بلا مكاتب.

00:19 | 16-03-2026

هيئة التقويم والتدريب.. من يقيّم عملها؟

لم تعد اختبارات الرخصة المهنية واختبارات القدرات العامة والتحصيلي وبقية اختبارات هيئة التقويم والتدريب مجرد أدوات قياس عابرة، لقد تحولت إلى مصير حقيقي، وإلى بوابة تُفتح أو تُغلق أمام مستقبل إنسان، ووظيفة شاب، وفرصة معلم، ومسار أسرة كاملة تُعلّق أحلامها على رقمٍ يخرج في رسالة نصية. وعندما يصبح «الرقم» بهذا الوزن وهذه الخطورة، فإن السؤال العادل الذي يجب أن يُطرح بصوت المجتمع التعليمي كله هو:


من يراجع هذه الاختبارات؟ من يُقيّم المقيّمين؟ ومن يحاسب الجهة التي تمتلك سلطة إصدار حكمٍ نهائي على مستقبل الناس؟


لسنا ضد القياس، ولسنا ضد التطوير، ولسنا ضد أن توجد اختبارات تضع معايير وتكشف الفروق؛ نحن ضد الغموض، وضد الثقة المطلقة بمنتج غير قابل للمساءلة، وضد أن تتحوّل الهيئة إلى جهة تحاسب الجميع ولا يُحاسبها أحد!


أصبح من الضروري، بل من الواجب الوطني، تشكيل لجنة عليا مستقلة تضم خبراء جامعات ومتخصصين تربويين ونفسيين وقانونيين وممثلين حقيقيين من الميدان التعليمي لمراجعة فلسفة هذه الاختبارات ومحتواها وعدالتها وأثرها النفسي والاجتماعي، والأهم آليات التصحيح وتوزيع الدرجات.


آلاف الساعات تُهدر في المذاكرة، ملايين الريالات تُصرف على الدورات، وقلق طويل يعيشه المختبِر وعائلته، ثم يفاجأ بأن النتيجة لا تتغير، وأنه يعود ليقف عند الدرجة نفسها، كأن جهده لم يُحتسب ولم يُرَ!


هل من المنطقي أن تتكرر درجات ضخمة من المختبرين حول سقف (65) بهذا الشكل الواسع والمستمر رغم اختلاف الأفراد والجهود والخلفيات؟ هذا النمط المتكرر يضعنا أمام احتمالين؛


إما أن تصميم الاختبارات يحمل خللاً في قدرته على التفريق بين المستويات!


أو أن آلية التصحيح والوزن النسبي للأسئلة غير عادلة أو غير مفهومة!


في كل أنظمة التعليم التي تحترم نفسها، ثبات الأرقام على نمط واحد مؤشر خطر يستدعي تدخلاً علمياً عاجلاً، لأن الاختبار العادل يفترض أن يُفرّق، وأن يمنح مساحة للتحسن، وأن يترك للجهد فرصة أن يظهر ويُقدَّر!


أما أن يتحول إلى ختم قاسٍ يطبع الدرجة نفسها مهما تغيّر الجهد، فذلك ظلم تربوي لا يمكن تبريره. الشفافية هنا ليست ترفاً، ولكنه حقٌ أخلاقي ومهني وقانوني، ومن حق المختبر أن يعرف كيف تُحسب درجته، وما وزن كل محور، وهل كل الأسئلة متساوية الدرجة أم أن بعضها حاكم وبعضها هامشي؟


وماذا يعني أن يفوته سؤال أو سؤالان، وما الذي يحدد أن يكون 70 أو 80 أو 50.


فليس من حق أي جهة تقول إنها «تقيس جودة التعليم والمخرجات» أن تمنع الشفافية عن المجتمع الذي تُقوِّمه!


وإذا كنا نتحدث تحديداً عن الاختبار التربوي، فإن المطالبة بالوضوح تكون أكثر قوة، لأننا نتحدث عن معلم يفترض أنه شريك واعٍ في العملية التعليمية، فكيف يُطالب بالثقة في اختبار لا يعرف فلسفته ولا آلية حسابه؟


المطلوب أن تخرج هيئة التقويم بوضوح للمجتمع وتشرح آلية التصحيح، وتكشف وثيقة واضحة لوزن المحاور، وتفسر السبب الواقعي والعلمي لتكرار الدرجات المتشابهة بهذا الشكل اللافت، فهذا ليس سراً عسكرياً ولا أمناً وطنياً، إنما هو حق لمختبر دفع وتعب وانتظر ثم وجد نتيجة قد تحرمه من وظيفة أو تقلل فرص ترقيه أو تعطي عنه حكماً قاسياً بأنه غير مؤهل!


نحن لا نتحدث عن ورقة اختبار فقط، نحن نتحدث عن مستقبل دراسي ووظيفي، واستقرار نفسي، وثقة اجتماعية، وعدالة تعليمية، وعن أثر نفسي عميق يصيب الطلاب والمعلمين والأسر والميدان التعليمي كله.


المطلوب الآن، وليس غداً، هو تشكيل لجنة مستقلة، ونشر وثيقة واضحة لآلية التصحيح خاصة في الاختبار التربوي، وفتح قنوات اعتراض حقيقية وليست شكلية، والاعتراف بأن منظومة التقويم نفسها تحتاج إلى تقويم، وأن القياس يحتاج إلى أن يُقاس علمياً وبصدق!


لسنا في معركة ضد هيئة التقويم، نحن في معركة من أجل العدالة والشفافية وكرامة المعلم واطمئنان الطالب وثقة المجتمع، ومن أجل أن يشعر كل مجتهد أن جهده لن يُختزل في رقم غامض لا يعرف كيف وُلد. القياس الحقيقي ليس في تعقيد الاختبار بل في عدالته، والنجاح الحقيقي للهيئة ليس في فرض واقع صامت، بل في مواجهة أسئلة المجتمع بشجاعة، وحين تكون الهيئة واثقة من جودة منتجاتها، فلن تخشى كشفها.

11:32 | 10-03-2026

من أطفأ صوت الصحفي؟ وهل وجوده فعلًا عبء على المرحلة؟

لم يختفِ الصحفي لأن الزمن تجاوزه، بل لأن المشهد قرر الاستغناء عنه.!

اختفى لأن الحقيقة صارت ثقيلة، ولأن السؤال الجاد لم يعد مرغوبًا، ولأن المهنة التي كانت يومًا ضمير الحدث تحوّلت إلى عبء على صناعة تبحث عن الهدوء لا عن الصدق.!

لم يغب الصحفي فجأة، ولم ينقرض بضربة واحدة.! ما جرى أشبه بموتٍ بطيء، صامت، جرى أمام أعين الجميع... بلا فتح تحقيق، وبلا تقديم متهم، وبلا جنازة تليق بدوره الذي كان يومًا حجر الزاوية في المشهد الإعلامي.

كان الصحفي قلب الخبر النابض: يتقصّى، يتحقّق، يسأل السؤال المزعج، ويكشف المخالفة قبل أن تتحوّل إلى كارثة.!

كان عين المجتمع، وأحيانًا درعه.. شعاره «جئتكم بنبأ يقين»، «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت..».

يدعم المسؤول حين يُظلم، وينفي الشائعة حين تتضخم، ويقف في المنتصف حين تتنازع الروايات.

اليوم؟ صار الخبر يُنتج بلا صحفي، ويُستهلك بلا مساءلة..! بعد أن كان الصحفي سابقًا هو من يذهب إلى الموقع، يسمع الروايات المتناقضة، يتأكد، ويكتب. لم يكن يملك منصة ضخمة، ولا أدوات رقمية مبهرة، ولا فريق إنتاج خلفه.!

كان يحمل دفترًا، ومسجلاً بسيطًا، وكاميرا متواضعة إن وُجدت.

اليوم، ومع صعود ما يُسمّى بالإعلام الجديد، خصوصًا عبر منصة X، تغيّر المشهد كليًا.

آلاف يُطلق عليهم شبه «صحفيين» أو «صنّاع محتوى»، يكتبون في اللحظة، يحلّلون في الثانية، ويصدرون الأحكام قبل اكتمال الرواية.!

من الظلم أن تكون هناك مقارنة حقيقية بين مهنية الصحفي الورقي سابقًا، الذي كان يُحاسَب على كل كلمة، وبين ممارسات واسعة اليوم لا تخضع لتحرير ولا لتدقيق ولا لمسؤولية واضحة.!

الفرق ليس في الوسيلة، ولكن في المنهج والمبدأ والرسالة.!

الصحافة ليست سرعة، هي تحقق من معلومة. هي ليست مجرد رأي، يسكنها استقصاء وبحث.. ليست تفاعلًا، إنما مسؤولية ومهنية محضة.

ويبقى السؤال: من المسؤول عن موت الصحفي؟

وتأتي الإجابة، المسؤول ليس جهة واحدة، بل منظومة كاملة ساهمت في إزاحة الصحفي من المشهد، ممثلة في المؤسسات الإعلامية التي استبدلت التحقيق بالبيان، والتحرير بالنسخ، والميدان بالمنصّة السريعة.

وكذلك المنصّات الرقمية التي رفعت سرعة النشر فوق قيمة التحقق، وحوّلت «الترند» إلى معيار وحيد.

وفي ظل تبدل المصالح أتت ثقافة العلاقات العامة التي تمدّدت حتى ابتلعت الصحافة، فصار الخبر إعلانًا مقنّعًا، والحدث حملة، واللغة تلميعًا.

ولا ننسى في المقابل، الصحفي نفسه حين قَبِل التنازل عن أدواته، أو استسهل الطريق، أو صمت طويلًا.

وسط هذا التحوّل، لا بد من السؤال الصريح:

هل يصح أن نناقش مستقبل الإعلام دون أن نواجه حقيقة تراجع دور الصحفي؟ هل يمكن الحديث عن صناعة إعلامية متقدّمة بينما الصحفي الحقيقي غائب أو مُقصى؟ وهل أصبح الإعلام أقوى فعلًا بعد أن خفّ صوته المهني، أم فقط أكثر ضجيجًا؟

ثم يأتي الدور المنتظر لهيئة الصحفيين السعوديين، ليس بوصفها جهة رمزية، بل لأنها حارس للمهنة.

السؤال هنا لها ليس اتهامًا، إنما هو مراجعة: هل دافعت الهيئة بما يكفي عن الصحفي؟ عن حقه في السؤال؟ عن مكانته أمام تمدد المحتوى غير المهني؟ أم أن التحوّلات كانت أسرع من قدرة المهنة على حماية نفسها؟

أين الهيئة من حماية المهنة؟ من تمكين الصحفي؟ من بناء مظلة أخلاقية ومهنية واضحة؟ من الدفاع عن حق السؤال، وكرامة الممارسة، وأمن الميدان؟ هل اكتفت بالدور البروتوكولي، أم آن لها أن تقود معركة استعادة الصحافة من الهامش؟

الحقيقة القاسية: لا إعلام بلا صحفي، ولا صحافة بلا حرية مهنية مسؤولة، ولا منتديات ولا هيئات تُجدي إن لم تُترجم إلى سياسات وتمكين وحماية.

إحياء الصحفي لا يحتاج خطابات، يحتاج لقرارات: غرف تحقيق حقيقية، تشريعات تحمي السؤال، تدريب يُعيد الاعتبار للمهارة، ومساءلة تُعيد الثقة.

ولنكن أكثر صراحة، وربما أكثر إيلامًا: هل وجود الصحفي المناضل الآن يضر بالمرحلة الحالية وتسارعها وتحوّلاتها؟

الإجابة التي يتجنبها كثيرون هي: نعم، يضر... إن كانت المرحلة لا تريد الأسئلة.!

يضر إن كانت لا تحتمل النقد.!

يضر إن كانت تفضّل الصورة المصقولة على الحقيقة الكاملة.!

الصحفي الحقيقي يحمل هم وطنه فلا يصفّق كثيرًا، ولا يصمت طويلًا، ولا يمرر كل شيء. وهذا بالضبط ما يجعله غير مريح للبعض..!

لكن الحقيقة الأعمق أن المرحلة التي تخشى الصحفي، هي مرحلة تخشى نفسها.!

فالصحفي المهني لا يعرقل التنمية، هو يحميها من الخطأ.

لا يهدم الثقة، ولكن يبنيها على أساس متين. ولا يعادي المسؤول، إنما يمنحه فرصة الظهور في صورته الصحيحة، بعيدًا عن الشائعة والمبالغة.

غياب الصحفي عن المشهد التنموي ليس تطورًا، ولكنه يتسبب بفراغ ونقصان لافت.!

وكل فراغ تملؤه الفوضى، مهما بدا لامعًا على الشاشات.

هذا ليس رثاءً لمهنة، ولكنه إنذار للبحث عن حل.!

فالصحفي إن عاد، عاد معه التوازن.. وإن غاب، ظلّ الخبر ناقصًا... مهما كان لامعًا.

00:25 | 27-02-2026