أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1833.jpg?v=1764063993&w=220&q=100&f=webp

علي السعدوني

من سيبويه إلى شاشة السينما

كان الأكاديمي المتخصص في اللغة العربية قبل سنوات طويلة يعيش بين رفوف المعاجم، ويتنقل بين أبواب النحو والصرف، ويقضي نهاره في تتبع شواهد الشعر الجاهلي، ويبيت وهو يفكر في استعارة عند المتنبي، أو صورة بيانية عند أبي تمام، أو قضية نحوية اختلف فيها البصريون والكوفيون، حتى ليظن الرائي أن هذا الرجل خُلق من حبرٍ وورق، وأنه لا يعرف من الدنيا إلا ما يمر عبر بيت شعر أو صفحة مخطوطة.

ثم دارت الأيام دورتها، وتحركت عجلة الجامعات، وتبدلت اهتمامات الأقسام الأكاديمية، فإذا ببعض أولئك الذين أفنوا أعمارهم في مطاردة المفعول المطلق، وإعراب الممنوع من الصرف، والبحث في أسرار البلاغة العربية يخرجون علينا فجأة وهم يتحدثون عن زوايا التصوير، ولغة الكاميرا، والبناء الدرامي، واللقطة الطويلة، والسينما ما بعد الحداثية، وكأن سيبويه استقال من منصبه ليعمل مخرجاً سينمائياً، وكأن الجاحظ أغلق دكان البيان والتبيين ليفتتح مسرحاً تجريبياً في إحدى العواصم.

وليس في السينما عيب، ولا في المسرح ما يُستنكر، فهما فنّان لهما مكانتهما وقيمتهما الثقافية غير أن المشهد يصبح طريفاً حين ترى بعض الباحثين الذين كانوا بالأمس القريب يعدّون بيتاً من الشعر الجاهلي مادة تكفي لرسالة علمية كاملة أصبحوا اليوم يلاحقون المهرجانات السينمائية، ويحصون عدد الكاميرات المشاركة في الإنتاج، ويتحدثون عن الإيرادات وشباك التذاكر بلهجة الخبير الاقتصادي الذي قضى عمره بين شركات الاستثمار لا بين دواوين الشعر.

ويبدو أن لقمة العيش تمتلك قدرة عجيبة على إعادة تشكيل الاهتمامات، فالموضوع الذي كان يُعدّ هامشياً بالأمس أصبح اليوم محوراً للندوات والمؤتمرات والبحوث والمشروعات، والباحث الذي كان يفتش في بطون الكتب عن شاهد نحوي نادر أصبح يفتش في المنصات الرقمية عن أحدث فيلم وأشهر مسلسل وأقرب مهرجان، ليس لأن النحو فقد قيمته، ولا لأن البلاغة أصبحت بلا أهمية، بل لأن رياح السوق الأكاديمي تهب أحياناً في اتجاهات لا يستطيع كثيرون مقاومتها.

ولو عاد بعض أئمة العربية الأوائل إلى الحياة لأصابهم شيء من الدهشة وهم يرون أبناء تخصصهم يتحدثون ساعات طويلة عن تقنيات الإخراج والمؤثرات البصرية أكثر مما يتحدثون عن أسرار البيان العربي، ولربما سأل أحدهم متعجباً: أين ذهبت المعلقات؟ فيأتيه الجواب بأنها تنتظر دورها بعد انتهاء موسم الأفلام.

إن المشكلة ليست في الانتقال من حقل معرفي إلى آخر، فالثقافة بطبيعتها تتسع وتتجدّد، وإنما في ذلك التحوّل الحاد الذي يجعل بعض الأكاديميين يتعاملون مع تخصصاتهم الأولى وكأنها مرحلة مؤقتة انتهى وقتها مع أن اللغة العربية بما تحمله من تراث أدبي وبلاغي ونحوي هائل ما تزال قادرة على إنتاج المعرفة، وما تزال بحاجة إلى من يغوص في أعماقها، لا إلى من يغادرها عند أول إعلان عن مؤتمر أكثر بريقاً، أو مشروع أكثر تمويلاً، أو نافذة أوسع للحضور الإعلامي.

وهكذا وجدنا أنفسنا أمام مشهد ثقافي فريد؛ أستاذ أمضى نصف عمره يشرح المعلقات، ثم أصبح يشرح الملصقات السينمائية، وباحث قضى سنواته في تحليل القصيدة العربية، ثم انتقل إلى تحليل مشاهد المطاردات، ودارس للبلاغة كان يبحث عن جماليات الاستعارة فأصبح يبحث عن جماليات الإضاءة، أما سيبويه المسكين فربما يجلس في زاوية بعيدة يراقب كل ذلك بصمت متسائلاً: هل أخطأت حين كتبت الكتاب أم أن لقمة العيش أبلغ تأثيراً من كل قواعد النحو؟.

منذ يومين

الناس معاليف لا مواليف..

الناس معاليف لا مواليف، مثلٌ شعبي يبدو في ظاهره عبارة عابرة تتناقلها المجالس على سبيل التندر أو الحكمة المختصرة، غير أن من عاش التجربة وعاشر بالناس في ميادين الحياة المختلفة يدرك أن هذه الجملة الصغيرة تحمل من المعاني ما لا تحمله صفحات طويلة من الشرح والتنظير، فهي ليست وصفًا عابرًا لعلاقة اجتماعية محدودة، وإنما قراءة دقيقة لطبيعة بشرية تتكرر في الوظيفة، وفي التجارة، وفي المجالس العامة، وفي الوسط الثقافي، وفي العلاقات اليومية التي يظن الإنسان في بدايتها أنها قائمة على الصفاء والمحبة، ثم يكتشف بعد مرور الوقت أن كثيرًا منها لم يكن سوى عقود غير مكتوبة تحكمها المصالح، وتتحرك وفق مقدار ما يستطيع كل طرف أن يقدمه للطرف الآخر من منفعة مباشرة أو غير مباشرة، حتى يصبح الود عند بعض الناس مجرد شكل خارجي جميل يخفي وراءه حسابات أكثر برودة من كل عبارات المودة الظاهرة.


حين يدخل الإنسان بيئة العمل وهو يحمل نية صافية في أداء واجبه، يظن أن العلاقات المهنية تُبنى على الكفاءة والاحترام والإنجاز، ثم يبدأ مع الأيام في رؤية مشهد آخر أكثر تعقيدًا، فيجد من يقترب من المدير لا لعلمه ولا لخبرته ولا لإيمانه بقيادته، وإنما لقناعته بأن القرب من صاحب القرار طريق مختصر نحو امتيازات يتعذر نيلها من خلال المسارات النظامية المعتادة، فتتحول المجاملة إلى وسيلة عمل يومية، ويصبح الثناء المبالغ فيه مهارة يتقنها البعض أكثر من إتقانهم لواجباتهم الأساسية، ويُمارس الصمت في مواضع تستوجب الصراحة، ويُمنح التصفيق في مواقف تحتاج إلى نقد مسؤول، وتُبنى مساحات النفوذ الشخصي على حساب العدالة المهنية، فيصبح المنصب هو المحور الذي تدور حوله المصالح الحقيقية، لا شخصية المسؤول ولا كفاءته ولا تاريخه، وحين تتغير المواقع الإدارية أو ينتقل ذلك المدير من مكانه تتكشف الحقائق دفعة واحدة، فينصرف الذين كانوا يملؤون المكان حضورًا، وكأن شيئًا لم يكن، وكأن الوجوه التي كانت تبتسم كل صباح لم تعرف هذا الرجل يومًا.


المسؤول نفسه قد يقع في وهم هذه الكثرة، فيظن أن ازدحام الأبواب حوله علامة محبة خالصة، وأن كثرة المترددين على مجلسه دليل على مكانة راسخة في نفوس الناس، وأن كل ذلك الزحام الاجتماعي شهادة حقيقية على حضوره الإنساني، غير أن الأيام وحدها تملك سلطة التصحيح، فما إن يغادر الكرسي حتى يبدأ الصمت في أداء مهمته القاسية، فتقل الاتصالات، وتختفي الزيارات، وتتراجع عبارات الإعجاب التي كانت تتكرر بلا مناسبة، ويكتشف الإنسان متأخرًا أن كثيرًا من الاحتفاء لم يكن موجّهًا إليه بوصفه إنسانًا، وإنما إلى ما كان يملكه من قدرة على التوقيع، وما كان بيده من مفاتيح تمنح وتمنع وتفتح وتغلق، وفي تلك اللحظة تحديدًا يفهم معنى المثل الشعبي على صورته الحقيقية، ويدرك أن بعض العلاقات لا تعيش خارج ظل السلطة.


وفي دائرة المال تتسع المسألة بصورة أكثر وضوحًا، فالثري لا يُعامل في كثير من المجالس على قدر علمه أو أخلاقه أو عمق تجربته، وإنما على قدر ما يملكه من قدرة على التأثير المادي، فتتحول ضحكته إلى حدث يستحق المشاركة، ويُستقبل رأيه بوصفه حكمة لا تقبل الجدل، ويُحاط بصمت من الاحترام المصطنع حتى لو كان حديثه خاليًا من المعرفة، ويجد من حوله من يعيد صياغة أخطائه في صورة اجتهادات تستحق الإعجاب، لا احترامًا للحقيقة وإنما انحناءً غير معلن أمام سلطة المال، وكأن الثروة تمنح صاحبها شهادة تفوق في كل المجالات، حتى في تلك التي لم يقترب منها يومًا، وهذا من أخطر صور الخلل الاجتماعي حين يُستبدل معيار القيمة الإنسانية بمعيار الرصيد البنكي، وتصبح المصلحة المالية هي اللغة الأكثر فصاحة في العلاقات.


في الوسط الأدبي والثقافي، حيث يُفترض أن تكون المعرفة هي القيمة الأعلى، لا يختلف المشهد كثيرًا عن غيره، فبعض العلاقات التي تبدأ بعبارات الإعجاب بالنصوص والثناء على الفكر سرعان ما يتضح أنها لم تكن تقديرًا حقيقيًا للكلمة، وإنما محاولة للاقتراب من اسم معروف، أو رغبة في بناء جسر نحو حضور اجتماعي أوسع، أو بحث عن منفعة مرتبطة بالمكانة الثقافية لا بالمحتوى نفسه، فيقترب البعض من الكاتب حين يكون اسمه مفتاحًا، ثم يبتعدون فور انتهاء الحاجة، وكأن القراءة لم تكن هدفًا، وكأن الاحترام لم يكن موجّهًا للفكرة، بل لما يمكن أن تفتحه الفكرة من أبواب أخرى، وهذا من أكثر ما يرهق أصحاب التجارب الصادقة، حين يكتشفون أن بعض المديح الذي سمعوه لم يكن احتفاءً بالنص، بل استثمارًا مؤقتًا في العلاقة.


حتى العلاقات الاجتماعية البسيطة داخل الأسرة أو بين الأصدقاء لا تخلو من هذه الصورة، فكم من قريب لا يعرف الطريق إليك إلا حين يحتاج توقيعًا أو واسطة أو خدمة عاجلة، وكم من صديق يحضر في مواسم المنفعة ويغيب في أوقات الضيق، وكم من شخص يرفع منسوب المودة حين تكون قادرًا على العطاء، ثم يتعامل مع غيابك وكأنك لم تكن جزءًا من حياته، وهذه التجارب المتكررة لا تصنع القسوة في النفس بقدر ما تصنع النضج، فهي تعلّم الإنسان أن يقرأ الأفعال قبل الكلمات، وأن يراقب الثبات لا الحماس المؤقت، وأن يفرّق بين من يحبك لذاتك ومن يراك مجرد طريق نحو شيء آخر.


الوفاء الحقيقي لا يظهر في لحظات القوة، فالقرب من الناجح أمر يجيده كثيرون، والجلوس إلى صاحب المنصب لا يحتاج شجاعة، والابتسام في وجه الثري لا يُعد اختبارًا للأخلاق، أما الوقوف مع الإنسان حين يفقد مكانته، وحين تضيق به الظروف، وحين لا يملك ما يقدمه سوى نفسه المجردة من النفوذ والمال والسلطة، فتلك هي اللحظة التي تُوزن فيها القلوب بميزانها الصحيح، ويظهر الفرق بين المواليف الحقيقيين والمعاليف الذين لا يعرفون الطريق إلا حين تكون المصلحة قائمة.


من فهم هذه الحقيقة لم يعد ينخدع بسهولة، ولم يعد يأسف كثيرًا على الوجوه التي غابت، ولم يعد يقيس مكانته بعدد الحاضرين حوله، بل بنوعية الذين بقوا حين انصرف الآخرون، فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بزحام المجالس ولا بكثرة المصفقين، وإنما بثبات القليل الصادق الذي يبقى حين يسقط القناع عن العلاقات، وحين تنتهي حفلات المجاملة، وحين يعود كل إنسان إلى حقيقته الأولى، وعندها يصبح المثل الشعبي أكثر بلاغة من كثير من الخطب، حين يقول الناس معاليف لا مواليف، فهو لا يدعو إلى سوء الظن بالناس، وإنما يدعو إلى بصيرة تحفظ القلب من الخيبة، وتمنح الإنسان قدرة أعمق على فهم البشر كما هم، لا كما يحب أن يراهم.

21:55 | 8-05-2026

حين تختلط الألقاب ويغيب الأثر..

حين يتحوّل المشهد الأدبي والثقافي من فضاءٍ لصناعة الوعي إلى ساحةٍ مفتوحة للتزاحم على الألقاب، فإن القضية لا تعود مرتبطة بمجرد اختلاف في وجهات النظر أو تنوع في الطروحات، بل تصبح أزمة معيار حقيقي تُربك الذائقة العامة وتُضعف مكانة الأدب نفسه؛ لأن الأدب في جوهره ليس منصةً للظهور ولا وسيلةً لبناء صورة اجتماعية براقة، وإنما مسؤولية معرفية وأخلاقية تتطلب عمقاً في القراءة، وصدقاً في التجربة، وقدرةً على الإضافة التي تجعل الكاتب حاضراً بأثره.


والمؤسف أن بعض المساحات الثقافية اليوم لم تعد تفرّق بين من يحمل مشروعاً فكرياً حقيقياً ومن يحمل رغبةً عابرة في الظهور الإعلامي، حتى أصبح من السهل جداً أن يعلن الإنسان عن نفسه أديباً أو ناقداً أو إعلامياً أو صحافياً، دون أن يُسأل عن حصيلته المعرفية، أو منجزه الكتابي، أو رؤيته النقدية، أو مساهمته التي تستحق أن تُقرأ وتُناقش، وكأن الثقافة أصبحت لقباً اجتماعياً يُمنح بالمجاملة، لا مسؤوليةً فكرية تُكتسب بالجهد الطويل، وهذا الخلل لا يسيء إلى الأسماء الجادة فقط، بل يسيء إلى مفهوم الثقافة ذاته؛ لأنه يساوي بين من بنى سنواته على البحث والتأمل، ومن قرر فجأة أن يرتدي ثوب الأديب لأنه يجيد الظهور.


الأشد إرباكاً أن بعض هؤلاء لا يكتفون بادعاء المكانة، بل يمارسون نوعاً من الوصاية على المشهد، فيرفضون الرأي الآخر، ويتعاملون مع أي ملاحظة نقدية وكأنها إساءة شخصية، ويريدون لأفكارهم أن يُصفق لها لا أن تُناقش، وأن تُقبل بوصفها حقائق نهائية لا اجتهادات قابلة للأخذ والرد، مع أن الثقافة الحقيقية لا تنمو إلا في بيئة الحوار، ولا تزدهر إلا حين يكون الاختلاف جزءاً من بنائها الطبيعي؛ لأن الأديب الذي لا يحتمل النقد لا يستطيع أن ينتج نصاً حياً، والناقد الذي لا يقبل مراجعة أفكاره يتحول إلى خطيب لا إلى مفكر.


هذه الفوضى تشبه تماماً ما يحدث في بعض منصات التواصل الاجتماعي حيث أصبحت الشهرة معياراً زائفاً للقيمة، وعدد المتابعين بديلاً عن جودة الطرح، والتصفيق بديلاً عن القراءة العميقة، حتى صار المشهد الثقافي في بعض زواياه أسيراً لهذا المنطق الاستهلاكي الذي يفضّل السهل المكرر على الجديد العميق، ويمنح الحضور لمن يجيد صناعة الجدل أكثر ممن يجيد صناعة الفكرة، وفي هذه الحال تتوقف الذائقة عن النمو؛ لأن المتلقي حين يُحاصر بالطرح المكرر يفقد تدريجياً قدرته على تمييز النص المختلف، ويألف هذا المشهد المتكرر حتى يظن أن التروّي العلمي ضعف، وأن التأمل الرصين غياب المشهد لا شاهد على نضج الفكرة.


ولهذا فإن السؤال المهم الذي ينبغي أن يُطرح بوضوح وصراحة ماذا قدّم هذا المتصدّر للمشهد، وما الإضافة التي حملها، وما المشروع الذي يمكن أن يُنسب إليه؛ لأن الثقافة ليست سباق حضور، وإنما معيار قيمة، والأديب لا يُعرف بكثرة الصور والمنصات، بل بما يتركه في وعي الناس من فكرة تستحق البقاء، والناقد لا يُقاس بحدة عبارته ولا بقدرته على خلق الانقسامات، بل بقدرته على فتح أبواب الفهم أمام النصوص، وإضاءة مناطق جديدة في القراءة.


وحين نبحث عن النماذج التي تستحق أن تُذكر في هذا السياق، فإننا لا نتحدث عن الأسماء التي تكرر نفسها كل يوم، بل عن الشخصيات التي تأتي بجديد حقيقي يجعل حضورها مبرراً، وفي هذا الموضع يبرز الأستاذ طارق القرني بوصفه نموذجاً مختلفاً؛ لأنه لا يصنع حضوره بالادعاء، بل يفرض نفسه من خلال الفكرة الجديدة، والطرح المدهش، والقدرة على أن يجعل المتلقي يشعر بأنه أمام إضافة وليس أمام نسخة مكررة من المشهد المعتاد، وهذا هو الفارق بين من يسكن الثقافة ومن يسكنه وهم الثقافة.


إن حماية المشهد الأدبي والثقافي لا تتحقق بكثرة الفعاليات وباتساع الألقاب، وإنما بإعادة الاعتبار للمعيار، وبتأسيس ضوابط واضحة تجعل القيمة مقدمة على الشهرة، والمنجز سابقاً على الاسم، والوعي أعلى من المجاملة العابرة ؛ لأن المجتمع الذي يسمح للفوضى أن تتصدّر مشهده الثقافي، إنما يفتح الباب لتراجع ذائقته العامة، بينما المجتمع الذي يحترم المعرفة ويصون مكانة الأدب، هو المجتمع القادر على إنتاج أجيال تعرف أن الثقافة ليست زينة خطاب، بل بناء حضاري طويل لا يحتمل المجاملة ولا يعيش على الادعاء.

00:36 | 5-05-2026

الخطاب السعودي في الدفاع عن الأمن القومي ووحدة الإقليم

في خضمّ التحوّلات المتسارعة التي يشهدها اليمن، تعود الأسئلة الكبرى لتفرض نفسها بإلحاح: سؤال الدولة، ووحدة الأرض، وحدود التدخل، ومعنى الأمن القومي في منطقةٍ تتقاطع فيها الجغرافيا مع السياسة، وتتشابك فيها المصالح مع المصائر، فاليمن، بحكم جواره المباشر للمملكة العربية السعودية، ليس ساحةً بعيدة ولا ملفًا عابرًا؛ بل امتدادٌ جغرافي وأمني، وأي اختلالٍ فيه يتردد صداه على الحدود الجنوبية، وفي الممرات البحرية، وفي توازن الإقليم بأسره.


ينطلق الخطاب السعودي تجاه اليمن من رؤيةٍ واضحة المعالم، تتأسس على أن أمن المملكة غير قابل للمساومة، وأن حماية حدودها وشعبها واجب سيادي لا يخضع للحسابات الظرفية، غير أن هذا الحرص الأمني لا ينفصل عن إدراكٍ عميق بأن استقرار اليمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة المجردة، ولا بتكريس الانقسامات، بل بإعادة الاعتبار للدولة اليمنية الجامعة، القادرة على بسط سيادتها على كامل أراضيها، وضبط السلاح، واحتواء التنوع السياسي والاجتماعي في إطار وطني واحد.


ومن هذا المنطلق، تتعامل المملكة بحذرٍ بالغ مع أي مسارات تُفضي إلى تفتيت اليمن أو تحويل جنوبه إلى كيانٍ منفصل بحكم الأمر الواقع، فدعم النزعات الانفصالية، مهما كانت الذرائع، لا يفتح باب الاستقرار، بل يشرعن الانقسام، ويغذّي صراعاتٍ طويلة الأمد، ويجعل من السلاح لغة السياسة الوحيدة، كما أن تدفّق السلاح خارج الأطر المتفق عليها يضاعف من هشاشة المشهد، ويحوّل الجنوب من فضاءٍ للتنمية المحتملة إلى مسرح تنافسٍ مسلح يهدد الداخل والخارج معًا.


أما فيما يتصل بالعلاقة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، فإن الموقف السعودي يمكن قراءته بوصفه اختلافًا في مقاربات لا صدامًا في الأهداف المعلنة، فالمملكة تؤكد، في خطابها وسلوكها، أن أي دور إقليمي ينبغي أن يكون منسجمًا مع وحدة اليمن وسيادته، وألا يتحول الدعم الأمني أو العسكري إلى عاملٍ يعيد رسم الخرائط أو يفرض وقائع سياسية جديدة بقوة النفوذ، هذا الموقف لا يستهدف دولةً بعينها، بقدر ما يحذر من منطق التجزئة الذي أثبتت تجارب المنطقة أنه لا يُنتج إلا دواماتٍ جديدة من الصراع.


وفي الإطار الأوسع، يتجاوز خطاب المملكة اليمن ليعكس رؤيةً مبدئية تجاه العالم العربي والشرق الأوسط قاطبة، قوامها أن وحدة الدول هي صمام أمانها، وأن تفكيك الكيانات الوطنية تحت أي مسمى سياسي أو طائفي أو جهوي لا يخدم إلا الفوضى، ويقوّض فرص التنمية، ويحوّل الخلافات القابلة للإدارة إلى أزمات وجودية، لذلك تؤكد المملكة، في أكثر من ملف إقليمي، دعمها لوحدة الأراضي، ورفضها لمنطق الكيانات المتنازعة داخل الدولة الواحدة.


إن جوهر الخطاب السعودي في اليمن ليس خطاب مواجهة، بل خطاب تحذير ومسؤولية؛ تحذير من مغبة تحويل الخلافات إلى حدود، والمسؤولية في الدفاع عن الأمن القومي دون التخلي عن مبدأ الدولة الواحدة، وبين هذين الحدّين، تسعى المملكة إلى ترسيخ معادلة صعبة لكنها ضرورية، مفادها: أمنٌ لا ينفصل عن وحدة، ووحدةٌ لا تُفرض بالقوة بل تُبنى بالتوافق، وسيادةٌ لا تستقيم إلا حين تكون الدولة أقوى من السلاح، وأوسع من الانقسام.

00:01 | 4-01-2026

مَجْدٌ يُنفقُ نفسَه.. رحلة العطاء في وجدان العرب

في تراث العرب فلسفةٌ خالدةٌ للعطاء، تتجاوز حدود المعاملة والمكافأة إلى كونها ممارسةً روحيةً ورمزية تُشيّد مكانة المعطي كما ترفع قدر الآخذ، ولعلّ أول ما يُستفتح به هذا الباب عطاء النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن زهير حينما أنشده قصيدته الشهيرة بانت سعاد؛ ذلك الموقف الذي بدا للسامعين فعلاً عربيًّا أصيلًا، يُماثل ما عرفه العرب من تكريم الشعراء ومنحهم ما يليق بمكانتهم، فإهداء النبي صلى الله عليه وسلم بُردته لكعب لم يكن مجرد جزاء؛ بل كان اعترافًا بسلطان الكلمة، وإقرارًا بأن الشعر في الوجدان العربي أداة بناء وتثبيت، وأن العطاء له فلسفته التي تتوافق مع هذا الجنس العربي الذي يرى في الكرم بابًا للسيادة، وفي السخاء طريقًا لتوثيق الهوية وإشاعة الهيبة بين الأقوام.


ومنذ ذلك المشهد المؤسس، ظل العطاء العربي يتخذ هيئةً تجمع بين النُّبل السياسي والذوق الثقافي، فالأمراء والخلفاء والوزراء عبر العصور، من صدر الإسلام إلى الدولة الأموية فالعباسية ثم الأندلس ودويلات الشرق والغرب، لم يروا في منح الشعراء وأصحاب الفكر مجرّد برٍّ أو نفقة، بل رأوا فيه استثمارًا في الذاكرة الجمعية، وتحصينًا للمُلك، وتوسيعًا لرقعة المجد، وهكذا أصبح الشاعر شريكًا في صناعة الصورة العامّة، والكلمة الصادقة أو المبدعة جزءًا من جهاز الدولة الروحي، فالعطاء هوية عربية منذ عهد الجاهليين، الذين مدحوا النعمان بن المنذر وغيره، فنالوا عطاياهم، ووجدوا من الاحتفاء والإنعام ما يشد عزمهم على أداء رسالة إبداعهم وتسخيره، وثبتت رؤية العطاء كتقليد إسلامي منذ موقف النبي مع كعب بن زهير الذي جاءه مادحًا معتذرًا بعد أن أهدر دمه.


ولم يكن العطاء دنيويًا خالصًا؛ بل كان يحمل في طياته فلسفة أخلاقية تُعلي قيمة الإنسان الموهوب وتدفعه إلى مواصلة عطائه الفكري، فحين أغدق الخلفاء الراشدون على الكتّاب والفقهاء، كانوا يدركون أن الأمة لا تنهض بالسيف وحده؛ بل بالقلم الذي يحفظ التجربة، ويهذب الذائقة، ويُقوّم المسار. ثم جاء الأمويون فجعلوا للشعر ديوانًا يُحفظ فيه تاريخ الدولة، وكان عطاء الخلفاء للشعراء من أمثال الأخطل والفرزدق وجرير ترجمةً لحاجة الحكم إلى صوتٍ يصدُّ عنه الخصوم ويُثبّت مكانته في نفوس العرب.


وبلغت فلسفة العطاء ذروتها في العصر العباسي، حين أضحى البلاط مركز إشعاع فكري، وحين تبوأ الوزراء والأمراء دورًا محوريًا في رعاية العلماء والفلاسفة والمترجمين، ولم يكن عطاء البرامكة على سبيل المثال إلا صورة لانفتاح عربي فارسي مشترك على معنى الحضارة، فقد كانوا يدركون أن دعم المبدعين ليس إكرامًا لأشخاص، بل إكرامٌ للمعرفة، وأن رفد العقول يُنشئ أمة تستحق أن تقود، ولهذا رأينا الخلفاء يجزلون العطاء للمتنبي، والوزراء يفتحون خزائنهم لأبي تمام والبحتري، ويُقيمون المناظرات ويُنشئون دور العلم، في وحدةٍ نادرة بين سلطة المادة وسلطة الفكر.


وفي الأندلس، ظلّ العطاء جزءًا من هوية الحكم، فكان ملوك الطوائف يتنافسون في تقريب الشعراء، حتى غدا الشعر مظهرًا من مظاهر الثراء السياسي، ووسيلة لتجميل الواقع وتخليد أسماء الحكّام في الوجدان، ومع ذلك، فقد ظل العطاء مشبعًا بأفقٍ فلسفي يرى في الإحسان ركنًا من أركان الفروسية العربية، حيث يُمنح الشاعر لا ليُقيَّد، بل ليُطْلَق صوته في فضاء الإبداع.


وهكذا، عبر عصور العرب كلّها، ظل العطاء فعلًا يتجاوز المصلحة الضيقة إلى قيمة إنسانية عليا؛ فعلًا يجمع بين الكبرياء والرحمة، بين السياسة والثقافة، بين حاجة الدولة إلى الصدى وحاجة المبدع إلى السند، وهو في جوهره تقليد عربي قديم، تحكمه الحكمة كما يحكمه السخاء، وتغذّيه رغبة العرب في أن يكونوا أهل مجدٍ لا يكتمل إلا بوجود من يروي سيرتهم ويخلّد أثرهم.


إن فلسفة العطاء لدى العرب ليست مجرد صفحات في التاريخ؛ بل هي شهادة على أن الثقافة لا تزدهر إلا إذا حملها حاكم كريم أو وزير بصير أو أمير يعرف أن المجد لا يكتبه إلا قلم حرّ، وأن العطاء كما قال القدماء هو أول طريق الخلود.

00:03 | 22-12-2025

تجلّيات الهوية العربية في نهضة الخليج

في الخليج العربي تتجلّى الهوية العربية في هيئةِ عودةٍ كبرى إلى الجذور، وكأن اللغة التي انبثقت من جزيرة العرب عادت لتستيقظ في موطنها الأول، مستعيدةً حضورها العريق بثوبٍ معاصر يزاوج بين الرسوخ والابتكار، ومن يتأمّل المشهد الثقافي اليوم في السعودية والإمارات وقطر وسائر بلاد الخليج العربي يدرك أن هذه البلدان لم تكتفِ بالحفاظ على العربية؛ بل جعلت منها محورًا أساسيًا في بناء نهضتها الحديثة وصورتها الحضارية.


ففي المملكة العربية السعودية، تبدو ملامح العناية بالعربية واضحة في مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، هذا الصرح الذي أعاد تنظيم العلاقة بين الدولة ولغتها، مستهدفًا تعزيز حضور العربية في التعليم والإعلام والتقنية، وقد انطلقت من هذا المجمع مشاريع بحثية ومعجمية وبرامج تدريبية تعمل على تمكين العربية في بيئات جديدة، في الجامعات والمعامل الذكية، وفي ميادين الذكاء الاصطناعي، لتكون اللغة جزءًا من المستقبل كما كانت جزءًا من الماضي، وإلى جانب ذلك تزدهر المسابقات والبرامج الموجهة للشباب، لتغدو العربية منافِسةً في الوعي الشعبي، لا مجرد لغة رسمية تتوارى في الوثائق.


وفي الإمارات العربية المتحدة، تتقدّم مبادرات إحياء العربية بعمقٍ وهدوء، وفي الوقت نفسه بفاعليةٍ راسخة، فمركز أبوظبي للغة العربية أضحى منصّة للبحث والترجمة والنشر، ومختبرًا لتطوير البرامج التي تصل اللغة بالعالم، كما يشكّل مجمع اللغة العربية بالشارقة واحدًا من أهم مشاريع النهضة المعاصرة، إذ أطلق المعجم التاريخي للغة العربية، ذلك الحلم الذي راود اللغويين قرونًا، فجاء محقّقًا على أيدي علماء من مختلف الأقطار، وما يزال المجمع يعمل اليوم على الموسوعة العربية الشاملة في الفنون والمصطلحات والأعلام، ليقدّم للثقافة العربية مشروعًا معرفيًا لا يقل شأنًا عن الموسوعات العالمية الكبرى، وفي دبي يتجلى اهتمام الإمارة باللغة العربية من خلال الفعاليات والمبادرات التي ترعاها الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، بصفتها وجهًا من وجوه الحفاظ على الهوية الثقافية عبر الفن والكتاب والاحتفاء بالمبدعين.


أما قطر، فإن الحي الثقافي «كتارا» يشكّل قلبًا نابضًا للمشاريع اللغوية والفكرية، فقد أسهمت كتارا في بناء حركة ثقافية واسعة النطاق، من خلال المسابقات الأدبية، ومشاريع الدراسات العربية، ودعم الباحثين والشعراء، كما انخرطت في مشروع المعجم التاريخي للغة العربية برؤية تختلف جزئيًا عن رؤية مجمع الشارقة، مما يعكس ثراء التنوع المنهجي في خدمة اللغة الواحدة، ويُثبت أن العربية تستعيد مجدها عبر تعدد المسارات وتكاملها.


إن ما يجمع هذه البلدان هو يقينٌ راسخ بأن العربية ليست ماضيًا يُروى؛ بل هوية تُصنع، وأن اللغة التي خرجت من صحراء الجزيرة لا تزال تتنفّس في رمالها، وتنمو في مدنها الحديثة، وتجدّد نفسها عبر مؤسساتٍ تعرف قيمة أن يكون للعرب لسانٌ موحّدٌ وعقلٌ لغويٌّ حي، لقد مرّت فترات خفت فيها صوت العربية، لكن رحم الجزيرة العربية لم ينقطع؛ بل ظلّ يتغذى من الروح التي حملت الكلمة الأولى، حتى إذا آن أوان النهضة المعاصرة عاد الصوت قويًا، وارتفع السند، وكأن اللغة أفاقت لتجد أبناءها قد هيّأوا لها بيئةً جديدة تليق بتاريخها وتستشرف مستقبلها.


وهكذا، فإن مشهد الخليج اليوم ليس مجرد اهتمامٍ باللغة العربية؛ بل إعادة تثبيتٍ للهوية في زمن تتنافس فيه اللغات والأفكار، إنها نهضة تقول إن العربية حين تُكرَم، تُكرِم أهلها، وحين تُعزّز، تفتح للعرب بابًا من السيادة الثقافية لا يُغلق.

20:31 | 10-12-2025

طيبة المطيبة.. حين يفتح القلب بابه

ما إن وطئت قدماي ثرى المدينة المنورة حتى أحسست أنّ قلبي يسبقني إليها شوقًا، كأنّ الروح تُساق إلى مألفها الأول، وإلى الرحاب التي تطهّرت بأنفاس المصطفى صلى الله عليه وسلم، كانت الطريق المؤدية إليها تبدو لي كأنّها صفحة من نور تُهيّئ الوافد لاستقبال ما ينتظره من سكينة وطمأنينة، وما إن دخلت حدودها حتى انكشف أمامي وجهٌ آخر من البهاء، وجهٌ تصنعه القلوب قبل الأبنية، وتصوغه السجايا قبل المظاهر. لقد أحسست في تلك اللحظات بأنّي لا أعبر مدينة كبقية المدن، بل أدخل عالمًا من الطهر اختاره الله ليكون مهاجر خاتم الأنبياء، ومهبط السكينة، ودار الأنصار الذين قدّموا للعالم أوّل درس في الإيثار والوفاء.


وفي إمارة المدينة المنورة وجدت ما يدهش القلب قبل العين، فقد كانت حفاوة الاستقبال أشبه بحديقة من المشاعر النبيلة، تتفتّح في وجوه القادمين دون تكلّف أو تصنّع، لقيت من البشاشة والترحيب ما جعلني أوقن أنّ الكرم في المدينة ليس صفة عارضة؛ بل هو طبعٌ راسخ يسري في أبنائها كما يسري العطر في نسيمها الطيب، وقد انعكست في وجوه موظفي الإمارة ملامح هذه السجية الأصيلة؛ فكلٌّ منهم كان يحرص أن يقدّم لي ما يظنّه يُدخل السرور على قلبي، وكأنّهم يتوارثون عن أسلافهم واجب الاحتفاء بالضيف، ويدركون أنّ القادم إلى المدينة ضيفٌ على إرث نبوي قبل أن يكون ضيفًا على بشر.


وكان في نفسي شوق كبير لأن ألتقي بأمير المدينة المنورة الأمير سلمان بن سلطان، لما سمعته عن نشاطه وحسن قيادته وبصماته التي تتجلّى في كل جانب من جوانب المدينة، وكنت أرجو أن أحظى بلقياه، وأن أهنّئه بما رأيت من أثر جهوده في انتظام العمل وازدهار المرافق، غير أنّ الظروف لم تُسعفني بأن أُحقق تلك الأمنية، لكنّ غياب اللقاء لم يحجب عني أثره، فقد عكست الإمارة بهاءً يدل على يقظة راعيها، كما دلّ حضور موظفيه وسعة صدرهم على مدرسة إدارية محكمة، يحرص فيها الأمير على أن تكون للإنسان قيمته، وللضيف مكانته، وللمدينة صورتها التي تليق بتاريخها.


وقد نهض السيد أمين من مكتبه، ومعه سائر الحاضرين، بما يملأ النفس تقديرًا وإعجابًا؛ إذ كانوا مثالًا في حسن الاستقبال، والرغبة الصادقة في الإكرام، والاحتفاء الكريم الذي يسبق الطلب ويغني عن السؤال، أحسست وأنا بينهم أنّ المدينة لا يتغيّر طبعها، وأنّ أهلها، على مرّ العصور، يحملون من إرث الفضيلة ما يجعلهم أقرب إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي بارك أرضهم وقلوبهم، فما من داخل إلى المدينة إلا ويشعر بأنّ ثمة يدًا غير مرئية ترفق به، وروحًا مشرقة تحيطه بعطف خاص لا يوجد في غيرها.


إنّ المدينة المنورة ليست مجرّد موضع جغرافي أو محطة زمنية في تاريخ الإسلام؛ بل هي معنى متجدد يسكن الروح قبل أن تسكنه الأجساد. فيها يتجلّى الكرم لا بوصفه عادة اجتماعية، بل بوصفه خُلقًا رساليًا يُورّث من جيل إلى جيل، فمنذ اللحظة التي دخل فيها النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرًا إليها، استقبلته بسطوع من النور وشلال من الإيثار، وفتح الأنصار قلوبهم قبل بيوتهم، وآثروا المهاجرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، فوقاهم الله كل خصيصة شح علقت بأنفسهم، ومنذ تلك اللحظة والمدينة تُحسن استقبال كل وافد، وكأنّها تُعيد معه مشهد الهجرة الأول، وتُضفي عليه من روحها ما يعيد للقلوب توازنها، وللنفوس سكينتها.


ولعلّ سرّ هذه المدينة أنّها تسقي القادم إليها من معين البركة قبل أن تُطعمه من خيراتها. فإذا مشى فيها المرء أحس أنّ خطواته أصبحت أكثر خفة، وأنّ همومه تتوارى شيئًا فشيئًا خلف ضياء المنائر الخاشعة، وأنّ روحه تتعافى كلما لامست نسيمًا مرّ من جوار الحرم النبوي الشريف. وربّ معاناةٍ دخلت المدينة مثقلةً، فخرجت منها وقد انحلّ عقدها، وتبدّد ثقلها، فهي مدينة جعل الله فيها سكنًا ورحمة لمن دخلها آمنًا، وبارك في أرضها وأهلها، فكانت بحقّ طيبة المطيّبة، المطهّرة الآمنة المؤمنة.


وهكذا، بقيت المدينة في خاطري مرآةً للفضيلة، وموئلًا للسكينة، ومثالًا نادرًا على اجتماع الجمال المادي والروحي معًا. وكلما ذكرت حسن استقبال إمارتها، ونبل أخلاق أهلها، أيقنت أنّ ما يجمعهم جميعًا هو فيض من النور الأول الذي أشرقت به هذه الأرض، يوم حلّ بها النبي الكريم، ففاضت بركاته على سكانها وزائريها إلى قيام الساعة.

05:39 | 5-12-2025

المساعي الدولية لمحمد بن سلمان تجاه سودان العروبة

يحتل السودان مكانة خاصة في رؤية ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، إذ يراه بلداً محورياً في محيطه العربي والأفريقي، وشريكاً أساسياً تجمعه بالمملكة روابط الدين والتاريخ والجغرافيا والأخوّة، ومن هذا المنطلق، برزت مواقف سموه تجاه السودان بوصفها نموذجاً للسياسة العربية الرشيدة التي تجمع بين الحكمة والإنصاف، وتؤكّد أن دعم الاستقرار في الدول الشقيقة ليس خياراً دبلوماسياً فحسب؛ بل التزامٌ أخلاقي وإستراتيجي.


لقد ظلّ الأمير محمد بن سلمان يؤكد في رؤيته السياسية أن استقرار السودان جزء لا ينفصل عن استقرار الإقليم كله، باعتبار أن أي اضطراب في هذا البلد ينعكس مباشرة على أمن المنطقة ومساراتها التنموية، وانطلاقاً من هذا الإدراك العميق لطبيعة المعضلات التي يمر بها السودان، حرص سموه على انتهاج سياسة قوامها التقريب بين الأطراف، والدعوة الدائمة إلى تغليب صوت العقل والحوار، والتأكيد على أن الحروب الداخلية لا تُنتج إلا الخسائر، وأن النصر الحقيقي يكمن في استعادة الدولة هيبتها ومقدّراتها.


في زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة، نقلت وسائل الإعلام أن الأمير محمد بن سلمان طرح ملف السودان خلال لقائه في واشنطن، مطالباً بتدخل أمريكي فاعل لإنهاء الحرب الأهلية هناك، بحسب ما نقله الرئيس الأمريكي الذي التقى سموه، إذ قال الرئيس إن الأمير ذكّره أن «هناك مكاناً على الأرض اسمه السودان، وما يجري هناك أمر فظيع»، ثم طالب بأن يفعّل الرئيس الأمريكي نفوذه لوقف القتال، حرصاً على أرواح الشعب السوداني المنهك منذ فترة طويلة، وأكمل الرئيس الأمريكي معرّجاً على تشديده بضرورة إنهاء هذه الحرب فوراً، وقد أحاط سمو الأمير المحنك ترمب بما يوائم هواه، فهو الساعي إلى المجد والطامح للمعالي، إذ قال له الأمير محمد بن سلمان إن ذلك سيكون أعظم ما يمكنك أن تفعله، في إشارة إلى إنهاء الصراع السوداني، وهو ما أقرّه الرئيس الأمريكي لاحقاً بأنه سيتعاون مع المملكة والإمارات ومصر وشركاء آخرين من الشرق الأوسط لجلب نهاية لهذه الفظائع وتثبيت استقرار السودان.


وقد اتسمت تصريحات الأمير محمد بن سلمان بشأن السودان بنبرة أخوّة صادقة، تعبّر عن عمق الروابط التي تجمع الشعبين، وتدل على تمسك المملكة بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، مع الوقوف إلى جانب الشعوب في محنها وحقها في الأمن والكرامة، وكان سموه يردد أن السودان بلد عزيز، وأن واجب أشقائه هو مدّ يد العون له حتى يعبر أزماته، مع المحافظة على وحدته وسلامة أراضيه، والتحذير من تداعيات تفككه على الأمن العربي برمّته.


ولم تكن تلك المواقف مجرد رؤى دبلوماسية؛ بل ترجمتها المملكة، بتوجيه من ولي العهد، إلى جهود عملية واسعة شملت استضافة الحوارات، ودعم المبادرات الرامية إلى وقف إطلاق النار، وتقديم المساعدات الإنسانية العاجلة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الذي نشط في السودان بجهود مكثفة هدفت إلى التخفيف من معاناة المدنيين وتوفير الغذاء والرعاية الصحية والإيواء، وقد جاء هذا الدعم ليؤكد أن البعد الإنساني في السياسة السعودية هو ركن أصيل تنطلق منه المملكة في تعاملها مع الأزمات.


وتنسجم هذه المواقف مع رؤية المملكة 2030 التي يتطلع من خلالها الأمير محمد بن سلمان إلى تأسيس منظومة تعاون إقليمي قائمة على التكامل الاقتصادي والاستقرار السياسي، ويرى سموه أن السودان يمتلك إمكانات ضخمة في مجالات الزراعة والطاقة والمعادن، وأن تمكينه من تجاوز أزماته اليوم هو استثمار في مستقبل واعد يمكن أن يخدم مصالح الجميع ويصنع نهضة مشتركة تعود بالنفع على شعوب المنطقة.


إن موقف الأمير محمد بن سلمان تجاه السودان يعكس إدراكاً واعياً لقيمة هذا البلد وعمق العلاقة التي تربطه بالمملكة، وهو موقف ينطلق من ثبات المبادئ وصدق الأخوّة، ويؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات العربية تقوم على الدعم الحقيقي لا الشعارات، وعلى العمل المشترك لا المجاملة، ولذا فقد غدا هذا الموقف نموذجاً يُحتذى في القيادة المسؤولة، ورؤية تستحق التقدير لما تحمله من حكمة وبعد نظر ووفاء لتاريخ طويل من الأخوّة بين البلدين.

00:10 | 25-11-2025

احتفاء أمريكي.. واهتمام دولي بزيارة ولي العهد لواشنطن

تجلّت زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة الأمريكية بصورة تُعيد رسم ملامح الشراكة السعودية-الأمريكية، وتفتح صفحة جديدة من التعاون رفيع المستوى، سواء في مجالات الأمن أو الاقتصاد أو السياسة الإقليمية، حيث شكّلت هذه الزيارة حدثًا استثنائيًا تناقلته قنوات الأخبار والمنصات والصحف للدلالة على عظمة وأهمية مخرجاته للشرق الأوسط، وعلى رأسه القضية الفلسطينية وما يتعلق بسوريا وعقوباتها، وقد كانت حفاوة الاستقبال في البيت الأبيض دلالة واضحة على مكانة المملكة العربية السعودية كشريك حقيقي لا غنى للبيت الأبيض عنه، وعلى تقدير واشنطن للدور القيادي الذي تضطلع به الرياض في لحظة يعاد فيها ترتيب التوازنات الدولية والإقليمية، لقد بدا اللقاء بين سمو ولي العهد والرئيس الأمريكي حدثًا استثنائيًا، إذ حمل في مضمونه رسائل سياسية وإستراتيجية تتجاوز حدود البروتوكول العادي، وتؤكد عمق الثقة المتبادلة بين الجانبين.


وقد انعكست هذه الحفاوة في طبيعة النقاشات التي تناولت عددًا من القضايا المحورية، وفي حرص القيادة الأمريكية على إظهار رغبتها في الوصول إلى توافقات إستراتيجية بعيدة المدى. فقد تباحث الطرفان في ملفات الدفاع والتسليح، وكان من أبرز مخرجات ذلك إعلان واشنطن استعدادها لبيع مقاتلات "الشبح" المتقدمة F-35 للمملكة، وهي خطوة غير مسبوقة تؤكد إدراك الولايات المتحدة للدور الأمني الحاسم الذي تؤديه المملكة العربية السعودية في المنطقة، ولأهمية تعزيز قدراتها العسكرية بما يضمن استقرار الشرق الأوسط. ولم يكن توقيع الاتفاقية الدفاعية الإستراتيجية أقل أهمية؛ فهو يضع إطارًا جديدًا للعلاقة الأمنية بين البلدين، ويرسخ مكانة المملكة كحليف موثوق تقوم عليه معادلة الردع والاستقرار.


وفي موازاة ذلك، حظيت القضايا الاقتصادية بحضور لافت في المباحثات، حيث أعلن ولي العهد عن توجه المملكة إلى مضاعفة استثماراتها في الولايات المتحدة لتبلغ تريليون دولار، في خطوة تعكس الثقة العميقة بالاقتصاد الأمريكي، وتؤكد في الوقت ذاته رؤية سعودية واضحة تقوم على تنويع الشراكات وتعزيز حضورها في الأسواق العالمية، ولم تقف الإنجازات عند حدود الاستثمار؛ بل امتدت إلى آفاق التعاون في الطاقة النووية المدنية والتقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي، وهي مجالات تنسجم مع طموحات المملكة في بناء اقتصاد معرفي وتنمية موارد جديدة تتجاوز إطار الاعتماد على النفط.


أما على الصعيد السياسي، فقد كان موقف ولي العهد من القضية الفلسطينية محطة بارزة في الزيارة؛ إذ شدد على ضرورة المضي نحو حل الدولتين باعتباره المسار العادل والوحيد لتحقيق الاستقرار وإنهاء الصراع، وقدّم هذا الموقف رؤية واضحة تربط أي تقدم في مسار العلاقات الإقليمية بوجود ضمانات حقيقية لحقوق الشعب الفلسطيني، وبهذا التأكيد وضعت المملكة نفسها في قلب الجهود الدبلوماسية الدولية، مقدّمة نموذجًا يجمع بين الواقعية السياسية والمبدأ الأخلاقي، ومؤكدة مكانتها كصوت رئيس في قضايا المنطقة، وهذا ليس رؤية ثانوية من قبل ولي العهد، بل هو رأيه السياسي الأبرز تجاه القضية من قبل أحداث السابع من أكتوبر.


ولم يقتصر أثر الزيارة على نتائجها المباشرة؛ بل أسهمت في تعزيز صورة المملكة كقوة قيادية تملك رؤية واضحة لعلاقاتها الخارجية، وتتعامل بثقة مع التحديات الدولية، فقد أظهرت اللقاءات أن الرياض تتقدم في مسار متوازن يجمع بين بناء تحالفات قوية مع القوى الكبرى، والدفاع عن قضاياها الإقليمية، والسعي إلى الاستقرار والسلام وفق مبادئ راسخة، وهذا مناط اهتمام المجتمع الدولي لهذه الزيارة منذ الإعلان عنها، لإدراكهم أن اجتماع قطبين من أقطاب العالم سينتج عنه قرارات ومخرجات لها تأثيرها المباشر على العديد من الدول في الشرق الأوسط.


وبذلك جاءت زيارة الأمير محمد بن سلمان لتؤكد أن المملكة تسير بخطى واثقة نحو دور دولي أرحب، تجمع فيه بين القوة الاقتصادية، والحضور السياسي، والرؤية الإستراتيجية المتّسقة مع تحولات العالم، وهي زيارة حملت في طياتها رسالة مفادها أن الرياض اليوم ليست مجرد دولة فاعلة في محيطها؛ بل مركز توازن واستقرار، وركن أساسي في معادلة الأمن الإقليمي والدولي، ونرى بأعيننا التحقق الفعلي والملموس لرؤية المملكة العربية السعودية 2030 في المجال السياسي والأمني والعلاقات الدولية، ولنفخر بقيادتنا الرشيدة التي خططت ونفذت، وننظر بإكبار وفخر لسمو ولي عهدنا الأمير محمد بن سلمان حفظه الله.

00:04 | 21-11-2025

الرياض تقرأ.. ومملكة الثقافة تصوغ هويتها الجديدة

الحركة الثقافية في المملكة العربية السعودية لم تعد نشاطًا موسميًا أو ترفًا فكريًا يقتصر على النخبة؛ بل تحوّلت في العقد الأخير إلى مسار وطني متكامل يعكس الوعي بأهمية الثقافة في تشكيل الهوية وصناعة المستقبل، فمن خلال رؤية المملكة 2030 التي جعلت الثقافة ركيزةً من ركائز التنمية البشرية والحضارية، أخذت ملامح المشهد الثقافي السعودي تتغير بعمق، لتصبح الثقافة فعلًا يوميًا وضرورة حياتية، تتجلى في تأسيس الهيئات المتخصصة، وفي دعم المؤلفين، وفي رعاية المواهب، وفي إقامة الفعاليات الكبرى التي تعكس الثراء المحلي والانفتاح على العالم.

خلف هذه الرؤية اليقظة يقف سمو الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود وزير الثقافة اليوم في صدارة المشهد الثقافي السعودي بوصفه صانعًا لحراك غير مسبوق، إذ لم يكتفِ بإدارة الشأن الثقافي بوصفه مؤسسة رسمية؛ بل جعله فضاءً مفتوحًا للحوار والتجديد والمثاقفة، فقد عمل على تحويل الثقافة من نطاقها التقليدي الضيق إلى ساحة رحبة تتسع للأدب والفنون والفكر، فصارت المهرجانات والمعارض والمسارح منصات نابضة تُترجم الرؤية الوطنية إلى واقع حي، وبفضل هذه الجهود أصبح الحقل الثقافي مسرحًا تتحرك عليه الفنون الأدبية والفكرية بكل جد ونشاط، في تلاقٍ خصب بين الموروث والمعاصر، وبين المحلي والعالمي، ليُعلن أن الثقافة في المملكة لم تعد صدىً للتاريخ فقط؛ بل هي قوة فاعلة في صياغة الحاضر واستشراف المستقبل.

وفي هذا السياق يجيء معرض الرياض الدولي للكتاب 2025 بوصفه الحدث الأبرز على الخريطة الثقافية السعودية والعربية، تحت شعار بالغ الدلالة هو «الرياض تقرأ»، فالمعرض هذا العام يقام في حرم جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن، مستضيفًا العديد من دور النشر ووكالات الدول على المستويين العربي والعالمي؛ ليشكل منصة عالمية للمعرفة وتبادل الأفكار، وملتقى يجمع القارئ بالكاتب، والمؤلف بدور النشر، والجمهور بالثقافات الأخرى، وهو ليس مجرد سوق للكتب، بل فضاء حيّ للحوار والتلاقح الثقافي، وميدان لتشجيع الإبداع والابتكار، ومجال رحب يعكس حجم التحول الثقافي الذي تعيشه المملكة.

إن أهمية هذا الحدث تتجاوز المعرض في ذاته لتصب في الأهداف الأوسع لرؤية 2030، حيث تتجلى أبعاد الهوية والانفتاح والاقتصاد المعرفي، فالمعرض يرسخ قيمة القراءة بوصفها مدخلًا للوعي ورافدًا للتنمية، ويمنح المؤلف السعودي حضورًا خاصًا عبر أجنحة مخصصة للنشر الذاتي ودعم الإنتاج المحلي، كما يفتح أبواب التفاعل مع الثقافة العالمية عبر ضيوف الشرف ودور النشر الدولية، إنه صورة مصغّرة لما تريده المملكة من مجتمع قارئ ومثقف، قادر على أن يسهم في الحوار الحضاري العالمي، وأن يبني ذاته بالمعرفة.

ويحمل شعار «الرياض تقرأ» في طياته دلالات عميقة، فهو ليس مجرد عبارة إعلانية، بل رسالة تؤكد أن القراءة فعل جماعي يتجاوز الأفراد إلى المدينة بأكملها؛ بل إلى ربوع المملكة باعتبار الرياض عاصمتها، فالرياض هي العاصمة ومركز التحول، تتحول برمزيتها إلى مدينة قارئة، تنبض بالحياة الفكرية، وتحتضن المعرفة في مدارسها وجامعاتها ومكتباتها ومقاهيها وبيوتها، وهو شعار يُترجم رؤية مستقبلية بأن تكون القراءة عادة يومية، وأن يصبح الكتاب صديقًا لا يُفارق، وأن يكون للثقافة حضورها في تفاصيل الحياة السعودية، إنه إعلان عن انتقال القراءة من هامش الاهتمام إلى صلب الهوية، ومن نشاط فردي إلى مشروع مجتمعي شامل، يعم المملكة بكل فئاتها وربوعها، وباختلاف ثقافاتها، فالرياض تقرأ والمملكة تفكر وتنتج.

إن معرض الرياض للكتاب ليس حدثًا ثقافيًا عابرًا، بل هو شاهد على التحول العميق الذي تشهده المملكة، ومؤشر على أن المعرفة باتت في قلب مشروعها الحضاري، وعندما نقول «الرياض تقرأ»، فإننا لا نصف واقعًا فحسب؛ بل نبني مستقبلًا، ونعيد أمجاد ماضٍ عريق، ونجدد عهد فكر مستنير، عمت أنواره العالم بأسره، فمن بلادنا خرج النور، وشعَّ نبراس العلم والفكر، فأمة «اقرأ» لا تزال تقرأ، وتشجع على نشر الثقافة الجادة والفكر الهادف، حيث تصبح القراءة لغة المجتمع، ووسيلة ارتقاء الإنسان، وجسرًا يربط بين الطموح والحضارة، وبين الماضي والحاضر والمستقبل.

14:28 | 9-10-2025