أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1833.jpg?v=1764063993&w=220&q=100&f=webp

علي السعدوني

الرياض التي كتب علماؤها تاريخها قبل أن يكتبه المؤرخون..

لا تبدأ حكاية المدن العظيمة من اتساع شوارعها ولا من ارتفاع مبانيها ولا من كثرة مؤسساتها، وإنما تبدأ من الإنسان الذي حمل المعرفة وحافظ عليها ونقلها إلى الأجيال ومن العلماء الذين جعلوا من بيوتهم ومساجدهم ومدارسهم فضاءات للتعليم والتأثير في المجتمع، ولعل الرياض واحدة من المدن التي تستحق أن نعيد قراءة تاريخها من هذه الزاوية الإنسانية التي تكشف أن وراء التحولات السياسية والعمرانية تاريخاً آخر صنعته العقول والأقلام والمخطوطات ومجالس العلم.


وقد أخذنا المؤرخ الدكتور راشد بن محمد بن عساكر في كتابه (الحياة العلمية في مدينة الرياض في عهد الدولة السعودية الثانية 1240–1309هـ) إلى مرحلة مهمة من تاريخ العاصمة السعودية، وهي المرحلة التي انتقلت فيها الرياض من موقعها المحلي إلى مركز سياسي وعلمي مؤثر بعد اتخاذها عاصمة للدولة السعودية الثانية في عهد الإمام تركي بن عبدالله، ولم يكتف المؤلف باستعراض الأحداث التاريخية المرتبطة بهذه المرحلة وإنما ذهب إلى ما هو أعمق من ذلك من خلال تتبع حركة العلماء وطلاب العلم والمدارس والمكتبات والوثائق التي تكشف عن طبيعة المجتمع وعلاقته بالمعرفة.


وما يشد القارئ في هذه الدراسة أن الرياض لم تكن مدينة تعيش على هامش الحركة العلمية في الجزيرة العربية، فقد كشفت الوثائق التي استند إليها الباحث عن وجود مؤسسات تعليمية متعددة منها مدرسة دخنة الشمالية ومدرسة دخنة الجنوبية ومدرسة عبدالله الخرجي ومدرسة ابن سحيم ومدرسة قصر الحكم ومدرسة المريقب ومدرستا الأيتام الأولى والثانية، وهذه الأسماء ليست مجرد مواقع تعليمية قديمة نمر عليها مروراً عابراً، لأنها تقدم شاهداً على تعدد أماكن التعليم وارتباطه بالأحياء والمساجد وبعض قصور الحكم والأسر التي شاركت في رعاية المعرفة ونشرها داخل المجتمع.


ولم يكن المسجد في تلك المرحلة مكاناً لأداء الصلاة وحدها، فقد كان جامع الرياض ومسجد دخنة الكبير ومسجد السدرة ومسجد الظهيرة وغيرها من المساجد مراكز تحتضن حلقات العلم وتجمع العلماء بطلابهم وتؤدي وظيفة تعليمية واجتماعية تجاوزت حدود العبادة إلى بناء المعرفة وتداولها، وهذه الصورة التاريخية تساعدنا على فهم طبيعة التعليم قبل ظهور المؤسسات الحديثة وكيف استطاع المجتمع أن يجعل من إمكاناته البسيطة وسائل فاعلة لنقل العلوم والمحافظة عليها.


ومن التفاصيل التي تستحق قراءة أعمق ما أورده المؤلف عن تعليم الفتيات، فقد بيّن المؤرخ في دراسته أنه لم يقف على مدارس خاصة بالنساء في الرياض خلال الفترة المدروسة سوى ما كانت تقوم به بعض المطوعات من تعليم البنات القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم على نطاق محدود، وهذه المعلومة تكشف عن وجود جهود نسائية في التعليم تستحق البحث والتوثيق كما تكشف في الوقت نفسه عن تفاوت فرص الوصول إلى المعرفة، وهي قضية تجعلنا نقرأ تاريخ التعليم بوصفه تاريخاً للمجتمع بجميع فئاته لا تاريخاً للمؤسسات والعلماء المشهورين وحدهم.


أما المكتبات التي وقف عليها الدكتور راشد بن عساكر فقد تجاوز عددها عشر مكتبات علمية لم تكن قد حظيت بالكشف والدراسة قبل إعداد بحثه، وهذه نتيجة علمية مهمة لأن المكتبة في ذلك العصر لم تكن مكاناً لحفظ الكتب فحسب وإنما كانت شاهداً على طبيعة المعرفة التي يتداولها العلماء وعلى حركة التأليف والنسخ والقراءة والتملك والتواصل العلمي، فالنسخة المخطوطة قد تحمل اسم صاحبها أو ناسخها أو تاريخ انتقالها من شخص إلى آخر وقد تكشف حاشية صغيرة على طرف صفحة عن نقاش علمي أو علاقة معرفية بين عالمين لم تحفظها كتب التاريخ المعروفة.


ولذلك كان اهتمام المؤلف بالوراقة والنساخ وانتقال الكتب والمخطوطات من الرياض وإليها إضافة تستحق التقدير، لأن الذين نسخوا الكتب وحافظوا عليها أدوا عملاً علمياً وحضارياً لا يقل أهمية عن كثير من صور الإنتاج المعرفي في تلك المرحلة، فمن دون جهود النسخ والحفظ والتداول كان يمكن أن تضيع مؤلفات ومراسلات وشواهد تحمل جانباً مهماً من تاريخ المجتمع السعودي، ومن الإنصاف أن نعيد الاعتبار إلى أولئك الذين خدمت أيديهم المعرفة حتى وإن لم تحفظ كتب التراجم أسماءهم جميعاً.


وتتجلى القيمة البحثية لهذا العمل في اعتماده على أكثر من ألفي وثيقة من سجلات المحاكم الشرعية إلى جانب المخطوطات والمراسلات والمراجع التاريخية والمقابلات الشخصية، فالتاريخ الذي يستند إلى الوثيقة يستطيع أن يتجاوز حدود الحكاية المتداولة إلى بناء معرفة قابلة للفحص والمراجعة والمناقشة، وكل وثيقة من هذه الوثائق قد تحمل معلومة عن عالم أو طالب علم أو مكتبة أو قضية اجتماعية تسهم في استكمال صورة الحياة العلمية التي لم تكن منفصلة عن أحوال الناس اليومية.


ولعل الجانب الذي يمنح الكتاب أهمية فكرية تتجاوز حدوده التاريخية عنايته بالعلاقة بين العلماء والسلطة السياسية، فقد كانت للعلماء مكانة اجتماعية مؤثرة وحضور في المشورة والقضاء والفتوى والتوجيه كما امتد البحث إلى مواقفهم من الخلافات السياسية التي شهدتها الدولة السعودية الثانية بعد وفاة الإمام فيصل بن تركي، وهذه المسألة تستحق التأمل لأن العالم لم يكن يعيش خارج ظروف عصره ولم تكن المعرفة نشاطاً منعزلاً عن التحولات التي يشهدها المجتمع، ولذلك فإن دراسة المواقف العلمية في سياقها التاريخي تكشف طبيعة التفاعل بين الاجتهاد الديني والواقع السياسي ومدى تأثير الاستقرار والاضطراب في حركة التعليم والإنتاج العلمي.


ومع تقديري لهذا الجهد التوثيقي الكبير فإن قراءة التاريخ العلمي تفتح مجالاً لتساؤلات نقدية تتجاوز معرفة عدد المدارس والمكتبات وأسماء العلماء إلى البحث عن أثر التعليم في حياة الناس، ومدى اتساع المعرفة خارج الدوائر العلمية المعروفة وطبيعة العلاقة بين المكانة الاجتماعية وفرص التعلم وأثر الظروف الاقتصادية والأمنية في استمرار المؤسسات التعليمية، فالقيمة الحقيقية للتاريخ لا تتوقف عند استعادة الأحداث وإنما تمتد إلى تفسيرها وفهم ما صنعتْه في المجتمع وما تركته من آثار في الأجيال التالية.


وإذا كانت الرياض اليوم واحدة من العواصم التي تشهد تحولاً معرفياً واقتصادياً وعمرانياً واسعاً فإن هذا الكتاب يعيدنا إلى الجذور التي سبقت هذا التحول بسنوات طويلة، ويذكرنا بأن المجتمعات لا تبدأ من الصفر في كل مرحلة من مراحل تطورها وإنما تتراكم فيها الخبرات والمعارف وتتوارث الأجيال بعض ما أنجزه السابقون، وأن العناية بالماضي لا تعني الانشغال بما انتهى وإنما تعني فهم الطريق الذي سلكه الإنسان السعودي في بناء مجتمعه والمحافظة على هويته العلمية والثقافية.


إن ما قدمه الدكتور راشد بن محمد بن عساكر يستحق التقدير لأنه بحث عن تاريخ الرياض في الوثائق التي لم تنل نصيبها الكافي من الدراسة واستعاد أسماء المؤسسات العلمية والجهود التي أسهمت في تكوين شخصيتها الحضارية، ومن المهم أن تتحول مثل هذه الدراسات إلى مشروعات بحثية أوسع تعنى بتاريخ التعليم في المدن السعودية وتستخرج من سجلاتها ومخطوطاتها ومكتباتها ما يساعد الأجيال على معرفة الجهد العلمي الذي بذله أسلافهم قبل قيام الجامعات والمؤسسات التعليمية المعاصرة.


وتبقى القيمة الإنسانية لهذا الكتاب في أنه يعيد إلى ذاكرة الرياض وجوهاً حملت العلم وأخلصت في تعليمه وأقلاماً نسخت الكتب وأسراً احتفظت بالمخطوطات ومساجد احتضنت طلاب المعرفة، وكأن المؤلف أراد أن يقول لنا إن المدينة لا تحتفظ بتاريخها في جدرانها القديمة وحدها وإنما في ذاكرة علمائها وما بقي من آثارهم، وإن الرياض التي نعرفها اليوم بعمرانها ومؤسساتها ومكانتها الدولية كانت قبل ذلك مدينة تكتب جانباً مهماً من تاريخها بالحبر وتبني حاضرها بالعلم وتترك للأجيال شهادة على أن المعرفة كانت جزءاً أصيلاً من رحلتها الطويلة.

منذ ساعتين

المشرف التربوي لا تهدموا ما بدأه!

العدالة في توزيع المشرفين التربويين على المدارس لا يمكن أن تختصر في عدد المدارس التي توزع على كل مشرف، لأن لكل مدرسة واقعاً مختلفاً لا يمكن اختزاله في جدول توزيع، وإنما هي بيئة تعليمية كاملة لها ظروفها واحتياجاتها وقيادتها ومعلموها وطلابها ومستوى نواتج تعلمها وطبيعة التحديات التي تواجهها، ولذلك فإن التوزيع العادل لا يبدأ بالسؤال عن عدد المدارس التي يحملها المشرف في جدوله، وإنما يبدأ بقراءة المدرسة نفسها وما تحتاج إليه ومن يستطيع أن يعمل معها ويصنع فيها فرقاً يمكن قياسه ومشاهدته بعد مدة من العمل الحقيقي.


وضع مشرف دعم في مدرسة لعام كامل ثم نقله منها في العام التالي لا يعني مجرد تغيير اسم باسم داخل جدول التوزيع، وإنما قد يعني قطع مشروع بدأ يتشكل وإيقاف علاقة مهنية احتاج بناؤها إلى أشهر وإهدار معرفة تراكمت لدى المشرف عن المدرسة ومعلميها وطلابها ومشكلاتها ونقاط قوتها وضعفها، فالمشرف الذي قضى عاماً يقرأ نتائج الطلاب ويحلل المؤشرات ويعمل مع المعلمين ويضع الخطط ويتابع تنفيذها ويصحح مسارها لا يعود بعد كل ذلك مجرد مشرف يمكن استبداله بسهولة، وإنما يصبح جزءاً من ذاكرة المدرسة التطويرية ويملك معرفة بتفاصيلها لا يمكن نقلها كاملة في تقرير أو جدول أو محضر.


وكم من مشرف دخل مدرسة فوجد أمامه واقعاً يحتاج إلى عمل طويل، ثم بدأ مع إدارتها ومعلميها في بناء مشروع للتحول الرقمي وتقليل الورق وتحسين المتابعة وربط الإجراءات بالمؤشرات وتغيير بعض الممارسات التي استقرت لسنوات، وبعد أن تحركت الفكرة وبدأ الناس يتقبلونها وظهرت ملامحها الأولى جاء قرار نقله إلى مدرسة أخرى قبل أن يرى المشروع نهايته، وفي مثل هذه الحالة لا يكون النقل مجرد تغيير في توزيع المشرفين، وإنما يصبح قطعاً لمسار تطويري بدأ ينضج وإهداراً لخبرة تراكمت داخل المدرسة وإرباكاً لمشروع احتاج وقتاً طويلاً حتى يقف على قدميه، فالتطوير الذي يتغير رجاله في منتصف الطريق يفقد جزءاً من تراكمه ويستهلك وقتاً جديداً في إعادة البناء، بينما كان الأولى أن يكتمل المسار وتُقاس نتائجه ويُعرف أثره قبل الانتقال إلى تجربة أخرى.


التطوير في التعليم لا يشبه تبديل المقاعد في غرفة اجتماعات، لأن بناء الممارسة الجديدة يحتاج إلى وقت والثقة تحتاج إلى وقت وتغيير الثقافة المدرسية يحتاج إلى وقت وقياس أثر الخطط على نواتج التعلم يحتاج إلى وقت، ولذلك فإن الاستقرار المهني للمشرف في المدرسة التي يقود فيها مشروعاً تطويرياً لا يصح النظر إليه بوصفه رغبة شخصية للمشرف أو تمسكاً بمدرسة بعينها، وإنما باعتباره أحد شروط نجاح المشروع نفسه ما دام العمل يسير وفق مؤشرات واضحة وما دام الأثر يتقدم وما دامت المدرسة تتحرك في الاتجاه الذي نبحث عنه.


والأغرب أن نطالب المشرف بأن يكون قائد تغيير وصانع مبادرة ومحلل نتائج ومتابعاً لنواتج التعلم ومسانداً للقيادة المدرسية، ثم لا يكون رأيه المهني حاضراً بالقدر الكافي عند اتخاذ بعض القرارات التي تمس طبيعة عمله والبيئة التي سيعمل فيها، فصناعة خطة تطويرية عميقة تحتاج إلى قراءة طبيعة القيادة المدرسية ودرجة استعدادها للتغيير وحجم التوافق المهني الذي يمكن أن يتشكل بينها وبين المشرف، لأن تحميل المشرف مسؤولية النتائج لا يستقيم إذا لم تكن خبرته ورؤيته المهنية جزءاً من قراءة البيئة التي نطالبه بصناعة تلك النتائج داخلها.


وأنا لا أدعو إلى أن يختار المشرف المدرسة التي يريدها وفق رغبته، لأن العمل المؤسسي لا يقوم على الرغبات الشخصية ولا يمكن أن تدار منظومة كبيرة بهذه الطريقة، وإنما أدعو إلى أن يصبح رأي المشرف المهني جزءاً من معادلة التوزيع إلى جانب حاجة المدرسة ومؤشراتها ونتائجها وطبيعة قيادتها والمشروعات القائمة فيها، لأن العقول الإدارية ليست نسخة واحدة والقيادات المدرسية ليست على درجة واحدة من المرونة والاستعداد للتغيير، والمشرف مهما كانت خبرته وقدرته سيجد صعوبة في صناعة تحول حقيقي إذا اصطدمت أفكاره كل صباح بعقل يرى التطوير تهديداً للمألوف ويرى المبادرة عبئاً إضافياً ويرى النجاح في بقاء الأشياء كما كانت.


ولا يمكن كذلك أن نتحدث عن تمكين المشرف التربوي ومكانته المهنية، ثم يشعر في بعض بيئات العمل أن مساحة صوته أضيق من حجم المسؤوليات التي وضعت على كتفيه وأن قدرته على التواصل والمبادرة داخل بعض القنوات المهنية مقيدة بإجراءات تجعله متلقياً أكثر من كونه شريكاً، لأن المشرف الذي نريده قوياً في المدرسة يجب أن يشعر بقيمته داخل منظومته أولاً وأن يعرف أن رأيه يسمع وأن فكرته تناقش وأن ملاحظته تقرأ وأن المبادرة التي يقدمها تجد مساحة عادلة للنظر فيها، فالمكانة المهنية لا تصنعها المسميات المكتوبة في القرارات وإنما تصنعها الثقة التي يشعر بها الإنسان عندما يدرك أن عقله جزء من صناعة القرار وليس مجرد أداة لتنفيذه.


ولعل من أكثر الممارسات التي تحتاج إلى مراجعة جادة مسألة التواصل بين الميدان والقيادات الإدارية، لأن المشرف الذي يكتب لمسؤول عن مشكلة تواجهه أو يرفع ملاحظة يعتقد أنها تؤثر في جودة العمل لا يبحث عن اهتمام شخصي ولا يريد أن تفتح له الأبواب لأنه أفضل من غيره، وإنما يريد أن يشعر بأن الرسالة المهنية التي خرجت من الميدان وصلت إلى من يملك القدرة على معالجتها وأنها وجدت من يقرأها ويفهم أسبابها ويبحث عن حلها، وعدم الرد أو تأخر التفاعل مهما كانت أسبابه قد يصنع لدى العامل في الميدان شعوراً بأن صوته لا يصل وأن المسافة بينه وبين القيادة أطول مما يجب.


وأنا لا أفتش في نيات أحد ولا أملك الحق في تفسير سبب عدم الرد أو تأخره على أنه تعالٍ أو تجاهل متعمد، لأن الحكم على النيات ليس من الإنصاف ولا من المهنية في شيء، لكنني أتحدث عن أثر الممارسة كما يراها الموظف في الميدان عندما يكتب ولا يجد جواباً وعندما يطرح مشكلة ولا يعرف ماذا حدث لها وعندما يبحث عن نافذة للحوار فلا يجد المساحة التي كان يتوقعها، فالإدارة الحديثة لا تقاس بحجم الصلاحيات التي يملكها المسؤول وإنما تقاس كذلك بقدرته على تقليص المسافة بينه وبين العاملين معه وإشعارهم بأن أبواب المؤسسة لا ترتفع كلما ارتفع المنصب.


لدينا في وزارة التعليم مشروعات ضخمة وتحولات طموحة وأفكار قادرة على صناعة مدرسة سعودية مختلفة، لكن المشروع الكبير مهما بلغت جودة تصميمه قد يتعثر عندما يصل إلى عقل إداري لم يغادر أدوات الأمس بعد، لأن تحديث الأنظمة أسرع كثيراً من تحديث طريقة التفكير وتغيير اسم البرنامج أسهل كثيراً من تغيير الثقافة التي ستنفذه وإصدار التعليمات أسهل كثيراً من صناعة الإنسان الذي يفهم فلسفتها، ولذلك فإن المعركة الحقيقية للتطوير ليست في إنتاج المزيد من المشروعات وإنما في صناعة عقل إداري مرن يستطيع أن يفهم لماذا أطلقت هذه المشروعات وكيف يحولها من نصوص مكتوبة إلى ممارسة يراها الطالب داخل فصله.


العقول الإدارية التي ترفض التجديد لا يمكن أن تكون بوابة آمنة لمشروعات تريد صناعة المستقبل، ليس انتقاصاً من خبرة أحد ولا حكماً على جيل أو شخص بعينه وإنما لأن طبيعة المرحلة تغيرت وأدوات التعليم تغيرت ومفهوم الإشراف نفسه تغير، وما كان يصلح لإدارة مدرسة قبل سنوات قد لا يكفي لإدارة مدرسة اليوم وما كان مطلوباً من المشرف سابقاً لم يعد كافياً الآن، فالوزارة تتحرك باتجاه البيانات والمؤشرات والتمكين والتحول الرقمي وقياس الأثر، ومن غير المنطقي أن تتحرك الرؤية إلى الأمام بينما تبقى بعض أدوات التنفيذ مشدودة إلى الخلف.


العدالة التي أبحث عنها في توزيع المشرفين ليست مساواة رقمية تقول لكل مشرف العدد نفسه من المدارس ثم تغلق الجدول، وإنما عدالة تقرأ حاجة المدرسة قبل اسم المشرف وتقرأ خبرة المشرف قبل مكان توجيهه وتقرأ المشروع القائم قبل اتخاذ قرار نقله وتقرأ مستوى التوافق المهني قبل مطالبة الطرفين بنتائج مرتفعة، لأن الهدف ليس أن نقول في نهاية العام إن جميع المدارس لديها مشرفون وإنما أن نستطيع القول إن وجود هؤلاء المشرفين غيّر شيئاً حقيقياً في المدارس التي عملوا معها.


لا تنقلوا المشرف الذي بدأ مشروعاً ناجحاً قبل أن يقيس أثره ويكمل رحلته، ولا تضيقوا مساحة صوته ثم تطلبوا منه أن يكون قائداً للتغيير، ولا تعيدوا توزيع الطريق كل عام ثم تحاسبوه على عدم الوصول، فالتعليم لا يحتاج إلى حركة أسماء بقدر حاجته إلى استقرار يصنع التراكم وإلى قرار يقرأ الميدان قبل أن يعيد تشكيله وإلى إدارة تعرف أن المشرف الذي يفكر ويختلف ويقترح ليس عبئاً على المنظومة، وإنما هو أحد العقول التي يمكن أن تساعدها على الوصول إلى المدرسة التي نريدها.

00:32 | 6-10-2026

حين تتحول المدرسة إلى مصنع درجات!

لم تكن المدرسة في أصل فكرتها مكاناً لحفظ المعلومات واستظهار الدروس واجتياز الاختبارات فحسب، بل كانت فضاءً رحباً لتشكيل الإنسان وبناء شخصيته وصقل قدراته وتنمية وعيه بذاته وبالعالم من حوله، غير أن كثيراً من الأنظمة التعليمية المعاصرة اختزلت هذه الرسالة الواسعة في سباق محموم نحو الدرجات والشهادات، وفي رحلة طويلة من الواجبات والاختبارات والقياسات التي تجعل الطالب يشعر أن قيمته الحقيقية لا تُقاس بما يحمله من فكر أو إبداع أو قدرة على الحوار، وإنما بما يحققه من أرقام تُكتب في كشوف النتائج وتُعلق على جدران التفوق.


فالطالب الذي يحاول اليوم أن ينخرط في الفضاء العام، وأن يربط ما يتعلمه داخل الفصل بما يدور في المجتمع من نقاشات فكرية وثقافية ومعرفية، وأن يبدي رأياً أو يناقش قضية أو يشارك في شأن عام غالباً ما يواجه برسائل متكررة تدفعه إلى الانكفاء على ذاته، وتخبره بأن مهمته الوحيدة هي الدراسة والتحصيل وجمع الدرجات، وكأن الحياة أضيق من أن تتسع لفكرة أو موقف أو تجربة إنسانية تثري عقله وتوسع أفقه وتجعله أكثر قدرة على فهم العالم.


وتسهم المنظومة التعليمية نفسها في تكريس هذا التصور من خلال يوم دراسي طويل وممتلئ بالمقررات والواجبات والاختبارات والأنشطة المرتبطة بالتحصيل الأكاديمي المباشر، ومن خلال حقائب مدرسية تزداد وزناً عاماً بعد عام، ومن خلال ثقافة تعليمية تجعل الزمن المدرسي كله تقريباً موجهاً نحو إنهاء المقررات واستكمال الخطط الدراسية وتحقيق مؤشرات الأداء بينما تتراجع المساحات المخصصة للفنون والمسرح والموسيقى والحوار والتعبير والأنشطة التي تصنع الإنسان قبل أن تصنع الطالب.


ومن المؤسف أن الفنون وهي إحدى أهم الأدوات التي تساعد الطفل على اكتشاف ذاته والتعبير عن مشاعره وفهم الآخرين وتقدير الجمال وتنمية الخيال والإبداع ما زالت في كثير من البيئات التعليمية تُعامل بوصفها نشاطاً هامشياً يمكن الاستغناء عنه عند أول ازدحام في الجدول الدراسي مع أنها تمثل جزءاً أساسياً من التربية الإنسانية التي لا تكتمل شخصية الفرد من دونها؛ لأنها تمنحه القدرة على التأمل والتذوق والتعبير والتواصل بطريقة تتجاوز حدود الكتاب المدرسي والاختبار الورقي.


وعندما ننظر إلى بعض التجارب التعليمية المتقدمة نجد أن الاهتمام في السنوات الأولى من التعليم وهي الطفولة المبكرة لا ينصب على الحفظ المبكر للمعلومات ولا على الضغط المكثف في تعلم الحروف والأرقام بقدر ما ينصب على بناء الثقة بالنفس وتعليم الطفل مهارات التواصل واحترام الاختلاف والتعبير عن الرأي والعمل الجماعي وحل المشكلات، وهي مهارات تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها تشكل لاحقاً الأساس الذي تقوم عليه شخصية الإنسان القادرة على التفكير المستقل والحوار الواعي والمشاركة الإيجابية في المجتمع.


فالطفل الذي يتعلم منذ سنواته الأولى كيف يعرّف بنفسه أمام الآخرين، وكيف يدافع عن فكرته بأدب، وكيف يقبل النقد، وكيف يقول: أنا لا أتفق مع رأيك دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة أو عداوة، ينشأ وهو يدرك أن التنوع الفكري أمر طبيعي، وأن احترام الإنسان لا يعني بالضرورة تبني أفكاره، وأن الحوار سبيل للفهم لا ساحة للصراع، وهي قيم يحتاجها المجتمع بقدر حاجته إلى العلوم والمعارف الأكاديمية.


ولهذا لا ينبغي أن نفاجأ حين نرى بعض الخريجين يحملون شهادات جامعية مرموقة، ويحصلون على معدلات مرتفعة، لكنهم يعجزون عن الوقوف أمام جمهور صغير للتحدث بثقة، أو يجدون صعوبة في التعبير عن أفكارهم بوضوح، أو يترددون في المشاركة في النقاشات العامة؛ لأن سنوات طويلة من التعليم ركزت على تدريبهم على الإجابة عن الأسئلة أكثر من تدريبهم على طرحها، وعلى الحفظ أكثر من التفكير، وعلى التلقي أكثر من المبادرة.


إن نجاح المنظومة التعليمية لا يقاس بعدد الشهادات التي تمنحها، ولا بعدد الدرجات التي يحققها طلابها، وإنما يقاس بقدرتها على صناعة إنسان متوازن، يمتلك المعرفة والوعي والثقة والقدرة على الحوار والتفكير والإبداع، إنسان يستطيع أن يرفع رأسه أمام الناس، وأن يعبر عن رأيه بوضوح، وأن يشارك في بناء مجتمعه بعقل مفتوح وشخصية مستقلة وروح قادرة على التعلم المستمر مدى الحياة.

00:21 | 25-06-2026

من سيبويه إلى شاشة السينما

كان الأكاديمي المتخصص في اللغة العربية قبل سنوات طويلة يعيش بين رفوف المعاجم، ويتنقل بين أبواب النحو والصرف، ويقضي نهاره في تتبع شواهد الشعر الجاهلي، ويبيت وهو يفكر في استعارة عند المتنبي، أو صورة بيانية عند أبي تمام، أو قضية نحوية اختلف فيها البصريون والكوفيون، حتى ليظن الرائي أن هذا الرجل خُلق من حبرٍ وورق، وأنه لا يعرف من الدنيا إلا ما يمر عبر بيت شعر أو صفحة مخطوطة.

ثم دارت الأيام دورتها، وتحركت عجلة الجامعات، وتبدلت اهتمامات الأقسام الأكاديمية، فإذا ببعض أولئك الذين أفنوا أعمارهم في مطاردة المفعول المطلق، وإعراب الممنوع من الصرف، والبحث في أسرار البلاغة العربية يخرجون علينا فجأة وهم يتحدثون عن زوايا التصوير، ولغة الكاميرا، والبناء الدرامي، واللقطة الطويلة، والسينما ما بعد الحداثية، وكأن سيبويه استقال من منصبه ليعمل مخرجاً سينمائياً، وكأن الجاحظ أغلق دكان البيان والتبيين ليفتتح مسرحاً تجريبياً في إحدى العواصم.

وليس في السينما عيب، ولا في المسرح ما يُستنكر، فهما فنّان لهما مكانتهما وقيمتهما الثقافية غير أن المشهد يصبح طريفاً حين ترى بعض الباحثين الذين كانوا بالأمس القريب يعدّون بيتاً من الشعر الجاهلي مادة تكفي لرسالة علمية كاملة أصبحوا اليوم يلاحقون المهرجانات السينمائية، ويحصون عدد الكاميرات المشاركة في الإنتاج، ويتحدثون عن الإيرادات وشباك التذاكر بلهجة الخبير الاقتصادي الذي قضى عمره بين شركات الاستثمار لا بين دواوين الشعر.

ويبدو أن لقمة العيش تمتلك قدرة عجيبة على إعادة تشكيل الاهتمامات، فالموضوع الذي كان يُعدّ هامشياً بالأمس أصبح اليوم محوراً للندوات والمؤتمرات والبحوث والمشروعات، والباحث الذي كان يفتش في بطون الكتب عن شاهد نحوي نادر أصبح يفتش في المنصات الرقمية عن أحدث فيلم وأشهر مسلسل وأقرب مهرجان، ليس لأن النحو فقد قيمته، ولا لأن البلاغة أصبحت بلا أهمية، بل لأن رياح السوق الأكاديمي تهب أحياناً في اتجاهات لا يستطيع كثيرون مقاومتها.

ولو عاد بعض أئمة العربية الأوائل إلى الحياة لأصابهم شيء من الدهشة وهم يرون أبناء تخصصهم يتحدثون ساعات طويلة عن تقنيات الإخراج والمؤثرات البصرية أكثر مما يتحدثون عن أسرار البيان العربي، ولربما سأل أحدهم متعجباً: أين ذهبت المعلقات؟ فيأتيه الجواب بأنها تنتظر دورها بعد انتهاء موسم الأفلام.

إن المشكلة ليست في الانتقال من حقل معرفي إلى آخر، فالثقافة بطبيعتها تتسع وتتجدّد، وإنما في ذلك التحوّل الحاد الذي يجعل بعض الأكاديميين يتعاملون مع تخصصاتهم الأولى وكأنها مرحلة مؤقتة انتهى وقتها مع أن اللغة العربية بما تحمله من تراث أدبي وبلاغي ونحوي هائل ما تزال قادرة على إنتاج المعرفة، وما تزال بحاجة إلى من يغوص في أعماقها، لا إلى من يغادرها عند أول إعلان عن مؤتمر أكثر بريقاً، أو مشروع أكثر تمويلاً، أو نافذة أوسع للحضور الإعلامي.

وهكذا وجدنا أنفسنا أمام مشهد ثقافي فريد؛ أستاذ أمضى نصف عمره يشرح المعلقات، ثم أصبح يشرح الملصقات السينمائية، وباحث قضى سنواته في تحليل القصيدة العربية، ثم انتقل إلى تحليل مشاهد المطاردات، ودارس للبلاغة كان يبحث عن جماليات الاستعارة فأصبح يبحث عن جماليات الإضاءة، أما سيبويه المسكين فربما يجلس في زاوية بعيدة يراقب كل ذلك بصمت متسائلاً: هل أخطأت حين كتبت الكتاب أم أن لقمة العيش أبلغ تأثيراً من كل قواعد النحو؟.

00:00 | 11-06-2026

الناس معاليف لا مواليف..

الناس معاليف لا مواليف، مثلٌ شعبي يبدو في ظاهره عبارة عابرة تتناقلها المجالس على سبيل التندر أو الحكمة المختصرة، غير أن من عاش التجربة وعاشر بالناس في ميادين الحياة المختلفة يدرك أن هذه الجملة الصغيرة تحمل من المعاني ما لا تحمله صفحات طويلة من الشرح والتنظير، فهي ليست وصفًا عابرًا لعلاقة اجتماعية محدودة، وإنما قراءة دقيقة لطبيعة بشرية تتكرر في الوظيفة، وفي التجارة، وفي المجالس العامة، وفي الوسط الثقافي، وفي العلاقات اليومية التي يظن الإنسان في بدايتها أنها قائمة على الصفاء والمحبة، ثم يكتشف بعد مرور الوقت أن كثيرًا منها لم يكن سوى عقود غير مكتوبة تحكمها المصالح، وتتحرك وفق مقدار ما يستطيع كل طرف أن يقدمه للطرف الآخر من منفعة مباشرة أو غير مباشرة، حتى يصبح الود عند بعض الناس مجرد شكل خارجي جميل يخفي وراءه حسابات أكثر برودة من كل عبارات المودة الظاهرة.


حين يدخل الإنسان بيئة العمل وهو يحمل نية صافية في أداء واجبه، يظن أن العلاقات المهنية تُبنى على الكفاءة والاحترام والإنجاز، ثم يبدأ مع الأيام في رؤية مشهد آخر أكثر تعقيدًا، فيجد من يقترب من المدير لا لعلمه ولا لخبرته ولا لإيمانه بقيادته، وإنما لقناعته بأن القرب من صاحب القرار طريق مختصر نحو امتيازات يتعذر نيلها من خلال المسارات النظامية المعتادة، فتتحول المجاملة إلى وسيلة عمل يومية، ويصبح الثناء المبالغ فيه مهارة يتقنها البعض أكثر من إتقانهم لواجباتهم الأساسية، ويُمارس الصمت في مواضع تستوجب الصراحة، ويُمنح التصفيق في مواقف تحتاج إلى نقد مسؤول، وتُبنى مساحات النفوذ الشخصي على حساب العدالة المهنية، فيصبح المنصب هو المحور الذي تدور حوله المصالح الحقيقية، لا شخصية المسؤول ولا كفاءته ولا تاريخه، وحين تتغير المواقع الإدارية أو ينتقل ذلك المدير من مكانه تتكشف الحقائق دفعة واحدة، فينصرف الذين كانوا يملؤون المكان حضورًا، وكأن شيئًا لم يكن، وكأن الوجوه التي كانت تبتسم كل صباح لم تعرف هذا الرجل يومًا.


المسؤول نفسه قد يقع في وهم هذه الكثرة، فيظن أن ازدحام الأبواب حوله علامة محبة خالصة، وأن كثرة المترددين على مجلسه دليل على مكانة راسخة في نفوس الناس، وأن كل ذلك الزحام الاجتماعي شهادة حقيقية على حضوره الإنساني، غير أن الأيام وحدها تملك سلطة التصحيح، فما إن يغادر الكرسي حتى يبدأ الصمت في أداء مهمته القاسية، فتقل الاتصالات، وتختفي الزيارات، وتتراجع عبارات الإعجاب التي كانت تتكرر بلا مناسبة، ويكتشف الإنسان متأخرًا أن كثيرًا من الاحتفاء لم يكن موجّهًا إليه بوصفه إنسانًا، وإنما إلى ما كان يملكه من قدرة على التوقيع، وما كان بيده من مفاتيح تمنح وتمنع وتفتح وتغلق، وفي تلك اللحظة تحديدًا يفهم معنى المثل الشعبي على صورته الحقيقية، ويدرك أن بعض العلاقات لا تعيش خارج ظل السلطة.


وفي دائرة المال تتسع المسألة بصورة أكثر وضوحًا، فالثري لا يُعامل في كثير من المجالس على قدر علمه أو أخلاقه أو عمق تجربته، وإنما على قدر ما يملكه من قدرة على التأثير المادي، فتتحول ضحكته إلى حدث يستحق المشاركة، ويُستقبل رأيه بوصفه حكمة لا تقبل الجدل، ويُحاط بصمت من الاحترام المصطنع حتى لو كان حديثه خاليًا من المعرفة، ويجد من حوله من يعيد صياغة أخطائه في صورة اجتهادات تستحق الإعجاب، لا احترامًا للحقيقة وإنما انحناءً غير معلن أمام سلطة المال، وكأن الثروة تمنح صاحبها شهادة تفوق في كل المجالات، حتى في تلك التي لم يقترب منها يومًا، وهذا من أخطر صور الخلل الاجتماعي حين يُستبدل معيار القيمة الإنسانية بمعيار الرصيد البنكي، وتصبح المصلحة المالية هي اللغة الأكثر فصاحة في العلاقات.


في الوسط الأدبي والثقافي، حيث يُفترض أن تكون المعرفة هي القيمة الأعلى، لا يختلف المشهد كثيرًا عن غيره، فبعض العلاقات التي تبدأ بعبارات الإعجاب بالنصوص والثناء على الفكر سرعان ما يتضح أنها لم تكن تقديرًا حقيقيًا للكلمة، وإنما محاولة للاقتراب من اسم معروف، أو رغبة في بناء جسر نحو حضور اجتماعي أوسع، أو بحث عن منفعة مرتبطة بالمكانة الثقافية لا بالمحتوى نفسه، فيقترب البعض من الكاتب حين يكون اسمه مفتاحًا، ثم يبتعدون فور انتهاء الحاجة، وكأن القراءة لم تكن هدفًا، وكأن الاحترام لم يكن موجّهًا للفكرة، بل لما يمكن أن تفتحه الفكرة من أبواب أخرى، وهذا من أكثر ما يرهق أصحاب التجارب الصادقة، حين يكتشفون أن بعض المديح الذي سمعوه لم يكن احتفاءً بالنص، بل استثمارًا مؤقتًا في العلاقة.


حتى العلاقات الاجتماعية البسيطة داخل الأسرة أو بين الأصدقاء لا تخلو من هذه الصورة، فكم من قريب لا يعرف الطريق إليك إلا حين يحتاج توقيعًا أو واسطة أو خدمة عاجلة، وكم من صديق يحضر في مواسم المنفعة ويغيب في أوقات الضيق، وكم من شخص يرفع منسوب المودة حين تكون قادرًا على العطاء، ثم يتعامل مع غيابك وكأنك لم تكن جزءًا من حياته، وهذه التجارب المتكررة لا تصنع القسوة في النفس بقدر ما تصنع النضج، فهي تعلّم الإنسان أن يقرأ الأفعال قبل الكلمات، وأن يراقب الثبات لا الحماس المؤقت، وأن يفرّق بين من يحبك لذاتك ومن يراك مجرد طريق نحو شيء آخر.


الوفاء الحقيقي لا يظهر في لحظات القوة، فالقرب من الناجح أمر يجيده كثيرون، والجلوس إلى صاحب المنصب لا يحتاج شجاعة، والابتسام في وجه الثري لا يُعد اختبارًا للأخلاق، أما الوقوف مع الإنسان حين يفقد مكانته، وحين تضيق به الظروف، وحين لا يملك ما يقدمه سوى نفسه المجردة من النفوذ والمال والسلطة، فتلك هي اللحظة التي تُوزن فيها القلوب بميزانها الصحيح، ويظهر الفرق بين المواليف الحقيقيين والمعاليف الذين لا يعرفون الطريق إلا حين تكون المصلحة قائمة.


من فهم هذه الحقيقة لم يعد ينخدع بسهولة، ولم يعد يأسف كثيرًا على الوجوه التي غابت، ولم يعد يقيس مكانته بعدد الحاضرين حوله، بل بنوعية الذين بقوا حين انصرف الآخرون، فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بزحام المجالس ولا بكثرة المصفقين، وإنما بثبات القليل الصادق الذي يبقى حين يسقط القناع عن العلاقات، وحين تنتهي حفلات المجاملة، وحين يعود كل إنسان إلى حقيقته الأولى، وعندها يصبح المثل الشعبي أكثر بلاغة من كثير من الخطب، حين يقول الناس معاليف لا مواليف، فهو لا يدعو إلى سوء الظن بالناس، وإنما يدعو إلى بصيرة تحفظ القلب من الخيبة، وتمنح الإنسان قدرة أعمق على فهم البشر كما هم، لا كما يحب أن يراهم.

21:55 | 8-05-2026

حين تختلط الألقاب ويغيب الأثر..

حين يتحوّل المشهد الأدبي والثقافي من فضاءٍ لصناعة الوعي إلى ساحةٍ مفتوحة للتزاحم على الألقاب، فإن القضية لا تعود مرتبطة بمجرد اختلاف في وجهات النظر أو تنوع في الطروحات، بل تصبح أزمة معيار حقيقي تُربك الذائقة العامة وتُضعف مكانة الأدب نفسه؛ لأن الأدب في جوهره ليس منصةً للظهور ولا وسيلةً لبناء صورة اجتماعية براقة، وإنما مسؤولية معرفية وأخلاقية تتطلب عمقاً في القراءة، وصدقاً في التجربة، وقدرةً على الإضافة التي تجعل الكاتب حاضراً بأثره.


والمؤسف أن بعض المساحات الثقافية اليوم لم تعد تفرّق بين من يحمل مشروعاً فكرياً حقيقياً ومن يحمل رغبةً عابرة في الظهور الإعلامي، حتى أصبح من السهل جداً أن يعلن الإنسان عن نفسه أديباً أو ناقداً أو إعلامياً أو صحافياً، دون أن يُسأل عن حصيلته المعرفية، أو منجزه الكتابي، أو رؤيته النقدية، أو مساهمته التي تستحق أن تُقرأ وتُناقش، وكأن الثقافة أصبحت لقباً اجتماعياً يُمنح بالمجاملة، لا مسؤوليةً فكرية تُكتسب بالجهد الطويل، وهذا الخلل لا يسيء إلى الأسماء الجادة فقط، بل يسيء إلى مفهوم الثقافة ذاته؛ لأنه يساوي بين من بنى سنواته على البحث والتأمل، ومن قرر فجأة أن يرتدي ثوب الأديب لأنه يجيد الظهور.


الأشد إرباكاً أن بعض هؤلاء لا يكتفون بادعاء المكانة، بل يمارسون نوعاً من الوصاية على المشهد، فيرفضون الرأي الآخر، ويتعاملون مع أي ملاحظة نقدية وكأنها إساءة شخصية، ويريدون لأفكارهم أن يُصفق لها لا أن تُناقش، وأن تُقبل بوصفها حقائق نهائية لا اجتهادات قابلة للأخذ والرد، مع أن الثقافة الحقيقية لا تنمو إلا في بيئة الحوار، ولا تزدهر إلا حين يكون الاختلاف جزءاً من بنائها الطبيعي؛ لأن الأديب الذي لا يحتمل النقد لا يستطيع أن ينتج نصاً حياً، والناقد الذي لا يقبل مراجعة أفكاره يتحول إلى خطيب لا إلى مفكر.


هذه الفوضى تشبه تماماً ما يحدث في بعض منصات التواصل الاجتماعي حيث أصبحت الشهرة معياراً زائفاً للقيمة، وعدد المتابعين بديلاً عن جودة الطرح، والتصفيق بديلاً عن القراءة العميقة، حتى صار المشهد الثقافي في بعض زواياه أسيراً لهذا المنطق الاستهلاكي الذي يفضّل السهل المكرر على الجديد العميق، ويمنح الحضور لمن يجيد صناعة الجدل أكثر ممن يجيد صناعة الفكرة، وفي هذه الحال تتوقف الذائقة عن النمو؛ لأن المتلقي حين يُحاصر بالطرح المكرر يفقد تدريجياً قدرته على تمييز النص المختلف، ويألف هذا المشهد المتكرر حتى يظن أن التروّي العلمي ضعف، وأن التأمل الرصين غياب المشهد لا شاهد على نضج الفكرة.


ولهذا فإن السؤال المهم الذي ينبغي أن يُطرح بوضوح وصراحة ماذا قدّم هذا المتصدّر للمشهد، وما الإضافة التي حملها، وما المشروع الذي يمكن أن يُنسب إليه؛ لأن الثقافة ليست سباق حضور، وإنما معيار قيمة، والأديب لا يُعرف بكثرة الصور والمنصات، بل بما يتركه في وعي الناس من فكرة تستحق البقاء، والناقد لا يُقاس بحدة عبارته ولا بقدرته على خلق الانقسامات، بل بقدرته على فتح أبواب الفهم أمام النصوص، وإضاءة مناطق جديدة في القراءة.


وحين نبحث عن النماذج التي تستحق أن تُذكر في هذا السياق، فإننا لا نتحدث عن الأسماء التي تكرر نفسها كل يوم، بل عن الشخصيات التي تأتي بجديد حقيقي يجعل حضورها مبرراً، وفي هذا الموضع يبرز الأستاذ طارق القرني بوصفه نموذجاً مختلفاً؛ لأنه لا يصنع حضوره بالادعاء، بل يفرض نفسه من خلال الفكرة الجديدة، والطرح المدهش، والقدرة على أن يجعل المتلقي يشعر بأنه أمام إضافة وليس أمام نسخة مكررة من المشهد المعتاد، وهذا هو الفارق بين من يسكن الثقافة ومن يسكنه وهم الثقافة.


إن حماية المشهد الأدبي والثقافي لا تتحقق بكثرة الفعاليات وباتساع الألقاب، وإنما بإعادة الاعتبار للمعيار، وبتأسيس ضوابط واضحة تجعل القيمة مقدمة على الشهرة، والمنجز سابقاً على الاسم، والوعي أعلى من المجاملة العابرة ؛ لأن المجتمع الذي يسمح للفوضى أن تتصدّر مشهده الثقافي، إنما يفتح الباب لتراجع ذائقته العامة، بينما المجتمع الذي يحترم المعرفة ويصون مكانة الأدب، هو المجتمع القادر على إنتاج أجيال تعرف أن الثقافة ليست زينة خطاب، بل بناء حضاري طويل لا يحتمل المجاملة ولا يعيش على الادعاء.

00:36 | 5-05-2026

الخطاب السعودي في الدفاع عن الأمن القومي ووحدة الإقليم

في خضمّ التحوّلات المتسارعة التي يشهدها اليمن، تعود الأسئلة الكبرى لتفرض نفسها بإلحاح: سؤال الدولة، ووحدة الأرض، وحدود التدخل، ومعنى الأمن القومي في منطقةٍ تتقاطع فيها الجغرافيا مع السياسة، وتتشابك فيها المصالح مع المصائر، فاليمن، بحكم جواره المباشر للمملكة العربية السعودية، ليس ساحةً بعيدة ولا ملفًا عابرًا؛ بل امتدادٌ جغرافي وأمني، وأي اختلالٍ فيه يتردد صداه على الحدود الجنوبية، وفي الممرات البحرية، وفي توازن الإقليم بأسره.


ينطلق الخطاب السعودي تجاه اليمن من رؤيةٍ واضحة المعالم، تتأسس على أن أمن المملكة غير قابل للمساومة، وأن حماية حدودها وشعبها واجب سيادي لا يخضع للحسابات الظرفية، غير أن هذا الحرص الأمني لا ينفصل عن إدراكٍ عميق بأن استقرار اليمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة المجردة، ولا بتكريس الانقسامات، بل بإعادة الاعتبار للدولة اليمنية الجامعة، القادرة على بسط سيادتها على كامل أراضيها، وضبط السلاح، واحتواء التنوع السياسي والاجتماعي في إطار وطني واحد.


ومن هذا المنطلق، تتعامل المملكة بحذرٍ بالغ مع أي مسارات تُفضي إلى تفتيت اليمن أو تحويل جنوبه إلى كيانٍ منفصل بحكم الأمر الواقع، فدعم النزعات الانفصالية، مهما كانت الذرائع، لا يفتح باب الاستقرار، بل يشرعن الانقسام، ويغذّي صراعاتٍ طويلة الأمد، ويجعل من السلاح لغة السياسة الوحيدة، كما أن تدفّق السلاح خارج الأطر المتفق عليها يضاعف من هشاشة المشهد، ويحوّل الجنوب من فضاءٍ للتنمية المحتملة إلى مسرح تنافسٍ مسلح يهدد الداخل والخارج معًا.


أما فيما يتصل بالعلاقة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، فإن الموقف السعودي يمكن قراءته بوصفه اختلافًا في مقاربات لا صدامًا في الأهداف المعلنة، فالمملكة تؤكد، في خطابها وسلوكها، أن أي دور إقليمي ينبغي أن يكون منسجمًا مع وحدة اليمن وسيادته، وألا يتحول الدعم الأمني أو العسكري إلى عاملٍ يعيد رسم الخرائط أو يفرض وقائع سياسية جديدة بقوة النفوذ، هذا الموقف لا يستهدف دولةً بعينها، بقدر ما يحذر من منطق التجزئة الذي أثبتت تجارب المنطقة أنه لا يُنتج إلا دواماتٍ جديدة من الصراع.


وفي الإطار الأوسع، يتجاوز خطاب المملكة اليمن ليعكس رؤيةً مبدئية تجاه العالم العربي والشرق الأوسط قاطبة، قوامها أن وحدة الدول هي صمام أمانها، وأن تفكيك الكيانات الوطنية تحت أي مسمى سياسي أو طائفي أو جهوي لا يخدم إلا الفوضى، ويقوّض فرص التنمية، ويحوّل الخلافات القابلة للإدارة إلى أزمات وجودية، لذلك تؤكد المملكة، في أكثر من ملف إقليمي، دعمها لوحدة الأراضي، ورفضها لمنطق الكيانات المتنازعة داخل الدولة الواحدة.


إن جوهر الخطاب السعودي في اليمن ليس خطاب مواجهة، بل خطاب تحذير ومسؤولية؛ تحذير من مغبة تحويل الخلافات إلى حدود، والمسؤولية في الدفاع عن الأمن القومي دون التخلي عن مبدأ الدولة الواحدة، وبين هذين الحدّين، تسعى المملكة إلى ترسيخ معادلة صعبة لكنها ضرورية، مفادها: أمنٌ لا ينفصل عن وحدة، ووحدةٌ لا تُفرض بالقوة بل تُبنى بالتوافق، وسيادةٌ لا تستقيم إلا حين تكون الدولة أقوى من السلاح، وأوسع من الانقسام.

00:01 | 4-01-2026

مَجْدٌ يُنفقُ نفسَه.. رحلة العطاء في وجدان العرب

في تراث العرب فلسفةٌ خالدةٌ للعطاء، تتجاوز حدود المعاملة والمكافأة إلى كونها ممارسةً روحيةً ورمزية تُشيّد مكانة المعطي كما ترفع قدر الآخذ، ولعلّ أول ما يُستفتح به هذا الباب عطاء النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن زهير حينما أنشده قصيدته الشهيرة بانت سعاد؛ ذلك الموقف الذي بدا للسامعين فعلاً عربيًّا أصيلًا، يُماثل ما عرفه العرب من تكريم الشعراء ومنحهم ما يليق بمكانتهم، فإهداء النبي صلى الله عليه وسلم بُردته لكعب لم يكن مجرد جزاء؛ بل كان اعترافًا بسلطان الكلمة، وإقرارًا بأن الشعر في الوجدان العربي أداة بناء وتثبيت، وأن العطاء له فلسفته التي تتوافق مع هذا الجنس العربي الذي يرى في الكرم بابًا للسيادة، وفي السخاء طريقًا لتوثيق الهوية وإشاعة الهيبة بين الأقوام.


ومنذ ذلك المشهد المؤسس، ظل العطاء العربي يتخذ هيئةً تجمع بين النُّبل السياسي والذوق الثقافي، فالأمراء والخلفاء والوزراء عبر العصور، من صدر الإسلام إلى الدولة الأموية فالعباسية ثم الأندلس ودويلات الشرق والغرب، لم يروا في منح الشعراء وأصحاب الفكر مجرّد برٍّ أو نفقة، بل رأوا فيه استثمارًا في الذاكرة الجمعية، وتحصينًا للمُلك، وتوسيعًا لرقعة المجد، وهكذا أصبح الشاعر شريكًا في صناعة الصورة العامّة، والكلمة الصادقة أو المبدعة جزءًا من جهاز الدولة الروحي، فالعطاء هوية عربية منذ عهد الجاهليين، الذين مدحوا النعمان بن المنذر وغيره، فنالوا عطاياهم، ووجدوا من الاحتفاء والإنعام ما يشد عزمهم على أداء رسالة إبداعهم وتسخيره، وثبتت رؤية العطاء كتقليد إسلامي منذ موقف النبي مع كعب بن زهير الذي جاءه مادحًا معتذرًا بعد أن أهدر دمه.


ولم يكن العطاء دنيويًا خالصًا؛ بل كان يحمل في طياته فلسفة أخلاقية تُعلي قيمة الإنسان الموهوب وتدفعه إلى مواصلة عطائه الفكري، فحين أغدق الخلفاء الراشدون على الكتّاب والفقهاء، كانوا يدركون أن الأمة لا تنهض بالسيف وحده؛ بل بالقلم الذي يحفظ التجربة، ويهذب الذائقة، ويُقوّم المسار. ثم جاء الأمويون فجعلوا للشعر ديوانًا يُحفظ فيه تاريخ الدولة، وكان عطاء الخلفاء للشعراء من أمثال الأخطل والفرزدق وجرير ترجمةً لحاجة الحكم إلى صوتٍ يصدُّ عنه الخصوم ويُثبّت مكانته في نفوس العرب.


وبلغت فلسفة العطاء ذروتها في العصر العباسي، حين أضحى البلاط مركز إشعاع فكري، وحين تبوأ الوزراء والأمراء دورًا محوريًا في رعاية العلماء والفلاسفة والمترجمين، ولم يكن عطاء البرامكة على سبيل المثال إلا صورة لانفتاح عربي فارسي مشترك على معنى الحضارة، فقد كانوا يدركون أن دعم المبدعين ليس إكرامًا لأشخاص، بل إكرامٌ للمعرفة، وأن رفد العقول يُنشئ أمة تستحق أن تقود، ولهذا رأينا الخلفاء يجزلون العطاء للمتنبي، والوزراء يفتحون خزائنهم لأبي تمام والبحتري، ويُقيمون المناظرات ويُنشئون دور العلم، في وحدةٍ نادرة بين سلطة المادة وسلطة الفكر.


وفي الأندلس، ظلّ العطاء جزءًا من هوية الحكم، فكان ملوك الطوائف يتنافسون في تقريب الشعراء، حتى غدا الشعر مظهرًا من مظاهر الثراء السياسي، ووسيلة لتجميل الواقع وتخليد أسماء الحكّام في الوجدان، ومع ذلك، فقد ظل العطاء مشبعًا بأفقٍ فلسفي يرى في الإحسان ركنًا من أركان الفروسية العربية، حيث يُمنح الشاعر لا ليُقيَّد، بل ليُطْلَق صوته في فضاء الإبداع.


وهكذا، عبر عصور العرب كلّها، ظل العطاء فعلًا يتجاوز المصلحة الضيقة إلى قيمة إنسانية عليا؛ فعلًا يجمع بين الكبرياء والرحمة، بين السياسة والثقافة، بين حاجة الدولة إلى الصدى وحاجة المبدع إلى السند، وهو في جوهره تقليد عربي قديم، تحكمه الحكمة كما يحكمه السخاء، وتغذّيه رغبة العرب في أن يكونوا أهل مجدٍ لا يكتمل إلا بوجود من يروي سيرتهم ويخلّد أثرهم.


إن فلسفة العطاء لدى العرب ليست مجرد صفحات في التاريخ؛ بل هي شهادة على أن الثقافة لا تزدهر إلا إذا حملها حاكم كريم أو وزير بصير أو أمير يعرف أن المجد لا يكتبه إلا قلم حرّ، وأن العطاء كما قال القدماء هو أول طريق الخلود.

00:03 | 22-12-2025

تجلّيات الهوية العربية في نهضة الخليج

في الخليج العربي تتجلّى الهوية العربية في هيئةِ عودةٍ كبرى إلى الجذور، وكأن اللغة التي انبثقت من جزيرة العرب عادت لتستيقظ في موطنها الأول، مستعيدةً حضورها العريق بثوبٍ معاصر يزاوج بين الرسوخ والابتكار، ومن يتأمّل المشهد الثقافي اليوم في السعودية والإمارات وقطر وسائر بلاد الخليج العربي يدرك أن هذه البلدان لم تكتفِ بالحفاظ على العربية؛ بل جعلت منها محورًا أساسيًا في بناء نهضتها الحديثة وصورتها الحضارية.


ففي المملكة العربية السعودية، تبدو ملامح العناية بالعربية واضحة في مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، هذا الصرح الذي أعاد تنظيم العلاقة بين الدولة ولغتها، مستهدفًا تعزيز حضور العربية في التعليم والإعلام والتقنية، وقد انطلقت من هذا المجمع مشاريع بحثية ومعجمية وبرامج تدريبية تعمل على تمكين العربية في بيئات جديدة، في الجامعات والمعامل الذكية، وفي ميادين الذكاء الاصطناعي، لتكون اللغة جزءًا من المستقبل كما كانت جزءًا من الماضي، وإلى جانب ذلك تزدهر المسابقات والبرامج الموجهة للشباب، لتغدو العربية منافِسةً في الوعي الشعبي، لا مجرد لغة رسمية تتوارى في الوثائق.


وفي الإمارات العربية المتحدة، تتقدّم مبادرات إحياء العربية بعمقٍ وهدوء، وفي الوقت نفسه بفاعليةٍ راسخة، فمركز أبوظبي للغة العربية أضحى منصّة للبحث والترجمة والنشر، ومختبرًا لتطوير البرامج التي تصل اللغة بالعالم، كما يشكّل مجمع اللغة العربية بالشارقة واحدًا من أهم مشاريع النهضة المعاصرة، إذ أطلق المعجم التاريخي للغة العربية، ذلك الحلم الذي راود اللغويين قرونًا، فجاء محقّقًا على أيدي علماء من مختلف الأقطار، وما يزال المجمع يعمل اليوم على الموسوعة العربية الشاملة في الفنون والمصطلحات والأعلام، ليقدّم للثقافة العربية مشروعًا معرفيًا لا يقل شأنًا عن الموسوعات العالمية الكبرى، وفي دبي يتجلى اهتمام الإمارة باللغة العربية من خلال الفعاليات والمبادرات التي ترعاها الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، بصفتها وجهًا من وجوه الحفاظ على الهوية الثقافية عبر الفن والكتاب والاحتفاء بالمبدعين.


أما قطر، فإن الحي الثقافي «كتارا» يشكّل قلبًا نابضًا للمشاريع اللغوية والفكرية، فقد أسهمت كتارا في بناء حركة ثقافية واسعة النطاق، من خلال المسابقات الأدبية، ومشاريع الدراسات العربية، ودعم الباحثين والشعراء، كما انخرطت في مشروع المعجم التاريخي للغة العربية برؤية تختلف جزئيًا عن رؤية مجمع الشارقة، مما يعكس ثراء التنوع المنهجي في خدمة اللغة الواحدة، ويُثبت أن العربية تستعيد مجدها عبر تعدد المسارات وتكاملها.


إن ما يجمع هذه البلدان هو يقينٌ راسخ بأن العربية ليست ماضيًا يُروى؛ بل هوية تُصنع، وأن اللغة التي خرجت من صحراء الجزيرة لا تزال تتنفّس في رمالها، وتنمو في مدنها الحديثة، وتجدّد نفسها عبر مؤسساتٍ تعرف قيمة أن يكون للعرب لسانٌ موحّدٌ وعقلٌ لغويٌّ حي، لقد مرّت فترات خفت فيها صوت العربية، لكن رحم الجزيرة العربية لم ينقطع؛ بل ظلّ يتغذى من الروح التي حملت الكلمة الأولى، حتى إذا آن أوان النهضة المعاصرة عاد الصوت قويًا، وارتفع السند، وكأن اللغة أفاقت لتجد أبناءها قد هيّأوا لها بيئةً جديدة تليق بتاريخها وتستشرف مستقبلها.


وهكذا، فإن مشهد الخليج اليوم ليس مجرد اهتمامٍ باللغة العربية؛ بل إعادة تثبيتٍ للهوية في زمن تتنافس فيه اللغات والأفكار، إنها نهضة تقول إن العربية حين تُكرَم، تُكرِم أهلها، وحين تُعزّز، تفتح للعرب بابًا من السيادة الثقافية لا يُغلق.

20:31 | 10-12-2025

طيبة المطيبة.. حين يفتح القلب بابه

ما إن وطئت قدماي ثرى المدينة المنورة حتى أحسست أنّ قلبي يسبقني إليها شوقًا، كأنّ الروح تُساق إلى مألفها الأول، وإلى الرحاب التي تطهّرت بأنفاس المصطفى صلى الله عليه وسلم، كانت الطريق المؤدية إليها تبدو لي كأنّها صفحة من نور تُهيّئ الوافد لاستقبال ما ينتظره من سكينة وطمأنينة، وما إن دخلت حدودها حتى انكشف أمامي وجهٌ آخر من البهاء، وجهٌ تصنعه القلوب قبل الأبنية، وتصوغه السجايا قبل المظاهر. لقد أحسست في تلك اللحظات بأنّي لا أعبر مدينة كبقية المدن، بل أدخل عالمًا من الطهر اختاره الله ليكون مهاجر خاتم الأنبياء، ومهبط السكينة، ودار الأنصار الذين قدّموا للعالم أوّل درس في الإيثار والوفاء.


وفي إمارة المدينة المنورة وجدت ما يدهش القلب قبل العين، فقد كانت حفاوة الاستقبال أشبه بحديقة من المشاعر النبيلة، تتفتّح في وجوه القادمين دون تكلّف أو تصنّع، لقيت من البشاشة والترحيب ما جعلني أوقن أنّ الكرم في المدينة ليس صفة عارضة؛ بل هو طبعٌ راسخ يسري في أبنائها كما يسري العطر في نسيمها الطيب، وقد انعكست في وجوه موظفي الإمارة ملامح هذه السجية الأصيلة؛ فكلٌّ منهم كان يحرص أن يقدّم لي ما يظنّه يُدخل السرور على قلبي، وكأنّهم يتوارثون عن أسلافهم واجب الاحتفاء بالضيف، ويدركون أنّ القادم إلى المدينة ضيفٌ على إرث نبوي قبل أن يكون ضيفًا على بشر.


وكان في نفسي شوق كبير لأن ألتقي بأمير المدينة المنورة الأمير سلمان بن سلطان، لما سمعته عن نشاطه وحسن قيادته وبصماته التي تتجلّى في كل جانب من جوانب المدينة، وكنت أرجو أن أحظى بلقياه، وأن أهنّئه بما رأيت من أثر جهوده في انتظام العمل وازدهار المرافق، غير أنّ الظروف لم تُسعفني بأن أُحقق تلك الأمنية، لكنّ غياب اللقاء لم يحجب عني أثره، فقد عكست الإمارة بهاءً يدل على يقظة راعيها، كما دلّ حضور موظفيه وسعة صدرهم على مدرسة إدارية محكمة، يحرص فيها الأمير على أن تكون للإنسان قيمته، وللضيف مكانته، وللمدينة صورتها التي تليق بتاريخها.


وقد نهض السيد أمين من مكتبه، ومعه سائر الحاضرين، بما يملأ النفس تقديرًا وإعجابًا؛ إذ كانوا مثالًا في حسن الاستقبال، والرغبة الصادقة في الإكرام، والاحتفاء الكريم الذي يسبق الطلب ويغني عن السؤال، أحسست وأنا بينهم أنّ المدينة لا يتغيّر طبعها، وأنّ أهلها، على مرّ العصور، يحملون من إرث الفضيلة ما يجعلهم أقرب إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي بارك أرضهم وقلوبهم، فما من داخل إلى المدينة إلا ويشعر بأنّ ثمة يدًا غير مرئية ترفق به، وروحًا مشرقة تحيطه بعطف خاص لا يوجد في غيرها.


إنّ المدينة المنورة ليست مجرّد موضع جغرافي أو محطة زمنية في تاريخ الإسلام؛ بل هي معنى متجدد يسكن الروح قبل أن تسكنه الأجساد. فيها يتجلّى الكرم لا بوصفه عادة اجتماعية، بل بوصفه خُلقًا رساليًا يُورّث من جيل إلى جيل، فمنذ اللحظة التي دخل فيها النبي صلى الله عليه وسلم مهاجرًا إليها، استقبلته بسطوع من النور وشلال من الإيثار، وفتح الأنصار قلوبهم قبل بيوتهم، وآثروا المهاجرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، فوقاهم الله كل خصيصة شح علقت بأنفسهم، ومنذ تلك اللحظة والمدينة تُحسن استقبال كل وافد، وكأنّها تُعيد معه مشهد الهجرة الأول، وتُضفي عليه من روحها ما يعيد للقلوب توازنها، وللنفوس سكينتها.


ولعلّ سرّ هذه المدينة أنّها تسقي القادم إليها من معين البركة قبل أن تُطعمه من خيراتها. فإذا مشى فيها المرء أحس أنّ خطواته أصبحت أكثر خفة، وأنّ همومه تتوارى شيئًا فشيئًا خلف ضياء المنائر الخاشعة، وأنّ روحه تتعافى كلما لامست نسيمًا مرّ من جوار الحرم النبوي الشريف. وربّ معاناةٍ دخلت المدينة مثقلةً، فخرجت منها وقد انحلّ عقدها، وتبدّد ثقلها، فهي مدينة جعل الله فيها سكنًا ورحمة لمن دخلها آمنًا، وبارك في أرضها وأهلها، فكانت بحقّ طيبة المطيّبة، المطهّرة الآمنة المؤمنة.


وهكذا، بقيت المدينة في خاطري مرآةً للفضيلة، وموئلًا للسكينة، ومثالًا نادرًا على اجتماع الجمال المادي والروحي معًا. وكلما ذكرت حسن استقبال إمارتها، ونبل أخلاق أهلها، أيقنت أنّ ما يجمعهم جميعًا هو فيض من النور الأول الذي أشرقت به هذه الأرض، يوم حلّ بها النبي الكريم، ففاضت بركاته على سكانها وزائريها إلى قيام الساعة.

05:39 | 5-12-2025