أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1758.jpg?v=1762959881&w=220&q=100&f=webp

منيف الحربي

كاتب متخصص بالطيران

قمرة القيادة.. الخطر من الداخل

قمرة القيادة هي أكثر الأماكن حماية في الطائرة، ومن يجلس داخلها مرّ بسلسلة طويلة من التأهيل والتدريب والفحوص والاختبارات الأمنية والمهنية.


كل ذلك لحماية الطائرة وركابها من أي خطر يأتي من الخارج، لكن حادثة طائرة فلاي دبي الأسبوع الماضي أعادت إلى الواجهة سؤالاً صعباً، ماذا يحدث عندما يكون مصدر الخطر داخل المكان الذي صُمم أصلاً للحماية من الخطر؟


هذه ليست مشكلة جديدة تماماً في صناعة الطيران، لكنها من أصعب معادلات السلامة والأمن فيها.


بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 تغيرت قمرة القيادة، حينها استطاع المختطفون الوصول إلى الطيارين والسيطرة على الطائرات، فكان أحد أهم الدروس أن الوصول إلى القمرة يجب ألا يكون سهلاً، بعد ذلك أصبحت أبواب قمرة القيادة أكثر صلابة، ووضعت أنظمة وإجراءات تجعل فتحها من الخارج بالغ الصعوبة، وكان المنطق أنه إذا لم يستطع المهاجم الوصول إلى الطيارين فلن يستطيع السيطرة على الطائرة، وبالفعل أصبح الباب جزءاً أساسياً من منظومة أمن الطيران الحديثة.


لكن بعد سنوات ظهرت المشكلة من الاتجاه الآخر، في كارثة Germanwings عام 2015 خرج قائد الطائرة من قمرة القيادة وبقي مساعده (الذي يخطط للانتحار) داخلها، لم يتمكن القائد من العودة بعد أن أغلق الباب من الداخل وانتهت الرحلة بتحطم الطائرة في جبال الألب الفرنسية ومقتل جميع ركابها.


هنا أصبح الباب الذي صُمم لحماية قمرة القيادة جزءاً من أسباب الكارثة نفسها، ولذلك سارعت وكالة سلامة الطيران الأوروبية بعد الحادثة إلى التوصية بألا يبقى شخص واحد بمفرده داخل القمرة، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى أسلوب أكثر مرونة يعتمد على تقييم المخاطر لدى كل شركة، ولا يختصر المشكلة في قاعدة واحدة فقط.


حادثة فلاي دبي الأخيرة تعيد السؤال مرة أخرى لكن بصورة مختلفة، نحن أمام نظام أمني بُني على افتراض أن الخطر سيحاول الوصول إلى قمرة القيادة من الخارج لكن ماذا لو بدأ الخطر من الداخل؟


هل تكفي آليات الاختيار والفحوص الطبية والأمنية وتقييم الحالة النفسية للطيارين؟ وهل نحتاج إلى مراقبة أفضل للتغيرات السلوكية التي قد تطرأ على الطيار خلال سنوات عمله؟


هل يمكن تصميم إجراءات داخل القمرة تسمح بالتدخل السريع عند وقوع اعتداء بين أفراد الطاقم، من دون أن نضعف في الوقت نفسه حمايتها من الاقتحام الخارجي؟ هذه هي الإشكالية الحقيقية.


الحل ليس أن نجعل باب قمرة القيادة أسهل في الفتح، لأننا بذلك قد نعيد الخطر الذي أُنشئ الباب المحصن من أجله أساساً، وليس منطقياً أيضاً أن تتحول قمرة القيادة إلى مكان يخضع فيه الطيار للمراقبة والشك المستمرين، فصناعة الطيران تعتمد كل يوم على آلاف الطيارين الذين ينقلون ملايين البشر بأمان، والحوادث التي يكون فيها أحد أفراد الطاقم مصدراً متعمداً للخطر استثنائية ونادرة للغاية.


لكن فلسفة سلامة الطيران لا تتعامل فقط مع ما يحدث كثيراً، إنها تهتم أيضاً بما يحدث نادراً ولكن قد تكون عواقبه كارثية.


لهذا لا أتوقع أن تكون نتيجة حادثة فلاي دبي مجرد إجراء واحد من نوع (أضف شخص ثالث إلى القمرة) أو (اجعل فتح الباب أكثر سهولة للطيارين)، لأن الحلول البسيطة لمثل هذه المشكلات لا تعيش طويلاً.


بعد Germanwings طُرحت قاعدة وجود شخصين داخل القمرة في كل الأوقات، ثم توصلت وكالة سلامة الطيران الأوروبية إلى أن الأفضل هو التعامل مع المسألة بمنظومة أوسع تشمل الفحص النفسي والأمني، وبرامج دعم الطيارين، واستقرار بيئة العمل، وقدرة الشركة نفسها على اكتشاف المخاطر النفسية والاجتماعية والتعامل معها.


وهنا ربما تكون نقطة التحول القادمة في أن تصبح منظومة السلامة أقدر على اكتشاف الإشارات غير الطبيعية قبل أن تصل إلى الطائرة، وهذا يفتح ملفات كثيرة تتعلق بآليات اختيار الطيارين والفحوصات النفسية الدورية وبرامج الإبلاغ السرية ودعم من يمر بضغوط نفسية أو مهنية ومشاركة المعلومات بين الجهات الأمنية وشركات الطيران عند وجود مؤشرات حقيقية، وربما إعادة تقييم بعض إجراءات العمل داخل قمرة القيادة نفسها.


لكن كل حل من هذه الحلول يحمل مشكلة أخرى، إذا شددت الفحوص النفسية أكثر من اللازم، فقد يخشى الطيار من طلب المساعدة حتى لا يفقد وظيفته، وإذا وسعت تبادل المعلومات الأمنية، تدخلت في مناطق حساسة تتعلق بالخصوصية، وإذا جعلت الوصول إلى القمرة أسهل في حالات الطوارئ فقد تصبح أكثر عرضة للاقتحام.


هنا تحديداً تكمن طبيعة سلامة الطيران، فهي ليست اختياراً بين الأمان والخطر، بل موازنة مستمرة بين أخطار مختلفة.


لقد نجحت صناعة الطيران طوال ربع قرن في جعل قمرة القيادة حصناً يصعب الوصول إليه، لكن حادثة فلاي دبي تعيد أمامها الجزء الأصعب من المعادلة.


المنظمة الدولية للطيران المدني ICAO وضعت منذ سنوات معايير لمواجهة التهديدات الداخلية Insider Threat، تشمل التحقق من الخلفيات وتقييم المخاطر ونقاط الضعف ومراقبة الوصول إلى المناطق الحساسة، لكن الحادثة الأخيرة تطرح نسخة أكثر تعقيداً من السؤال، ماذا نفعل عندما يكون مصدر التهديد نفسه أحد الشخصين اللذين صُممت أكثر منطقة محمية في الطائرة لتكون تحت سيطرتهما؟


الباب المحصن يستطيع أن يمنع شخصاً خطيراً من الدخول، لكنه لا يستطيع أن يعرف شيئاً عن الشخص الموجود خلفه.

منذ يومين

الطائرات القديمة أغلى

أحياناً لا تتم إحالة الطائرات للتقاعد بسبب العمر، بعضها تطير بكفاءة لسنوات طويلة، بينما تستبعد أخرى وهي في عمر أقصر، لأن القرار اقتصادي أكثر مما هو فني، وفي هذا الزمن تحديداً صار سعر الوقود هو الذي يصدر قرار تقاعد معظم الطائرات.

الأسبوع الماضي أنهت الخطوط القطرية تشغيل ما بقي لديها من طائرات إيرباص A330 المخصصة للركاب، ومنحت 10 طيارين على هذا الطراز إعارة للخطوط الرواندية.

الخطوط القطرية كانت قد استأجرت أربع طائرات A330 من الطيران العماني خلال العام الماضي، وكان مخططاً استمرار تشغيلها طوال عام 2026، إلا أنها لم تدخل الخدمة التجارية لدى الشركة أصلًا، وحسب معلومات نشرتها وكالة رويترز فإن بعض تلك الطائرات متوقفة في الدوحة وتيرويل الإسبانية، وسيعاد بعضها إلى المؤجرين.

الشركة قالت إن مراجعة الأسطول وإحلال الطائرات الأحدث والأكثر كفاءة مكان القديمة جزء طبيعي من إدارة العمليات خاصةً وهي تنتظر مئات الطلبيات الجديدة من إيرباص وبوينغ.

القصة هنا ليست الخطوط القطرية ولا الـA330 تحديداً، فالطائرة واحدة من أنجح الطائرات عريضة البدن في تاريخ الطيران الحديث، وما زالت مئات منها تعمل حول العالم، القصة هي أن المعادلة الاقتصادية التي أبقت بعض الطائرات القديمة في الخدمة خلال السنوات الماضية بدأت تتغيّر.

بعد جائحة كورونا حدث شيء عكس ما توقعته الصناعة، خرجت طائرات كثيرة من الخدمة ثم عاد الطلب على السفر بسرعة، بينما لم تستطع إيرباص وبوينغ والمحركات وسلاسل التوريد تسليم الطائرات الجديدة بالسرعة التي أرادتها شركات الطيران، فجأة أصبحت الطائرات القديمة مطلوبة.

طائرات كان يفترض أن تتقاعد مُددت خدمتها، وأعيدت طائرات من التخزين، وارتفعت أسعار تأجير الطائرات المستعملة، كان المنطق إذا أنت تملك طائرة تستطيع حمل 250 أو 300 مسافر، والسوق يريد تلك المقاعد، فمن الأفضل أن تطير بها حتى وإن كانت تستهلك وقوداً أكثر من الجيل الجديد، لكن هذا المنطق يكون مقنعاً عندما تكون تكلفة الوقود معقولة.

اليوم تغيّر أحد أهم أرقام المعادلة، فقبل أسبوعين كان المتوسط العالمي لوقود الطائرات 171 دولاراً للبرميل، ثم ارتفع إلى 181 دولاراً، وفي أحدث نشرات أسعار الوقود التابع للاتحاد الدولي للنقل الجوي «IATA» وصل إلى 194 دولاراً للبرميل، مرتفعاً 7.4% في أسبوع واحد، أو 25 دولاراً خلال أسبوعين فقط.

عند هذا المستوى من الارتفاعات يتحول استهلاك الوقود إلى قرار تجاري بحت.

وتزداد أهمية الأمر عندما نعرف أن IATA تتوقع أن تبلغ فاتورة وقود شركات الطيران العالمية 350 مليار دولار خلال 2026، وأن يقفز بند الوقود من 25.4% من مصروفات التشغيل في 2025 إلى 31.4% هذا العام.

هنا تظهر قيمة الطائرات الحديثة بصورة مختلفة تماماً.

إيرباص تقول إن الـ A350 تستهلك وقوداً أقل بنحو 25% مقارنة بطائرات الجيل السابق التي تستبدلها، وتقول بوينغ الشيء نفسه عن 787، بينما توفر عائلة A320neo ما يصل إلى 20% مقارنة بالجيل السابق من الطائرات أحادية الممر.

هذه النسب قد تبدو أرقاماً دعائية عندما يكون الوقود رخيصاً، لكن عندما يقترب البرميل من 200 دولار تتحوّل إلى ملايين الدولارات المحتملة في حسابات الشركات، خاصةً لطائرة بعيدة المدى تطير آلاف الساعات سنوياً.

ارتفاع الوقود لا يعني ارتفاع سعر التذكرة فقط، يعني أيضاً حذف الرحلات ضعيفة الربحية، ثم تقليص سعة السوق وبعد ذلك إعادة توزيع الطائرات الأكثر كفاءة على الخطوط الأطول، وأخيراً اتخاذ القرار الأصعب «إخراج الطائرة القديمة من الأسطول قبل الموعد الذي كان مخططاً لها».

تشير بيانات Cirium التي أوردتها وكالة رويترز إلى أن عمليات طائرات A333 عالمياً أصبحت في سبتمبر أقل بنحو 12% عن الفترة نفسها من العام الماضي. ويرى محللون أن طائرات من هذه الأجيال بقيت في الخدمة أطول مما كان متوقعاً بسبب تأخر التسليمات وقوة الطلب بعد الجائحة، لكن ارتفاع الوقود أجبر الشركات على تغيير الحسابات.

ما يحدث اليوم يعيد ترتيب دورة بدأت بعد كورونا، كان السؤال أين نجد طائرة إضافية، وكانت الصناعة مستعدة لإبقاء الطائرات القديمة في الخدمة لتلبية الطلب، أما الآن ومع ارتفاع الوقود فقد أصبح السؤال أي طائرة تستحق أن تبقى؟

لهذا السبب قد نرى خلال الفترة المقبلة تسارعاً في خروج بعض الطائرات القديمة، بالتزامن مع ازدياد قيمة كل A350 و787 وA320neo و737 MAX ليس لأنها أحدث أو أجمل إنما لأنها تحرق وقودا أقل.

في صناعة تحسب أرباحها أحياناً بدولارات قليلة لكل مسافر، قد يقرر السوق عمر الطائرة الاقتصادي قبل أن تقرر الصيانة عمرها الفني.. فتاريخ تصنيع الطائرة لا يحدد موعد تقاعدها، الذي يحدده أحياناً هو سعر برميل الوقود.

00:03 | 30-09-2026

سيرة وطن.. تكتبها السماء

بداية هذا الأسبوع، تحدثت بعض وسائل الإعلام عن مطار الرياض، وتناقلت المنصات صوراً ومقاطع لدخان يتصاعد، وفي زمن أصبحت فيه الصورة تسبق الحقيقة، لم يكن غريباً أن يختلط الخبر بالتهيؤات، والمعلومة بالشائعات.

في يوم السبت 19 سبتمبر، الذي كثر حوله الحديث، واصلت الطائرات الهبوط والإقلاع من مطار الملك خالد الدولي، وانتهى اليوم وقد سجل المطار 745 رحلة خلال 24 ساعة، أي بمعدل حركة جوية كل 100 ثانية تقريباً.

المسألة هنا ليست دفاعاً عن المطار، ولا جدلاً مع وكالة أنباء أو قناة تلفزيونية، فالمطارات، مثل كل مرافق العالم، قد تتأخر فيها الرحلات، وقد تتأثر بالطقس أو الظروف الأمنية أو الفنية أو ازدحام المجال الجوي.

المسألة أكبر من ذلك.. إن ما حدث يعد صورة مصغرة لسيرة وطن عريق ما زال فتياً. اليوم الأربعاء 23 سبتمبر، ونحن نحتفل باليوم الوطني السعودي، تبدو السماء مكاناً مناسباً لقراءة حكاية هذا البلد العظيم.

منذ تأسست المملكة، وهي تعيش في منطقة لم تعرف الهدوء: حروب وأزمات وانقلابات واضطرابات اقتصادية.

تغيّرت خرائط كثيرة، وسقطت مشاريع وقامت أخرى، بينما المملكة محافظة على نهجها الذي كان ولا يزال أحد أهم أسباب قوتها؛ تعمل أكثر مما تتحدث، وتبني للمستقبل دون أن تنشغل بالضجيج، والطيران واحد من أوضح الشواهد على ذلك.

يوم السبت، كانت معظم وسائل الإعلام تتحدث عن توقف المطار وصور دخان يتصاعد في السماء، بينما المطار يعمل بسلاسة ويسجل أحد أكبر أرقام التشغيل في الشهر، وهكذا السعودية، تكثر حولها الروايات والضوضاء، بينما تنشغل هي بالتقدم والبناء.

قبل عقود، كانت الطائرة التي تصل إلى مدينة سعودية حدثاً يستحق أن يخرج الناس لمشاهدته، واليوم يعبر مطارات المملكة في عام واحد أكثر من 140 مليون مسافر، وسجلت حركة الطائرات مليون رحلة خلال عام 2025.

هذه ليست أرقام طيران فقط، إنها أرقام وطن ينمو.. وهنا ربما تكمن الحكاية الأجمل في يوم الوطن: (الإنسان السعودي).

يمكن شراء الطائرات وبناء المطارات واستيراد أحدث الأجهزة، لكن بناء الإنسان القادر على تشغيل هذه المنظومة وإدارتها وتطويرها يحتاج إلى سنوات طويلة من التعليم والتدريب والثقة.

أعرف هذه الحكاية من داخلها، منذ كانت قطاعات الطيران أصغر، والإمكانات مختلفة، والطموحات أكثر تواضعاً.

رأيت أجيالاً من السعوديين تدخل صالات المراقبة الجوية ومراكز العمليات ومقصورات القيادة والهندسة والصيانة وإدارة المطارات، ورأيت جيلاً جديداً يشارك اليوم في بناء صناعة طيران سعودية جديدة.

في أصعب اللحظات يتجسّد معنى ذلك؛ عندما اضطربت مجالات جوية في المنطقة في أزمات سابقة، لم تكن الأجواء السعودية مجرد مساحة على الخريطة، أصبحت ممراً آمناً لحركة دولية واسعة تديرها منظومة تضم مراكز مراقبة وأبراجاً ومئات المراقبين الجويين وآلاف الأجهزة الملاحية المنتشرة في أنحاء المملكة.

هذا هو الاستقرار عندما يتحوّل من كلمة إلى قدرة تشغيلية: أن تكون المطارات مفتوحة والطائرات تعبر، والمسافر يصل إلى بوابته، بينما المنطقة من حولك تعيش واحدة من أكثر مراحلها حساسية.

وعلى الطيران قِس مجالات كثيرة، كالسياحة والطب والتعليم والصناعة وغيرها.

حين نتحدث عن رؤية السعودية 2030، فإن من أجمل ما فيها بالنسبة لي أنها نقلت الطيران من كونه وسيلة نقل إلى مشروع اقتصادي واستراتيجي متكامل: مطارات تتوسع، وناقلات وطنية جديدة وناقلات عريقة تكبر، ووجهات تُفتح، واستثمارات في الشحن والخدمات اللوجستية والملاحة والصيانة والتقنية، وهدف يصل إلى 300 مليون مسافر و250 وجهة عام 2030.

الشاب السعودي الذي يجلس في برج المراقبة، والفتاة السعودية التي تعمل مهندسة طائرات، والطيار الذي يحمل مئات الأرواح، والقيادات السعودية التي أصبحت تدير مؤسسات تنافس في صناعة عالمية لا تعترف إلا بالكفاءة، هؤلاء هم الوجه الحقيقي لهذه الصناعة.

لهذا فإن اليوم الوطني ليس مناسبة للنظر إلى الماضي وحده، إنه فرصة للنظر من نافذة الطائرة إلى الأسفل وإلى الأمام، إلى بلد استطاعت قيادته (وسط منطقة مثقلة بالحروب والحساسيات) أن تحافظ على استقراره، ثم تنتقل به من الاستقرار إلى التنمية، ومن التنمية إلى المنافسة.

قد تستطيع صورة دخان أن تنتشر في العالم خلال دقائق، وقد تستطيع شائعة أن تعبر القارات أسرع من الطائرة، وقد يصدقها الآلاف قبل أن تظهر الحقيقة، لكن هناك صورة أخرى لا تحتاج إلى تعليق: افتح أي تطبيق لتتبع الطائرات وانظر إلى سماء المملكة.

خطوط طويلة من الطائرات القادمة والمغادرة والعابرة، مطارات تغص بالمسافرين، ومدن تتصل بالعالم، وملايين البشر يتحركون عبر هذه الأرض كل عام.

هناك في الأعلى جزء من قصة الثالث والعشرين من سبتمبر، الضجيج قد يكون أسرع من الحقيقة لحظات، لكن الحقيقة أبقى.

مطارات مفتوحة للناس، وأجواء مفتوحة للعالم، ووطن يعرف إلى أين يسير.

00:06 | 23-09-2026

أثقل راكب في الطائرة

تقلق شركات الطيران من أشياء كثيرة: الرحلات المتأخرة، والمنافسين، واضطراب المسارات، وغير ذلك، لكن شيئاً واحداً يستطيع أن يقلب حساباتها بسرعة أكبر من كل هذه الأشياء، هو الوقود.

مع عودة التوترات في المنطقة، عاد النفط للصعود، وتجاوز سعر برنت 100 دولار للبرميل، بينما ارتفع متوسط سعر وقود الطائرات عالمياً الأسبوع الماضي إلى أكثر من 181 دولاراً للبرميل، بزيادة 6.1% خلال أسبوع واحد.

الرقم هنا لا يعني شركات الطيران وحدها؛ لأنه في النهاية سيصل جزء من فاتورته إلى المسافر.

وقود الطائرات أحد أكبر تكاليف التشغيل لدى الناقلات الجوية، وفي الأحوال الطبيعية يشكّل تقريباً ربع تكاليفها، لكن عندما ترتفع الأسعار بهذه السرعة تتغيّر المعادلة، فشركات الطيران لا تستطيع إيقاف طائراتها وانتظار انخفاض النفط، ولا تستطيع دائماً رفع أسعار التذاكر بالنسبة نفسها، خاصةً في الأسواق شديدة المنافسة.

في 2025، شكّل الوقود 25.4% من مصروفات تشغيل شركات الطيران، بينما تتوقع تقديرات «إياتا» أن تقفز هذه النسبة إلى 31.4% خلال العام الحالي، وهو فارق ضخم في صناعة تعمل أساساً بهوامش ربح محدودة.

في صيف 2008م، عاش القطاع واحدة من أقسى موجات ارتفاع أسعار الوقود، عندما اقترب سعر البرميل من 182 دولاراً، وقفزت حصة الوقود إلى 38% من تكاليف شركات الطيران، ثم جاءت أزمة 2022م بعد الحرب الروسية الأوكرانية، ووصل السعر في بعض الأسواق إلى 200 دولار للبرميل، وها هو عام 2026 يعيد كتابة الأرقام، ففي ذروة الاضطرابات خلال الربيع تجاوز وقود الطائرات في بعض الأسواق حاجز 200 دولار للبرميل.

الإشكالية أن وقود الطائرات لا يتحرك دائماً بنفس سرعة النفط، فقد يرتفع النفط عشرة دولارات بينما يقفز وقود الطائرات أكثر، بسبب تكلفة التكرير ونقص الإمدادات، لهذا يراقب الاقتصاديون ما يسمى بالفارق بين سعر النفط الخام ووقود الطائرات، أو Jet Fuel Crack Spread؛ لأنه يكشف مقدار الضغط الحقيقي على شركات الطيران.

ويتوقّع الاتحاد الدولي للنقل الجوي «IATA» أن يبلغ متوسط هذا الفارق خلال 2026 نحو 57 دولاراً للبرميل، وهو مستوى تاريخي مرتفع، ويعني ببساطة أن المشكلة بالنسبة لشركات الطيران لا تتوقف عند ارتفاع النفط نفسه، بل تمتد إلى تكلفة تحويله إلى الوقود الذي تحتاجه الطائرات.

ماذا سيحدث إذا استمرت الأسعار مرتفعة؟

أول ما سيُلاحظ هو الضغط على أرباح شركات الطيران، خاصةً الشركات الصغيرة والناقلات التي تعمل بهوامش ربح محدودة. هناك شركات تحمي نفسها بعقود التحوّط، لكنها حماية مؤقتة وغير متساوية، وتشير تقديرات «إياتا» إلى أن شركات الطيران تحوّطت لنحو ثلث استهلاكها المتوقع من الوقود خلال هذا العام.

أيضاً، يتوقع «اتحاد النقل الجوي الدولي» أن يصل متوسط سعر وقود الطائرات خلال 2026 إلى 152 دولاراً للبرميل، بزيادة تقارب 70% عن متوسط 2025، وهي قفزة كافية لتغيير حسابات الصناعة، ودفعت بالفعل إلى خفض توقعات أرباح شركات الطيران العالمية لهذا العام.

وتكشف الأرقام حجم التأثير بصورة أوضح، إذ توقع «إياتا» أن تنخفض الأرباح الصافية لصناعة الطيران العالمية من 45 مليار دولار في 2025 إلى 23 مليار دولار في 2026، وأن يتراجع هامش الربح من 4.2% إلى 2%.

بعد ذلك تبدأ الحسابات الأصعب، فقد ترتفع أسعار التذاكر وتعود رسوم الوقود بصورة أوسع، وتصبح بعض الرحلات الهامشية أقل جدوى فتتوقف، خصوصاً الخطوط الطويلة أو الوجهات الموسمية ضعيفة الطلب. وقد تعيد الشركات النظر في التوسع وافتتاح وجهات جديدة، وتضغط أكثر على التكاليف وتسرّع عملية إخراج الطائرات القديمة التي تستهلك وقوداً أكبر.

هنا تظهر قيمة الطائرات الحديثة، فكل نسبة توفرها طائرة جديدة في استهلاك الوقود تتحوّل عند هذه الأسعار من رقم صغير في الشركة المصنعة إلى ملايين الدولارات في حسابات الناقل.

أما المسافر فقد لا يرى كلمة «وقود» مكتوبة على تذكرته، لكنه سيدفع ثمنه بطريقة أو بأخرى، سواءً في سعر أعلى، أو عروض أقل، أو نقص الرحلات إلى بعض الوجهات.

الطيران صناعة غريبة، تحمل الطائرة مئات الركاب، لكن أثقل راكب فيها قد لا يجلس على أي مقعد.. إنه «الوقود».

حين يصبح البرميل بهذا الثقل، تبدأ شركات الطيران بحساب كل كيلوغرام، وكل ميل، وكل مقعد فارغ.

00:02 | 16-09-2026

ممر السعادة!

نصادف في المطارات أشياءً كثيرةً دون أن ننتبه لها، نعبرها سريعاً؛ لأنها جزء من روتين إجراءات السفر، لكن لو تأملناها قليلاً سنجد أنها تحمل معاني كثيرة.

أحد هذه الأشياء الممر الذي يصل بوابة المغادرة بالطائرة، ويسميه البعض «ممر السعادة»، وفي لغة المطارات Jetway.

المفارقة أن هذا الممر، الذي يبدو اليوم جزءاً بديهياً من المطار، لم يكن موجوداً بهذه الصورة في بدايات السفر الجوي. كان المسافر يخرج من مبنى المطار مشياً على الأقدام إلى ساحة الطائرات، ثم يصعد سلماً إلى باب الطائرة، تحت الشمس والمطر والبرد، وبين ضجيج المحركات وحركة المركبات.

مع دخول الطائرات النفاثة واتساع السفر الجوي في الخمسينيات، ظهرت الحاجة إلى طريقة أكثر راحة وأماناً وسرعة لنقل الركاب مباشرة من مبنى المطار إلى الطائرة، وكان من أبرز من عملوا على تطوير الفكرة مهندس الطيران فرانك دير يوين، الذي طوّر تصوراً لممر مغلق ومتحرك يستطيع التكيف مع اختلاف أنواع الطائرات وارتفاع أبوابها.

في 28 مارس 1958 ظهر في مطار أوهير بشيكاغو أحد أوائل جسور الصعود المغلقة تجارياً، وعُرف باسم Aero-Gangplank واستخدمته الخطوط المتحدة، وفي 14 يوليو 1959 أدخلت الخطوط الأمريكية في مطار سان فرانسيسكو أول نظام حديث متكامل التشغيل لجسور صعود الركاب، وكان هناك جسران مختلفان، أحدهما حمل اسم Jet Airwalk والآخر Jetway، وهو الاسم الذي تجاوز لاحقاً كونه اسماً تجارياً ليصبح عند كثير من الناس اسماً لهذا الممر.

لم يكن الجسر هو الحل الوحيد الذي تخيلته المطارات في ذلك الوقت، فقد ظهرت فكرة أخرى ربما كانت أكثر غرابة وإثارة.

عند افتتاح مطار دالاس في واشنطن عام 1962، لم تكن الطائرات تقترب من المبنى، وإنما كانت هناك مركبات ضخمة تسمى Mobile Lounges، أشبه بصالات انتظار تسير على عجلات، يدخل إليها المسافر من مبنى المطار فتنقله عبر ساحة الطائرات حتى طائرته دون أن يضطر للخروج إلى الخارج.

كانت الفكرة أن تذهب البوابة إلى الطائرة بدلاً من أن تأتي الطائرة إلى البوابة.

صمّمت المركبات شركة كرايسلر بالتعاون مع شركة Budd، وكانت الواحدة منها بطول يقارب 16 متراً وتتسع لأكثر من مئة مسافر. ثم تطورت الفكرة لاحقاً إلى مركبات Plane Mate التي يمكنها أن ترتفع إلى مستوى باب الطائرة، وكأنها مصعد ضخم قرر أن يسير.

كلا الفكرتين جاءتا لحل مشكلة حقيقية؛ حماية المسافر من المطر والحر والبرد، وإبعاده عن ضجيج المحركات ومخاطر الحركة في ساحة الطائرات، وجعل الصعود والنزول أكثر راحة وانسيابية.

لكن الزمن اختار في النهاية الجسر، حيث انتشر الـJetway في مطارات العالم، وتراجعت فكرة الصالات المتحركة، وإن بقي بعضها حتى اليوم في مطار دالاس شاهداً على مرحلة كانت المطارات فيها تبحث عن أفضل طريقة لعبور تلك الأمتار القليلة بين الصالة والطائرة.

والفارق بين الفكرتين لافت؛ في الأولى كانت بوابة المطار تذهب بالمسافرين إلى الطائرة، وفي الثانية مدّ المطار ذراعه ليعانق الطائرة المقتربة.

لا يُعرف من أطلق تسمية «ممر السعادة» أول مرة، لكن يبدو لي أنه كان مسافراً يعرف شعور الإنسان وهو يخطو داخله متجهاً إلى الطائرة. هناك شيء يتغير في تلك اللحظة، كأن السفر يبدأ مع أول خطوة على هذا الممر.

قبل دخوله نحن في المطار، وبعد الخروج منه نكون داخل الطائرة.. ممر قصير لكنه يفصل بين عالمين وكأنه عمر.

خلفك صالة المغادرة بكل ما فيها من انتظار ومقاعد وشاشات ومواعيد، وأمامك باب ضيق يفضي إلى السماء، بينهما تمشي خطوات قليلة حاملاً حقيبتك وربما أشواقك.

يبدو لي «ممر السعادة» أكبر من مجرد جسر معدني يصل مبنى المطار بالطائرة.

إنه عتبة.. والعتبات دائماً لها معنى مختلف؛ لأن الإنسان يقف عندها بين ما كان وما سيكون.

السفر يمنح الإنسان فرصة قصيرة للخروج من نسخته اليومية؛ لذلك أحب الناس تسمية «ممر السعادة»، رغم أنه ليس كل من يعبره سعيداً، لكن جمال الاسم يكمن هنا؛ فالسعادة ليست دائماً في الوجهة، أحياناً تكون في اللحظة، في القدرة على الذهاب، في أن تظل أمامك أماكن لم ترها وأشخاص تشتاق إليهم وطرق لم تمشها.

تبدو الطائرة في نهاية الممر وكأنها احتمال؛ احتمال اكتشاف، وبدايات، وأحلام.

بعض السعادة ليست في الوصول، إنها تزهر في ذلك الممر القصير الذي يهمس في قلبك.. أمامك عالم آخر.

00:38 | 9-09-2026

النداء الأخير.. يُغادر المطار

أصوات المطارات جزء من ذاكرة السفر، مثل حقيبة الأمتعة وبطاقة الصعود ورائحة القهوة في صالات المغادرة وانتظار الإعلان، حتى إن عبارة «النداء الأخير لرحلة الخطوط.. رقم..» أصبحت واحدة من أكثر الجمل التصاقاً بذاكرة المسافرين، لكن يبدو أن هذا الصوت الذي رافق المسافرين لعقود بدأ يستعد للمغادرة.


هذا الأسبوع بدأ مطار الملك خالد الدولي بالرياض المرحلة الأولى من مشروع «المطار الهادئ» في الصالة رقم 5، والفكرة باختصار تقوم على تقليل الإعلانات العامة عبر مكبرات الصوت، وحصر معظم ما يتعلّق بالرحلات بالقرب من بوابات المغادرة، مقابل زيادة الاعتماد على الشاشات والموقع الإلكتروني وخدمة «الواتساب» واللوحات الإرشادية وفرق خدمة المسافرين، أما الرسائل الضرورية وحالات الطوارئ والأمن فلن يشملها الصمت بطبيعة الحال.


الخبر يبدو بسيطاً، لكنه في رأيي يحمل شيئاً أكبر من مجرد خفض الإعلانات الصوتية؛ إنه يختصر التحوّل الذي تعيشه المطارات نفسها، من مكان يخاطب الجميع بصوت واحد، إلى مكان يحاول أن يصل إلى كل مسافر بالمعلومة التي تخصه.


لفترة طويلة كانت مكبرات الصوت واحدة من أهم أدوات تشغيل المطارات، وقبل الشاشات الرقمية والهواتف والتطبيقات لم يكن أمام المطار وسيلة أفضل من الصوت ليخبر مئات المسافرين بأن الرحلة جاهزة للصعود، أو أن البوابة تغيّرت، أو أن هناك مسافراً يتم البحث عنه.


مع تطوّر أنظمة الـPublic Address أصبحت للمطارات أصواتها المميزة، وبعض تلك الأصوات صار مشهوراً أكثر مما يتخيّل المسافرون. في مطار سخيبول بأمستردام مثلاً، ظلت ميكي بارت-فيرهايست تعمل في الإعلانات منذ عام 1978 حتى 2005، وبقي صوتها مسموعاً في المطار حتى بعد تقاعدها.


المطارات اكتشفت أن كثرة الكلام تفقده قيمته، فحين يسمع المسافر إعلاناً كل بضع دقائق، تختلط عليه دعوات الصعود بتغيير البوابات ورسائل الأمن والبحث عن المسافرين، ويتحوّل الصوت من «وسيلة لتنبيه الإنسان» إلى «جزء من ضجيج المكان»، فتضيع الرسالة المهمة وسط عشرات الرسائل غير المهمة.


من هنا بدأت فلسفة «المطار الهادئ» تنتشر.


في دبي مثلاً استطاع مطار دبي الدولي خفض عدد الإعلانات اليومية من أكثر من ألفي إعلان إلى أقل من 700، وفي هلسنكي أصبح المطار «هادئاً» منذ عام 2015، أما مطار شانغي في سنغافورة فعمّم في يناير 2018 مبادرة «Quiet Terminal» وخفّض عدد الإعلانات إلى النصف تقريباً.


أما في السعودية فقد بدأت الحكاية في مايو 2024 عندما أعلن مطار أبها الدولي تحوّله إلى أول مطار هادئ في المملكة، وما يحدث اليوم في مطار الملك خالد يعني انتقال التجربة إلى مطار أكبر وأكثر تعقيداً وكثافة.


«المطار الهادئ» لا يعني مطاراً أبكم، ولا يعني أن يتخلّى المطار عن مسؤوليته في إبلاغ المسافر، بل يعني تغيير الطريقة التي تصل بها المعلومة إليه، وهنا تحديداً يظهر ارتباط الفكرة بالتحوّل الرقمي.


المطار التقليدي كان يبث المعلومة إلى آلاف الأشخاص سواء كانت تعنيهم أم لا، أما مطار المستقبل فيعرف رحلة المسافر وبوابته وموعد صعوده وحالة أمتعته، ويستطيع أن يرسل إليه المعلومة التي يحتاجها في اللحظة التي يحتاجها، فلا داعي أن يسمع عشرة آلاف شخص نداءً يخص مئة مسافر.


التقنية تذهب إلى أبعد من ذلك، ففي يناير الماضي بدأ مطار فرانكفورت اختبار تقنية «Auracast» في بوابتين، وهي تتيح إرسال إعلانات البوابة مباشرة عبر البلوتوث إلى سماعات الأذن وأجهزة السمع والهواتف المتوافقة، في خطوة تجعل الصوت نفسه شخصياً بدلاً من أن يملأ الصالة كلها.


لهذا السبب لا يبدو «المطار الهادئ» مشروعاً لتقليل الضوضاء فقط، إنما كجزء من إعادة تعريف تجربة السفر، فالمطارات تتجه إلى القياسات الحيوية والبوابات الذكية وتتبّع الأمتعة رقمياً، والخدمات الشخصية عبر الهاتف، والذكاء الاصطناعي في إدارة تدفق المسافرين، ومن الطبيعي أن تصل الرقمنة في النهاية إلى واحد من أقدم مكونات المطار «الإعلانات الصوتية».


نجاح التجربة له شرط مهم، هو أن تكون المعلومة الرقمية أسرع وأوضح وأكثر موثوقية من مكبّر الصوت، وأن تُراعى احتياجات كبار السن وذوي الإعاقة والمسافرين غير المعتادين على التقنية.


في مطار المستقبل قد لا تسمع اسم رحلتك ولا رقم بوابتك، ولا «النداء الأخير» الذي ظل لعقود يطارد المتأخرين في الأسواق الحرّة والمقاهي.


المطارات لا تختار الصمت، هي فقط تغيّر الطريقة التي تتحدّث بها إلينا، ويبدو أن «النداء الأخير» هو الذي يستعد للمغادرة هذه المرة.

00:12 | 2-09-2026

رفقاً بالطيارين

لكل مهنة مخاطرها، لكن حينما نتحدث عن مخاطر مهنة الطيار، غالباً تتجه التوقعات إلى الحوادث والإرهاق وضغط العمل والساعات الطويلة والفوارق الزمنية بين المناطق، لكنّ هناك خطراً آخر لم يتحدث عنه أحد بالشكل الكافي رغم أنه يرافق الطيارين ومضيفي الطيران أثناء آلاف الساعات التي يقضونها فوق السحاب، إنه «الإشعاع الكوني».

قبل أيام نشرت دورية JAMA Internal Medicine دراسة لباحثين من كلية الطب بجامعة هارفارد، حللت نحو 12.7 مليون حالة وفاة في الولايات المتحدة بين عامي 2020 و2024، وشملت الدراسة 503 مهن مختلفة، بينها أكثر من 14 ألف طيار و7 آلاف من مضيفي الطيران.

النتيجة تستحق التوقف عندها، فقد جاء مضيفو الطيران في المرتبة الأولى والطيارون في الثانية، من بين المهن التي شملتها الدراسة حول نسبة الوفيات الناتجة عن سرطانات مرتبطة بالإشعاع، حيث بلغت نحو 6.9% من وفيات المضيفين و6.7% من وفيات الطيارين، فيما كانت النسبة أقل لدى بقية المهن.

والمفارقة اللافتة أن الطيارين ومضيفي الطيران تقدموا في هذا المؤشر حتى على العاملين في مهن ترتبط بالإشعاع بصورة مباشرة، فقد جاء تقنيو الطب النووي في المرتبة 12 بينما احتل أفراد أطقم الطائرات صدارة القائمة، ونتيجة كهذه تستحق أن تؤخذ بجدية.

الدراسة لا تقول إن الطيران يسبب السرطان، ولا ينبغي أن نقرأها بهذه الطريقة، لكنها تضع أمام صناعة الطيران سؤالاً يستحق الاهتمام: ماذا تفعل آلاف الساعات على ارتفاعات شاهقة بجسم الإنسان على امتداد ثلاثين أو أربعين عاماً؟

على ارتفاعات الطيران المعتادة تقل الحماية التي يوفرها الغلاف الجوي من الإشعاع الكوني، لذلك يتعرّض الطيارون وأطقم الضيافة لجرعات تراكمية أكثر من الشخص العادي، وتشير تقديرات أوردتها الدراسة إلى تعرض أفراد الطواقم لنحو 3 إلى 6 ملي سيفرت سنوياً بحسب مسارات الطيران، وتتغير الجرعة حسب الارتفاع وخط العرض ومدة الرحلة والنشاط الشمسي.

اللافت أن القضية لم تعد مجرد نقاش أكاديمي، ففي يونيو الماضي أصدرت الأكاديميات الوطنية الأمريكية للعلوم والهندسة والطب تقريراً توصل إلى أن الأساليب الحالية لمراقبة تعرض أطقم الطائرات للإشعاع وإبلاغهم بمخاطره في الولايات المتحدة غير كافية، وطالب التقرير بالتعامل مع التعرّض باعتباره خطراً مهنياً يستحق المتابعة.

صناعة الطيران شديدة الحساسية لكل ما يتعلق بالسلامة، يتم احتساب ساعات عمل الطيار وراحته، وتتم مراقبة لياقته الطبية، وتوضع حدود دقيقة لكل جزئية يمكن أن تؤثر في أدائه، لكن الدراسة الجديدة تفتح باباً آخر، فربما حان الوقت لأن تدخل «الجرعة الإشعاعية التراكمية» ضمن سجل الحياة المهنية لمن يقضون أعمارهم في الأجواء.

القصد ليس إثارة الخوف، ولا القول إن الطيران مهنة خطرة صحياً؛ لأن المعلومات العلمية الحالية لا تقول هذا، لكن المطلوب هو مزيد من الدراسات ومراقبة التعرض التراكمي، والتوعية والفحوص الوقائية، والبحث في إمكانية توزيع الرحلات بما يقلل الجرعات المرتفعة قدر الإمكان.

الطيار مطالب دائماً بأن يكون في أفضل حالاته من أجل سلامة مئات المسافرين خلفه، وقد حان الوقت أن نسأل: من يحمي صحة الطيار بعد آلاف الرحلات وملايين الأميال؟

رفقاً بالطيارين، فبعض المخاطر لا تُرى، ولا تظهر إلا في الوقت الضائع.

23:59 | 25-08-2026

طيران إيران.. يكشف المستور

هناك قطاعات تستطيع الدول أن تخفي تعثرها فيها لسنوات، وقطاعات أخرى يصعب تجميل واقعها مهما حاولت، الطيران واحد من أكثر القطاعات التي تكشف حقيقة الدول وكفاءة إدارتها وانفتاحها على العالم، وقدرتها على استيعاب التقنية.

أصبحت المطارات وشركات الطيران والمجال الجوي جزءاً من صورة الدول والطريقة التي تنظر بها إلى المستقبل، فالدول المتقدّمة والناهضة التي ترسم لها مكاناً في العقود المقبلة، تضع الطيران في قلب مشاريعها الكبرى.

من الصعب أن تتصور دولة تريد بناء اقتصاد حديث وجذب الاستثمارات بينما طائراتها قديمة ومطاراتها متهالكة وشركاتها تكافح لتوفير قطع الغيار.. إيران نموذج واضح لهذه الحالة.

دولة عدد سكانها 90 مليون نسمة، ومساحتها تتجاوز 1.6 مليون كيلومتر مربع، ولديها موقع جغرافي يمكن أن يمنحها دوراً في حركة الطيران بالمنطقة، كما أنها ليست حديثة عهد بالطيران، فالخطوط الإيرانية تأسست عام 1946م وهناك تقريباً 30 شركة طيران و49 مطاراً، مع ذلك عندما تنظر إلى واقع الطيران الإيراني اليوم تجد أنه متأخر عشرات السنوات عن محيطه.

الأسطول المدني الإيراني يضم 200 طائرة لكن جزءاً كبيراً من هذه الطائرات يبقى على الأرض فترات متفاوتة، ومتوسط عمر الطائرات في إيران 29.3 سنة، تنقل نحو 18 إلى 23 مليون مسافر سنوياً، وهو رقم متواضع في بلد سكانه يناهزون الـ100 مليون، بينما يبلغ عمر أسطول الطائرات في دول مثل السعودية وقطر والبحرين والإمارات بين 5 إلى 9 سنوات، وتنقل أساطيلها مئات الملايين سنوياً.

مع شح الأرقام التشغيلية تعاني الطائرات الإيرانية من نقص كبير في قطع الغيار والمحركات وخدمات الصيانة والتمويل والتأجير، في صناعة تعتمد على سلسلة إمداد عالمية شديدة التعقيد، وهذا يضاعف تحديات الصيانة واستدامة التشغيل ويزيد الضغط على السلامة.

حاول الإيرانيون تعويض ذلك بالتصنيع المحلي وإصلاح بعض المكوّنات وإطالة أعمار الطائرات، ونجحوا أحياناً في إبقاء طائرات قديمة بالخدمة لفترات معينة، لكن هذه الحلول في النهاية لا تعالج المشكلة.

صناعة الطيران الحديثة لا تقوم على مهارة إبقاء الطائرة القديمة أطول فترة ممكنة، وإنما على منظومة متكاملة من المصنع والتمويل والصيانة والتدريب والرقابة والتحديث المستمر.

على الضفة الأخرى من الخليج دول أصغر من إيران في المساحة وعدد السكان استطاعت أن تبني خلال سنوات منظومات طيران عالمية، وحوّلت موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية.

أما السعودية فالفارق أصبح أبعد بكثير، نحن أمام استثمارات بعشرات المليارات في المطارات والأساطيل والتقنية والخدمات اللوجستية وربط الطيران بالسياحة والتنمية والمدن الجديدة.

نعم، العقوبات لها دور كبير في واقع إيران الحالي لكن الفارق بينها وبين جيرانها الخليجيين لا يمكن اختزاله بالعقوبات، لأن السؤال الأهم ما الخيارات التي أوصلت إيران أصلاً إلى هذه العزلة؟

الدول تختار أين تضع مواردها، وما هي الملفات التي تستنزف طاقتها السياسية والاقتصادية، وما هي الصورة التي تريد أن تكون عليها بعد 20 عاماً. وحين تنشغل دولة مثل إيران على مدى نصف قرن بخلق صراعات إقليمية ومشروعات ممتدة خارج حدودها، من الطبيعي أن تدفع قطاعاتها المدنية الثمن.

حتى الموقع الجغرافي الذي كان يفترض أن يكون أحد أهم أصول إيران الجوية فقد جزءاً كبيراً من قيمته، فالمجال الجوي الإيراني كان بالإمكان أن يصبح مصدراً مهماً لرسوم العبور، إلا أن التوترات العسكرية المتكررة دفعت الشركات الدولية إلى تجنّبه، فالثقة في الطيران عنصر اقتصادي والشركات تبحث دائماً عن المسار الآمن.

المواطن الإيراني يدفع ثمن كل هذا التخلف، وهكذا تتحوّل مشكلات الطيران إلى قيود إضافية على الاقتصاد كله.

قل لي كيف هي مطاراتك، وما عمر طائراتك، وإلى كم مدينة في العالم تستطيع الوصول مباشرة، وما حجم الحركة في أجوائك، وكم تستثمر في التقنية والملاحة والخدمات اللوجستية، وسأعرف الكثير عن اقتصادك وطموحك ونظرتك إلى المستقبل، لأن الدول التي تفكر في الغد تبني المطارات، وتشتري الطائرات، وتفتح الأسواق، وتستثمر في الإنسان والتقنية، فهي تعرف أن الطيران حين ينمو تتحرك معه السياحة والتجارة والاستثمار والخدمات والمدن.

لو أن جزءاً من الجهد والمال الذي أنفق على القلاقل والصراعات والمشروعات خارج الحدود ذهب إلى تحديث المطارات والطائرات والاقتصاد والبنية التحتية وتحسين حياة الإيرانيين، ربما كنا اليوم نتحدث عن مركز طيران إقليمي كبير على الضفة الأخرى من الخليج، لكن الطائرات، مثل الاقتصاد، لا تطير بالشعارات.

00:03 | 19-08-2026

«وضع الطيران».. تجربة تبحث عن شكلها

حين بدأت فكرة «وضع الطيران» لم يكن في ذهني الوصول إلى رقم معيّن، بقدر ما كان السؤال الذي يشغلني هو «هل بالإمكان تقديم شكل صحفي جديد يخاطب ذائقة جمهور اليوم، دون التخلي عن أصول المهنة التي تعلمناها وعشنا معها سنوات طويلة»؟

تغيّرت علاقة الناس بالمعلومة، فالهاتف أصبح صحيفة وتلفزيوناً وإذاعة ومكتبة في شاشة واحدة، والجمهور الذي كان يمنح المقالة أو التقرير عدة دقائق أصبح يمر أمام عشرات المواد خلال ثوانٍ قليلة، الصورة تتقدّم والنصوص تقصر والمنافسة على انتباه المتلقي أشرس، حتى صار النجاح الإعلامي أحياناً يُقاس بعدد المشاهدات أكثر مما يُقاس بقيمة العمل.

وسط هذه التحوّلات جاءت فكرة «وضع الطيران» النشرة اليومية المتخصصة بالطيران والتي يصدر غداً عددها رقم 100، أردتها منذ البداية محاولة للجمع بين مدرستين؛ مدرسة الصحافة التي تؤمن بأن المصداقية أهم من السرعة والأمانة أهم من الإثارة، ومدرسة العصر التي تعرف أن الجمهور ليس مستعداً لقراءة الصفحات الطويلة.

قامت الفكرة على الاختصار والإشباع البصري، وعلى تقديم المعلومة بأقل عدد ممكن من الكلمات مع مساحة للتحليل العميق الرشيق الذي يذهب إلى المعنى مباشرة، الاختصار في رأيي لا يعني تسطيح الفكرة كما أن العمق لا يحتاج إلى ألف كلمة، وهذه المعادلة تصبح أكثر صعوبة عندما يكون الحديث عن الطيران لأن الطيران ليس قطاعاً مناسباً للابتذال الإعلامي، هذه صناعة قامت منذ بداياتها على الانضباط وعلى أنظمة شديدة الصرامة دقيقة التفاصيل، لذلك فإن اختزال الصناعة في أخبار خفيفة ومعلومات مثيرة ومقاطع تبحث عن «الترند» يظلمها أكثر مما يخدمها.

وهنا تظهر مسؤولية الإعلام المتخصص.

الإعلام المتخصص في رأيي ليس إعلاماً للنخبة، ولا ينبغي أن يتحوّل إلى لغة فنية مغلقة لا يفهمها سوى العاملين في القطاع.

مهمته الأصعب أن يعرف التفاصيل ثم يعيد تقديمها للناس بلغة واضحة دون أن يفقدها معناها، أن يبسط المعلومة دون أن يسطحها وأن يجعل المادة جذابة دون أن يبتذلها، وأن يلاحق الجديد دون أن يتحول إلى أسير للترند.

أيضاً تعمّدت ألا تكون «وضع الطيران» نشرة أخبار، فالأخبار موجودة في كل مكان، ما حاولت تقديمه هو ما بعد الخبر، ماذا يعني ولماذا حدث؟ وما الرقم الذي يستحق التوقف عنده؟ وأين يقع ضمن الصورة الأكبر للصناعة؟

حاولت أن تتنوع المواد بين رقم يستحق الرصد وتصريح يحمل ما وراءه، وتطور عالمي يمكن أن ينعكس على السوق، وزاوية تحليلية تحاول وضع الأحداث في سياقها.

عند نهاية كل شهر يصدر تقرير مفصّل يختلف عن الإيقاع اليومي، يقرأ اتجاهات السوق ويجمع الأرقام المتفرقة، ويحلل معطيات الفترة الماضية، لأن بعض تحوّلات الطيران لا يمكن فهمها من خبر يوم إنما من مراقبة الاتجاه عبر فترة زمنية أطول، التحدي الأصعب كان الالتزام اليومي، فـ «وضع الطيران» حتى عددها المئة هي جهد فردي بحت، من البحث عن الفكرة الرئيسية ومتابعة المصادر والتحقق من الأرقام والمعلومات، واختيار الزاوية وكتابة النصوص واختصارها، وصولاً إلى بناء الشكل النهائي لكل عدد، لهذا كان إصدارها يومياً اختباراً مضاعفاً فالعمل الفردي يمنح صاحبه حرية كبيرة في رسم هوية المشروع والمحافظة عليها، لكنه في المقابل يضع كامل مسؤولية الاستمرار والجودة والتجديد على شخص واحد.

مع ذلك كان الرهان أن أستطيع كل يوم إيجاد زاوية جديدة في صناعة واسعة ومتحركة مثل الطيران حتى وصلت إلى العدد المئة، وفي كل عدد كان التحدي يتجدّد، فكرة مختلفة ومعلومة موثقة واختصار لا يخل بالمعنى، وشكل بصري يجعل القراءة جزءاً من التجربة.

أنشأت للنشرة قناة خاصة على «واتساب»، ووصل عدد متابعيها حتى الآن إلى 266 متابعاً، معظمهم من العاملين والمهتمين بقطاع الطيران، وما يقارب 15%؜ منهم أسماء معروفة تشغل مناصب رفيعة في الصناعة. قد يبدو الرقم صغيراً بمنطق حسابات التواصل الاجتماعي، لكنه بالنسبة إلى إعلام متخصص يحمل دلالة مختلفة، لأن قيمة الجمهور المتخصص تقاس بعلاقته بالمحتوى وتأثيره داخل المجال.

بعد مئة عدد، لا أعتقد أن «وضع الطيران» وصلت إلى شكلها النهائي ولا أريد لها ذلك، فالتجارب الإعلامية التي تتوقف عن التطور تبدأ في تكرار نفسها، الجمهور يتغيّر وأدوات النشر تتغيّر، وصناعة الطيران نفسها تتغيّر بسرعة كبيرة، لذلك قد لا تكون «وضع الطيران» في مئويتها الثانية هي نفسها التي عرفها القارئ في المئة الأولى.

ربما تتغيّر بعض أقسامها أو إيقاع صدورها، وربما تتسع التجربة إلى شكل آخر يواكب ما تعلمته خلال الأعداد الماضية، فالفكرة منذ البداية لم تكن صناعة قالب ثم البقاء داخله إنما البحث عن صيغة إعلامية تستطيع أن تتطور دون أن تفقد هويتها، مع الإيمان بأن تحديث شكل الصحافة لا يعني التخلي عن قيمها.

مئة عدد كانت محاولة لاختبار هذه الفكرة، وكانت تجربة تعلمت منها بقدر ما كتبت فيها.

وغداً تبدأ المئة الثانية، بشكل مختلف وروح مغايرة وسماء جديدة.

00:01 | 12-08-2026

الأمير سلطان.. والطيران

في تاريخ الدول هناك أشخاص ارتبطت أسماؤهم بملفات معينة حتى أصبح من الصعب الحديث عن تلك الملفات دون استحضار أدوارهم، وفي تاريخ الطيران السعودي يصعب تجاوز اسم الأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمه الله- بوصفه أبرز من أسهموا في بناء هذا القطاع وصياغة ملامحه الحديثة، حتى غدا حضوره جزءاً رئيسياً من ذاكرة الطيران في المملكة رغم المناصب الكبرى التي تقلدها.

لطالما راودتني فكرة تأليف كتاب يوثق تلك المراحل، ليس لأن الأمير سلطان كان مسؤولاً عن قطاع الطيران لسنوات طويلة فقط، إنما لأن التحوّلات التي شهدها الطيران السعودي في عهده تستحق أن تُقرأ بوصفها تجربة وطنية متكاملة، وأن توثق للأجيال القادمة باعتبارها جزءاً مهماً من تاريخ المملكة الحديث.

حين نتأمل واقع الطيران السعودي بما يضمّه من مطارات وشركات ناقلة، ومنظومة تشريعية متقدّمة وحضور دولي مؤثر، فإننا أمام نتائج تراكمية جاءت بعد عقود من التخطيط والعمل والبناء، ومن الإنصاف توثيق اللبنات الأولى ومن حمل مسؤولية هذا القطاع سنوات طويلة.

آمن الأمير سلطان بأن الطيران قوة سيادية ورافعة اقتصادية وجسر يربط المملكة بالعالم، لذلك امتد اهتمامه من شراء الطائرات وإنشاء المطارات إلى بناء منظومة متكاملة من التشريعات والأنظمة وتنمية الكفاءات وتطوير البنى التحتية، وتعزيز الحضور السعودي في المنظمات الدولية.

شهد الطيران المدني السعودي تحت قيادته توسعاً كبيراً في شبكة النقل الجوي، وتحسّناً مستمراً في الخدمات وتطوراً في الأنظمة والإجراءات، بما يتناسب مع النمو الذي كانت تعيشه المملكة آنذاك، وفي نفس الوقت كان الطيران العسكري يسير بخطوات متسارعة نحو التحديث والتطوير، حتى أصبحت المملكة تمتلك واحدة من أكثر المنظومات الجوية تقدّماً في المنطقة.

إن النجاحات الكبرى تُصنع بالرؤى بعيدة المدى، والاستمرار في البناء، وتأسيس مؤسسات قادرة على البقاء مع مرور الزمن، لهذا أرى أن الحديث عن الأمير سلطان في سياق الطيران لا يكون حديثاً عاطفياً أو احتفالياً بقدر ما هو قراءة موضوعية لتجربة إدارية وتنموية أثرت في قطاع إستراتيجي أصبح اليوم أحد أهم القطاعات التي تراهن عليها المملكة ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.

يرحل الأشخاص، لكن يبقى العمل والأثر الذي تركوه في حياة الناس، وهذه هي القيمة الحقيقية في الأوطان.

اليوم، ونحن نشهد التحوّلات الكبرى التي يعيشها قطاع الطيران في المملكة من توسع غير مسبوق في المطارات، وإطلاق ناقلات جديدة واستثمارات ضخمة، ومستهدفات تجعل المملكة مركزاً عالمياً للطيران، فإن من الجميل أن نستحضر التاريخ الذي بدأت منه هذه المسيرة ونحن ننطلق إلى آفاق مدهشة ترسمها رؤية 2030 التي أطلقها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، هذه الرؤية المباركة التي تأخذ الوطن بكافة قطاعاته إلى مدار آخر من النجاح والازدهار.

ما زالت فكرة الكتاب ترافقني، لا بوصفه كتاباً عن شخصية إنما بوصفه كتاباً عن مرحلة صنعت جزءاً مهماً من تاريخ الطيران السعودي، وعن رجل ارتبط اسمه بهذا القطاع لعقود طويلة حتى أصبح حضوره جزءاً من هويته، والأمير سلطان يستحق عملاً يوثّق علاقته بالطيران، ويستعرض المشاريع والإنجازات والتحديات التي صاحبت تلك المرحلة، ففي هذا تكريم لشخصية رائدة وحفاظ على ذاكرة قطاع أسهم في ربط المملكة بالعالم.

قطاع كان ولا يزال أحد أعمدة التنمية الوطنية السعودية.

00:05 | 5-08-2026