أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1758.jpg?v=1762959881&w=220&q=100&f=webp

منيف الحربي

كاتب متخصص بالطيران

ما طائرتك المفضلة؟

عندما يحجز المسافر رحلته، يهتم غالباً بوقت المغادرة، وسعر التذكرة، وعدد ساعات التوقف، وجودة الخدمة، وموقع المقعد (إن كان يستطيع الاختيار).

قليل من يتوقف عند سؤال مختلف: ما نوع الطائرة التي سأطير عليها؟ مع أن هذا السؤال قد يكون أكثر أهميّة من فرق مئات الدولارات.

الطائرة أحياناً أكثر من مجرد وسيلة نقل، خاصة في الرحلات الطويلة، إنها البيئة التي ستعيش داخلها أكثر من 12 ساعة؛ ستنام أو تحاول، ستأكل وتتأمل، وستجرب فيها الراحة أو الضيق، لهذا أعتقد أن سؤال: «ماه طائرتك المفضلة؟» ليس زائداً عن الحاجة، بقدر ما هو جزء من وعي المسافر المعاصر، خاصة المسافرين الدائمين.

مثلاً، طائرة الدريملاينر B787 حقّقت شهرتها من تجربة مختلفة يشعر بها كثير من الركاب، ضغط المقصورة فيها يعادل ارتفاعاً يقارب 6 آلاف قدم بدلاً من 8 آلاف في الطائرات التقليدية، ما يقلّل الجفاف والصداع والإرهاق، الرطوبة أعلى والضجيج أقل والنوافذ أكبر، والإضاءة الداخلية مصمّمة لتنسجم مع إيقاع الجسم، لكن الصورة ليست مثالية دائماً، فبعض شركات الطيران استغلت كفاءة الطائرة وشعبيتها ورفعت كثافة المقاعد في الدرجة الاقتصادية، فكسبت الشركة وخسر الراكب مساحة الكتف والركبة، هنا يظهر الفرق بين طائرة ممتازة وتجربة متوسطة؛ فالطراز وحده لا يكفي.

في الجهة الأخرى تقف إيرباص A330 بهدوء، ليست صاخبة إعلامياً، لكنها تمنح في كثير من الشركات ترتيب مقاعد 2-4-2، وهو توزيع يفضله كثيرون خاصة الأزواج والعائلات، أن تجلس بجوار شخص واحد بدلاً من اثنين قد يبدو أمراً بسيطاً، لكنه في رحلة طويلة يصنع فرقاً واضحاً.

ثم تأتي إيرباص A350 التي تمثّل توازناً ناضجاً بين التقنية والراحة، مقصورة هادئة، ضغط أفضل، تصميم داخلي أنيق وكفاءة تشغيلية عالية، لهذا أصبحت خياراً مفضلاً لكثير من شركات الطيران، ولعدد متزايد من المسافرين.

في الرحلات القصيرة والمتوسطة، يبرز التنافس بين A320neo و737 MAX هنا تختلف الحسابات فالرحلة غالباً أقصر، والتركيز على الوصول أكثر من التجربة، ولا تبدو الفوارق حاسمة للراكب العادي، مع أن عائلة A320 تقدم مقصورة أعرض قليلاً، في المقابل، تبقى B737 خياراً مألوفاً، ارتبط في ذاكرة المسافرين بمئات الرحلات، رغم ما مرت به من تداعيات في السنوات الأخيرة.

جزء من تفضيلات المسافرين نفسي أكثر من كونه تقنياً، قد يحب المسافر طائرة؛ لأنها كانت رفيقة أول رحلة مهمة في حياته، أو لأنها حملته مع أحبته إلى مدينة لا ينساها، الطيران ليس أرقاماً فقط، هو ذاكرة وقلب أيضاً.

لكن هل يستطيع المسافر اختيار الطائرة التي يفضلها فعلاً؟

نظرياً نعم، خاصة في رحلات الترانزيت حين تختار أن تطير لمكان بعيد عبر الدوحة أو إسطنبول أو باريس مثلاً، كثير من مواقع الحجز تعرّض نوع الطائرة وتفاصيل المقاعد، والمسافر يقارن ويختار، لكن عملياً، شركات الطيران قد تغيّر الطائرة في أي وقت لأسباب تشغيلية، كما أن العمر التشغيلي عامل مؤثر؛ فطائرتان من النوع نفسه قد تقدّمان تجربتين مختلفتين تماماً، واحدة بمقصورة محدثة وأنظمة ترفيه متطورة، وأخرى بتصميم قديم؛ لذلك الحكم على الطراز من تجربة واحدة قد يكون مضللاً.

مع تطور الوعي، بدأ بعض المسافرين ينظرون أيضاً إلى الجانب البيئي، طائرات الجيل الجديد مثل B787 وA350 وA320neo تحقّق توفيراً في الوقود وانبعاثات أقل لكل مقعد، وهذا العامل يزداد الاهتمام به عالمياً وقد يفرق في التكلفة.

ومن الزوايا اللافتة دخول طائرات مثل إيرباص A321XLR إلى الوجهات المباشرة البعيدة، وهذا يفتح مسارات جديدة، لكنه يضع الراكب أحياناً في رحلة تمتد لسبع أو ثماني ساعات داخل مقصورة أضيق، هنا ينقسم الناس بين من يفضل رحلة مباشرة ومن يفضّل راحة أكبر؟

شركات الطيران تدرك أن الطائرة أصبحت جزءاً من تسويقها، إدخال طراز جديد لم يعد قراراً تشغيلياً فقط، إنه جزء من رسالة تقول للمسافر: «نحن نستثمر في تجربتك».

في النهاية، لا يوجد تفضيل واحد حاسم، من يسافر لمسافات طويلة قد يفضل B777 أو A350، أو A380 ومن يهتم بتوزيع المقاعد قد يميل إلى A330. ومن يريد رحلة داخلية سريعة ربما لا يعنيه الطراز بقدر ما يعنيه الوقت والسعر.

السؤال الأدق ليس «ما أفضل طائرة»، بل ما الرحلة التي أمامك؟ وما الذي تريده منها؟

في المرة القادمة، حين تصعد إلى الطائرة انظر حولك قليلاً، لاحظ ارتفاع السقف وصوت المحركات وسعة النوافذ وعرض الممرات وحجم المقعد وإحساس المكان، وستدرك أن الرحلة تبدأ قبل الاقلاع بوقت طويل.. من اختيار طراز الطائرة لا من وقت إغلاق الأبواب.

منذ 11 ساعة

لماذا لا يعجبنا طعام الطائرة؟

أثناء الطيران، لا يتغيّر ما نراه من النافذة في الخارج فقط، يتغيّر أيضاً ما نشعر به من الداخل دون أن ننتبه. الطعام، الوجبة التي تبدو عادية على الأرض، تتحوّل فوق الغيوم إلى تجربة مختلفة؛ أحياناً باهتة وأحياناً لذيذة، بشكل يصعب تفسيره إلا إذا فهمنا ما يحدث لأجسادنا وما يحدث لأطباقنا.

يشتكي كثيرون من وجبات الطائرة، البعض يتهم الشركات بالبخل، والبعض يتعامل معها باعتبارها شيئاً ثانوياً في الرحلة، لكن الحقيقة أن الطعام على متن الطائرة منظومة تشغيلية وتجارية وعلمية معقدة، تشارك فيها المطابخ الضخمة والهندسة، وسلامة الغذاء وعلم النفس، والوقت والمسافة، وحتى صوت المحركات وضجيج الهواء.

بدأت قصة الطعام الجوي مبكراً، حين كان السفر بالطائرة كأنه مناسبة اجتماعية، كان الطيران في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي نادراً ومكلفاً، وكان المسافرون من طبقات غنيّة، لهذا كانت الخدمة تركّز على الرفاهية، فطائرات مثل DC-3 كانت ترى الرحلة نفسها جزءاً من المتعة، لذا كانت الوجبات تُقدَّم بأدوات حقيقية وأطباق ساخنة، وخدمة تشبه ما يُقدَّم في الفنادق الراقية.

ثم جاء العصر الذهبي للطيران في الخمسينيات والستينيات، ومع دخول الطائرات النفاثة بلغت الضيافة الجوية ذروة بريقها، كان المسافر على بعض الرحلات الطويلة يجد أنواع اللحم، والمأكولات البحرية، والحلويات الفاخرة، وخدمة طاولات تضاهي مطاعم المدن الكبرى.

بعض الشركات استعانت بطهاة مشهورين، وأخرى جعلت الطعام جزءاً من هويتها التجارية.

حاليّاً تغيّر العالم واتسعت الأسواق وزاد عدد المسافرين، إذ يتجاوز عددهم عالمياً 5 مليارات سنوياً، وتحوّل السفر الجوي من رفاهية محدودة إلى صناعة جماهيرية، هنا بدأت مرحلة جديدة انتقلت فيها الوجبات من المطابخ الصغيرة إلى مصانع ضخمة، وأصبح ما يُعرف اليوم بالتموين الجوي أو «الكاترينغ» قطاعاً مستقلاً تتجاوز قيمته عشرات المليارات ويخدم آلاف الرحلات يومياً.

بعض مراكز التموين الكبرى في مطارات عالمية مثل لندن وسنغافورة تنتج أكثر من 200 ألف وجبة في اليوم، هذه الصناعة تقوم على إدارة زمنية دقيقة، إعداد آلاف الوجبات، وفرزها حسب الرحلات والدرجات والطلبات الخاصة، ثم نقلها إلى الطائرات وتحميلها في فترات قصيرة، مع الالتزام الكامل بسلامة الغذاء وضوابط التبريد؛ لأن أي تأخير بسيط قد ينعكس على جدول الرحلات بالكامل.

مع كل هذا العمل، يتكرر سؤال، لماذا يبدو طعام الطائرة مختلفاً؟

الإجابة تبدأ من المقصورة، فالطائرة عند التحليق تضبط ضغطها الداخلي ليعادل ارتفاعاً يقارب 8 آلاف قدم فوق سطح البحر، وجسم الإنسان يشعر بهذا التغيّر حتى لو لم ينتبه له، حاسة الشم وهي مهمة في التذوق تتراجع كفاءتها بسبب انخفاض الضغط وجفاف الهواء، كذلك هناك عامل آخر لا يراه الراكب لكنه يعايشه وهو الضجيج، صوت المحركات وأنظمة التهوية وحركة المقصورة، تعزف خلفية صوتية مستمرة، وهناك أبحاث أشارت إلى أن الضوضاء تؤثر في المذاق، وتخفف الإحساس بالحلا أو الملح، بينما تجعل النكهات العميقة أكثر وضوحاً، بمعنى أن الأذن تشارك اللسان في تشكيل رأيك عن الوجبة.

أيضاً الرطوبة مؤثر مهم؛ لأنها تنخفض داخل الطائرة إلى مستويات أقل بكثير من البيئات المريحة للإنسان، وهذا يؤثر على الجلد والأنف والفم وكذلك الطعام الذي يبدو أكثر جفافاً وأقل جاذبية؛ لذلك تعتمد شركات الطيران على الصلصات والمكوّنات الرطبة، والوصفات التي تحتفظ بعصارتها بعد التسخين.

هنا يظهر الجانب الخفي من هندسة الطعام الجوي، فالوجبة التي تصل إلى مقعدك لم يتم إعدادها لتكون لذيذة فقط، بل لتتجاوز سلسلة طويلة من التحضير، والتبريد، والنقل، والتخزين داخل الطائرة، ثم إعادة التسخين في أفران محدودة الإمكانات، لذا يغلب اختيار أنواع معينة، مثل الفطر والطماطم، وبعض الأجبان، والتتبيلات الأقوى؛ لأنها تحتفظ بنكهاتها رغم ظروف الرحلة.

وجبة الطائرة أصبحت اليوم جزءاً من المنافسة التجارية، خاصةً في الدرجات المميّزة، بعض الشركات عادت للتعاون مع طهاة معروفين واهتمت بأطباق تعكس هوية بلدها وثقافته، ليعود الطعام إلى دوره القديم.. رسالة ضيافة لكن بأدوات حديثة.

في النهاية، حين تتناول وجبتك على ارتفاع 35 ألف قدم فأنت تجرّب تفاعل الإنسان مع الضغط والضوضاء والجفاف، والزمن والارتفاع واللوجستيات. قطعة الدجاج أو البيتزا أو كوب العصير الذي أمامك مرّ برحلة معقدة قبل أن يصل إليك.

في رحلتك المقبلة، عندما تجد أن وجبتك مختلفة عمّا توقعت لا تستعجل الحكم، فالمشكلة قد لا تكون في مقادير الطبخ، قدر ما تكون في بيئة الارتفاع.

00:08 | 22-04-2026

السعودية.. الممر الآمن للعالم..

عند الأزمات، تظهر قيمة الدول التي تستطيع أن تحافظ على استقرارها واستقرار محيطها.

قبل سبعة أشهر، وخلال حرب الاثني عشر يوماً، أُغلقت مجالات جوية في الشرق الأوسط، وتغيّرت مسارات آلاف الرحلات، حينها سألت مسؤولاً رفيعاً في الطيران المدني السعودي: لماذا لا يتم إبراز الجهود الاستثنائية التي يقدّمها قطاع الطيران في المملكة؟ لماذا لا يُشرح أن السماء السعودية هي الممر الآمن الذي يربط الغرب بالشرق في اللحظات الحرجة؟

كان جوابه هادئاً لكنه عميق الدلالة، قال: «إن الدول الكبيرة تترك العمل يتحدث، ولا تحتاج حملات دعائية مهما كانت المزايدات، فالواقع يراه العالم والحقيقة تكتبها الطائرات على صفحات السماء».

وأضاف: «إن من أخلاقيات المملكة ألا تلمّع دورها بينما المنطقة تعيش حرباً، والسعودية ترى أن تأمين سلامة الملاحة الجوية العالمية جزء من مسؤوليتها الطبيعية كدولة محورية على الخريطة الجيوسياسية».

في الأسابيع الأخيرة؛ عادت الأحداث لتؤكد الفكرة نفسها، عندما تضيق الأجواء في بعض الأماكن، يبحث العالم عن المساحة الأكثر استقراراً وأماناً، وغالباً ما تكون تلك المساحة هي الأجواء السعودية.

لقد أثبتت الاحداث دائماً قدرة البنية التحتية السعودية على استيعاب أوضاع الطوارئ الإقليمية بسرعة، وتوفير بدائل تشغيلية حينما تتعطل المطارات والأجواء.

في عالم الطيران ما حدث ليس عادياً، فاستضافة طائرات عالقة لشركات أخرى وتوفير مطارات لتكون قاعدة تشغيلية، أمر يحتاج ترتيبات قانونية وتشغيلية ومساحات مواقف وخدمات أرضية وتنسيقاً تشغيلياً في ظرف استثنائي.

كانت الرسالة واضحة، فعندما تضطرب الحركة الجوية في الشرق الأوسط، تصبح المملكة نقطة الارتكاز الطبيعية للحركة الجوية في المنطقة، وهذا انعكاس طبيعي لدور ومكانة المملكة على المستويات كافة.

كانت المشاهد في القيصومة والرياض والدمام، ومسارات العبور، تشكّل صورة أوسع من مجرد تعاون تشغيلي؛ إنها تعكس حقيقة جيوسياسية يعرفها العاملون في هذا القطاع منذ زمن طويل، وهي أن المملكة العربية السعودية تمثّل العمق الاستراتيجي الحقيقي للخليج والعالمين العربي والإسلامي.

الأمر لا يتعلق بالمساحة الشاسعة فقط، ولا بالموقع الجغرافي المتميّز، بل يرتبط أيضاً بقدرة منظومة الطيران السعودي على إدارة أجوائها الواسعة بكفاءة وتنظيم. إدارة هذا المجال الكبير تحتاج منظومة ملاحة متقدّمة وبنية تحتية قادرة على استيعاب الحركة الجوية بكفاءة، سواء ما يتعلق بإدارة الأجواء وحركة المطارات، أو ما يتعلق بشبكات الملاحة المرنة ومنظومة التنسيق الدولي.

اللافت أن المملكة لا تقدّم هذا الدور بوصفه استعراضاً للقوة أو فرصة للدعاية، بل باعتباره جزءاً من مسؤوليتها الطبيعية تجاه استقرار المنطقة وسلامة شبكة الملاحة الجوية العالمية.

في أوقات الرخاء قد تبدو الجغرافيا مجرد حدود على الخريطة، لكن في أوقات الأزمات تتحوّل تلك الخطوط إلى حقائق ناصعة، وما يحدث اليوم في سماء الخليج يذكّرنا بأن هناك دولاً لا تحتاج أن تقول إنها مركز الاستقرار؛ لأن حركة الطيران نفسها تقول ذلك كل يوم، والعالم كله يرى هذه الحقيقة، على الأرض ومن فوق السحاب.

00:33 | 15-04-2026

وقود الطيران يربك العالم

تبدأ الأزمات في الطيران حينما يبدأ النظام يفقد مرونته، فتصبح القرارات التشغيلية اليومية تحت ضغط قد يتطور ليغيّر عمل الصناعة بالكامل، وهذا ما يهدّد به وقود الطائرات حالياً.

في أوروبا أدى نقص الإمدادات إلى ارتباك منظومة الطيران، بعد القيود التي فُرضت في معظم المطارات الإيطالية مثل ميلانو ليناتي، وفينيسيا، ومطار بولونيا، ومطار تريفيزو، حيث كشف هذا الإجراء اضطراب سلاسل التوريد في إحدى أكثر الدول كثافة في الحركة الجوية، ما أدى إلى قرارات بتقييد الرحلات القصيرة، ومنح رحلات الإسعاف والرحلات الحكومية الأولوية على غيرها.

أيضاً أبدت شركات مثل «لوفتهانزا» و«رايان إير» قلقها من احتمالات الإلغاء وارتفاع أسعار التذاكر بما قد يتجاوز الضعف.

في آسيا أطلّت الأزمة بملامح مغايرة، حيث أصدرت باكستان إشعاراً للشركات بضرورة تحميل أكبر كمية ممكنة من الوقود؛ لأن التزوّد به داخل البلاد غير مضمون، وهذا يضيف ضغوطاً تشغيلية أخرى من ناحية عبء زيادة الوزن وتقليل عدد الركاب.

أيضاً، في أستراليا وأمريكا الجنوبية امتد التأثير على شكل مصاعب وتأخيرات، يخشى المراقبون أن تتصاعد بسرعة، وفي خلفية هذا المشهد يظل «مضيق هرمز» النقطة الأكثر حساسة التي انطلق منها كل هذا الارتباك العالمي.

الأرقام لا تتعلق بقطاع الطيران فقط، إنما تمتد إلى قطاعات أخرى، لعل أولها القطاع السياحي الذي خسر أرقاماً كبيرة جداً، وبالتالي تكبّد الاقتصاد العالمي خسائر مزعجة.

«أزمة وقود الطائرات» الحالية ليست الأولى، ففي سبعينيات القرن الماضي، ومع أزمة النفط عام 1973م، وجدت شركات الطيران نفسها أمام وضع صعب أعاد تشكيل الصناعة، ودفع نحو البحث عن كفاءة أعلى في التشغيل ومحركات أقل استهلاكاً، وكانت مقدمة لغياب الأحجام الكبيرة وتلاشي الطائرات رباعية المحركات.

عام 2008م، حينما قفزت أسعار النفط، وعام 2020م، مع جائحة كورونا، وغيرها من الأعوام الصعبة، منحت قطاع الطيران العالمي القدرة على تعزيز مرونته وقوته، كما كانت مفتاحاً لحلول جديدة تزيد الكفاءة وتقلّل الاعتماد على مصدر واحد؛ لذلك قد نشهد الاعوام المقبلة تسارعاً أكبر في الاستثمار بالوقود المستدام (SAF) sustainable aviation fuel أو إعادة النظر في نماذج التشغيل الحالية.

شركات الطيران مع الوضع الحالي وجدت نفسها أمام معادلات مقلقة، فالتقديرات تشير إلى إمكانية ارتفاع أسعار التذاكر بنحو 20% لمعادلة تكلفة الوقود فقط، فيما بدأت بعض الناقلات الجوية بفرض رسوم إضافية على الرحلات الطويلة.

في المقابل، بدأت الشركات الكبرى محاولة استثمار الأزمة لإعادة التموضع ورسم خريطة المنافسة من جديد، حيث تملك هذه الشركات القوية القدرة على امتصاص الصدمات لفترة أطول، بينما تجد الشركات الأضعف نفسها أمام ضغط أشد، والفجوة بين الطرفين مرشحة للاتساع، مما قد يفرض اندماجات أو خروج بعض اللاعبين من السباق.

التجارب في سوق الطيران أثبتت أنه لا يختنق فجأة، إنما يتباطأ أولاً، ثم يبدأ بالتراجع، لكن الوضع اليوم مصحوب بتعقيدات أكبر لأن صناعة الطيران لم تتعافَ بشكل كامل من تبعات جائحة كورونا ومتاعب بوينج وايرباص ونقص المحركات.

الطيران بُني على فكرة «الثقة».. الرحلة تنطلق في وقتها، الوقود متوفر دائماً، والخدمات مكفولة، وحين يتراجع هذا الافتراض يتغيّر سلوك السوق بالكامل.

مع ذلك، كل أزمة تحمل داخلها إعادة ضبط؛ لأن الطائرات لا بد أن تستمر في التحليق، والناس تريد الانطلاق حتى لو كان بكلفة أعلى وقيود أكثر.

00:06 | 8-04-2026

إدارة حوادث الطيران إعلامياً

تتباين الأزمات في عالم الطيران حسب نوعية الحدث وحجمه، لكن أكثرها أهمية ما ينتج عنه خسائر بالأرواح أو يكون سببه خطأ فادح يتعلق بالسلامة.

في اللحظات الأولى لأي حادثة جوّية، ومع إجراءات الإنقاذ والتحرز الطبيعية، يكون أهم إجراء سريع هو ما يتعلق بإدارة الأزمة إعلامياً، كيف تُروى القصة، ومتى تُقال الحقيقة.

عندما وقع اصطدام الطائرة الكندية بعربة الإطفاء، الأسبوع الماضي على مدرج مطار لاغوارديا في نيويورك، حرصتُ كثيراً على متابعة المعالجة الإعلامية الرسميّة؛ لأن الحادث يعد اختباراً لقدرة النظام على إدارة الرواية، والتعامل مع التداعيات.

النموذج الإعلامي الأمريكي مرتّب وجامد، فقد تحركت إدارة الطيران الفيدرالي Federal Aviation Administration بسرعة لضبط الإطار واستباق أي فوضى في الروايات.. صدر بيان قصير، خلت عباراته كالعادة من أي مشاعر، اكتفى بالحقائق الأولية دون تفسير أو استنتاج.

هذا الأسلوب لا يعتبر بروداً بقدر ما هو انضباط يهدف إلى حماية الرواية من التشويش المبكر أو التناقض لاحقاً.

بعد ذلك، تراجع الصوت الإداري وتقدّم صوت التحقيق، حيث جاء دور المجلس الوطني لسلامة النقل، National Transportation Safety Board (وهو الجهة المختصة بالتحقيق) ليكون هو المرجع المعرفي للحادث، وهنا تظهر إحدى أهم نقاط القوة في النموذج الأمريكي، أعني الفصل بين جهة التشغيل وجهة التحقيق، مما يعزز المصداقية ويمنع تضارب الرسائل، خلال ذلك التزم المطار والجهات الأخرى بنطاق تواصل محدد، يركّز على الجوانب التشغيلية مثل الإغلاق، دون الإغراق في التفاصيل.

هذا التسلسل في الطرح الإعلامي لم يكن عشوائياً على الاطلاق، فهو يقوم على فلسفة واضحة تعتمد «التدرج في كشف الحقيقة»، وعدم الاستجابة لضغوط الرأي العام أو سرعة وسائل التواصل.

في المقابل، نجد أن الأسلوب العربي في إدارة أزمات الطيران يميل إلى صياغة مختلفة، البيان الذي يصدر يثبت الواقعة ويحاول أن يحتوي آثارها، فيذكر بعض التفاصيل ويكون أكثر دفئاً وأقرب للنّاس لكنّه قد يورد أحياناً معلومات لم تكتمل، ويكون هدفه حماية الشعور العام.

الفارق في المهنية بين النموذجين الأمريكي والعربي ليس كبيراً، لكن في ترتيب الأولويات هناك فرق، في الولايات المتحدة تبنى الرواية لتصمد أمام التحقيق والقضاء حتى لو بدت باردة في اللحظات الأولى، أما في بيئتنا فتبنى الرسالة لتكون مطمئنة نفسياً حتى لو كانت قبل اكتمال الصورة.

في قطاع مثل الطيران، حيث يرتبط الأمر مباشرة بإحساس الناس بالأمان، تصبح المعلومة الدقيقة جزءاً من منظومة السلامة، وليست مجرد محتوى إعلامي، كل كلمة تُقال، وكل تأخير في التوضيح، له أثر يتجاوز الخبر إلى شعور عام بالثقة أو القلق؛ لذلك تبقى المعادلة الأصعب، هل تقول أقلّ مما تعرف أم أكثر مما يجب؟!

من أشهر النظريات في هذا السياق، نموذج Situational Communication Theory (SCCT) الذي يفترض أن أسلوب التواصل يتأثر بالثقافة والبيئة القانونية وحساسية السمعة؛ لذلك تكون معالجة الأزمات في الطيران انعكاساً لأنظمة قانونية وثقافات مؤسسية مختلفة، مثل تحفّظ الخطاب الأمريكي بسبب البيئة القانونية هناك؛ لذلك يمكن القول إن النظام الأمريكي نجح في ضبط الإطار الإعلامي ولم يتسرع في تقديم إجابات غير مكتملة، وهذا بحد ذاته معيار مهم.

في النهاية، إدارة حوادث الطيران إعلامياً هي قبل كل ذلك وبعده، عملية حسّاسة توازي في أهميتها إدارة الحدث نفسه، فالثقة بالطيران لا تبنى في الإجراءات فقط إنما تُصاغ مع كل كلمة تخرج للناس.

00:02 | 1-04-2026

اصطدام المدرج.. خطأ فرد أم نظام ؟

في عالم الطيران، هناك مشاهد لا تُنسى، لعلّ آخرها الفيديو الذي وثّق اصطدام طائرة كندية بعربة إطفاء في مطار لاغوارديا قبل يومين.. كانت اللحظة أحد تلك المواقف الثقيلة التي لا تمر، لحظة قصيرة، لكنها تختصر سلسلة طويلة من القرارات، والتفاصيل، والضغوط التي انتهت بموت الكابتن ومساعده.


عربات الإطفاء في المطارات ليست مركبات عادية، هي جزء من منظومة الاستجابة السريعة التي تقوم فلسفتها على استغلال كل ثانية ممكنة، وعندما تحصل على تصريح لعبور المدرج، تتحرك بسرعة، وبإحساس أن الوقت عامل حسم، في هذه الحادثة تحديداً كانت العربة تدخل المدرج بزاوية مائلة، وبسرعة مقبولة في سياق الطوارئ، زاوية التقاء الممر بالمدرج تقلّص مجال الرؤية، وتجعل تقدير المسافة والزمن أكثر صعوبة، إضافة إلى أن طاقم الإطفاء في مثل هذه اللحظات لا يتوقع وجود طائرة، ولا يرى بوضوح في بيئة ليلية تتداخل فيها الأضواء.


في المقابل، كان الطيار يقلّل التسارع حيث وصلت السرعة إلى 95 ميلاً في الساعة، وحتى هذه السرعة ليس فيها هامش للتصرف، والمفاجآت في هذه المرحلة تكاد تكون مستحيلة المعالجة؛ لأن المسافة تُطوى خلال ثوانٍ والخيارات تصبح محدودة.


المراقب الجوي أعطى تصريح عبور المدرج لعربة الإطفاء، ثم بعد قليل أدرك خطورة الموقف، وصرخ «قف، قف، قف»، لكن اللحظة سبقت الجميع.


كثير من التحليلات ذهبت مباشرة إلى تحميل المراقب الجوي المسؤولية، لكن النظر إلى الصورة الكاملة (كما هي العادة في عالم الطيران) يكشف أن ما حدث أكبر من خطأ فردي، فالمراقب كان يدير أكثر من موقف في وقت واحد، رحلة ألغت إقلاعها بسبب تحذير من الجليد، تنسيق عبور مركبة على المدرج، وإدارة هبوط طائرة قادمة بسرعة عالية، كل ذلك خلال نوبة ليلية، وفي بيئة عمل تعاني أصلاً من نقص مزمن في الكوادر.


حين يُطلب من شخص واحد أن يُمسك بكل هذه الخيوط في وقت واحد، فإن احتمالية الخطأ تكون متوقعة بشكل كبير، والحديث هنا ينبغي أن لا يكون حول كفاءة فرد، بل عن نظام يحمّل الفرد أكثر مما ينبغي.


إدارة الطيران الفيدرالية في الولايات المتحدة تعاني منذ سنوات من نقص واضح في عدد المراقبين الجويين، يُقدّر بنحو 3,000 مراقب. بين عامي 2010 و2024، انخفض عدد الموظفين بنسبة 13%، بينما ارتفع حجم الحركة الجوية بنسبة 10%، هذه الفجوة بين الطلب والقدرة التشغيلية تظهر مباشرة بصورة ضغط يومي على المراقبين.


الأرقام تكشف عمق المشكلة، أكثر من 40% من مرافق المراقبة، وعددها 290 منشأة، تعمل بأقل من طاقتها البشرية المطلوبة، وفي منطقة نيويورك، التي تُعد من أكثر الأجواء ازدحاماً في العالم، يعاني مركز TRACON من نقص مزمن، بينما يعمل مركز نيوارك بنسبة 59% فقط من العدد المطلوب، ومطار لاغوارديا يستقبل نحو 900 رحلة يومياً.


المشكلة لا تتوقف عند النقص، إنما تمتد إلى طريقة المعالجة، فعملية تأهيل المراقبين طويلة ومعقدة، وقد تصل إلى ست سنوات من التقديم حتى الحصول على الشهادة، نسبة القبول منخفضة جداً، حيث لا يكمل سوى 2% من المتقدمين، بينما تشهد أكاديمية أوكلاهوما نسبة تسرب تصل إلى 35%.


في إحدى الدورات، تم قبول أكثر من 1,500 متقدم، ولم يتخرج سوى نحو 160 مراقباً، وهو رقم لا يتناسب مع احتياج دولة بحجم الولايات المتحدة، أكاديمية واحدة لتخريج المراقبين لا تبدو كافية لتغطية حركة جوية تخدم مئات الملايين من المسافرين سنوياً، كذلك طول فترة التأهيل يطرح تساؤلات حول مرونة النظام وقدرته على التكيف مع النمو المتزايد في الحركة الجوية.


في ظل هذا النقص، لجأت الإدارة إلى فرض ساعات عمل إضافية إلزامية، وهو حل يبدو عملياً على الورق، لكنه يحمل تبعات خطيرة على أرض الواقع، يعمل المراقبون ستة أيام في الأسبوع، ويتنقلون بين مناوبات صباحية ومسائية وليلية، لذلك حذّر المجلس الوطني لسلامة النقل مراراً من أن الضغط التشغيلي يدفع نحو الاستمرار بارتكاب الأخطاء، مشيراً إلى أن العمل الإضافي قد يسد فراغاً مؤقتاً، لكنه في الحقيقة يراكم مخاطر مؤجلة.


أثناء الحادثة، قال المراقب لأحد الطيارين الذين شاهدوا الوضع «لقد أخطأت»!، كانت جملة ثقيلة وهي تحمل عبء اللحظة الكارثية. رد عليه الطيار: «لا يا رجل، لقد بذلت قصارى جهدك».


الحوار القصير جسّد جانباً إنسانياً يتوارى خلف التقارير والتحليلات.


في النهاية، المسألة لا تتعلق بخطأ فردي بقدر ما تتعلق بكيفية تصميم الأنظمة، حين تُبنى المنظومات على الحد الأدنى من الموارد، وتُدار تحت ضغط مستمر، فإن الخطأ يصبح مسألة وقت، وأرواح البشر لا تحتمل هذا النوع من المقايضات.


ضغط الموظفين لن يكون حلاً، بل بداية لمشكلة أكبر تنتظر لحظتها لتكون مشهداً لا يُنسى.


حفظ الله الجميع.

03:07 | 25-03-2026

خرائط السماء تختنق

المتابع لتطبيقات تتبّع الرحلات الجوية يظن أنه ينظر إلى خرائط، لكنه في الحقيقة يراقب شرايين العالم؛ ما يشبه مجرّة من الطائرات حيث تنسج آلاف الرحلات خيوطاً تربط الغرب بالشرق، مروراً بالخليج العربي، أحد أكثر مفاصل الملاحة الجوية ازدحاماً في العالم.


أجواء الكرة الأرضية في الأوقات العادية تضم كل لحظة بين 10 آلاف و13 ألف طائرة محلّقة، 20% من هذه الحركة تعبر الشرق الأوسط، حيث تلتقي الطرق القادمة من أوروبا بالمسارات المتجهة إلى الهند وشرق آسيا وجنوبها.


اليوم تبدو الصورة مختلفة تماماً، حين تنظر إلى الشاشة ستلاحظ فراغات واسعة لم تكن موجودة قبل التوترات الأخيرة، فراغات صامتة تقابلها ممرات بديلة مزدحمة، وكأن شبكة الطرق الجوية التي اعتاد عليها العالم تعيد رسم نفسها تحت ضغط الواقع.


الرحلات بين أوروبا وآسيا تمر غالباً عبر منطقتنا، لأنها تمثل أقصر الطرق الجوية بين القارتين، لكن حين تُغلق الأجواء أو تصبح مناطق واسعة غير آمنة، يتحول هذا الطريق إلى مسار متعرج يضيف آلاف الأميال.


تخيل رحلة طويلة بطائرة A350 بين لندن وسنغافورة، مسارها الطبيعي يقارب 13 ساعة طيران، لكن مع تجنب مناطق النزاع قد تمتد الرحلة إلى 15 أو 16 ساعة، وخلف هذا الرقم حكايات أخرى؛ مسافر أرهقته الساعات الإضافية، وطاقم يعمل ضمن إطار زمني دقيق، وشركة تعيد حساباتها في كل ثانية طيران.


طائرة A350 تستهلك في المتوسط نحو 5 إلى 6 أطنان من الوقود في الساعة، ومع إضافة ساعتين يرتفع الاستهلاك بين 10 و12 طناً فوق الخطة الأصلية، وهو رقم ينعكس مباشرة على تكلفة التشغيل، خاصة مع ارتفاع أسعار الوقود، حيث تصل تكلفة الساعة إلى ما بين 20 و30 ألف دولار.


العالم جرّب مثالاً مقارباً عند نشوب حرب أوكرانيا عام 2022م، حين اضطرت معظم الرحلات بين أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية إلى الالتفاف جنوباً، ما أضاف أحياناً 2000 كيلومتر إلى بعض المسارات، ودفَع بعض الشركات إلى تقليص رحلاتها، بينما لجأت أخرى إلى رفع أسعار التذاكر.


التحدي لا يتوقف عند الوقود والزمن، فحين تُغلق مساحات واسعة من الأجواء، تتحول الممرات المتبقية إلى طرق مكتظة. بعض الممرات الجوية مصمم لاستيعاب عدد محدد من الطائرات في الساعة، ومع تضاعف العدد تصبح إدارة الحركة الجوية أكثر تعقيداً، حيث يعمل المراقبون الجويون كمنظمي حركة على طريق سريع مزدحم، يحافظون على مسافات الأمان في فضاء يبدو واسعاً، لكنه في الحقيقة منظومة حساسة من المسارات والارتفاعات المحدودة.


هناك عامل آخر يقلق المختصين بالسلامة، وهو التشويش على أنظمة تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية. خلال السنوات الأخيرة سجلت جهات الطيران الدولية زيادة في حالات التشويش أو تزييف إشارات GPS في بعض مناطق النزاعات، وأثناء هذه الحالات يعتمد الطيارون بشكل أكبر على أنظمة الملاحة الاحتياطية وتوجيهات المراقبة الجوية.


الخسارة في هذه التحولات لا تقتصر على شركات الطيران أو المسافر الذي طالت رحلته، إنما تمتد إلى فكرة العالم المتصل التي بنتها صناعة الطيران طوال القرن الماضي، فعلى مدى مئة عام أصبح الطيران الجسر الذي اختصر القارات وجعل المدن البعيدة أقرب مما كانت عليه في أي وقت من التاريخ، لكن ما يحدث اليوم في السماء يعيد التذكير بحقيقة مزعجة؛ هذا الجسر معلق فوق واقع متحرك.


في العقود القليلة الماضية، أصبحت مدن كالدوحة ودبي وأبوظبي نقاط ربط مهمة، لكن ما حصل لها هذا الشهر يعد من أبرز التحولات في طيران المنطقة، ومليئاً بالدروس.


إعادة الأجواء قد تحدث بقرار سريع، لكن إعادة الثقة في الممرات الجوية تحتاج وقتاً، فالطرق تعود للعمل، وشبكات الطيران تعاد جدولتها، لكن الشعور بالأمان لا يعود بنفس السرعة، لأن السماء التي تبدو مفتوحة هي أكثر الأماكن انغلاقاً و ارتباطاً بما يحدث على الأرض.

00:31 | 18-03-2026

المطارات.. حين يتبدل العالم

واقع الطيران أوسع من خيالات السينما، فالسينما تحب المبالغة، لكن من يتأمل ما يجري في المطارات حول العالم يدرك أن الحقيقة أحياناً أكثر غرابة وتعقيداً من أي سيناريو كُتب للكاميرا.

اشتهر فيلم The Terminal الذي جسّد فيه الممثل Tom Hanks قصة رجل يجد نفسه عالقاً في مطار أمريكي بعد انهيار النظام السياسي في بلده، فيتحول المطار إلى عالم كامل يعيش فيه سنوات طويلة، استند الفيلم إلى قصة حقيقية لرجل إيراني اسمه Mehran Karimi Nasseri عاش فعلاً داخل مطار Charles de Gaulle Airport قرابة ثمانية عشر عاماً.

حين عُرض الفيلم، ظن كثير من الناس أن القصة استثنائية وأنها أقرب إلى حكاية رمزية عن البيروقراطية والحدود، لكن عالم الطيران أثبت مراراً أن ما يحدث في المطارات قد يتجاوز حدود الخيال.

في الأسابيع الأخيرة، ومع اضطراب الرحلات في عدة مناطق من العالم بسبب التوترات السياسية وإغلاق بعض الأجواء، بدأت تتكرر مشاهد تشبه ما كانت السينما تقدمه كحكايات نادرة.

قبل أيام تداولت وسائل الإعلام قصة رجل أوروبي وزوجته عالقين في مطار Suvarnabhumi Airport بعد أن أُلغيت رحلتهما. والمشكلة لم تكن مجرد تأخير بضع ساعات إنما سلسلة إلغاءات متتالية أرهقتهما مالياً حتى نفدت المبالغ المالية التي معهما، ليجدا نفسيهما في صالة المغادرة بلا قدرة، حتى على شراء الطعام.

هذا المشهد يتكرر في مطارات كثيرة كلما تعرضت صناعة الطيران لارتباك كبير.

خلال جائحة COVID-19 مثلاً، عاش العالم مشاهد غير مسبوقة؛ آلاف المسافرين عالقون في مطارات آسيا وأوروبا بعد إغلاق الحدود فجأة. بعضهم بقي أياماً طويلة في صالات العبور لأن تأشيراتهم لا تسمح لهم بدخول الدولة، ولا توجد رحلات تعيدهم إلى بلدانهم.

وفي عام 2022، حين اندلعت الحرب في أوكرانيا وأُغلق جزء كبير من المجال الجوي فوق أوروبا الشرقية، حدثت موجة إلغاء واسعة للرحلات. مئات الركاب وجدوا أنفسهم عالقين في مطارات مثل Warsaw Chopin Airport أو مطارات ألمانيا، ينتظرون إعادة ترتيب رحلاتهم في شبكة طيران ارتبكت فجأة. بعضهم اضطر للنوم على الأرض في صالات المغادرة، وبعضهم استهلك كل مدخراته في حجوزات فندقية مؤقتة.

الأمر لا يتعلق فقط بالحروب أو الجوائح، حتى الأعطال التقنية أو الأحوال الجوية يمكن أن تصنع قصصاً إنسانية معقدة.

في الولايات المتحدة مثلاً، تسبب انهيار أنظمة التشغيل لدى Southwest Airlines في شتاء 2022 في إلغاء آلاف الرحلات خلال أيام قليلة. عشرات الآلاف من الركاب تُركوا في مطارات مختلفة بلا رحلات بديلة فورية. بعضهم بقي يومين أو ثلاثة يحاول إعادة ترتيب سفره وسط شبكة طيران مشلولة.

هذه القصص تكشف جانباً إنسانياً لا يظهر عادة في صورة الطيران المغرية.

حين ننظر إلى خريطة الحركة الجوية العالمية ونرى آلاف الطائرات تعبر السماء في كل لحظة، يبدو النظام مثالياً ومنضبطاً، جداول دقيقة، ممرات جوية منظمة، ومطارات تعمل كأنها ساعات، لكن خلف هذه الصورة تقف منظومة شديدة الحساسية لأي اضطراب.

صناعة الطيران واحدة من أكثر الصناعات تعقيداً في العالم، الرحلة الواحدة تعتمد على شبكة ضخمة من العوامل، طائرة جاهزة، وطاقم مكتمل، ومطار يعمل، ومجال جوي مفتوح، وأنظمة تقنية مستقرة، وركاب قادرون على الوصول في الوقت المناسب.

أي خلل في أحد هذه العناصر يمكن أن يتسلسل بسرعة ليصنع أزمة تمتد عبر قارات كاملة.

من هنا تبدأ القصص التي لا تراها الكاميرات دائماً، مسافر نفدت نقوده بعد سلسلة إلغاءات، عائلة نامت على مقاعد المطار، طالب جامعي فاتته رحلة مهمة، أو مريض ينتظر الوصول إلى بلده.

المطار الذي يبدو عادة بوابة عبور سريعة يتحول أحياناً إلى مكان إقامة مؤقتة، فيه يختلط التعب بالقلق والانتظار الطويل.

الطيران في جوهره حركة وانسياب، وعد بأن المسافات يمكن أن تختصر وأن العالم صار أقرب، لكن الأزمات تذكّرنا بحقيقة أخرى، أن هذه الشبكة العالمية، رغم كل تقدمها التقني، لا تزال مرتبطة بقرارات البشر وتقلبات السياسة والاقتصاد والطقس.

تبدو بعض قصص المطارات وكأنها مشاهد سينمائية، لكنها في الواقع لحظات إنسانية حقيقية يعيشها أشخاص عاديون وجدوا أنفسهم فجأة خارج جدول الرحلات، وفي كل مرة يحدث فيها اضطراب كبير في الطيران يتكرر الدرس نفسه، التكنولوجيا قد تجعل العالم أصغر، لكن مصائر المسافرين تبقى أحياناً معلّقة بين بوابتين، وإعلان تأجيل.

00:48 | 11-03-2026

تقاطعات السياسة والطيران

‏السياسة ليست بعيدة عن الطيران حتى وإن بدا المشهد محكوماً بجداول التشغيل والأنظمة التقنية، فالطائرة التي تعبر القارات وتختصر المسافات تظل في النهاية رهينة قرار يُتخذ على طاولة السياسة، أو بيان يصدر في لحظة توتّر ليعيد رسم خرائط الممرات الجوية.

‏ما شهدته منطقة الشرق الأوسط هذا الأسبوع من تحويل مسارات وتعليق مطارات وإغلاق أجواء، يذكّرنا بحقيقة قديمة؛ أن صناعة الطيران رغم تطورها الهائل، تظل من أكثر الصناعات تأثراً بالأزمات.

الطيران المدني نشأ أصلاً في بيئة سياسية مضطربة، اتفاقية شيكاغو التي وُلد منها النظام الدولي للطيران المدني وُقعت عام 1944 بعد الحرب العالمية الثانية، وكان هدفها أن تُدار الأجواء بمعايير موحدة، وأن يُفصل بين الخلافات السياسية وسلامة الملاحة الجوية، لكن هذا الفصل ظلَّ أقرب إلى التنظير منه إلى الواقع، فمع كل أزمة يأتي الأثر مباشرة على الطيران قبل أي قطاع آخر، لأن الطيران عابر للحدود، ويمتد تأثيره عبر العالم بسرعة الضوء.

الطيران صناعة عالية التكاليف، وهوامش الربح فيها دقيقة، وأي اضطراب يتحوّل فوراً إلى خسائر، تحويل مسار رحلة واحدة يعني ساعات إضافية من الوقود، وتعويضات محتملة للمسافرين، وإعادة جدولة للأطقم، وضغطاً على مطارات بديلة، فكيف إذا طال الأمر آلاف الرحلات خلال أيام قليلة.

التاريخ مليء بأمثلة على إغلاق الأجواء وحظر الطيران، وفي كل مرة يدفع القطاع الثمن دون أن يكون طرفاً في نزاع. إنّ الارتباط بين الأمن الجوي والأمن السياسي يجعل الفصل الكامل أمراً صعباً، لكن تظل هناك مساحة للعمل على تقليل الأثر السلبي وبناء خطط طوارئ أكثر مرونة.

صناعة الطيران، التي تبدو الأكثر انضباطاً وتنظيماً في العالم، شديدة الحساسية أمام قرارات تُتخذ خارج حدودها، وما شهدناه في المنطقة كان إعادة تشكيل لمشهد جوّي كامل خلال دقائق.

هذا التحوّل كان اختباراً حقيقياً لمرونة إدارة الحركة الجوية، وقدرة البنية التحتية على امتصاص الصدمة في أحد أكثر أقاليم العالم كثافة في الحركة.

اتسع نطاق التأثير ليشمل الحركة بين آسيا وأوروبا والخليج، وهنا يظهر البعد العالمي للأزمة بوضوح؛ شبكة مترابطة يكفي أن يُشد أحد خيوطها حتى تهتز بقية الشبكة.

الطيران بطبيعته صناعة عابرة للحدود تعمل في فضاءات سيادية، التداخل بين الطبيعة الدولية للصناعة والسيادة الوطنية يجعلها أول المتأثرين عند حدوث مخاطر.

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر توقفت السماء الأمريكية بالكامل، وأُعيد تعريف مفهوم الأمن الجوي. وخلال جائحة كوفيد-19 انهارت حركة السفر العالمية في أسابيع، واصطفت الأساطيل على المدارج في مشهد غير مسبوق، وفي أزمات إقليمية سابقة أُغلقت مجالات جوية في لحظة، فارتفعت التكاليف وتراجعت الأرباح.

المفارقة، أن الطيران من أكثر القطاعات تنظيماً مع ثقافة سلامة صارمة واستثمارات ضخمة في التدريب والتقنية، مع ذلك يبقى عرضة للتأثر السريع بعوامل خارجة عن نطاقه. شبكة الطيران العالمية قائمة على الترابط، وحين تُعلّق الحركة في مطارات محورية، تتدفق الحركة تلقائياً لمطارات أخرى لم تُخطط لتلك الزيادة المفاجئة، فتزداد الضغوط التشغيلية وتتسع دائرة الارتباك، هذه اللحظات تثبت قدرة القطاع على التكيف وإعادة ترتيب أولوياته خلال مدة قصيرة.

ما حدث في الشرق الأوسط هذا الأسبوع ليس الأول ولن يكون الأخير، وهو يسلّط الضوء مجدّداً على طبيعة هذه الصناعة الدقيقة المترابطة، التي تتأثر بسرعة لكنها تمتلك قدرة واضحة على التعافي وإعادة البناء. ويبقى السؤال.. كيف يمكن لصناعة بهذا الحجم والأهمية أن تعزّز مناعتها في عالم لا يكف عن إنتاج الأزمات؟

00:04 | 4-03-2026

رمضان فوق 35 ألف قدم

في رمضان، يتغيّر إيقاع الحياة قليلاً، ولأن الطيران هو نبض العالم، تبدو المطارات في البلدان الإسلامية أهدأ نسبياً رغم أن جداول الرحلات لا تعرف الصوم والطائرات لا تتأثر، لكن الإنسان هو من يشعر في داخله بذلك التحول الهادئ.. إحساس مختلف بالوقت وبالمسافات.

الصيام تجربة روحانية في جوهرها، لكنه في عالم الطيران يأخذ بعداً آخر، أن تكون على ارتفاع 11 ألف متر، صائماً تنظر من نافذة الطائرة إلى السحاب، وتدرك أن الشمس التي غربت في مدينتك ما تزال معلّقة في الأفق، فذلك غوص في «نسبية اللحظة».

بيئة الطائرة بيئة خاصة، الضغط الجوّي داخل المقصورة يعادل ارتفاع 8 آلاف قدم تقريباً، ما يعني انخفاضاً في الضغط الجزئي للأوكسجين، يضاف لذلك انخفاض الرطوبة إلى أقل من 20%، وأحياناً إلى 10% في الرحلات الطويلة، وهي نسبة أقل بكثير من المعدلات المريحة على سطح الأرض، هذه الظروف كافية لزيادة الإحساس بالجفاف وتسريع فقدان السوائل حتى عند غير الصائمين.

تشير دراسات طب الطيران إلى أن فقدان سوائل بنسبة 1–2% من وزن الجسم ينعكس على مستوى الانتباه خصوصاً في المهام الذهنية التي تتطلب تركيزاً مستمراً وقرارات دقيقة.

الفقه الإسلامي كان واعياً بهذه الأسئلة منذ قرون، رخصة الإفطار في السفر تقدير لطبيعة الإنسان، والطيران رغم رفاهيته الحالية يبقى جهداً جسدياً ونفسياً، تغيّر في الضغط مع جفاف في المقصورة واضطراب مواعيد النوم.

الصائم المسافر بين قارات الدنيا يعيش يوماً مُربكاً، مركّباً من خطوط الطول ودوائر العرض، لذلك كان التيسير جزءاً أصيلاً من التشريع، يوازن بين العبادة والقدرة.

في قمرة القيادة، الصورة مختلفة، الطيار لا يتعامل مع صوم فردي، إنما مع مسؤولية جماعية، تركيز كبير وقرارات تُتخذ بسرعة، حركة وقراءة عدادات وتواصل دقيق، هنا لا مجال لاحتمالية الخطأ. كثير من شركات الطيران تترك قرار الصيام لتقدير الطيار نفسه وفق حالته، فالسلامة التزام وإذا تعارضت القدرة مع المسؤولية، تُقدّم السلامة دون تردد.

رمضان له حضوره الخاص في السفر، في صالات المغادرة حيث يراقب الناس عقارب الساعة، وعلى متن الطائرة حيث تُنسّق بعض شركات الطيران وجباتها وفق توقيت الإفطار والإمساك، مع مراعاة تقليل العناصر عالية الملوحة في السحور لتخفيف العطش، واختيار مكونات سهلة الهضم في الإفطار.. إعلان من قائد الطائرة يهنئ الركاب بحلول المغرب، مع دعوات لطيفة، تفاصيل صغيرة تمنح الرحلة معناها الإنساني.

رمضان يعيد تعريف فكرة «المسافة»، في الطيران نقيسها بالأميال البحرية أو بزمن التحليق، لكن الصائم يقيسها بقدرته على الاحتمال وبالسكينة التي ترافقه، فالرحلة من جدة إلى جاكرتا، ليست سبع ساعات في الجو، هي انتقال من نهار إلى نهار، ومن توقيت إلى آخر، ومن ثقافة رمضانية إلى أخرى.

بعض المطارات الآسيوية على سبيل المثال، يتحوّل الإفطار فيها إلى مشهد جماعي، بينما في مطارات أوروبية قد تمر لحظة المغرب ببرود كامل.

الطيران في رمضان يذكّرنا بحقيقة بسيطة، مهما ارتفعنا نظل بشراً، صحيح إن التكنولوجيا تختصر الزمن والمسافات، لكن للجسد إيقاعه وللروح احتياجها، نطير فوق الغيوم ومعنا عطشنا، ويقيننا التام بالمعبود، ورغبتنا في الوصول بسلام.

رمضان في السماء يعلّم التوازن بين العبادة والعمل، بين الرخصة والعزيمة، بين الارتفاع والتواضع، وحين يصل المسافر بعد رحلة طويلة ويستعد للإفطار في مدينة جديدة، يدرك أن العالم رغم اتساعه، يمكن أن ينصهر في لحظة روحانية واحدة.

00:16 | 25-02-2026