أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1112.jpg&w=220&q=100&f=webp

منى العتيبي

المدينة الاستثنائية والمشروع الحضري

مكة المكرمة مدينة استثنائية في مكانتها الدينية والإنسانية والعمرانية، ما يجعل تطويرها مسؤولية مضاعفة تتجاوز البعد الخدمي إلى الحفاظ على روح المكان وهويته؛ لذلك أُطلق بالأمس برنامج الأحياء المطوّرة من قِبل الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة بوصفه مشروعًا حضريًا شاملًا يُجسّد رؤية تنموية متوازنة، تضع الإنسان في صميم الاهتمام، وتُعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان.

المشروع يسهم في الارتقاء بجودة الحياة من خلال تحسين البنية التحتية للأحياء السكنية، وتطوير الخدمات الأساسية، وتهيئة بيئة حضرية أكثر أمانًا وتنظيمًا وراحة للسكان؛ فالأحياء ليست مجرد مبانٍ وطرق، بل منظومة حياة متكاملة تؤثر في الصحة النفسية والاجتماعية والاقتصادية للأفراد، وهو ما يعكسه التوجّه الشامل للبرنامج في معالجة احتياجات الحي من جذورها.

كما ينعكس برنامج الأحياء المطوّرة بشكل مباشر على تعزيز المشهد الحضري لمكة المكرمة، عبر تطوير الأماكن العامة، وتحسين جودة التصميم العمراني، ورفع كفاءة المشهد البصري، بما يحفظ الهوية العمرانية للعاصمة المقدسة ويُبرز خصوصيتها التاريخية والدينية. هذا التوازن بين الحداثة والهوية يمنح المدينة طابعًا عمرانيًا معاصرًا دون الإخلال بقدسيتها ومكانتها.

وتطوير الأحياء دائمًا له أثر جسيم على المجتمعات ومن الأثر الاجتماعي للمشروع، تعزيز الترابط المجتمعي داخل الأحياء، من خلال توفير مساحات تفاعلية ومرافق تخدم مختلف الفئات العمرية، ما يُسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكًا، ويُعزز شعور الانتماء والمسؤولية المشتركة تجاه الحي والمدينة. كما يفتح المشروع آفاقًا اقتصادية جديدة عبر تنشيط الحركة التجارية المحلية، ورفع قيمة الأحياء، وخلق فرص عمل مرتبطة بأعمال التطوير والصيانة والخدمات.

ولا ينفصل برنامج الأحياء المطوّرة عن مستهدفات التنمية المستدامة ورؤية السعودية 2030، إذ يرسّخ مفاهيم الاستدامة البيئية، وكفاءة استخدام الموارد، وتحسين جودة الخدمات الحضرية، بما يضمن استمرارية الأثر الإيجابي للمشروع على المدى الطويل، ويعزّز جاهزية مكة المكرمة لاستقبال ضيوف الرحمن وسكانها على حد سواء.

ختامًا، يمثّل برنامج الأحياء المطوّرة خطوة إستراتيجية نحو مدينة أكثر حيوية وإنسانية، تُوازن بين قدسية المكان ومتطلبات الحياة الحديثة، وتُجسّد رؤية حضرية واعية تليق بمكانة مكة المكرمة، وتعكس أثرًا ملموسًا في حياة سكانها اليومية.

00:02 | 23-01-2026

المسؤولية المجتمعية.. كما أراها اليوم..

في الآونة الأخيرة، لفت انتباهي الحضور المتزايد للمسؤولية المجتمعية في الجهات والمؤسسات السعودية. لم أعد أراها فكرة ثانوية أو نشاطاً تكميلياً، بل أعدّها ضرورة حقيقية لتطوّر المجتمعات، وأول خطوات التنمية. فهي تتقاطع بوضوح مع ما تعيشه المملكة من تحوّلات كبرى ضمن رؤية السعودية 2030، حيث أصبح الإنسان محور التنمية، لا بصفته مستفيداً فقط، بل شريكاً في صناعة المستقبل.

ومن وجهة نظري، لا تنفصل المسؤولية المجتمعية عن الرؤية، بل تمثّل تطبيقها العملي في حياة الناس، فعندما نتحدث عن مجتمع حيوي، فإننا نتحدث عن مواطن واعٍ بدوره، مدرك لأثره، وقادر على الموازنة بين ما له وما عليه.

أرى أن الشخصية السعودية المسؤولة اجتماعياً تبدأ من هذا الوعي البسيط والعميق في آنٍ واحد؛ وعي بأن خدمة المجتمع ليست مهمة طارئة، بل سلوك يومي يظهر في الالتزام، والإتقان، واحترام النظام، والمبادرة الإيجابية. وهي قيم لا يمكن فصلها عن مستهدفات الرؤية في جودة الحياة وبناء مجتمع متماسك.

ويظل التعليم أحد أهم المفاتيح لترسيخ المسؤولية المجتمعية، حين تكون مخرجاته مرتبطة بالواقع وقادرة على إعداد أفراد يشاركون بفاعلية في التنمية. فتنمية مهارات التفكير، والعمل الجماعي، والمشاركة المجتمعية، كلها تصنع فارقاً حقيقياً في بناء الإنسان.

ولا يمكنني إغفال دور الأسرة، فهي الحاضنة الأولى للقيم، ومنها يتشكّل الإحساس بالمسؤولية منذ الطفولة. هذا الإحساس البسيط، حين ينمو، يدعم هدفاً كبيراً من أهداف الرؤية: مجتمع متوازن، تتكامل فيه الأدوار، وتحفظ فيه القيم الوطنية.

أما الإعلام، فأراه مساحة واسعة للتأثير، وقادراً على تعزيز روح المبادرة والانتماء، حين يسلّط الضوء على قصص النجاح الوطنية، ويبرز المبادرات المجتمعية ذات الأثر، ويحوّل المسؤولية المجتمعية إلى نموذج ملهم وقابل للتكرار.

ومن خلال ما نراه اليوم، أعتقد أن تمكين المواطن من ممارسة مسؤوليته المجتمعية يحتاج إلى بيئات محفّزة، ومنصات تتيح المشاركة، وبرامج تحتضن المبادرات. وهذا ما تجسّده العديد من المبادرات الوطنية التي انسجمت مع مستهدفات رؤية 2030 في العمل التطوعي، وجودة الحياة، والاستدامة.

أؤمن بأن صناعة شخصية سعودية مسؤولة اجتماعياً ليست هدفاً جانبياً في رؤية 2030، بل أحد مرتكزاتها الأساسية. فالرؤية لا تُقاس بالمشاريع وحدها، بل بقدرة الإنسان على حمايتها، واستدامتها، والمشاركة في تطويرها. وحين يصبح المواطن شريكاً واعياً، يتحوّل الطموح الوطني إلى أثرٍ حيّ ومستمر.

ختاماً.. في رؤية السعودية 2030، يقف الإنسان أولاً. وحين تصبح المسؤولية المجتمعية سلوكاً نابعاً من الوعي، لا واجباً مفروضاً، يتحوّل الانتماء إلى فعل، والطموح إلى أثر، وهذا، كما أراه اليوم، هو أجمل ما نشهده في التجربة السعودية.

23:56 | 15-01-2026

سوقنا العالمي..

تابعت سوق الأسهم السعودية بعد إعلان قرار فتحه أمام جميع المستثمرين الأجانب، وقد ارتفع بشكل ملحوظ. وفي لحظة يمكن قراءتها بوصفها أكثر من تفاعل إيجابي مع خبر اقتصادي، من رأيي ما حدث يعكس ثقة متنامية بالسوق، لكنه في الوقت ذاته يضعنا أمام سؤال أبعد من الأرقام: هل نكتفي بقرار الانفتاح، أم ننتقل إلى مرحلة إدارة هذا الانفتاح بعقلية عالمية؟

فتح السوق خطوة مهمة، لكنها لا تصنع سوقاً عالمياً بمفردها؛ فالمستثمر الأجنبي لا يدخل فقط بحثاً عن فرص ربح، بل يبحث عن سوق يفهم آلياته، ويتحرك وفق سياقه، ويمنحه القدرة على التفاعل اللحظي مع الأحداث، وهذا من رأيي تظهر ضرورة دراسة توقيت التداول السعودي الذي يأتي في وقت النهار بينما عدد كبير من الأسواق الأجنبية تكون بالليل وهذا الأمر له أثره المباشر في قرارات الاستثمار الأجنبية.

اختلاف ساعات التداول بين السوق السعودي والأسواق العالمية الكبرى يجعل المشاركة الأجنبية أقل مرونة، ويحد من قدرة المستثمرين الدوليين على إدارة محافظهم بكفاءة عالية. وفي عالم مالي سريع، يصبح الوقت عاملاً حاسماً، لا تفصيلاً تقنياً يمكن تجاوزه. لذلك مواءمة توقيت السوق، أو على الأقل إعادة التفكير في هيكلته، ستكون خطوة طبيعية توازي قرار فتح السوق نفسه، فمن الممكن جداً أن يكون التداول والسوق السعودي على فترتين؛ فترة النهار وأخرى بالليل حسب التوقيت العالمي، بحيث تكون هناك فرصة كبيرة للحضور العالمي في سوق الأسهم السعودية.

التحدي الحقيقي لا يكمن في دخول المستثمر الأجنبي، بل في نوعية هذا الدخول؛ فالمطلوب ليس تدفقات سريعة تحرّك المؤشر ثم تختفي، بل مشاركة طويلة المدى تضيف عمقاً واستقراراً، وتنعكس على جودة السوق لا على أرقامه فقط. وهذا يتطلب بيئة استثمارية واضحة، شفافة، ومستقرة. هذا من جهة ومن جهة أخرى، تعزيز الشفافية وسرعة الإفصاح، وتوسيع الأدوات الاستثمارية، وتطوير المنتجات المالية، كلها عناصر لا تقل أهمية عن فتح السوق نفسه. فالسوق العالمي لا يُقاس فقط بحجم شركاته، بل بمرونته وقدرته على استيعاب مختلف أنماط الاستثمار، خاصة المؤسسي منها.

السوق السعودي اليوم يمتلك مقومات حقيقية للعب دور مؤثر على المستوى العالمي، من قوة الاقتصاد، إلى ثقل الشركات القيادية، إلى الإصلاحات التنظيمية المتواصلة، التي تستهدف «الاستدامة» وهذا الدور سيكتمل حتماً بالاهتمام بالتفاصيل التي قد تبدو صغيرة، لكنها تصنع الفارق في نظر المستثمر الأجنبي.

فتح السوق أمام الجميع هو إعلان ثقة، لكنه أيضاً اختبار. اختبار لقدرتنا على الانتقال من سوق منفتح إلى سوق مُدار بوعي عالمي، يفهم أن المنافسة لم تعد على جذب رأس المال فقط، بل على الاحتفاظ به وبناء علاقة طويلة الأمد معه. وفي هذا المسار، تبقى الأسئلة أهم من الإجابات الجاهزة، لأن الأسواق التي تطرح الأسئلة الصحيحة، هي الأقدر على صناعة مستقبلها.

ختاماً.. قرار فتح السوق خطوة اقتصادية سعودية تسير واثقة نحو الاتجاه الصحيح، وتكتمل قيمته حين يتناغم توقيتنا مع توقيت العالم؛ فحين نحضر في الوقت نفسه، نمنح المستثمر الأجنبي سبباً للدخول.. وسبباً للبقاء.

00:00 | 9-01-2026

2025.. «سعودية» ساطعة!

في عام 2025، تجسّدت إنجازات المملكة العربية السعودية في حياتنا اليومية، وأصبحت ملموسة في تفاصيل العمل، والتعليم، والصحة، ونمط الحياة عموماً، وشعرنا أن الوطن يمضي بخطوات ثابتة نحو مستقبل أوسع وأكثر إشراقاً.

اقتصادياً، واصلت المملكة تعزيز تنوع مصادر الدخل، ونما الاقتصاد غير النفطي بشكل لافت أسهم في استقرار الأسواق، ورفع كفاءة الأداء الاقتصادي، وتوسيع فرص الاستثمار. كما دعمت الإصلاحات التشريعية نمو القطاع الخاص، وخلقت فرص عمل نوعية، وأسهمت في تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

وفي سوق العمل، شهدت المملكة تقدّماً ملموساً في تمكين الكفاءات الوطنية، وفتح آفاق أوسع أمام الشباب والمرأة للمشاركة الفاعلة في التنمية، سواء في الوظائف المتخصصة أو المواقع القيادية وأصبحت الكفاءة والجدارة معياراً أساسياً لبناء المسارات المهنية، بما ينسجم مع متطلبات الاقتصاد الحديث.

أما في قطاعي التعليم والصحة، فقد تواصلت الجهود لتحسين جودة الخدمات، وتوسيع نطاقها، ورفع كفاءتها التشغيلية. وشهدت هذه القطاعات تطوّراً في البنية التحتية واعتماد حلول رقمية متقدّمة، مما أسهم في مواصلة تحسين تجربة المستفيد، وتسهيل الوصول إلى الخدمات، وتعزيز استدامتها.

وفي مجال التحوّل الرقمي، حقّقت المملكة تقدّماً واضحاً في تطوير الحكومة الإلكترونية، وتكامل المنصات الرقمية، وتسريع الإجراءات، ورفع مستوى الشفافية. وأصبحت التقنية أداة يومية تسهل الحياة، وتدعم اتخاذ القرار، وتخدم المواطنين والمقيمين على أرضنا الغالية بكفاءة.

ثقافياً واجتماعياً، واصلت المملكة دعم قطاعات الثقافة والترفيه والرياضة والفنون، ما ساهم في تحسين جودة الحياة، وتوسيع المساحات التي تجمع الناس، وتعزيز الهوية الوطنية التي تربط الماضي بالحاضر، وتمنح المستقبل ملامحه الواضحة.

وعلى المستوى الدولي، عزّزت المملكة حضورها شريكاً موثوقاً وفاعلاً في القضايا الاقتصادية والتنموية والسياسية، من خلال مشاركاتها الدولية، واستضافتها للفعاليات الكبرى، ودورها المؤثر في دعم الاستقرار الإقليمي والدولي. وقد عكس هذا الحضور مكانة المملكة المتنامية في المشهد العالمي.

كما واصلت المشاريع الكبرى دورها في دعم التنمية طويلة المدى، من خلال تنويع الاقتصاد، وخلق فرص نوعية، وتطوير بيئات حضرية حديثة تضع الإنسان في قلب التخطيط، وتضمن استدامة النمو.

ختاماً.. منجزات عام 2025 شمس سعودية ساطعة، لا تمثل نتائج مرحلية فحسب، بل تعكس مساراً تنموياً واضح المعالم، قائماً على التخطيط، والتنفيذ، والمتابعة. حصاد عام يؤكد أن التنمية في المملكة تسير بخطى ثابتة، وأن ما تحقّق هو امتداد لرؤية طموحة تضع الإنسان في قلب الاهتمام، وتبني المستقبل على أسس راسخة من العمل والإنجاز.

00:02 | 2-01-2026

زوارق العروس..!

قبل يومين أُعلن عن فوز مدينة جدة بلقب «أفضل منظّم جديد» في تاريخ سباقات الزوارق السريعة الفورمولا 1 (F1H2O)، وهو خبر يستحق التوقف عنده طويلاً، لا بوصفه إنجازاً تنظيمياً فحسب، بل باعتباره رسالة واضحة بأن جدة بدأت تعيد تعريف علاقتها بالبحر، وبطريقة حضورها في خارطة الفعاليات العالمية.

هذا اللقب لا يُمنح بسهولة، ولا يُقاس بسرعة الزوارق وحدها، بل بجودة التفاصيل كلها؛ من التنظيم، إلى المسارات، ومعايير السلامة، وتجربة الجمهور، وحتى صورة المدينة أمام الإعلام الدولي. وهي معايير تحتاج من المدن عادةً إلى تراكم طويل من التجربة، لكن جدة، وكأنها تعرف البحر جيداً، اختصرت الطريق، وقدّمت نفسها بثقة مدينة خبيرة، لا مدينة تتعلّم.

وحين ننظر إلى تاريخ سباقات الزوارق السريعة، ندرك أن مدناً مثل موناكو والبندقية وسانت بطرسبرغ لم تصنع شهرتها من الماء مصادفة. هذه المدن فهمت مبكراً أن البحر ليس خلفية جميلة للصور، بل اقتصاد، وهوية، وسردية سياحية كاملة. لذلك تحوّلت السباقات فيها إلى مواسم، والموانئ إلى مسارح مفتوحة، والبحر إلى لغة عالمية مشتركة.

من هنا، أرى أن فوز جدة لا يجب أن يُحتفل به كإنجاز عابر، بل كفرصة يجب ألا تُهدر. فرصة لتحويل البحر من مساحة مشاهدة إلى مساحة مشاركة، ومن حدث موسمي إلى منتج سياحي مستدام. فالرياضات البحرية قادرة على جذب جمهور مختلف، وعلى إطالة مدة إقامة الزائر، وعلى خلق تجربة لا تُنسى، لا تُختصر في يوم أو صورة.

جدة اليوم تملك ما يكفي لتكون مدينة بحرية رياضية عالمية؛ موقعها، تاريخها، بنيتها التحتية، والأهم قدرتها على التنظيم. وما تحتاجه هو قرار واضح بأن تكون سباقات الزوارق جزءاً من هوية المدينة، لا مجرد فعالية في أجندتها. موسم سنوي، فعاليات موازية، متحف أو تجربة دائمة، وربط ذكي بين السباق وتراث جدة البحري، من الموانئ القديمة إلى حكايات الصيادين.

ولأن البحر الأحمر لا يخص جدة وحدها، فإن هذا النجاح يفتح الباب للتفكير في المدن الساحلية السعودية الأخرى، وفي إمكانية نقل التجربة إليها، وتهيئتها لاستضافة هذا النوع من الرياضات، بما يخلق خريطة بحرية رياضية ممتدة، لا نقطة واحدة معزولة.

فوز جدة بلقب «أفضل منظّم جديد» ليس نهاية قصة، بل بدايتها.

هو إعلان بأن البحر لم يعد مجرد مشهد جمالي، بل شريك حقيقي في الاقتصاد، والسياحة، وصورة المدينة.

ختاماً.. عروسنا الجميلة جدة مدينة اعتادت أن تكون بوابة للحجاج والتجار، واليوم وكأنها تقول بثقة: البحر بابنا الجديد.. ومنه نطل على العالم.

00:03 | 26-12-2025

مبدأ التبرّع والخطاب الإعلامي اليوم..!

حضرت بالأمس محاضرة عبر برنامج حديث الرياض للدكتور سعيد بنتاجر عن مبدأ التبرّع وأخلاقيات المناظرة، وقد قادتني هذه المحاضرة إلى التفكير في حال مبدأ التبرّع في الخطاب الإعلامي اليوم؛ خاصة وأن الخلاف لم يعد مجرد اختلاف في الأفكار بقدر ما أصبح صراعًا على المواقف. ومع اتساع المنصات الرقمية وتسارع المحتوى، بات الرأي يُدان قبل أن يُفهم، ويُصادر قبل أن يُفسر، وتُصنّف الأفكار قبل أن تُناقش. في هذا المشهد يغيب مبدأ التبرّع، وتغيب معه أخلاقيات المناظرة والحوار والاستفادة من الرأي الآخر، كما أشار البليهي إلى أن الآخر ليس خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا.

وللذين يبتعدون عن علم اللغة والفلسفة، أحب أن أوضح معنى «التبرّع» الذي يقوم على فكرة بسيطة، وهي أن نفهم رأي الآخر بأقوى صورة ممكنة قبل أن ننتقده، لا أن نبحث عن ثغرة لغوية، ولا أن نحمّل الكلام ما لا يحتمل، بل أن نعرض الفكرة كما يقصدها صاحبها وكما ظهرت لنا. هذا المبدأ، الذي شكّل أساسًا في نظريات الحِجاج الغربية، لم يكن ترفًا فلسفيًا، بل شرطًا لضمان نقاش عادل ومثمر.

غير أن الخطاب الإعلامي اليوم، خصوصًا في الفضاء الرقمي، يسير غالبًا في الاتجاه المعاكس. ففي بعض البرامج الحوارية، يُستضاف صاحب رأي مخالف لا ليشرح موقفه، بل ليُحاصر؛ تُقاطع إجاباته، وتُعاد صياغة أقواله بأسلوب استفزازي، فيتحوّل الطرح إلى مواجهة، ويغيب الحِجاج لصالح الاستعراض فقط.

وفي عدد من برامج البودكاست والمنصات المرئية، يتكرر نمط آخر، اختيار مقطع قصير من حوار طويل، يُنشر منفصلًا عن سياقه، ويُقدَّم باعتباره خلاصة الموقف ولب الموضوع وهذا المقطع المقتطع يصبح مادة للترند، ويُبنى عليه حكم أخلاقي أو اجتماعي واسع، بينما يغيب النقاش الحقيقي حول الفكرة الأصلية.

أما في وسائل التواصل الاجتماعي، فغياب مبدأ التبرّع يأتي بشكل أوضح، تغريدة أو تصريح يُفسَّر بأسوأ احتمال، ويُهاجم الرأي ويُصادر دون الاستفادة، ثم يُعاد تدويره مصحوبًا بسيل من الاتهامات. لا أحد يسأل: «ماذا قصد؟ وهل يمكن الاستفادة من طرحه؟»، بل السؤال الوحيد يصبح: «كيف نُدينه؟ ونحاصره ونصادره!»، وهنا يتحوّل الجمهور من متلقٍ ناقد إلى طرف في حملة، ويصبح الاختلاف تهديدًا لا فرصة للفهم والاستفادة.

حتى التغطيات الإخبارية لم تسلم من هذا الخلل، حين تُغلّف بعض الآراء بإطارات لغوية مُسبقة، تُوجّه المتلقي نحو حكم معين قبل عرض الوقائع، في هذه الحالة، لا يُمنح الجمهور فرصة التفكير، بل يُدفع إلى الاصطفاف دون وعي!

استعادة مبدأ التبرّع اليوم ليست مسؤولية الإعلاميين وحدهم، بل مسؤولية مشتركة تشمل الكُتّاب، وصنّاع المحتوى، وأهل الثقافة، والجمهور نفسه؛ فكل تفاعل، وكل مشاركة، هي تصويت على شكل الخطاب الذي نرغب أن يسود وينتشر.

ختامًا.. مبدأ التبرّع ليس ضعفًا في الموقف، بل قوة في الوعي وزيادة في التنمية الفكرية والثقافية والإعلامية، به نختلف دون أن نتخاصم، وننقد دون أن نشوّه، ونحافظ على الحوار بوصفه أداة للفهم والتنمية لا ساحة للصراع والمعارك الوهمية.

23:56 | 18-12-2025

حين تحوّلتُ من مشجعة... إلى قارئة في مدرج أوروبي!

لم أذهب إلى مباراة برشلونة خلال إجازتي في إسبانيا هذه الأيام باعتبارها تسعين دقيقة من الركض، بل ذهبت وكأنني أعبر بابًا جديدًا في رواية أعيشها دون أن أكتبها بعد. كان الطريق إلى الملعب يشبه افتتاح فصل مختلف؛ ضجيج الجماهير حولي بدا كهمهمة قرّاء ينتظرون انطفاء الأنوار في مسرح قديم.

وفي اللحظة التي ارتفعت فيها ألوان البلوغرانا فوق الرؤوس، أدركت أن الأدب ليس دائمًا كلمات، وأن الفن ليس لوحة معلّقة. هناك، في قلب الحشود، بدا كل شيء متحوّلًا إلى حركة، وإيقاع، ونبض جماعي متناغم، يلتقي فيه الجميع دون اتفاق مسبق.

صعدت الدرج المؤدي إلى المقاعد، واستقبلني الضوء المنعكس من أرضية الملعب كما لو أنه ضوء مكتبة مفتوحة في ساعة متأخرة من الليل ضوؤها القمر البرشلوني.. على ذلك العشب الأخضر، كان كل لاعب يمسك بخيط من حكاية؛ لا أحد يركض عبثًا، وكل تمريرة تكمل جملة بدأها لاعب آخر، كأن النص يُكتب بأقدام تتفاهم أكثر مما تتحدث.

جلست أراقب، وأتأمل، وأحاول قراءة ما وراء التفاصيل. هناك شعرت بأن المباراة تشبه الأدب لا لأنها تقدّم قصة جاهزة، بل لأنها تمنح المتلقي مشاركة صامتة في كتابتها، فكل فرصة ضائعة بدت كجملة لم تُختتم، وكل هدف كان استعارة تنفجر في لحظة وتغيّر اتجاه السرد، أما الهتاف الجماعي فكان أشبه بهوامش تكتبها مدينة كاملة على الصفحة نفسها.

أدهشني أن اللاعبين لم يكونوا أبطالًا فرديين كما في الروايات القديمة، بل شخصيات حديثة تتقاطع مصائرها وتتداخل أدوارها، وكأن فلسفة اللعب تعلن بوضوح: لا وجود لبطل كامل هنا... البطولة جماعية، كالروايات التي تنشأ نهاياتها من شخصية هامشية لا يتوقعها أحد.

أما الجمهور من حولي، فلم يكن مجرد جمهور.كان أقرب إلى جوقة مسرحية تُعلّق على الحدث، وتباركه، وتتحوّل أحيانًا إلى ضميرٍ للراوي. وجدت نفسي بينهم، لا كمشاهدة، بل كشخص يكتب دون ورق، ويكتشف أن الجمال قد يحدث مرة واحدة فقط... في ملعب، أو في صفحة قصيدة.

وعندما أطلق الحكم صافرة النهاية، شعرت بشيء يشبه ختام فصل مؤثر. ليس لأن الفريق الذي أحببته فاز، بل لأنني خرجت وأنا أعرف أن ما شاهدته لم يكن مجرد مباراة، بل كان نصًا حيًا يتحرك ويروي ويتنفس، ثم يترك أثره في النفس قبل أن يختفي ويتلاشى.

عند تلك اللحظة فقط أدركت أن الأدب والكرة يلتقيان في مكان واحد: «الجمهور/المتلقّي»، ذلك الذي يبني توقعاته ويعيد تشكيل النص كما يفعل القارئ مع الرواية، فيكتب طبقة إضافية فوق النص الأصلي دون أن يشعر.

ختامًا... يقول إريك كانتونا: «عندما ألعب، أبحث عن الشعر في الحركة»، وأقول: إن العلاقة بين كرة القدم والأدب أعمق مما نتصوّر؛ فكل مباراة حكاية قائمة بذاتها، فيها صراع وأبطال وخصوم، ومفاجآت... ونهاية، قد تكون سعيدة، أو مفتوحة، أو حزينة بما يكفي لتبقى في الذاكرة.

00:04 | 12-12-2025

السعودية تقرأ..

في كل عام يعود معرض جدة للكتاب ليذكّرنا بأن بين دفّتي كتاب يمكن للعالم أن يتّسع، وللفكرة أن تتنفس، وللإنسان أن يستعيد شيئاً من ذاته التي يسرقها الركض اليومي. وتحت مظلة هيئة الأدب والنشر والترجمة يتحوّل المعرض إلى مساحة نابضة بالحياة؛ ألوان من الكتب، وأصوات من الثقافة، وحكايات تأتي من أكثر من ألف دار نشر تصنع معاً احتفالاً واسعاً بالمعرفة.

لكن رغم هذا الزخم، يبقى التحدي الأكبر اليوم أمام الفرد ليس في الوصول إلى الكتاب، بل في القدرة على القراءة نفسها. ففي عصرٍ تتسابق فيه المنصّات الاجتماعية، والمحتوى المرئي السريع، وعالم البودكاست واليوتيوب على انتباه الإنسان، أصبحت القراءة فعلاً تحتاج إلى إرادة أكثر من أي وقت مضى. لقد تغيّر شكل الاستهلاك الثقافي، وصارت سرعة المحتوى تهيمن على بوصلة الاهتمام، بينما القراءة بطبيعتها عميقة وبطيئة، تتطلّب وقتاً وصبراً وانغماساً وتأملاً.

ومن هنا يبرز السؤال: كيف نستعيد العلاقة بين قارئ اليوم والكتاب؟ وكيف نعيد قيمة القراءة الحقيقية لنخطفها من فم السرعة ومنصات التواصل الاجتماعي التي خطفت القرّاء من محاضن الكتب؟

اليوم نحن بحاجة ماسّة إلى أن تلعب الشركات الوطنية الكبرى، بكل تخصصاتها، دوراً أكثر حضوراً في دعم الثقافة والكتاب؛ فالشركات المؤثرة مثل أرامكو وسابك وSTC قادرة على إحداث أثر عميق حين تتعامل مع دعم القراءة لا بوصفه عملاً دعائياً أو مسؤولية اجتماعية رمزية، بل باعتباره إيماناً بأن بناء مجتمع قارئ يعني بناء قوة بشرية قادرة على الابتكار والتحليل، وقادرة قبل ذلك على التفكير المستقل. ويمكن لهذه الشركات أن تدعم مكتبات عامة، وترعى مبادرات للقراءة داخل بيئات العمل، وتتبنى مشاريع للنشر والترجمة، وتخلق مساحات معرفية تعيد للكتاب قيمته في حياة الأفراد.

وهنا تتجلى أهمية المعارض الثقافية؛ فهي لا تعرض الكتب فقط، بل تستعيد روح القراءة، وتجعلها فعلاً اجتماعياً مرئياً، وتبني حولها عادة وطقساً وفضاءً مشتركاً. ومع ذلك، فإن مسؤولية نشر ثقافة الكتاب لا تتوقف عند المؤسسات الثقافية الرسمية وحدها، بل تتجاوزها لتصبح واجباً وطنياً تتقاسمه مختلف القطاعات.

إن نشر ثقافة القراءة ليس ترفاً ثقافياً، بل ضرورة تنموية؛ فمجتمع لا يقرأ سيتعلم عبر وسائل سريعة، ولكن معرفة بلا جذور لن تقود إلى وعي مستدام. ومعرض جدة للكتاب 2025 يذكّرنا بأن الكتاب ما زال ركيزة أساسية في تشكيل الوعي، وأننا بحاجة إلى منظومة كاملة -من مؤسسات رسمية وشركات وطنية وأفراد واعين- لإعادة الاعتبار للقراءة في زمن مملوء بالضجيج.

ختاماً.. لابد أن يكون شعار كل مواطن، وكل مؤسسة من مؤسسات الوطن: «السعودية تقرأ». فالأوطان التي يكثر فيها القرّاء تصبح أكثر وعياً وقدرة على التطوّر، ولهذا فإن دعم القراءة هو استثمار حقيقي في الإنسان والمكان.

00:11 | 5-12-2025

الزيتون.. قصة سعودية

في كل عام، عند السادس والعشرين من نوفمبر، تتوقف الذاكرة العالمية أمام شجرة ضاربة في جذور التاريخ: الزيتون. شجرة ارتبطت بالسلام في ثقافة البشر، وبالصبر في وجدان المزارعين، وبالخصوبة في الموروث الزراعي لمنطقة المتوسط. وفي هذا اليوم، أحببت أن أكتب عن علاقة المملكة العربية السعودية بالزيتون وكأنها تقدّم قصتها الخاصة عن هذه الشجرة.. سردية نمو هادئ، مؤسس، ومحمول برؤية ممتدة حتى 2030.

قرأت اليوم تقريراً صادراً من وزارة البيئة والمياه والزراعة يتحدث بالأرقام عن قفزة نوعية في إنتاج المملكة من الزيتون، الذي بلغ 351.6 ألف طن، في مؤشر واضح على أن هذا القطاع لم يعد مشروعاً زراعياً فقط، بل جزءٌ من معادلة الأمن الغذائي والتحوّل الاقتصادي من خلال أكثر من 21.5 مليون شجرة تحتضنها مناطق البلاد، منها ما يزيد على 18 مليون شجرة مثمرة، وكل هذا الاتساع لم يأتِ مصادفة، بل نتيجة سياسات زراعية جديدة، تعتمد على التقنيات الحديثة، والممارسات المستدامة، والتخطيط الدقيق لاستخدام المياه والأراضي.

وفي قلب هذه القصة تقف منطقة الجوف، بوصفها درّة الزيتون السعودي، بإنتاج يقارب 290 ألف طن، وقرابة 18 مليون شجرة تتوزع على امتداد أراضيها، وكأن المنطقة قررت أن تكون السجل الأخضر للمملكة. تليها حائل بقرابة 19.5 ألف طن، ثم تبوك بـ 18.7 ألف طن وأكثر من مليون شجرة، فالقصيم التي تواصل تعزيز حضورها بنحو 18 ألف طن و860 ألف شجرة، هرم الإنتاج يستقر هنا، لكن فروعه تمتد إلى بقية المناطق التي تتفاوت أرقامها، وتتفق في أن الزيتون أصبح جزءاً من مشهدها الزراعي السعودي.

وكما أرى أن الأرقام مهمّة، إلا أن خلفها قيمة أكبر تكمن في فعالية إدارة الموارد. فهذه الشجرة التي عُرفت بقدرتها على احتمال الجفاف، أصبحت اليوم نموذجاً سعودياً للاستفادة القصوى من المياه، وتنظيم التوسّع في الزراعة الحديثة، ورفع جودة المحاصيل، بل إن الزيتون دخل دائرة الصناعات ذات القيمة المضافة، من الزيوت البكر حتى المنتجات الغذائية والصحية، في سلسلة إنتاج متكاملة ترفع من تنافسية القطاع محلياً وعالمياً.

والجميل في القصة التي تدل على القفزة النوعية التي تعيشها السعودية في المجال الزراعي أن الوزارة أشارت إلى أن المملكة باتت تنتج أصنافاً متعدّدة، من كوراتينا وفرانتويو، إلى الشملالي والبيكوال والصوراني، في تنوّع يعكس تجربة زراعية لم تعد ناشئة، بل متقدّمة وراسخة، وتتكئ على خبرة ميدانية وعلى بيئات إنتاج مدروسة، وهذا يعني أن المملكة اليوم تعمل على جاهزيتها كي تكون مصدراً زراعياً اقتصادياً متكاملاً للزيتون.

اللافت أن اليوم العالمي لشجرة الزيتون، الذي أقرّته اليونسكو عام 2019، جاء ليؤكد عالمياً ما تؤكده المملكة عملياً: أن هذه الشجرة ليست محض محصول، بل ثقافة تنموية قائمة على الاستدامة، وعلى سلامٍ من نوع آخر... سلام بين الإنسان وأرضه، وبين الطموح والواقع.

ختاماً..

قصة الزيتون السعودي ليست احتفالاً بيوم عالمي فحسب، بل شهادة على انتقال المملكة من زراعة تقليدية إلى زراعة تصنع مستقبلاً، وتبني رصيداً أخضر في ذاكرة الوطن والأرض أجمع.

00:26 | 28-11-2025

زمنان عظيمان..

في عبارة هادئة تحمل ثقل التاريخ ووضوح الرؤية، قال ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- خلال زيارته الأخيرة لواشنطن: «إن الولايات المتحدة تقترب من الاحتفال بمرور 250 عاماً على تأسيسها، فيما تستعد المملكة بعد عامين للاحتفال بمرور 300 عام على تأسيس الدولة السعودية». لم تكن الجملة مجرد مقارنة زمنية بين دولتين كبيرتين، بل كانت طريقة بيانية لصياغة معنى أعمق: أن الزمن في التجربتين ليس رقماً جامداً، بل شهادة على قدرة الدول على البقاء والتحوّل وصناعة مستقبل يليق بحجمها.

فالتاريخ السعودي الممتد لثلاثة قرون ليس ذكريات تُستعاد، بل جذور راسخة تُبنى عليها دولة تتجدد بصورة مستمرة؛ دولة تعرف كيف تحافظ على ذاتها، وكيف تتغير بإرادة لا باضطرار. وفي المقابل، تبدو التجربة الأمريكية التي شارفت على قرنين ونصف قرن مرآةً لدولة استطاعت أن تعيد إنتاج نفسها عبر محطات متغيرة، لتبقى واحدة من أكثر التجارب السياسية رسوخاً في العالم. وبين هذين الزمنين المختلفين، يكمن خيط مشترك يشير إلى أن الاستمرارية ليست امتداداً زمنياً فحسب، بل وعي تاريخي يصنع الحاضر.

وفي سياق هذه العبارة، استدعى ولي العهد -حفظه الله- لحظة اللقاء الشهير بين الملك عبدالعزيز آل سعود والرئيس فرانكلين روزفلت قبل نحو تسعة عقود؛ فلم يكن يلمّع حدثاً من الماضي، بل كان يعيد ترتيب العلاقة السعودية-الأمريكية على مسارها الطبيعي: علاقة تأسست على رؤية مبكرة، وعلى إدراك عميق لأهمية التحالف بين دولتين كبيرتين في عالم لم يكن قد اتضح شكله بعد. تلك اللحظة المفصلية لم تكن مجرد بداية علاقة سياسية، بل كانت نقطة تحول في بناء الدولة السعودية وفي ترسيخ مفهوم الشراكة طويلة الأمد.

إن اللغة التي استخدمها ولي العهد، رغم بساطتها، تحمل في عمقها دلالات دقيقة؛ فهي توحي بأن التحالف بين البلدين لم يعد مجرد تعاون قائم على مصالح آنية، بل مسار يمتد عبر التاريخ ويتسع اليوم ليشمل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والدفاع والاقتصاد الرقمي. ومن خلال هذا الربط بين الماضي والمستقبل، بدت عبارته وكأنه يقدم للعالم صورة عن علاقة لا تحكمها اللحظة السياسية العابرة، بل يصوغها تراكمٌ تاريخي ورؤية مستقبلية متوازنة.

في هذا السرد المتناغم، تمتزج الشاعرية بالرسمية؛ فكلمات ولي العهد تحمل شيئاً من اللمعان البلاغي يشبه كتابةً منقوشة على حجر: ثابتة لكنها مفعمة بالحركة؛ شاعرية لا تفقد هيبتها، ورسمية لا تجفّ، وتقريرية ترسم مساراً واضحاً للعلاقات الدولية في مرحلة عالمية مضطربة.

وهكذا، تتحول العبارة إلى مساحة أوسع من معناها الظاهر: تذكير بأن السعودية دولة تمتلك زمنها العميق وقدرتها على صياغة مستقبلها بثقة، وبأن الولايات المتحدة شريك تاريخي تُعاد صياغة العلاقة معه على أسس أكثر تطوراً واتساعاً؛ فالمستقبل الذي يتشكّل اليوم ليس مسار دولتين فحسب، بل تلاقي تجربتين كبيرتين تتقدمان في الزمن بثبات، وتنسجان معاً فصلاً متصلاً بالتاريخ من الشراكة التي تتجاوز جغرافيا السياسة لتصل إلى عمق التاريخ وإمكانات المستقبل.

ختاماً.. في عبارة واحدة، أعاد ولي العهد تشكيل المشهد؛ فلم يعد الحديث عن شراكة بين دولتين، بل عن تلاقي زمنين كبيرين يصنعان مستقبلاً واحداً.

00:06 | 21-11-2025