أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1112.jpg&w=220&q=100&f=webp

منى العتيبي

جدة مزاجي وأمواجي..

لجدة ذاكرة لا تشبه المدن؛ ذاكرة تفوح منها رائحة البحر، وتختبئ في ظلال الرواشين، وتنساب في الأزقة القديمة كحكاية لا تريد أن تنتهي في وجدان المتلقي، مدينة كانت تستقبل القادمين من البحر، وتودّع الراحلين إليه، وتفتح أبوابها للتجارة والحجاج والثقافات، حتى أصبح البحر جزءًا من شخصيتها، لا مجرد امتداد جغرافي أمامها.

وحين أتأمل جدة التاريخية اليوم، أتخيل تلك العلاقة القديمة وهي تستعيد شيئًا من نبضها؛ كأن البحر الذي ظل طويلًا على مسافة من «البلد» يقترب منها من جديد، وكأن المدينة تستعيد نافذة كانت تطل منها على العالم.

من هنا تبدو فكرة مشروع وزارة الثقافة بإنشاء بوابة بحرية ومارينا متكامل في جدة التاريخية أكبر من مشروع عمراني أو وجهة سياحية جديدة؛ إنها محاولة لإعادة وصل جدة بذاكرتها البحرية، واستعادة جزء من صورتها الأولى وهي تنظر إلى البحر بوصفه طريقًا للحياة والعالم.

تخيّل معي ستكون واجهة البلد في جدة التاريخية مرسى ونادي يخوت ومطاعم ومقاهي فارهة بمعنى ستصبح جدة التاريخية ذاكرة جديدة معجونة بالذاكرة الأولى؛ فجدة التاريخية ليست بيوتًا قديمة وأزقة تحفظ ذاكرة المكان فحسب؛ إنها مدينة كانت نابضة بالحركة، مفتوحة على البحر، وعلى التجارة والثقافات وحكايات العابرين. ولذلك فإن إعادة البحر إلى قلب تجربتها يمكن أن تمنح «البلد» حياة جديدة، من دون أن تفقد ملامحها القديمة.

تخيّل معي أيضًا أن يبدأ الزائر رحلته بين الرواشين والأبواب والأسواق، ثم ينتهي به الطريق عند البحر؛ فيرى المراكب أمامه، وتبقى العمارة التاريخية خلفه، فيلتقي في مشهد واحد ماضي جدة بمستقبلها ! هنا لا يصبح المرسى مجرد مكان للقوارب، بل مساحة للحياة؛ مطاعم ومقاهٍ، أنشطة بحرية، مساحات عامة، فعاليات ثقافية، وتجارب تحكي قصة جدة مع البحر الأحمر.

وهذا هو الفارق بين تطوير المكان وإحيائه؛ فالتطوير يضيف إليه، أما الإحياء فيعيد إليه ما فقده.

والأجمل أن يتحوّل البحر إلى مدخل جديد لجدة التاريخية، لا مجرد خلفية لها؛ بوابة تقول للقادم: هنا مدينة عرفت منذ زمن بعيد كيف تستقبل العالم، واليوم تفتح له بابًا جديدًا. إن قيمة المشروع الحقيقية لن تقاس بعدد القوارب التي ستتوقف في المارينا، بل بعدد الفرص والقصص والأحداث والتجارب التي ستولد حولها.. فحين يلتقي التراث بالبحر، والسياحة بالاقتصاد، والذاكرة بالمستقبل، تصبح جدة التاريخية أكثر من موقع تراثي؛ تصبح مدينة تُعاش.

ختامًا.. جدة لا تحتاج إلى أن تكتشف البحر؛ فهي تعرفه منذ قرون ولكن حين تفتح «البلد» نافذتها على البحر من جديد، سنكتشف أن جدة لم تكن يومًا مجرد مدينة على الساحل؛ كانت وما زالت «جدة غير مثل الغرق.. بين السهر والنوم» مدينة كلما ظننا أننا عرفناها، فاجأتنا بوجه أجمل من ذاكرتها.

00:07 | 14-08-2026

مشغول.. إذن أنا مهم!

لماذا أصبح قول «أنا مشغول» يشبه إعلانًا عن المكانة؟ يكفي أن تسأل أحدهم: كيف حالك؟ حتى تأتيك الإجابة سريعًا: مشغول جدًا.. الأيام هذه ما فيها وقت، وقد لا يكون في العبارة ما يستحق التوقف، لكن تكرارها جعلني أتساءل: هل نحن فعلًا مشغولون إلى هذا الحد، أم أننا أصبحنا نستخدم الانشغال لإثبات أننا مهمون؟

يبدو أن «ما عندي وقت» أصبحت واحدة من أكثر العبارات حضورًا في حياتنا اليومية، نقولها في العمل، وفي المناسبات، وحتى في علاقاتنا، نعتذر عن زيارة مؤجلة، وعن اتصال لم نرد عليه، وعن كتاب لم نقرأه، وعن صديق لم نلتقِ به منذ أشهر، والسبب جاهز دائمًا: «مشغول».

لكن ماذا لو كان بعض هذا الانشغال مجرد وهم؟

التقنية وفرت علينا الكثير من الوقت، لكنها في الوقت نفسه ملأت كل دقيقة فارغة منه. الهاتف معنا طوال الوقت، والتنبيهات لا تتوقف، ورسائل العمل تصل بعد انتهاء الدوام، ومواقع التواصل تفتح لنا أبوابًا لا تنتهي من الأخبار والصور والمحادثات.. أصبحنا نعيش وكأن هناك شيئًا ينتظرنا دائمًا حتى عندما لا يكون لدينا شيء عاجل، نشعر أننا يجب أن نفعل شيئًا.

وهنا حدث تحول غريب؛ لم يعد الإنسان يشعر بالراحة عندما يجد وقتًا فارغًا، بل يشعر بالذنب، يجلس في مقهى، فيفتح هاتفه، ينتظر موعدًا، فيبحث عن شيء يشغله، يسافر، فيضع قائمة طويلة بالأماكن التي يجب أن يزورها.. يأخذ إجازة، فيملأها بالخطط.

وكأننا فقدنا القدرة على أن نكون بلا مهمة، المشكلة ليست في العمل، فالعمل قيمة، والطموح قيمة، والإنجاز قيمة، المشكلة عندما يصبح الانشغال هو المقياس الوحيد الذي نقيس به أنفسنا والآخرين.

ننظر إلى الشخص الذي لا يتوقف وكأنه أكثر نجاحًا، بينما قد يكون شخص آخر يعمل أقل، لكنه يعرف تمامًا أين يضع وقته، ليس كل اجتماع مهمًا، وليس كل رسالة تحتاج إلى رد فوري، وليس كل فرصة تستحق أن نقبل بها، وليس كل فراغ يحتاج إلى أن نملأه.

هناك وقت لا علاقة له بالإنتاجية ولا يُقاس بها ومن خلالها مثل وقت للعائلة، للصداقة، للقراءة، للتفكير، للتأمل، وحتى للملل.. نعم.. للملل أيضًا، فالإنسان حين لا يكون مشغولًا بشيء قد يبدأ أخيرًا في التفكير في نفسه وربما لهذا تحديدًا أصبحنا نخاف منه، نحن نعيش في زمن يستطيع فيه الإنسان أن يهرب من نفسه بسهولة شديدة؛ يكفي أن يفتح هاتفه، أو يرد على رسالة، أو يبدأ مهمة جديدة لكن الهدوء يكشف لنا أشياء نحاول أحيانًا ألا نراها، يكشف أن بعض ما نفعله لا نحتاجه، وأن بعض العلاقات تستنزفنا، وأن بعض الأهداف لم تعد تعنينا، وأننا ربما نركض منذ سنوات خلف أشياء اخترناها لأن الجميع يركض نحوها.

ولهذا أعتقد أن امتلاك الوقت أصبح نوعًا جديدًا من الثراء ليس لأن لدينا ساعات أكثر من الآخرين، وإنما لأننا نستطيع أن نختار أين نضع ساعاتنا، أن نقول «لا» دون شعور بالذنب، أن نغلق هواتفنا، أن ننهي عملنا ونغادر، أن تجلس مع عائلتنا دون أن تشعر بأنك تهدر وقتًا، أن نقرأ كتابًا لا علاقة له بحياتنا كلها، أن نترك يومًا بلا جدول.

فربما لم يعد السؤال: كم أنجزت اليوم؟بل: هل عشت اليوم بالطريقة التي أريدها؟

ختامًا.. لن تكون قيمة حياتنا بعدد الساعات التي أمضيناها في الركض، ولا بعدد المهام التي شطبناها من قوائمنا.. سيبقى منها الأشخاص الذين منحناهم وقتنا، والأفكار التي منحناها فرصة، واللحظات التي كنا فيها حاضرين فعلًا.. لذلك، في المرة القادمة التي يقول فيها أحدهم: «أنا مشغول جدًا» ربما لا نحتاج إلى أن نعجب بانشغاله.

00:00 | 7-08-2026

من زمزم إلى عام الماء 2027

قبل آلاف السنين، كانت أم تمضي بين الصفا والمروة تبحث عن قطرة ماء لطفلها، لم تكن تعلم أن سعيها سيخلّد في ذاكرة البشرية، وأن الماء الذي تفجّر تحت قدمَي إسماعيل عليه السلام سيظل يجري إلى يومنا هذا، ليصبح زمزم أعظم قصة ماء عرفها التاريخ. ومنذ ذلك اليوم، ارتبطت هذه الأرض بالماء بوصفه نعمة ورحمة وعنوانًا للحياة.

لذلك، بدا قرار تسمية عام 2027 بـ«عام الماء» قرارًا يحمل بعدًا يتجاوز المناسبة، فهو يلفت الانتباه إلى مورد لا تقوم الحياة بدونه، ويمنح المجتمع فرصة لإعادة النظر في علاقتنا اليومية بالماء؛ كيف نستهلكه، وكيف نحافظ عليه، وكيف نورث أبناءنا ثقافة تقدير هذه النعمة.

لقد استطاعت المملكة أن تقدّم للعالم تجربة استثنائية في إدارة المياه، رغم طبيعتها الصحراوية، فمن خلال التحلية، والتقنيات الحديثة، ومشروعات البنية التحتية، تحوّلت تحديات المياه إلى قصة نجاح وطنية نفخر بها.. لكن نجاح المشروعات وحده لا يكفي إذا لم يصاحبه وعي مجتمعي يجعل المحافظة على الماء سلوكًا راسخًا لا يرتبط بحملة مؤقتة أو مناسبة عابرة.

وهنا أرى أن قيمة «عام الماء» تكمن في الرسائل التي يمكن أن يتركها هذا العام.. فبدلًا من أن يكون عامًا للفعاليات فقط، يمكن أن يكون عامًا للتغيير الحقيقي. لماذا لا تتحول المدارس إلى ورش عمل صغيرة يتعلم فيها الطلاب قيمة كل قطرة؟ ولماذا لا تُطلق مبادرات إعلامية تروي رحلة الماء منذ مصدره حتى يصل إلى منازلنا، ليدرك الجميع حجم الجهد الذي يقف خلف كل كوب نشربه؟ ولماذا لا تصبح قصص الابتكار في ترشيد المياه، والمسابقات، والأفلام القصيرة، والمبادرات التطوعية، جزءًا من هذا العام، بحيث يشعر كل مواطن ومقيم أنه شريك في نجاحه؟

كما أن القطاع الخاص يستطيع أن يقدّم نماذج ملهمة في كفاءة استخدام المياه، ويمكن للجامعات أن تتبنى مشاريع بحثية وابتكارات عملية، بينما يساهم صنّاع المحتوى في تحويل رسائل الترشيد إلى محتوى بسيط وقريب من الناس، فالقضايا الكبرى لا يغيّرها قرار وحده، وإنما يغيّرها اقتناع المجتمع بها.

وأتمنى أيضًا أن يحمل هذا العام رسالة للعالم، مفادها أن الدولة التي انطلقت منها قصة زمزم، تقدّم اليوم نموذجًا معاصرًا في إدارة المياه واستدامتها، إنها رسالة تجمع بين العمق التاريخي، والوعي البيئي، والتقدّم التقني، لتؤكد أن احترام الماء جزء من احترام الحياة نفسها.

«عام الماء 2027» سينجح بإذن الله في أن يجعل كل واحد منا يغلق صنبورًا لا يحتاجه، أو يزرع في طفل تقديرًا لهذه النعمة، أو يلهم فكرة جديدة تحافظ على مواردنا. فمن زمزم بدأت الحكاية، ومن وعي المجتمع يمكن أن تستمر، لتبقى كل قطرة ماء مسؤولية وطن، وثقافة شعب، وإرثًا نحفظه للأجيال القادمة.

ختامًا.. سيبقى «عام الماء» فرصة لنثبت أن الحفاظ على النعم يبدأ بالوعي قبل الإمكانات، وأن بلادنا التي انطلقت منها قصة زمزم، قادرة اليوم على أن تقدّم للعالم قصة جديدة عنوانها: الاستدامة، والمسؤولية، والوفاء لكل قطرة ماء.

00:00 | 31-07-2026

المنتدى الذي يصنع ما بعد الخبر..

مع إعلان انطلاقة المنتدى السعودي للإعلام في نسخته السادسة خلال فبراير للعام القادم، يراودني سؤال أراه أهم من عدد المتحدثين وأوراق العمل وجلساته: ماذا سيبقى بعد أن ينتهي المنتدى ويغلق أبوابه وتُطفأ الأضواء؟ هذا السؤال هو الذي يجعلني أنظر إلى المنتدى السعودي للإعلام بوصفه مشروعًا للمستقبل أكثر من كونه حدثًا سنويًا، فاليوم لم يعد الإعلام مجرد ناقل للأخبار، بل أصبح شريكًا في صناعة الاقتصاد، وبناء السمعة الوطنية، وتحفيز الابتكار، وصياغة الصورة الذهنية للدول ومن هنا تأتي أهمية المنتدى؛ فهو لا يجمع المهنيين لمناقشة واقع المهنة، بل يضعنا أمام مسؤولية رسم ملامح إعلام السنوات المقبلة، في زمن تتغيّر فيه الأدوات وتتطور المهارات وتظهر الأصوات الجديدة على المنصات الرقمية.

وما يلفت الانتباه أن المنتدى تطور من منصة للحوار إلى مساحة لإطلاق المبادرات، وعقد الشراكات، واستقطاب الخبرات العالمية، وهو تحوّل مهم ومطلوب؛ لأن مستقبل الإعلام لن يُصنع بالخطب، وإنما بالمشروعات التي تتحوّل إلى واقع، وبالاستثمارات في الإنسان والتقنية، وبالقرارات التي تخرج من قاعات النقاش إلى غرف الأخبار، وشركات الإنتاج، ومنصات المحتوى. وأتصور أن الأثر الحقيقي لهذا المنتدى خلال السنوات المقبلة سيظهر في أكثر من اتجاه؛ أولها بناء جيل إعلامي جديد يمتلك أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وصناعة المحتوى الرقمي بلغات متعددة، لا باعتبارها مهارات إضافية، بل بوصفها أساسًا للمهنة.. وثانيها تعزيز التكامل بين الإعلام والقطاعات الأخرى؛ فالسياحة، والثقافة، والرياضة، والاستثمار، وحتى التعليم، أصبحت بحاجة إلى إعلام متخصص قادر على تحويل الإنجازات إلى قصص تصل إلى العالم. كما أن المنتدى يملك فرصة كي يصبح منصة سنوية لتوليد الأفكار الإعلامية، تُطلق منها المبادرات، ثم نختبر ونتابع نتائجها في النسخة التالية، وحينها لن يكون النجاح مرتبطًا بعدد الحضور، وإنما بعدد المبادرات التي تحوّلت إلى مشاريع، وعدد الشركات الناشئة التي وجدت فرصتها، وعدد الكفاءات الوطنية التي انتقلت من مقاعد الحضور إلى منصات القيادة الإعلاميّة في وطننا.

وأرى أن المملكة بلادنا الغالية وهي تستعد لاستحقاقات عالمية كبرى خلال السنوات القادمة، تحتاج إلى إعلام يسبق الحدث، لا يكتفي بتغطيته، ويصنع الرواية قبل أن يصنعها الآخرون. وهذا الدور لا يتحقق إلا بوجود منصة تجمع صنّاع القرار بالإعلاميين والمبتكرين وشركات التقنية في مكان واحد، وهو ما يقدّمه المنتدى عامًا بعد عام؛ لذلك فإن النسخة السادسة ليست محطة جديدة في روزنامة المؤتمرات، بل خطوة أخرى في بناء صناعة إعلامية سعودية أكثر تأثيرًا وتنافسية وصدارة وتمكينًا.. وإذا استمر المنتدى في تحويل الأفكار إلى مبادرات، والمبادرات إلى نتائج قابلة للقياس، فإنه لن يكون مجرد ملتقى للإعلام، بل أحد المحركات التي تصنع مستقبل الإعلام السعودي، وتعزز حضوره بوصفه نموذجًا عالميًا يواكب التحوّل، ويقوده أيضًا.

ختامًا.. القيمة الحقيقية لأي منتدى لا تكمن فيما يُقال على منصاته ومنشوراته، بل فيما يتحول إلى أثر بعد انتهائه؛ فالإعلام الذي يصنع المستقبل هو الإعلام الذي يبدأ بالفعل، لا بالحديث عنه، لذلك كله واصل المنتدى السعودي للإعلام مشواره السادس لصناعة ما بعد الخبر.

00:00 | 24-07-2026

100 متطوع لا يكفي!

حين قرأت خبر اتفاقية التعاون بين اللجنة المحلية المنظمة لكأس آسيا 2027 وجامعة الملك عبدالعزيز لدعم استضافة البطولات الرياضية، استوقفني ما تضمّنته من أهداف تتجاوز تنظيم بطولة رياضية إلى البحث العلمي، والابتكار، والاستدامة، والعمل التطوعي. هذا هو الاستثمار الحقيقي في الأحداث الكبرى؛ أن يبقى أثرها بعد انتهاء البطولة.

لكنني توقفت عند رقم واحد: «100» متطوع من منسوبي وطلاب الجامعة. والسؤال الذي دار في ذهني لم يكن عن الرقم نفسه، وإنما عن الفكرة.. إذا كانت التجربة ناجحة ومجدية، فلماذا لا تتوسع؟ ولماذا تبقى محصورة في جامعة واحدة، بينما يمكن أن تتحوّل إلى مشروع وطني يشارك فيه طلاب وطالبات المرحلة الثانوية في المنطقة الغربية، بحيث تتولى جامعة الملك عبدالعزيز عملية استقطابهم، وتعمل بقية الجامعات على المنوال نفسه؟ خاصةً ونحن لا نستضيف كأس آسيا فحسب، بل نبني جيلاً سيستقبل العالم في مناسبات رياضية متلاحقة، وصولاً إلى كأس العالم 2034. وهذا يتطلب أن نبدأ مبكرًا في صناعة الإنسان، لا أن ننتظر موعد البطولة ثم نبحث عن المتطوعين والمتطوعات.

طالب المرحلة الثانوية اليوم هو طالب الجامعة بعد سنوات قليلة، وإذا بدأ التدريب منذ هذه المرحلة، فسيصل إلى البطولات الكبرى وهو يمتلك خبرة عملية في التنظيم، والتواصل، والعمل الجماعي، والقيادة، والإعلام، والضيافة، والبروتوكول، وإدارة الفعاليات. وهي مهارات لا تقل أهمية عن أي مقرر دراسي.

أتمنى أيضًا أن يكون هناك برنامج تطوعي يحمل، على سبيل المثال، اسم «صُنّاع البطولات»، تشارك فيه إدارات التعليم في مختلف المناطق، وتتنافس المدارس على إعداد أفضل الفرق التطوعية، ويحصل المشاركون على برامج تدريبية، وساعات تطوعية معتمدة، وشهادات احترافية، وفرص للمشاركة في البطولات المحلية والدولية. عندها لن يكون التطوع مجرد مشاركة مؤقتة، بل رحلة لبناء الشخصية الوطنية.

ولِمَ لا يمتد البرنامج إلى مسابقات في الابتكار، والإعلام الرياضي، والترجمة، والتصميم، وصناعة المحتوى، وتقنيات الفعاليات؟ فكل بطولة تحتاج إلى أكثر من لاعب وحكم؛ إنها تحتاج إلى عقول شابة تدير، وتبتكر، وتقدّم صورة المملكة للعالم، خاصةً أن نجاح أي بطولة لا يُقاس فقط بحضور الجماهير أو جودة الملاعب، بل بعدد الشباب الذين خرجوا منها وهم أكثر خبرة، وأكثر ثقة، وأكثر استعدادًا للمستقبل.

ختامًا... إذا كان الهدف اليوم 100 متطوع، فربما يكون الهدف الحقيقي الذي يستحق أن نعمل من أجله هو عشرة آلاف شاب وشابة، يحمل كل واحد منهم قصة نجاح بدأت بفرصة تطوعية، وانتهت بصناعة مستقبل.

00:02 | 17-07-2026

مختبر التعليم

توقفت طويلًا عند خبر إشادة البنك الدولي بالبيئة التجريبية للذكاء الاصطناعي في التعليم بالمملكة، ليس لأن الإشادة جاءت من جهة دولية، فهذا جانب مهم بلا شك، وإنما لأنني شعرت أن كثيرين قد يقرأون الخبر بوصفه خبرًا تقنيًا، بينما هو في الحقيقة خبر عن طريقة جديدة في التفكير، فما الذي يعنيه أن يصبح لدينا «مختبر» للتعليم؟ في البداية، أرى أن هذه التجربة ليست مجرد أداة تقنية، بل ثقافة مؤسسية جديدة؛ فالتعليم اليوم لم يعد يحتمل الحلول التقليدية.. الطالب يتغيّر، والمعرفة تتغيّر، وسوق العمل يتغيّر بسرعة غير مسبوقة، ولذلك فإن المؤسسات التعليمية تحتاج إلى أن تتغيّر بالسرعة نفسها، ولكن بذكاء لا بعشوائية.

ومن هنا تأتي قيمة البيئة التجريبية التي تمنح المعلم والمتعلمين فرصة لتجربة أدوات جديدة تساند الابتكار والإبداع، وتمنحهم وقتًا أكبر لما لا تستطيع التقنية القيام به «بناء الإنسان»، كما تمنح متخذ القرار بيانات حقيقية بدلًا من الانطباعات، فيعرف ما الذي نجح، ولماذا نجح، وما الذي يستحق أن يصل إلى جميع بيئات التعليم وميادين المعرفة. لكنني أرى أن الأثر الأبعد لهذا المشروع يتجاوز حدود الفصول الدراسية؛ فحين تمتلك دولة بيئة يختبر فيها الباحثون والمبتكرون والشركات حلولهم التعليمية، فإنها لا تصبح مستهلكة للتقنية فحسب، بل شريكًا في إنتاجها. ومع الوقت، قد تتحوّل الأفكار التي وُلدت داخل هذه البيئة إلى منتجات سعودية، وشركات ناشئة، وتجارب تستفيد منها أنظمة تعليمية في دول أخرى. وهنا يصبح التعليم محركًا للاقتصاد، لا قطاعًا خدميًا فقط.

ولعل أجمل ما في الفكرة أنها لا تبحث عن الحل الكامل منذ البداية، بل تؤمن بأن الوصول إلى أفضل الحلول يبدأ بالتجربة، ثم التعلم، ثم التطوير المستمر وهذه هي العقلية التي صنعت تقدّم كثير من الدول: أن تمنح الأفكار فرصة لتُختبر قبل أن يُحكم عليها. ولذلك، فإن إشادة البنك الدولي ليست مجرد شهادة نجاح لمشروع، بل هي اعتراف بأن المملكة تبني نموذجًا مختلفًا في تطوير التعليم؛ نموذجًا يقوم على الابتكار، والقياس، والاستدامة، وصناعة المعرفة. وتبرز هنا فكرة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن البيئة التجريبية لا ينبغي أن تُقاس فقط بما تضيفه من أدوات ذكية، بل بما تخلقه من عقلية تعليمية مرنة. فالمعلم الذي يعتاد على التجربة والقياس يصبح أكثر قدرة على تطوير ممارساته، والطالب الذي يتعلم في بيئة تسمح له بالاستكشاف يصبح أكثر استعدادًا للتعامل مع عالم سريع التغيّر، أما المؤسسة التعليمية فتتحوّل من جهة تنتظر الحلول إلى جهة تصنع الحلول وتطورها. ومن زاوية أخرى، فإن هذه البيئة تفتح الباب أمام شراكة أعمق بين التعليم والبحث العلمي والقطاع الخاص. فالابتكار الحقيقي لا يولد في عزلة، بل في مساحة يلتقي فيها الميدان التعليمي مع الباحث والمطور ورائد الأعمال. وحين تتكامل هذه الأطراف داخل بيئة اختبار آمنة ومرنة، فإننا لا نطور أدوات تعليمية فحسب، بل نبني منظومة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والأفكار إلى تطبيقات ذات أثر ملموس. كما أن قيمة هذا النموذج تكمن في أنه يرسخ مبدأ التعلم المستمر للمؤسسات، فكما يتعلم الطالب داخل الصف، تتعلم المؤسسة من نتائج التجارب، ومن البيانات، ومن الملاحظات المتراكمة. وهذا النوع من التعلم المؤسسي هو ما يجعل التطوير مستدامًا؛ لأنه لا يعتمد على قرار عابر أو مشروع مؤقت، بل على دورة دائمة من الاختبار والتحسين والتوسع.

ختامًا.. أرى أن الخبر يحمل رسالة أعمق من مجرد إشادة دولية؛ إنه يشير إلى أن المملكة لا تكتفي بتبني تقنيات المستقبل، بل تبني بيئة قادرة على إنتاج مستقبل التعليم ذاته. وهذه هي النقلة النوعية الحقيقية: أن يصبح التعليم مساحة للتجريب الواعي، ومنصة لصناعة المعرفة، وجسرًا يربط بين طموح الإنسان وإمكانات التقنية في خدمة التنمية وبناء الإنسان.

00:01 | 10-07-2026

قبل كأس العالم.. أين نزرع المنتخب؟!

بعد المشاركة الأخيرة للمنتخب السعودي في كأس العالم، أرى أن الوقت قد حان لنحوّل أنظارنا إلى كأس العالم 2034، لا بوصفه موعداً رياضياً ننتظره، بل مشروعاً وطنياً يبدأ من اليوم، حيث ألاحظ أن معظم النقاشات تدور حول الملاعب، والبنية التحتية، والمواصلات، والفنادق، والصورة التي سنقدّمها للعالم. وكل ذلك، بلا شك، مهم، بل مهم جداً، لكنه ليس الأهم بالنسبة لي.

ما يشغلني أكثر هو المنتخب السعودي نفسه، والسؤال الذي أراه أكثر إلحاحاً من أي سؤال آخر هو: هل بدأنا بالفعل بناء المنتخب الذي يستحق أن يكون وجه المملكة في هذا الحدث التاريخي؟

المنتخبات الكبرى لا تبدأ من بطولة، ولا من مدرب جديد، ولا من قائمة لاعبين جاهزة، بل تبدأ من طفل في العاشرة من عمره يركض خلف الكرة في ملعب بسيط، وهو يحمل حلماً كبيراً. أما انتظار لاعب بلغ الخامسة والعشرين ثم البحث عن حلول سريعة، فهو غالباً محاولة لتعويض سنوات كان يفترض أن تُستثمر مبكراً، إذا أردنا أن يكون كأس العالم 2034 بطولة سعودية بكل تفاصيلها، فعلينا أن نتعامل مع السنوات القادمة بوصفها معسكر إعداد يمتد لعقد كامل، لا لموسم أو موسمين.

وأعتقد أن البداية الحقيقية ليست في استقطاب المواهب فحسب، بل في إعادة تعريف معنى «الموهبة» نفسها. فنحن ما زلنا نقيس اللاعب بعدد أهدافه أو بسرعته أو بمهارته الفردية، بينما كرة القدم الحديثة تقيس أشياء أعمق؛ مثل سرعة اتخاذ القرار، والذكاء تحت الضغط، والقدرة على قراءة الملعب قبل وصول الكرة، والتكيّف مع تغيّر إيقاع المباراة. وهذه القدرات لا تُولد مكتملة، بل تُبنى بالتدريب المتخصص، وتترسّخ كلما بدأت في عمر مبكر.

من هنا، أتمنى إنشاء برنامج وطني خاص بالمنتخب السعودي لكرة القدم، يبدأ من عمر العاشرة، ولا يكتفي باختيار أفضل اللاعبين، بل يعمل على صناعة أفضل العقول الكروية. برنامج يجمع بين التدريب البدني، والتحليل الذهني، والتغذية، وعلم النفس، واللغة الإنجليزية، والإعلام؛ لأن لاعب كأس العالم اليوم لا يمثل ناديه فقط، بل يمثل وطناً كاملاً داخل الملعب وخارجه.

ولدي فكرة أرى أنها قد تصنع فارقاً حقيقياً؛ لماذا لا يكون لكل لاعب موهوب «جواز تطوير» رقمي يرافقه منذ سن العاشرة؟ لا يقتصر على تسجيل الأهداف أو عدد المشاركات، بل يوثق تطوره الذهني، وانضباطه، وسرعة تعلمه، ونسبة تحسّن قراراته داخل المباراة، وحتى استجابته للضغوط. عندها لن نحكم على اللاعب بلقطة جميلة أو مباراة استثنائية، بل بمسار نمو متكامل يمتد سنوات.

ولدي أيضاً فكرة أخرى تستحق التجربة. بدلاً من جمع المواهب في معسكرات قصيرة تنتهي بانتهاء البطولة، لماذا لا نكوّن مجموعة ثابتة من خمسين لاعباً في عمر متقارب، يعيشون معاً رحلة تطوير تمتد عشر سنوات؟ ليس الهدف أن يحققوا بطولة للناشئين، بل أن يصلوا إلى كأس العالم وهم يعرفون بعضهم بعضاً كما يعرفون أنفسهم. فالانسجام الحقيقي لا يُشترى، ولا يُصنع في أسابيع، بل يتشكل عبر السنوات.

كما أرى أن البحث عن المواهب يجب ألا يقتصر على ملاعب كرة القدم، ففي ألعاب القوى عدّاؤون يمتلكون سرعة استثنائية، وفي الجمباز لاعبون يتمتعون بتوازن ومرونة نادرين، وفي الألعاب القتالية رياضيون يملكون سرعة رد فعل عالية وانضباطاً ذهنياً لافتاً. وبعض هؤلاء قد يصبح، إذا اكتُشف مبكراً، لاعب كرة مختلفاً تماماً. فلماذا نحصر البحث داخل ملعب واحد، بينما قد تكون الموهبة تنتظرنا في مضمار أو صالة رياضية أخرى؟ أعتقد أن أعظم ما منحته لنا استضافة كأس العالم ليس حق تنظيم البطولة، بل حق صناعة جيل كامل يعرف منذ مراهقته أنه قد يخوض المونديال على أرض وطنه وأمام جماهيره. وهذا الحلم، إذا أُحسن استثماره، قادر على أن يغيّر طريقة التدريب، والانضباط، والطموح، وحتى نظرة اللاعب إلى نفسه.

ختاماً.. أكرر قناعتي.. الملاعب يمكن أن تُبنى في سنة أو سنتين أو ثلاث، أما اللاعب العالمي فلا يُبنى إلا عبر سنوات طويلة من العمل المتواصل. ولذلك علينا بأن نبدأ اليوم.. من حيث يبدأ كل منتخب عظيم: من الطفل، لا من البطولة.

00:00 | 3-07-2026

صناعة وحياة..

سعدت بحضور لقاء رئيس الهيئة الملكية للجبيل وينبع المهندس خالد السالم، الذي تحدث فيه عن الدور الريادي للهيئة في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030. وكان من أجمل ما طُرح في اللقاء استعراض قصة التميّز التي صنعتها مدن الهيئة الملكية، وكيف تحوّل شعار «صناعة وحياة» إلى واقع نراه ونلمسه اليوم.

وأنا أستمع للنقاش، وجدت نفسي أفكر في السر الذي جعل هذه التجربة الوطنية الإدارية للهيئة الملكية للجبيل وينبع تحافظ على نجاحها وتتطور لعقود طويلة. فالمشروعات الكبرى قد تبدأ بقوة، لكن المحافظة على نجاحها واستمرار أثرها هي التحدي الحقيقي. وهنا تحديداً أرى أن الاستدامة تمثل أحد أهم أسرار النجاح الإداري للهيئة الملكية.

فالاستدامة ليست مجرد مفهوم تنظيمي أو مصطلح متداول، بل طريقة تفكير تنظر إلى المستقبل بقدر ما تهتم بالحاضر. وهذا ما نجحت الهيئة الملكية في ترسيخه منذ تأسيسها، فلم تكتفِ ببناء مدن صناعية تحقق أرقاماً اقتصادية نفخر بها، بل عملت على بناء مدن متكاملة قادرة على النمو والاستمرار، وجاذبة للإنسان والاستثمار في الوقت نفسه.

ومن هنا تظهر العلاقة العميقة بين شعار «صناعة وحياة» ومفهوم الاستدامة؛ فالصناعة وحدها قد تحقق النمو الاقتصادي، لكنها لا تصنع مدينة مستدامة، والحياة وحدها تحتاج إلى اقتصاد قوي يوفر الفرص ويدعم التنمية. أما الجمع بينهما فهو المعادلة التي تحقق التوازن وتضمن الاستمرار.

فعندما توفر المدينة فرص العمل والصناعة المتقدمة، وفي الوقت نفسه تقدم خدمات تعليمية وصحية وترفيهية عالية الجودة، فإنها تبني مجتمعاً قادراً على الاستقرار والنمو. وعندما توازن بين التوسع الصناعي والمحافظة على البيئة وجودة الحياة، فإنها تضمن استدامة التنمية للأجيال القادمة. وهذا بالضبط ما يعكسه شعار «صناعة وحياة» فهو ليس وصفاً لما يوجد في المدينة فحسب، بل رؤية متكاملة لكيفية بناء مستقبل مستدام.

ولعل ما يميز تجربة الهيئة الملكية أنها أدركت مبكراً أن الإنسان هو محور التنمية. فالمصانع والمنشآت والبنية التحتية عناصر مهمة، لكنها لا تحقق أهدافها كاملة إلا عندما تنعكس على حياة الناس وجودة معيشتهم. لذلك نجد أن النجاح الصناعي في مدن الهيئة يسير جنباً إلى جنب مع الاهتمام بالبيئة والخدمات والمرافق والمساحات الحضرية التي تجعل المدينة مكاناً جاذباً للعيش والعمل معاً.

وفي ظل رؤية السعودية 2030، تبدو هذه التجربة نموذجاً وطنياً يستحق التأمل، لأنها تقدم مثالاً عملياً على أن التنمية المستدامة لا تتحقق عبر مشروعات منفصلة، بل من خلال منظومة متكاملة تربط الاقتصاد بالإنسان، والاستثمار بجودة الحياة، والحاضر بالمستقبل.

ختاماً، أرى أن شعار «صناعة وحياة» ليس مجرد هوية للهيئة الملكية للجبيل وينبع، بل ترجمة حقيقية لمفهوم الاستدامة. فقد استطاعت الهيئة من خلاله أن تقدم نموذجاً تنموياً يؤكد أن النجاح الحقيقي لا يقاس بما ننجزه اليوم فقط، بل بقدرتنا على الحفاظ على هذا الإنجاز وتطويره لعقود قادمة، بما يخدم الإنسان والمكان معاً.

00:00 | 19-06-2026

شغف الرياضة والقرار !

أصدرت وزارة الرياضة قرارًا عن محاسبة أي شخص يمارس نشاطًا إعلاميًا رياضيًا من إثارة الكراهية والعنصرية والتعصب الرياضي، حيث لم يعد التعصب الرياضي مجرد انفعال عابر بعد مباراة أو رد فعل لحظي على قرار تحكيمي، بل تحوّل في بعض الأحيان إلى خطاب يومي يأكل ويشرب معنا في المنصات الإعلامية، وللأسف هذا الخطاب يجد من يضخّمه ويمنحه شرعية تحت ستار «الإثارة» أو «رفع نسب المشاهدة»، لذلك، فإن قرار منع أي شخص يمارس نشاطًا إعلاميًا رياضيًا من إثارة الكراهية والعنصرية والتعصب الرياضي، لا يمكن النظر إليه باعتباره تقييدًا للرأي، بل خطوة ضرورية لحماية الرياضة من التشوه الذي أصاب رسالتها الأساسية.

الرياضة في جوهرها مساحة للتنافس الشريف، وبناء الجسور بين الناس، وتعزيز قيم الانتماء والعمل الجماعي والاحترام المتبادل. لكنها تفقد كثيرًا من جمالها عندما تتحوّل بعض المنابر الإعلامية إلى ساحات لتصفية الحسابات وتأجيج المشاعر وإعادة إنتاج الانقسام بين الجماهير. وحين يصدر خطاب التعصب من شخص يمتلك منبرًا إعلاميًا وتأثيرًا واسعًا، فإن أثره يتجاوز حدود رأيه الشخصي؛ لأنه يسهم في تشكيل الوعي العام وتوجيه المزاج الجماهيري، خصوصًا عند الفئات الجماهيرية الأصغر سنًا.

ولعل الشواهد القريبة تؤكد أن أخطر ما يواجه الوسط الرياضي ليس الخسارة داخل الملعب، بل الخسارة الأخلاقية خارجه، فكثير من حالات الاحتقان بين الجماهير بدأت من عبارة مستفزة، أو من توصيف يحمل ازدراءً، أو من اتهام غير مسؤول أطلقه إعلامي أو صانع محتوى، ثم تحوّلت إلى موجات من الإساءة والتنمر والكراهية عبر المنصات الرقمية. وفي المقابل، أثبتت التجارب أن الخطاب المهني المتزن قادر على امتصاص التوتر، وتهدئة المشهد، وتقديم نموذج راقٍ للاختلاف.

الإعلام الرياضي ليس مهمته صناعة الخصومات، بل تفسير الأحداث، وتقديم النقد المهني، وطرح الأسئلة المشروعة، ومحاسبة الأداء بمعايير عادلة. هناك فارق كبير بين النقد والتجريح، وبين التحليل والتحريض، وبين الدفاع عن نادٍ تحبه والتحوّل إلى خصم لكل من يخالفك الانتماء. حرية الرأي لا تعني منح الضوء الأخضر لخطاب يزرع الكراهية ويغذي التعصب والعنصرية، بل تزداد قيمتها حين تقترن بالمسؤولية.

ومن المهم أيضًا أن ندرك أن هذا القرار لا يستهدف قتل «الشغف» الرياضي وتاريخه الجماهيري العريق أو صناعة إعلام باهت بلا روح، بل يسعى إلى إعادة ضبط البوصلة المهنية، فالإثارة الحقيقية تأتي من جودة الطرح وعمق التحليل والسبق المهني، لا من رفع سقف الإساءة أو المتاجرة بمشاعر الجماهير.

لقد حقّقت الرياضة السعودية خلال السنوات الأخيرة قفزات نوعية وحضورًا عالميًا لافتًا، وأصبحت جزءًا من صورة المملكة الحديثة وطموحاتها الكبيرة. ومن الطبيعي أن يواكب هذا الحضور إعلام رياضي أكثر نضجًا ومسؤولية، يعكس قيم المجتمع، ويعزّز التنافس الشريف، ويحترم التنوع في الانتماءات الرياضية دون أن يحولها إلى معارك مفتوحة.

فالانتصار الحقيقي لا يتحقّق فقط بحصد البطولات، بل أيضًا بالقدرة على تقديم نموذج حضاري في الاختلاف، وإثبات أن الشغف بالرياضة يمكن أن يجتمع مع الاحترام، وأن المنافسة مهما اشتدت لا ينبغي أن تفقد قيمتها الأخلاقية.

ختامًا.. للرياضة تاريخها الشعبي والثقافي العريق، وجماهيرها المتنوعة التي نجحت عبر السنوات في صناعة حياة اجتماعية وثقافية خاصة بها، ومختلفة عن غيرها من المجالات. لذلك، يبقى من الضروري ضبط الممارسات غير الأخلاقية حتى لا تفقد الرياضة قيمتها الحضارية، ولا يطغى التعصب على ما تحمله من معانٍ جميلة في التنافس والشغف والانتماء.

00:02 | 12-06-2026

الدوام المرن والدائري الثالث!

هناك أشياء صغيرة، وقد تكون غير مرئية في تفاصيل يومنا، لا ننتبه إلى أثرها ولا نراها إلا حالما تتغيّر، من بينها ذلك الصباح الذي يبدأ على عجل، والوقت الذي يضيع بين الدائري الثالث والرابع وإشارات المرور المزدحمة بألوان السيارات الصارخة والهادئة، والالتزامات اليومية التي تجعل كثيرين يشعرون أنهم يركضون طوال اليوم بشغفٍ منطفئ، دون أن يجدوا مساحة كافية لأنفسهم أو لأسرهم.

ومع التحوّلات التي نشهدها اليوم في بيئات العمل، لم يعد النجاح مرتبطًا بعدد الساعات التي نقضيها خلف المكاتب، بقدر ما أصبح مرتبطًا بما نحققه من نتائج وأثر وجودة في الأداء والإبداع، وهنا تكمن أهمية الدوام المرن كأحد النماذج الحديثة التي تعكس فهمًا أكثر عمقًا لاحتياجات الإنسان ومتطلبات الحياة التي صارت أسرع من لمح البصر.

فالدوام المرن لا يعني تقليل ساعات العمل أو التهاون في الإنجاز كما قد يعتقد البعض، بل يعني منح الموظف مساحة أكبر لإدارة وقته بطريقة أكثر كفاءة، بما يحقق مصلحة العمل من جهة، ويعزز جودة حياته من جهة أخرى. وحين يشعر الإنسان أن يومه أكثر توازنًا، وأنه قادر على أداء مسؤولياته المهنية دون أن يكون ذلك على حساب أسرته أو صحته أو حياته الشخصية، فإن ذلك ينعكس مباشرة على مستوى رضاه وإنتاجيته واستقراره النفسي.

ولعل أكثر المستفيدين من هذا النموذج هي الأسرة، فوجود قدر من المرونة في أوقات العمل يمنح الآباء والأمهات فرصة أكبر للحضور في تفاصيل الحياة اليومية لأبنائهم، ومتابعة شؤونهم، والمشاركة في المناسبات الأسرية، بعيدًا عن الشعور الدائم بأن العمل يلتهم الوقت كله ويلتهم بيوتهم. وهذا الأمر أراه مكسبًا واستثمارًا مستقبليًا في الاستقرار الاجتماعي والترابط الأسري. كما يفتح الدوام المرن المجال أمام الأفراد للاهتمام بصحتهم، وممارسة الرياضة، وتطوير مهاراتهم، والاستفادة من أوقاتهم بصورة أفضل. وهي أمور قد تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تشكّل في مجموعها جوهر مفهوم جودة الحياة الذي تسعى إليه المجتمعات الحديثة.

ومن زاوية أخرى، فإن المؤسسات نفسها ستستفيد من الدوام المرن، فالموظف في هذا «الجو» حتمًا سيشعر بالثقة والمرونة من قبل مؤسسته، وسيكون أكثر التزامًا وانتماءً وإبداعًا، كما تصبح الجهات أكثر قدرة على استقطاب الكفاءات والمحافظة عليها، ولهذا سيصبح الدوام المرن ميزة وظيفية، كما سيصبح أحد المؤشرات على تطور بيئات العمل ونضجها.

كما أرى اليوم من المهم ألا تبقى هذه التجربة محصورة في مدينة الرياض أو في عدد محدود من الجهات، بل أن تمتد إلى مختلف مناطق المملكة ومدنها ومحافظاتها، وأن تشمل القطاعين الحكومي والخاص على حد سواء؛ ففوائد الدوام المرن لا ترتبط بمدينة دون أخرى، ولا بقطاع دون غيره، بل هي فرصة لتحسين جودة الحياة لملايين العاملين وأسرهم في مختلف أنحاء الوطن.

كما أرى أنه آن الأوان أن نعيد النظر في الطريقة التي نقيس بها نجاح العمل؛ فالسؤال الأهم لم يعد: كم ساعة أمضى الموظف في مكتبه؟ بل ماذا أنجز؟ وما القيمة التي أضافها؟ فالمستقبل اليوم قصته قصة أثر وإنجاز.

ختامًا.. هناك تغريدة لمعالي المستشار تركي آل الشيخ يقول فيها إن حكمته في الحياة أن يكون لاعبًا لا حكمًا؛ لأن الحكم يبحث عن الأخطاء، بينما اللاعب يسعى إلى تحقيق الأهداف. وهذه بالضبط هي قصة الدوام المرن: تحقيق الأهداف في الإنجاز من جهة، ودعم جودة الحياة للموظفين من جهة أخرى، بعيدًا عن زحمة الدائري الثالث!

00:00 | 5-06-2026