أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1112.jpg&w=220&q=100&f=webp

منى العتيبي

جودة الموظف الشعورية

في المؤسسات كلها، عادةً ما إن تنتهي من مهمة أو خدمة تُقدَّم للمستفيد، إلا ويصلنا رابط لقياس مدى الرضا عن الخدمة. أصبحت هذه الروابط جزءاً مألوفاً من يومنا العملي، نفتحها أحياناً بدافع المسؤولية، وأحياناً بدافع العادة، ونُجيب عن أسئلة تتكرر بصيغ مختلفة: كيف كانت سرعة الإنجاز؟ هل كان الموظف متعاوناً؟ هل كانت الإجراءات واضحة؟

وأنا أتأمل هذه الأسئلة، يلفتني دائماً أنها تدور حول ما هو ظاهر وقابل للقياس، وكأن التجربة تُختصر في أرقام تُجمع ونِسب تُعرض في تقارير أنيقة ومنظمة، لكن في المقابل، هناك جانب كامل من التجربة لا يظهر في أي نموذج، ولا يجد له خانة للاختيار.

ذلك الجانب يتعلق بالإنسان نفسه.. بالموظف الذي قدّم الخدمة، هل كان مرتاحاً وهو يؤدي عمله؟ هل شعر بالتقدير أم أنه كان يُنجز مهمته كواجب ثقيل؟ هل كان حاضراً بشغفه، أم فقط يؤدي ما عليه وينتظر نهاية اليوم؟

هذه الأسئلة، رغم بساطتها، إلا أنها تمس جوهر ما يمكن أن نسميه «جودة الحياة الوظيفية». هذا المفهوم الذي لا يُقاس بسهولة، ولا يظهر مباشرة في مؤشرات الأداء، لكنه حاضر في كل تفصيلة صغيرة داخل بيئة العمل؛ لأن ما يقدمه الموظف لا ينفصل عن شعوره، بل هو انعكاس مباشر له، حتى وإن حاول إخفاءه.

من هنا، أجد أن الاكتفاء بقياس رضا المستفيد وحده لا يكفي لرسم صورة حقيقية عن جودة الخدمة. فقبل أن نسأل المستفيد عن تجربته، ربما يجدر بنا أن نسأل من قدّم هذه التجربة: كيف كان شعورك وأنت تقوم بها؟

الفكرة ليست في استبدال الاستبيانات، بل في توسيع زاوية النظر. أن نضيف بعداً إنسانياً بسيطاً، يُمكّننا من فهم ما يحدث خلف الكواليس، قد يكون ذلك عبر أدوات سريعة وخفيفة، أو حتى عبر ثقافة تشجع الموظف على التعبير دون تردد، والهدف من وجهة نظري ليس التعقيد، بل الالتفات. لأن بيئة العمل التي تُنصت لمشاعر أفرادها، لن تنتظر تراجع الأداء لتتحرك، بل ستفهم الإشارات مبكراً. وحينها، تتحوّل جودة الحياة الوظيفية من شعار يُتداول، إلى ممارسة يومية تُعاش.

ببساطة، أرى أنه قد تبدو الخدمة للمستفيد هي المحطة الأخيرة، لكنها في الحقيقة تبدأ من الداخل.. من شعور الموظف نفسه. فإذا كان هذا الشعور متوازناً ومطمئناً، انعكس ذلك تلقائياً على كل ما يقدمه. أما إذا كان مثقلاً، فحتى أفضل الأنظمة لن تُخفي أثره بالكامل.

ختاماً.. ربما آن الأوان أن نسأل سؤالاً مختلفاً قليلاً.. ليس فقط: «هل أنت راضٍ عن الخدمة؟»، بل أيضاً: «كيف كان حال من قدّمها لك؟».

00:00 | 24-04-2026

سوق العمل والهوية..

أثار قرار إيقاف عدد من برامج وتخصصات العلوم الإنسانية في جامعة الملك سعود نقاشًا واسعًا، انقسم فيه الرأي العام بين مؤيد يرى في الخطوة استجابةً ضرورية لمتطلبات سوق العمل، ومعارض يخشى على مصير الهوية الثقافية والمعرفية. وبعيدًا عن الجدل، سأقرأ المشهد تجرّدًا من عاطفتي ومن زاوية أكثر هدوءًا وواقعية، تُوازن بين التحوّل التنموي والحاجة الإنسانية للمعرفة.

أولًا، لا يمكن إنكار أن الجامعة اليوم لم تعد مجرد مؤسسة لنقل المعرفة، بل أصبحت الجامعة اليوم شريكًا أساسيًا في صناعة سوق العمل. فالتحوّلات الاقتصادية التي نعيشها اليوم ومستقبلًا، والرهان على الاقتصاد المعرفي، يفرضان على الجامعات إعادة هيكلة برامجها بما يتواءم مع احتياجات المستقبل، المستقبل الحضاري والمستقبل النهضوي، من هذا المنطلق، قد يُفهم القرار كجزء من محاولة مواءمة المخرجات التعليمية مع متطلبات التنمية، خاصة في ظل رؤية تستهدف الكفاءة والتنافسية.

لكن في المقابل، يبرز سؤال الهوية: هل تراجع دور التخصصات الإنسانية واللسانية يعني تراجعًا في الوعي الثقافي؟ الواقع يشير إلى أن مصادر المعرفة لم تعد حكرًا على الجامعة؛ فالطالب اليوم يستطيع الوصول إلى محتوى معرفي ثري عبر منصات متعددة، ووجود مؤسسات متخصصة مثل مجمع الملك سلمان للغة العربية ومعهد الملكي للأنثروبولوجيا يعزز من حضور هذه العلوم خارج الإطار الأكاديمي التقليدي، ويمنحها مساحات جديدة للتأثير.

من رأيي أن التحدي الحقيقي لا يكمن في القرار ذاته، بل في تبعاته على الطلبة؛ فهناك شريحة من الطلاب، خصوصًا في السنوات الأولى، يجدون أنفسهم اليوم في حالة من الضبابية أو «التيه» الأكاديمي. هؤلاء لم يخططوا لمسارات بديلة، وقد يشعرون بأن خياراتهم تقلصت فجأة! وهنا تظهر مسؤولية الجامعة ليس فقط في اتخاذ القرار، بل في إدارة أثره.

من المهم أن تُصمّم برامج انتقالية مرنة تستهدف هؤلاء الطلبة، تُعيد توجيههم نحو تخصصات قريبة أو مجالات جديدة، مع التركيز على تنمية مهاراتهم القابلة للنقل مثل التفكير النقدي، والبحث، والتحليل، والاتصال. وأيضًا يمكن تقديم مسارات مزدوجة أو دبلومات تكميلية تدمج بين الخلفية الإنسانية والمهارات التطبيقية، بحيث لا يشعر الطالب أنه فقد هويته المعرفية، بل أعاد تشكيلها بما يتناسب مع المرحلة.

ختامًا.. لا يجب أن يُنظر إلى القرار كإلغاء للعلوم الإنسانية، بل كتحوّل في طريقة تقديمها وموقعها والتحدي ليس في بقاء التخصص أو زواله، بل في قدرتنا على إعادة تعريف دوره في عالم يتغيّر ويركض زمنيًا بسرعة وبين ضرورات السوق وعمق الهوية، والرهان اليوم والمعادلة الأصعب: كيف نصنع إنسانًا منتجًا للمستقبل دون أن نفقده جذوره؟

00:01 | 17-04-2026

سيدة المدن الذكيّة

قرأت خبرًا عن تحقيق مدينة مكة المكرمة المركز الثالث محليًا والـ50 عالميًا ضمن مؤشر المدن الذكية (IMD Smart City Index) لعام 2026، كنتيجة تعكس تطور الخدمات الرقمية وتعزيز جودة الحياة للسكان والزوّار على حدٍ سواء.

هذا الحصاد لا يمكن فصله عن مسارٍ متكامل من العمل، استهدف تطوير البنية الرقمية، وتعزيز كفاءة الخدمات، وبناء تجربة أكثر سلاسة لكل من يعيش في مكة أو يقصدها. فالتحوّل لم يعد مرتبطًا بمشاريع منفصلة، بل أصبح نهجًا متصلاً يُعيد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية، من سهولة الوصول للخدمات إلى سرعة إنجازها، بالإضافة إلى أن هذا الإنجاز يؤكد قدرة مكة على إدارة (التنوع الإنساني) من قاصدي بيت الله الحرام بكفاءة عالية، وهذا أحد أكثر التحديات تعقيدًا في أي نموذج حضري.

ولو قرأنا المشهد وأثر تحقيق المركز الثالث محليًا، فهذا الحصاد يتجاوز كونه ترتيبًا تنافسيًا، ليُسهم في ترسيخ موقع مكة كمدينة قادرة على الموازنة بين خصوصيتها الدينية وثقلها العالمي، وبين متطلبات التطور الحضري الحديث، كما أن هذا الإنجاز/ الحصاد يعزز من ثقة المستفيدين، ويدعم جاذبية المدينة للاستثمارات والمبادرات النوعية، ويفتح المجال لمزيد من الابتكار في تقديم الخدمات، كما ذكرت في مقالة سابقة عن قيمة الاستثمار في مدينة مكة المكرمة، خاصة وأن مكة مدينة تتعامل مع أعداد هائلة من الزوّار سنويًا، يصبح لهذا التقدم بُعدٌ إستراتيجي، حيث ينعكس على تحسين إدارة الحشود، ورفع كفاءة التشغيل، وتقديم تجربة أكثر راحة وانسيابية، دون الإخلال بهوية المكان وروحه وما تحقّق اليوم هو نتيجة، لكنه في الوقت ذاته نقطة انطلاق.

ختامًا..

مكة لا تتوقف عند الأرقام، بل تبني عليها... لتواصل تطوير نموذجٍ حضري يُعلي من جودة الحياة، ويجعل من التقنية وسيلة لخدمة الإنسان، لا غاية بحد ذاتها.

00:03 | 10-04-2026

شخصياتنا الرقميّة!

أفكّر كثيرًا في تلك النسخة التي نتركها خلفنا على منصّات التواصل الاجتماعي. هل تشبهنا فعلًا؟ أم أنها صدقًا نحن، ولكن بعد أن مرّرنا أنفسنا عبر فلترٍ خفي لا نراه؟

في الواقع، لسنا عشوائيين كما نعتقد. نحن دقيقون إلى حدّ لافت؛ نختار الصورة، نعيدها، نحذفها، نعدّل الإضاءة، ونراقب تفاصيلنا كما لو كنّا مشروعًا قيد التشكيل، لا إنسانًا يعيش لحظته. نحن لا نقدّم أنفسنا كما نحن، بل نقدّم نسخة «مفهومة»، قابلة للعرض، لا بالضرورة نسخة حقيقية كاملة.

شخصيّاتنا الرقمية ليست كذبًا صريحًا، لكنها أيضًا ليست الحقيقة كاملة. هي أقرب إلى نسخة مصقولة من الداخل؛ نسخة تعرف كيف تُرى، لا كيف تُعاش. وفي هذا الفارق البسيط، تختبئ مسافة واسعة بين ما نكونه فعلًا، وما نظهره.

نحن، في هذه المنصّات، لا ننشر يوميّاتنا كما هي، بل ننتقي اللحظة التي بدت وكأنها تستحق أن تُخلَّد. لا نعرض مشاعرنا كما نشعر بها، بل نعرض المشاعر التي نعرف أنها ستُفهم وتُستقبل. ومع الوقت، يصبح هذا الانتقاء أسلوب حياة، لا مجرّد سلوك رقمي عابر.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل نحن من نصنع هذه الشخصية الرقمية، أم أنها — بهدوء — تعيد تشكيلنا؟ مع مرور الوقت، تتلاشى الحدود. نلبس ما يشبه «نسختنا الرقمية»، نتصرف بما يليق بها، ونختار الأماكن التي تعكسها. نبحث عن الاتساق معها، حتى لو جاء ذلك على حساب عفويتنا.

من وجهة نظري، الأمر ليس خطأ بحدّ ذاته، لكنه أيضًا ليس بريئًا تمامًا. في العالم الرقمي، القبول سريع، والإعجاب واضح، والتقدير قابل للقياس. وهذا ما يجعلنا ننجذب إليه؛ ليس لأننا نبحث عن الآخرين بقدر ما نبحث عن انعكاس لأنفسنا في عيونهم. وهنا تحديدًا، تبدأ العلاقة المعقّدة بين الذات وصورتها.

قد تكون الشخصية الرقمية جميلة، متماسكة، بل وحتى ملهمة. لكنها، في نهاية الأمر، تظل واجهة. والواجهة — مهما كانت صادقة — ليست كل البيت. المشكلة لا تكمن في وجودها، بل في أن ننسى ما وراءها.

ربما لا نحتاج أن نكون حقيقيين بالكامل على المنصّات، لكننا نحتاج على الأقل ألا نفقد صلتنا بأنفسنا خارجها، وألا نُرهق ذواتنا بمحاولة التماهي مع صورة صنعناها بعناية. لأن أخطر ما قد يحدث، ليس أن نخدع الآخرين، بل أن ننجح في إبهارهم... ثم نعجز عن التعرّف على أنفسنا دون شاشة، دون عدسة، ودون منصّة.

ختامًا...

تظل اللحظات المرتبكة، والمشاعر غير المفهومة، والتفاصيل التي لا تبدو جميلة بما يكفي للنشر... هي ما يصنع حقيقتنا. هي ما يذكّرنا أننا بشر، لا صورًا مُنتقاة بعناية!

00:08 | 3-04-2026

رسالة المطر..

أكتب مقالتي هذه وأنا أشاهد الفيلم الذي اختاره مزاجي، وأشرب قهوتي السعودية التي تسبق رائحتها شعوري بالطمأنينة وبهجة العيد، وأسمع صوت طرب المطر على نافذتي؛ هناك أعياد تُشبه الحالة، تُشبه شعورًا أكبر من المناسبة نفسها. وهذا العيد تحديدًا جاء وكأنه يحمل معه أكثر من معنى.. عيدٌ يتقاطع فيه الفرح مع الطمأنينة، والمطر مع الدعاء، والانتصارات مع اليقين.

في صباحاته الأولى وحتى اليوم، لم يكن المطر في وطني مجرد غيمة عابرة.. كان رسالة، وكأن السماء تُشاركنا الاحتفال بطريقتها الخاصة، تُبارك الأرض، وتزيد على طمأنينة القلوب طمأنينة أخرى. قطراته لم تكن عادية، كانت تُشبه دعاءً مستجابًا، أو ربما وعدًا بأن القادم أجمل وأجمل، مهما ازدحمت الأيام بما فيها.

وفي البيوت، لم يكن العيد ضيفًا عابرًا.. بل كان مقيمًا في التفاصيل؛ في الضحكات، في رائحة القهوة، في الأبواب التي تُفتح بمحبة دون مواعيد. شعور الأمان كان أوضح من أي وقت، وكأن الفرح هذه المرة ليس مجرد مناسبة، بل امتداد لحالة استقرار نعيشها ونشعر بها دون أن نُفكر كثيرًا في تفسيرها؛ لأننا في وطنٍ آمنين مطمئنين.

أما خارج حدود المشهد القريب.. فهناك صورة أكبر. انتصارات لم تأتِ صدفة، ولم تُبنَ في يوم وليلة. ما نراه اليوم هو نتيجة سنوات من العمل الهادئ، ومن القرارات التي لم تكن تُفهم وقتها، لكنها اليوم تُثبت أنها كانت تُكتب بعقلٍ يعرف أين يتجه.

الخليج اليوم لم يعد مجرد منطقة تُتابع ما يحدث.. بل أصبح لاعبًا يُعيد تشكيل المعادلة؛ حضورٌ يُحسب له حساب، وثقةٌ تتراكم، ورسائل واضحة بأن القوة ليست فقط في الرد، بل في القدرة على رسم المشهد من البداية. وهنا يصبح العيد مختلفًا.. لأنه لا يأتي وحده؛ بل يأتي ومعه شعور بالفخر، وامتنان لما نعيشه، وإدراك بأن ما حولنا يتغيّر.. لكننا ثابتون في مكانٍ يُشبهنا.

ختامًا.. عيدٌ فيه مطر.. كأن السماء تقول: «اطمئنوا» وعيدٌ فيه قوة سعودية وخليجية.. كأن الواقع يردّ: «نحن بخير».

00:10 | 27-03-2026

السعودية تسبقهم دائمًا

حالما قرأت وصف موقع «كرونيكو نيوز» لخط الأنابيب الممتد من الخليج إلى البحر الأحمر بأنه «أذكى مشروع جيوسياسي في التاريخ الحديث»، لم أتوقف عند العبارة كجملة لافتة إنما شعرت أنها تختصر فكرة أعمق بكثير، فكرة كيف يمكن لدولة أن تُخفّف وطأة الجغرافيا دون أن تغادرها؟

في الواقع خط «East-West Pipeline» لا يبدو لي مجرد مسار لنقل الخام، بل دهاء سياسي وإستراتيجي في أن لا يبقى المورد رهينة طريق واحد، ولا أسيرًا لممرات تتكدّس فيها احتمالات التوتر قبل أن تعبرها السفن، لذلك حضرت الفكرة السعودية المتفردة كالعادة بدهائها السياسي والاقتصادي على أن يكون هناك طريق آخر... أقل صخبًا، وأكثر استقلالًا، وهنا تحديدًا تكمن الفكرة التي تستوقفني في الخبر: «أن تملك البديل... قبل أن تضطر إليه».

السعودية لم تنتظر لحظة الاختبار، بل بدت وكأنها تعيد ترتيب المشهد من البداية؛ تفكر بطريقة تجعل الأزمات أقل قدرة على فرض شروطها. وهذا، بحد ذاته، انتقال لافت من منطق الاستجابة وردات الفعل إلى منطق الاستباق.

لو تأملنا هذا المشروع الجبار، في ظاهره نجد أن خطًا ينقل النفط وهذه وظيفته ولكن في عمقه يمنح شيئًا آخر: مساحة أوسع لاتخاذ القرار، دون ضغط الطريق الواحد، مرونة أعلى في الوصول، حيث يصبح البحر الأحمر نافذة أقرب لأسواق مختلفة، بزمن وتكلفة يعاد تشكيلهما، وقوة هادئة... يكفي حضورها أحيانًا لتمنع التعطيل قبل أن يبدأ.

لكن ما يشدني أكثر من كل ذلك، ليس النتائج المباشرة، بل الفكرة التي تقف خلفها الدول التي تفكر بعيدًا، لا تسأل كيف تسير الأمور حين تكون مستقرة، بل كيف تبقى قادرة على الاستمرار عندما لا تكون كذلك. وهنا يظهر الفرق... بين مشروع يُبنى، ورؤية تُهيئ نفسها لما هو أبعد من اللحظة. هذا الخط يبدو كخطة تعمل بصمت، لا تحتاج أن تُعرض كثيرًا لتُفهم أهميتها. يكفي أنها موجودة... لتغيّر طريقة الحساب.

ولو قرأته بشكل آخر، ربما أقول المشروع أبعد من مهارة فن إدارة الأزمات: هو انتقال هادئ من الاعتماد إلى شيء يشبه الاستقلال، ومن جغرافيا تُفرض، إلى جغرافيا يُعاد تشكيلها، من الخليج إلى البحر الأحمر، لا يتحرك النفط وحده... بل يتحرك معه معنى أوسع للقوة وقد لا تُرى هذه الأنابيب الممتدة في العمق، لكن أثرها بطريقة ما، يُعاد رسمه على السطح... في خرائط النفوذ.

ختامًا.. المملكة العربية السعودية تفوز بأذكى سياسية ودبلوماسية وقراءة للمشاهد العالمية وتنتصر دائمًا للمستقبل بكل حنكة وحكمة.

00:04 | 20-03-2026

الحرب تسرقك من نفسك!

يقول إرنست هيمنغواي «الحرب تسرقك من نفسك دائماً»، جملة تختصر كيف يمكن للحرب أن تغيّر الإنسان؛ أن تسرق طمأنينته، وتربك يومه، وتحوّل تفاصيل حياته الصغيرة إلى قلق دائم، لكن ثمة شعوبًا تعيش الحرب من حولها دون أن تسمح لها بأن تعيش داخلها أو تسرقهم من أنفسهم؛ لأنها تمتلك مناعة ودرعًا وطنيًا قويًا صنعته دولتهم وتجسّد بوعي المواطنين.

في منطقتنا هذه الأيام، قد يبدو المشهد للوهلة الأولى ملبدًا بالاحتمالات، ومع ذلك، يظل المواطن السعودي يعيش يومه الطبيعي بهدوء لافت؛ يصوم شهر رمضان، يذهب إلى عمله، يخطط لمستقبله، يشارك في بناء مجتمعه، وكأن الحرب التي تضج بها التحليلات والاحتمالات، ليست جزءًا من يومه، وليس ذلك غفلةً عمّا يجري، بل هو انعكاس لثقة عميقة في دولة تعرف كيف تدير التوازنات، وتحمي أمنها، وتقرأ المشهد الإقليمي بعين إستراتيجية لا بانفعال اللحظة وردات الفعل!

إن قوة المواطن السعودي في زمن الأزمات لا تتجلى في الضجيج، بل في الهدوء. في تلك الطمأنينة التي لا تأتي من فراغ، بل من تاريخ طويل من بناء مؤسسات الدولة وتعزيز قدراتها السياسية والعسكرية والأمنية، فمن يعيش في وطنٍ رسّخ مفهوم الاستقرار بوصفه مشروعًا مستمرًا، يدرك أن الأمن ليس حدثًا عابرًا، بل نتيجة عمل تراكمي طويل.

ولهذا، حين تمرّ العواصف في محيطنا، لا تتحوّل حياة الناس في وطننا إلى مساحة خوف أو ارتباك؛ فالوعي الجمعي لدى المجتمع السعودي تشكّل عبر عقود من الثقة بالدولة، واليقين بأن إدارة الأزمات تُترك لأصحاب القرار والخبرة، بينما يواصل المجتمع حياته الطبيعية وإسهامه في التنمية والبناء. وهذه الثقة ليست شعورًا عاطفيًا فحسب، بل ثقافة وطنية متجذرة.

الحقيقة أن الحرب، كما وصفها هيمنغواي، قد تسلب الإنسان هدوءه في كثير من الأماكن حول العالم، لكنها في المملكة العربية السعودية لا تستطيع أن تسلب المواطن إحساسه بالأمان. فثمة منظومة متكاملة من الحكمة السياسية، والكفاءة المؤسسية، والوعي المجتمعي، تجعل الاستقرار ليس مجرد حالة طارئة، بل أسلوب حياة.

ختامًا.. أن تعيش حياتك طبيعيًا بينما تضطرب الجغرافيا من حولك، وأن تشعر بالأمان لأنك تنتمي إلى وطنٍ يعرف كيف يحمي نفسه، وكيف يحمي طمأنينة مواطنيه، هو المعنى الذي لن يفهمه إلا مَن يعيش في المملكة العربية السعودية.

00:24 | 13-03-2026

قراءة حول البيان المشترك..

أحرص دائمًا على قراءة أي بيان سعودي دبلوماسي مع كل أزمة أو حدث أو موقف طارئ؛ لأنني، صدقًا، أطرب لبلاغة الصياغة ودقة اختيار الألفاظ ودلالاتها. وفي كل بيان سعودي أجد الحنكة والحكمة والبراعة في النسج، وهذا ما وجدته أيضًا في البيان المشترك بشأن هجمات إيران الصاروخية والطائرات المسيّرة في المنطقة، الصادر مؤخرًا على خلفية الأحداث الأخيرة.


وفي الواقع، فإن البيانات المشتركة لا تأتي بوصفها نصوصًا دبلوماسية عابرة؛ بل تتحول في لحظات التوتر والأزمات إلى مرايا تعكس طريقة تفكير الدول، وعمقها السياسي، وحدود انفعالها، وتكشف كيف تختار أن تضع أقدامها بثبات في لحظة إقليمية حساسة، وربما حازمة.


لذلك كله، فإن البيان الصادر عن المملكة العربية السعودية، ومملكة البحرين، والمملكة الأردنية الهاشمية، ودولة الكويت، ودولة قطر، ودولة الإمارات العربية المتحدة، بشأن الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية، لم يكن بيان إدانة تقليديًا؛ بل كان نصًا محسوب الصياغة في كلياته، ومدروس المفردة في جزئياته، واضح الرسالة، منضبط الإيقاع.


منذ السطر الأول، اختار البيان توصيفًا أخلاقيًا وقانونيًا للفعل حين انتقى كلمات: «عشوائية»، «متهورة»، «غير مبررة»، «تصعيد خطير». هذا التدرّج ليس لغويًا فحسب؛ بل هو بناء مقصود لنزع الشرعية السياسية والقانونية عن الهجوم، وتحويله من حدث عسكري إلى سلوك يهدد منظومة الاستقرار الإقليمي بأكملها.


اللافت أيضًا أن البيان لم يكتفِ بإدانة الهجوم؛ بل أعاد تمركز القضية حول مفهوم «السيادة». فتكرار عبارة «الأراضي ذات السيادة» أكثر من مرة يعكس رغبة واضحة في تأطير الحدث ضمن قواعد القانون الدولي، لا ضمن منطق الاشتباك والنزاع السياسي. وكأن الرسالة تقول: المسألة ليست مواجهة عسكرية عابرة، وإنما اختبار لقاعدة أساسية في النظام الدولي.


وفي متن البيان برزت عبارة: «نؤكد مجددًا حقنا في الدفاع عن النفس» بوصفها أكثر الجمل كثافة في معناها. فهي صياغة هادئة، رزينة، لكنها حاسمة؛ تستند ضمنيًا إلى الشرعية الدولية، دون أن تنزلق إلى خطاب تهديد مباشر. وهذه اللغة الحازمة لا تُحسنها إلا الدول التي تتحدث بمنطق القانون، لا بمنطق الانفعال وردّ الفعل.


كما أشار البيان في عبارته «التعاون الفعال في مجال الدفاع الجوي والصاروخي» إلى رسالة مزدوجة: طمأنة للداخل بأن منظومات الحماية نجحت، وتنبيه للخارج بأن شبكة الردع قائمة ومتماسكة في آن واحد. وهذه الصياغة البارعة في إيجازها قادت إلى المعنى السياسي بحزم وقوة وثبات، دون إطناب مخل.


والأهم من كل ذلك أن البيان لم يُختتم بلغة انتقام، بل بلغة التزام: «نؤكد التزامنا بالأمن الإقليمي». ففي خضم التصعيد، وبين كل هذه الفوضى، اختارت الدول الواثقة من موقفها السياسي وتاريخها، أن تُعرّف نفسها بوصفها حارسة للاستقرار، لا طرفًا في فوضى مفتوحة أو مصير مجهول.


ختامًا... هكذا تُصاغ البيانات حين تريد الدول أن تُظهر القوة دون استعراض، والحزم دون تهور، والردع دون ضجيج. إنه خطاب دولة، لا خطاب لحظة.

01:06 | 6-03-2026

قرار الدمج والأثر !

مؤمنةٌ بأنّه في مجال التخطيط والإدارة والقيادة لا يوجد قرار صحيح بالمطلق ولا قرار خاطئ بالمطلق؛ إنما القصة أراها في كيفية تفعيل القرار لصالح الهدف، واستخدامه بوصفه أداةً لصناعة الأثر، لا مجرد إجراء يُضاف إلى سجل التنظيم؛ فالقيمة الحقيقية لأي قرار لا تكمن في لحظة صدوره، بل في كفاءتنا في توجيهه، وتحويله إلى مسار عملي يختصر الجهد، ويُعظِّم النفع، ويخدم الوطن على المدى البعيد وبشكل مستدام.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة قرار مجلس الوزراء بدمج المركز الوطني للتنافسية والمركز السعودي للأعمال الاقتصادية تحت مظلة المركز السعودي للتنافسية والأعمال بوصفه نموذجًا للقرارات الإستراتيجية التي تتجاوز بعدها التنظيمي إلى بعدها التنموي، فهو قرار يعكس فهمًا عميقًا بأن تكامل الجهود هو الطريق الأقصر نحو الكفاءة، وأن توحيد المرجعيات يسهم في تسريع الإنجاز، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز القدرة على الاستجابة لمتطلبات المرحلة.

أرى أن من أبرز الآثار المباشرة لهذا الدمج هو التخفيف من الإجراءات المتشعبة، وهو ما يمثل أحد أهم ممكّنات التطوير المؤسسي؛ فكلما توحدت القنوات، واختُصرت المسارات، أصبحت رحلة المستفيد أكثر وضوحًا، وتراجعت الازدواجية، وارتفعت كفاءة الأداء، وهذا لا يسهم فقط في تسهيل بدء الأعمال ومزاولتها، بل يعزز الثقة في البيئة التنظيمية، ويدعم توجه الدولة نحو بناء منظومة حكومية أكثر مرونة وتكاملًا.

كما أن توحيد الجهود في كيان واحد يتيح رؤية أشمل للتحديات التي تواجه قطاع الأعمال، ويعزز القدرة على معالجتها من خلال منهجية قائمة على التكامل بين الجهات، بدلًا من تشتت المعالجة بين مسارات متعددة. وهنا تتجلى قيمة القرار بوصفه أداةً لتوحيد المعرفة، وتركيز الخبرات، وتوجيه الإمكانات نحو تحقيق أثر أكبر، بكفاءة أعلى، وفي وقت أقصر.

وعلى المستوى الوطني، أعتقد بأنه جاء الوقت مع مشوار التطوّر الذي نعيشه مثل يوم، بل كل ثانية؛ جاء لتعزيز تنافسية المملكة ببناء منظومات فعّالة، قادرة على تقديم خدمات عالية الجودة، وتوفير بيئة جاذبة للاستثمار، ودعم نمو القطاع الخاص. وهذا الدمج أراه يمثّل خطوة جوهرية في هذا الاتجاه؛ لأنه يسهم في تحسين ترتيب المملكة في المؤشرات الدولية، ويعزز مكانتها الاقتصادية، ويدعم قدرتها على المنافسة عالميًا.

وعلى المدى البعيد، سينعكس هذا التكامل على المواطن والاقتصاد السعودي معًا وبشكل عام؛ لأن كل إجراء يُختصر، وكل خدمة تتحسن، وكل بيئة أعمال تتطوّر، تسهم في خلق فرص جديدة، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، وتحسين جودة الحياة وهنا يتحقق الهدف الأعمق؛ لأن القرارات الإستراتيجية لا تُقاس بنصوصها، بل بأثرها، ولا تُخلَّد بصيغها، بل بما تصنعه من تحولات.

ختامًا.. إن دمج التنافسية والأعمال ليس مجرد قرار فقط، بل هو استثمار في كفاءة الوطن، وفي قدرته على بناء منظومة اقتصادية أكثر تكاملًا، وأكثر مرونة، وأكثر استعدادًا للمستقبل. والأهم من ذلك، أنه يؤكد أن حسن تفعيل القرار هو ما يحوله من إجراء تنظيمي إلى قصة نجاح وطنية.

00:25 | 27-02-2026

صناعة الوعي... مسؤولية تُبنى وشراكة تُثمر

قبل أيام التقيت بمعالي الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للغذاء والدواء الأستاذ الدكتور هشام بن سعد الجضعي، في حوارٍ اتّسم بالشفافية وعمق الطرح، واستعرض فيه معاليه آليات ومعايير عمل الهيئة، ومنهجيتها الصارمة في الرقابة على الغذاء والدواء، ودورها الحيوي في تعزيز سلامة المنتجات وصون صحة المجتمع.

في الواقع، أرى دائمًا أن ما ينقص كل مشروع وكل مؤسسة وكل منظومة هو صناعة فلسفة أعمق تتجاوز مفهوم الرقابة والأنظمة؛ لتؤسّس لشراكة واعية بين المؤسسة والمجتمع، قوامها صناعة مواطن ومقيم مسؤول اجتماعيًا، يدرك أن سلامته الصحية وحقوقه وواجباته لا تقوم على الأنظمة وحدها، بل على وعيه وسلوكه واختياراته اليومية.

لذلك كانت مشاركتي في هذا اللقاء منصبة على محور التوعية والمسؤولية المجتمعية، بوصفهما حجر الأساس في بناء مجتمعٍ صحي وآمن. فالجهات التنظيمية، مهما بلغت دقتها وكفاءتها، تظل بحاجة إلى مجتمعٍ واعٍ يُحسن التفاعل مع الرسائل التوعوية، ويستوعب أهمية الاستخدام الآمن للدواء، ويتعامل مع الغذاء بوصفه عنصرًا أساسيًا في جودة الحياة، لا مجرد استهلاكٍ يومي عابر.

إن صناعة المواطن والمقيم المسؤول اجتماعيًا تبدأ من بناء الوعي، والوعي لا يُفرض، بل يُبنى بالتراكم، ويترسّخ بالتثقيف، ويُثمر بالممارسة وذلك حين يدرك الفرد خطورة تداول الشائعات الصحية، وأهمية الالتزام بالإرشادات الدوائية، وضرورة التحقق من مصادر الغذاء وسلامته، فإنه لا يحمي نفسه فحسب، بل يسهم في حماية المجتمع بأكمله.

وفي هذا السياق، يتجلى الدور التكاملي لهيئة الغذاء والدواء، ليس فقط كجهة رقابية، بل كجهة توعوية تؤمن بأن الوقاية تبدأ من المعرفة، وأن المسؤولية المجتمعية شراكة ممتدة بين المؤسسة والفرد، فكل رسالة توعوية تصل، وكل معلومة صحيحة تُنشر، وكل سلوك واعٍ يُمارس، هو لبنة في بناء مجتمعٍ أكثر أمانًا وصحة واستدامة.

أرى بأننا اليوم أمام مرحلةٍ تتطلب إعادة تعريف المسؤولية المجتمعية، بحيث لا تقتصر على المبادرات الموسمية، بل تصبح ثقافة يومية وسلوكًا أصيلًا، فالمجتمع الواعي هو خط الدفاع الأول، وهو الشريك الحقيقي في تحقيق مستهدفات جودة الحياة، وهو الأساس الذي تُبنى عليه التنمية المستدامة.

ختامًا .. الاستثمار في وعي المواطن والمقيم ليس خيارًا تكميليًا، بل ضرورة وطنية، لأن الإنسان الواعي هو القادر على حماية نفسه، والإسهام في حماية مجتمعه، وصناعة مستقبلٍ أكثر أمنًا وصحة وازدهارًا.

00:24 | 20-02-2026