أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1112.jpg&w=220&q=100&f=webp

منى العتيبي

صناعة الوعي... مسؤولية تُبنى وشراكة تُثمر

قبل أيام التقيت بمعالي الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للغذاء والدواء الأستاذ الدكتور هشام بن سعد الجضعي، في حوارٍ اتّسم بالشفافية وعمق الطرح، واستعرض فيه معاليه آليات ومعايير عمل الهيئة، ومنهجيتها الصارمة في الرقابة على الغذاء والدواء، ودورها الحيوي في تعزيز سلامة المنتجات وصون صحة المجتمع.

في الواقع، أرى دائمًا أن ما ينقص كل مشروع وكل مؤسسة وكل منظومة هو صناعة فلسفة أعمق تتجاوز مفهوم الرقابة والأنظمة؛ لتؤسّس لشراكة واعية بين المؤسسة والمجتمع، قوامها صناعة مواطن ومقيم مسؤول اجتماعيًا، يدرك أن سلامته الصحية وحقوقه وواجباته لا تقوم على الأنظمة وحدها، بل على وعيه وسلوكه واختياراته اليومية.

لذلك كانت مشاركتي في هذا اللقاء منصبة على محور التوعية والمسؤولية المجتمعية، بوصفهما حجر الأساس في بناء مجتمعٍ صحي وآمن. فالجهات التنظيمية، مهما بلغت دقتها وكفاءتها، تظل بحاجة إلى مجتمعٍ واعٍ يُحسن التفاعل مع الرسائل التوعوية، ويستوعب أهمية الاستخدام الآمن للدواء، ويتعامل مع الغذاء بوصفه عنصرًا أساسيًا في جودة الحياة، لا مجرد استهلاكٍ يومي عابر.

إن صناعة المواطن والمقيم المسؤول اجتماعيًا تبدأ من بناء الوعي، والوعي لا يُفرض، بل يُبنى بالتراكم، ويترسّخ بالتثقيف، ويُثمر بالممارسة وذلك حين يدرك الفرد خطورة تداول الشائعات الصحية، وأهمية الالتزام بالإرشادات الدوائية، وضرورة التحقق من مصادر الغذاء وسلامته، فإنه لا يحمي نفسه فحسب، بل يسهم في حماية المجتمع بأكمله.

وفي هذا السياق، يتجلى الدور التكاملي لهيئة الغذاء والدواء، ليس فقط كجهة رقابية، بل كجهة توعوية تؤمن بأن الوقاية تبدأ من المعرفة، وأن المسؤولية المجتمعية شراكة ممتدة بين المؤسسة والفرد، فكل رسالة توعوية تصل، وكل معلومة صحيحة تُنشر، وكل سلوك واعٍ يُمارس، هو لبنة في بناء مجتمعٍ أكثر أمانًا وصحة واستدامة.

أرى بأننا اليوم أمام مرحلةٍ تتطلب إعادة تعريف المسؤولية المجتمعية، بحيث لا تقتصر على المبادرات الموسمية، بل تصبح ثقافة يومية وسلوكًا أصيلًا، فالمجتمع الواعي هو خط الدفاع الأول، وهو الشريك الحقيقي في تحقيق مستهدفات جودة الحياة، وهو الأساس الذي تُبنى عليه التنمية المستدامة.

ختامًا .. الاستثمار في وعي المواطن والمقيم ليس خيارًا تكميليًا، بل ضرورة وطنية، لأن الإنسان الواعي هو القادر على حماية نفسه، والإسهام في حماية مجتمعه، وصناعة مستقبلٍ أكثر أمنًا وصحة وازدهارًا.

منذ 8 ساعات

جائزة مكة للتميّز فرصة عالمية

تشرّفت بدعوة كريمة خاصة لحضور حفل جائزة مكة للتميّز في دورتها السابعة عشرة، تحت رعاية صاحب السمو الملكي مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل، وتشريف وحضور صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز نائب أمير المنطقة.

‏أمسية وطنية استثنائية احتفت بالتميّز، وجسّدت قيمة الإنجاز وروح الإبداع في وطنٍ اعتاد أن يكون دائماً في المقدمة، في تلك الأمسية لم يكن الاحتفاء مجرد تكريمٍ لفائزين، بل كان احتفاءً بفكرةٍ أكبر: أن التميّز ثقافة، وأن الإنجاز مسؤولية، وأن مكة المكرمة -قلب العالم- قادرة على أن تصوغ نموذجاً عالمياً في صناعة الجوائز كما تصوغ سنوياً أعظم مشهد إنساني في موسم الحج.

جائزة مكة للتميّز ليست حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل منصة تُكرّس قيم الجودة والإبداع والابتكار في مختلف القطاعات؛ التعليمية، والاجتماعية، والاقتصادية، والإعلامية، والإنسانية. وهي في جوهرها انعكاسٌ لرؤية سعودية قيادية تؤمن بأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأسمى، وأن التقدير العلني للإنجاز يصنع بيئة تنافس إيجابي تدفع بالمجتمع نحو الريادة.

غير أن مكة -بمكانتها الدينية والحضارية والتاريخية- تستحق أن تتجاوز جائزتها الإطار المحلي إلى الأفق العالمي، فكما تتجه إليها قلوب المسلمين من كل فجٍّ عميق، يمكن أن تتجه إليها عقول المبدعين من أنحاء العالم للمنافسة تحت مظلة جائزة تنطلق من أقدس بقاع الأرض وتحمل اسمها.

لذلك أقترح أن تتحوّل جائزة مكة للتميّز إلى جائزة عالمية، وهذا لا يعني فقط توسيع نطاق المشاركة، بل يعني بناء معيار دولي للتميّز يستند إلى قيم أصيلة: النزاهة، والإحسان، وخدمة الإنسان. ويعني كذلك استقطاب أفضل الممارسات العالمية، وتعزيز الشراكات الدولية، وإبراز مكة بوصفها مركزاً للحوار الحضاري والإبداع الإنساني.

العالم اليوم يتنافس في صناعة الجوائز الكبرى؛ لأنها أدوات قوة ناعمة، وجسور تأثير، ومنصات اعتراف دولي. ومكة -بما تمثله من رمزية جامعة- قادرة على أن تقدم جائزة عالمية بروح إنسانية تتجاوز الحدود والثقافات، وتحتفي بكل مشروع يخدم الإنسان ويعلي من قيمة الحياة وجودتها، نحن أمام فرصة تاريخية: أن تصبح جائزة مكة للتميّز مرجعاً عالمياً يُشار إليه، وأن يكون التتويج فيها حلماً لكل مبدع، كما هو الوصول إلى مكة حلم لكل مسلم. فالمكانة تفرض الطموح، والاسم يستحق الامتداد، والرؤية الوطنية اليوم قادرة على تحويل هذا الطموح إلى واقع.

ختاماً.. مبروك لكل الجهات الفائزة في جائزة مكة للتميّز، هذه الجائزة التي تهتم ببناء الإنسان والمكان، أقترح أن تكون عالمية.. بحجم رسالتها، وبقدر أثرها، وبسمو اسمها.

00:06 | 13-02-2026

شهادةٌ تُحفظ..

قرأتُ خبرًا عن رقمٍ قياسيٍ غير مسبوق، يقول الخبر إن المملكة العربية السعودية استقبلت أكثر من 19 مليون حاج ومعتمر من خارج البلاد خلال عام 2025. هذا الرقم يمرّ على السطر كإحصائية، لكنه في العمق أبعد من العدّ، وأغنى من الدلالة الرقمية، وأقرب إلى رسالة تنموية حضارية مكتملة الملامح.

هذا الرقم لا يُقاس بجموع القادمين فحسب؛ بل بما يحمله من ثقة عالمية متراكمة، وقدرة تنظيمية ناضجة، ورؤية واعية أدركت أن خدمة ضيوف الرحمن ليست حدثًا عابرًا ولا موسمًا طارئًا، بل مشروع دولة طويل النفس، تتقاطع فيه العقيدة مع التخطيط، والروح مع التقنية، والضيافة مع أعلى معايير الإدارة الحديثة.

أن تستقبل دولة هذا العدد الهائل في عام واحد، يعني أن خلف المشهد منظومة تعمل بدقة الساعة: بنية تحتية ذكية، قطاعات متناغمة، كوادر بشرية مدرّبة، ورقمنة أعادت تعريف رحلة الحاج والمعتمر لتكون أكثر يسرًا، وأعلى أمانًا، وأعمق طمأنينة. لم تعد الرحلة مجرد وصول وأداء، بل تجربة إنسانية متكاملة، تُدار باحتراف، وتُصاغ بعناية.

واللافت في الخبر أن هذا الإنجاز لا ينفصل عن مسار التحوّل الوطني الشامل؛ فمشاريع التوسعة في الحرمين، وتطوير المطارات والقطارات والارتقاء بالخدمات الصحية والأمنية، وتكامل الجهات، كلها تلتقي عند هدف واحد: أن يشعر القادم بأن العناية تبدأ قبل أن تطأ قدماه الأرض، وتستمر حتى يعود، وأن القدسية لا تتعارض مع التنظيم، بل تزداد به اكتمالًا.

إن استقبال أكثر من 19 مليون حاج ومعتمر من الخارج في عام واحد ليس مجرد خبر عابر، بل رسالة صامتة للعالم: أن السعودية لم تعد فقط قبلة للمسلمين، بل نموذجًا عالميًا في إدارة الحشود، واستدامة الخدمة عبر منظومة عمل قابلة للقياس والتطوير.

ختامًا.. في مثل هذه الأرقام، لا يكون الإنجاز في الكثرة وحدها، بل في القدرة على صون الإنسان، وكرامته، وسلامته، وراحته وسط هذا التدفق/ التجمع البشري الهائل، وهنا، يتحوّل الرقم من خبرٍ يُقرأ... إلى شهادة تُحفظ عبر التاريخ والأزمان.

00:10 | 6-02-2026

التفاصيل الصغيرة عملاقة..!

التنمية من الموضوعات التي أستأنس بالحديث عنها، لا لسطحها، بل لجوهرها العميق، فهي ليست مجرد مشاريع تُنفَّذ، ولا أرقام تُدرج في التقارير، بقدر ما هي فلسفة تُمارس، ورؤية تُترجم إلى أثر ملموس في حياة الناس. وكثيرًا ما ننجذب إلى العناوين العريضة والمشاريع العملاقة، ونغفل عن حقيقة جوهرية: أن التحوّلات الكبرى لا تبدأ دائمًا من القرارات الضخمة، بل من تفاصيل صغيرة تُدار بوعي، وتُنفّذ بذكاء، وتُحترم فيها قيمة الإنسان قبل الأرقام.

فالتنمية اليوم لم تعد مفهومًا تقليديًا يُختزل في البنية التحتية أو مؤشرات الأداء، بل أصبحت تجربة معيشة. تجربة تبدأ من شعور الفرد بالأمان في حيه، ومن جودة الخدمة التي يتلقاها، ومن إحساسه بأن صوته مسموع، واحتياجه مفهوم، ووقته مُقدَّر. هنا فقط يمكن القول إن التنمية قد لامست الإنسان فعلًا، ولم تكتفِ بالمرور من حوله.

والنجاح الحقيقي لأي مشروع تنموي، في أي قطاع كان، لا يُقاس فقط بما أُنجز على أرض الواقع، بل بما تغيّر في السلوك، وما ترسّخ في الوعي، وما انعكس على تفاصيل الحياة اليومية للناس. وفي هذه النقطة تحديدًا، تبرز أهمية الاتصال المؤسسي الواعي؛ ذلك الاتصال الذي لا يكتفي بنقل المعلومة، بل يصنع الفهم، ويبني الثقة، ويؤسّس لشراكة حقيقية بين الجهة والمجتمع.

وفي مراحل التحوّل، تحتاج المؤسسات إلى خطاب صادق لا مُجمَّل، واضح لا مُعقَّد، قريب من الناس لا متعالٍ عليهم. خطاب يشرح «لماذا» قبل أن يستعرض «ماذا»، ويُشرك الجمهور في الرحلة بدل أن يضعه في موقع المتلقي فقط. فحين يفهم الناس الغاية، يصبح التغيير مقبولًا، بل ومشتركًا.

ولأن التنمية بطبيعتها عملية تراكمية، فإن أدق التفاصيل — من لغة الخطاب، إلى تصميم الخدمة، إلى طريقة الاستماع للملاحظات — قد تكون الفارق بين مشروع ينجح مؤقتًا، وآخر يترك أثرًا مستدامًا. فالتفاصيل الصغيرة، وإن بدت هامشية، هي التي تصنع التجربة الكاملة، وتحدد كيف سيُنظر إلى المشروع بعد سنوات، لا بعد تدشينه فقط.

نحن اليوم أمام مرحلة وعي جديدة، تُدرك أن الإنسان ليس عنصرًا في الخطة، بل هو محورها. وأن التنمية التي لا يشعر بها الناس، ولا يلمسون أثرها في حياتهم اليومية، تظل ناقصة مهما بلغت تكلفتها أو اتساع نطاقها.

ختامًا.. تبقى التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الثقة، والثقة هي التي تقود التحوّلات الكبرى. فقد لا يتذكر الناس كل ما قيل لهم، لكنهم يتذكرون جيدًا كيف جُعلوا يشعرون. وهنا يكمن جوهر التنمية المستدامة: أن تترك أثرًا لا يزول، وأن تُحدث فرقًا لا يُنسى، وأن تبني مستقبلًا لا يقوم على الخرسانة وحدها، بل على الثقة، والوعي، والإنسان.

00:05 | 30-01-2026

المدينة الاستثنائية والمشروع الحضري

مكة المكرمة مدينة استثنائية في مكانتها الدينية والإنسانية والعمرانية، ما يجعل تطويرها مسؤولية مضاعفة تتجاوز البعد الخدمي إلى الحفاظ على روح المكان وهويته؛ لذلك أُطلق بالأمس برنامج الأحياء المطوّرة من قِبل الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة بوصفه مشروعًا حضريًا شاملًا يُجسّد رؤية تنموية متوازنة، تضع الإنسان في صميم الاهتمام، وتُعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمكان.

المشروع يسهم في الارتقاء بجودة الحياة من خلال تحسين البنية التحتية للأحياء السكنية، وتطوير الخدمات الأساسية، وتهيئة بيئة حضرية أكثر أمانًا وتنظيمًا وراحة للسكان؛ فالأحياء ليست مجرد مبانٍ وطرق، بل منظومة حياة متكاملة تؤثر في الصحة النفسية والاجتماعية والاقتصادية للأفراد، وهو ما يعكسه التوجّه الشامل للبرنامج في معالجة احتياجات الحي من جذورها.

كما ينعكس برنامج الأحياء المطوّرة بشكل مباشر على تعزيز المشهد الحضري لمكة المكرمة، عبر تطوير الأماكن العامة، وتحسين جودة التصميم العمراني، ورفع كفاءة المشهد البصري، بما يحفظ الهوية العمرانية للعاصمة المقدسة ويُبرز خصوصيتها التاريخية والدينية. هذا التوازن بين الحداثة والهوية يمنح المدينة طابعًا عمرانيًا معاصرًا دون الإخلال بقدسيتها ومكانتها.

وتطوير الأحياء دائمًا له أثر جسيم على المجتمعات ومن الأثر الاجتماعي للمشروع، تعزيز الترابط المجتمعي داخل الأحياء، من خلال توفير مساحات تفاعلية ومرافق تخدم مختلف الفئات العمرية، ما يُسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكًا، ويُعزز شعور الانتماء والمسؤولية المشتركة تجاه الحي والمدينة. كما يفتح المشروع آفاقًا اقتصادية جديدة عبر تنشيط الحركة التجارية المحلية، ورفع قيمة الأحياء، وخلق فرص عمل مرتبطة بأعمال التطوير والصيانة والخدمات.

ولا ينفصل برنامج الأحياء المطوّرة عن مستهدفات التنمية المستدامة ورؤية السعودية 2030، إذ يرسّخ مفاهيم الاستدامة البيئية، وكفاءة استخدام الموارد، وتحسين جودة الخدمات الحضرية، بما يضمن استمرارية الأثر الإيجابي للمشروع على المدى الطويل، ويعزّز جاهزية مكة المكرمة لاستقبال ضيوف الرحمن وسكانها على حد سواء.

ختامًا، يمثّل برنامج الأحياء المطوّرة خطوة إستراتيجية نحو مدينة أكثر حيوية وإنسانية، تُوازن بين قدسية المكان ومتطلبات الحياة الحديثة، وتُجسّد رؤية حضرية واعية تليق بمكانة مكة المكرمة، وتعكس أثرًا ملموسًا في حياة سكانها اليومية.

00:02 | 23-01-2026

المسؤولية المجتمعية.. كما أراها اليوم..

في الآونة الأخيرة، لفت انتباهي الحضور المتزايد للمسؤولية المجتمعية في الجهات والمؤسسات السعودية. لم أعد أراها فكرة ثانوية أو نشاطاً تكميلياً، بل أعدّها ضرورة حقيقية لتطوّر المجتمعات، وأول خطوات التنمية. فهي تتقاطع بوضوح مع ما تعيشه المملكة من تحوّلات كبرى ضمن رؤية السعودية 2030، حيث أصبح الإنسان محور التنمية، لا بصفته مستفيداً فقط، بل شريكاً في صناعة المستقبل.

ومن وجهة نظري، لا تنفصل المسؤولية المجتمعية عن الرؤية، بل تمثّل تطبيقها العملي في حياة الناس، فعندما نتحدث عن مجتمع حيوي، فإننا نتحدث عن مواطن واعٍ بدوره، مدرك لأثره، وقادر على الموازنة بين ما له وما عليه.

أرى أن الشخصية السعودية المسؤولة اجتماعياً تبدأ من هذا الوعي البسيط والعميق في آنٍ واحد؛ وعي بأن خدمة المجتمع ليست مهمة طارئة، بل سلوك يومي يظهر في الالتزام، والإتقان، واحترام النظام، والمبادرة الإيجابية. وهي قيم لا يمكن فصلها عن مستهدفات الرؤية في جودة الحياة وبناء مجتمع متماسك.

ويظل التعليم أحد أهم المفاتيح لترسيخ المسؤولية المجتمعية، حين تكون مخرجاته مرتبطة بالواقع وقادرة على إعداد أفراد يشاركون بفاعلية في التنمية. فتنمية مهارات التفكير، والعمل الجماعي، والمشاركة المجتمعية، كلها تصنع فارقاً حقيقياً في بناء الإنسان.

ولا يمكنني إغفال دور الأسرة، فهي الحاضنة الأولى للقيم، ومنها يتشكّل الإحساس بالمسؤولية منذ الطفولة. هذا الإحساس البسيط، حين ينمو، يدعم هدفاً كبيراً من أهداف الرؤية: مجتمع متوازن، تتكامل فيه الأدوار، وتحفظ فيه القيم الوطنية.

أما الإعلام، فأراه مساحة واسعة للتأثير، وقادراً على تعزيز روح المبادرة والانتماء، حين يسلّط الضوء على قصص النجاح الوطنية، ويبرز المبادرات المجتمعية ذات الأثر، ويحوّل المسؤولية المجتمعية إلى نموذج ملهم وقابل للتكرار.

ومن خلال ما نراه اليوم، أعتقد أن تمكين المواطن من ممارسة مسؤوليته المجتمعية يحتاج إلى بيئات محفّزة، ومنصات تتيح المشاركة، وبرامج تحتضن المبادرات. وهذا ما تجسّده العديد من المبادرات الوطنية التي انسجمت مع مستهدفات رؤية 2030 في العمل التطوعي، وجودة الحياة، والاستدامة.

أؤمن بأن صناعة شخصية سعودية مسؤولة اجتماعياً ليست هدفاً جانبياً في رؤية 2030، بل أحد مرتكزاتها الأساسية. فالرؤية لا تُقاس بالمشاريع وحدها، بل بقدرة الإنسان على حمايتها، واستدامتها، والمشاركة في تطويرها. وحين يصبح المواطن شريكاً واعياً، يتحوّل الطموح الوطني إلى أثرٍ حيّ ومستمر.

ختاماً.. في رؤية السعودية 2030، يقف الإنسان أولاً. وحين تصبح المسؤولية المجتمعية سلوكاً نابعاً من الوعي، لا واجباً مفروضاً، يتحوّل الانتماء إلى فعل، والطموح إلى أثر، وهذا، كما أراه اليوم، هو أجمل ما نشهده في التجربة السعودية.

23:56 | 15-01-2026

سوقنا العالمي..

تابعت سوق الأسهم السعودية بعد إعلان قرار فتحه أمام جميع المستثمرين الأجانب، وقد ارتفع بشكل ملحوظ. وفي لحظة يمكن قراءتها بوصفها أكثر من تفاعل إيجابي مع خبر اقتصادي، من رأيي ما حدث يعكس ثقة متنامية بالسوق، لكنه في الوقت ذاته يضعنا أمام سؤال أبعد من الأرقام: هل نكتفي بقرار الانفتاح، أم ننتقل إلى مرحلة إدارة هذا الانفتاح بعقلية عالمية؟

فتح السوق خطوة مهمة، لكنها لا تصنع سوقاً عالمياً بمفردها؛ فالمستثمر الأجنبي لا يدخل فقط بحثاً عن فرص ربح، بل يبحث عن سوق يفهم آلياته، ويتحرك وفق سياقه، ويمنحه القدرة على التفاعل اللحظي مع الأحداث، وهذا من رأيي تظهر ضرورة دراسة توقيت التداول السعودي الذي يأتي في وقت النهار بينما عدد كبير من الأسواق الأجنبية تكون بالليل وهذا الأمر له أثره المباشر في قرارات الاستثمار الأجنبية.

اختلاف ساعات التداول بين السوق السعودي والأسواق العالمية الكبرى يجعل المشاركة الأجنبية أقل مرونة، ويحد من قدرة المستثمرين الدوليين على إدارة محافظهم بكفاءة عالية. وفي عالم مالي سريع، يصبح الوقت عاملاً حاسماً، لا تفصيلاً تقنياً يمكن تجاوزه. لذلك مواءمة توقيت السوق، أو على الأقل إعادة التفكير في هيكلته، ستكون خطوة طبيعية توازي قرار فتح السوق نفسه، فمن الممكن جداً أن يكون التداول والسوق السعودي على فترتين؛ فترة النهار وأخرى بالليل حسب التوقيت العالمي، بحيث تكون هناك فرصة كبيرة للحضور العالمي في سوق الأسهم السعودية.

التحدي الحقيقي لا يكمن في دخول المستثمر الأجنبي، بل في نوعية هذا الدخول؛ فالمطلوب ليس تدفقات سريعة تحرّك المؤشر ثم تختفي، بل مشاركة طويلة المدى تضيف عمقاً واستقراراً، وتنعكس على جودة السوق لا على أرقامه فقط. وهذا يتطلب بيئة استثمارية واضحة، شفافة، ومستقرة. هذا من جهة ومن جهة أخرى، تعزيز الشفافية وسرعة الإفصاح، وتوسيع الأدوات الاستثمارية، وتطوير المنتجات المالية، كلها عناصر لا تقل أهمية عن فتح السوق نفسه. فالسوق العالمي لا يُقاس فقط بحجم شركاته، بل بمرونته وقدرته على استيعاب مختلف أنماط الاستثمار، خاصة المؤسسي منها.

السوق السعودي اليوم يمتلك مقومات حقيقية للعب دور مؤثر على المستوى العالمي، من قوة الاقتصاد، إلى ثقل الشركات القيادية، إلى الإصلاحات التنظيمية المتواصلة، التي تستهدف «الاستدامة» وهذا الدور سيكتمل حتماً بالاهتمام بالتفاصيل التي قد تبدو صغيرة، لكنها تصنع الفارق في نظر المستثمر الأجنبي.

فتح السوق أمام الجميع هو إعلان ثقة، لكنه أيضاً اختبار. اختبار لقدرتنا على الانتقال من سوق منفتح إلى سوق مُدار بوعي عالمي، يفهم أن المنافسة لم تعد على جذب رأس المال فقط، بل على الاحتفاظ به وبناء علاقة طويلة الأمد معه. وفي هذا المسار، تبقى الأسئلة أهم من الإجابات الجاهزة، لأن الأسواق التي تطرح الأسئلة الصحيحة، هي الأقدر على صناعة مستقبلها.

ختاماً.. قرار فتح السوق خطوة اقتصادية سعودية تسير واثقة نحو الاتجاه الصحيح، وتكتمل قيمته حين يتناغم توقيتنا مع توقيت العالم؛ فحين نحضر في الوقت نفسه، نمنح المستثمر الأجنبي سبباً للدخول.. وسبباً للبقاء.

00:00 | 9-01-2026

2025.. «سعودية» ساطعة!

في عام 2025، تجسّدت إنجازات المملكة العربية السعودية في حياتنا اليومية، وأصبحت ملموسة في تفاصيل العمل، والتعليم، والصحة، ونمط الحياة عموماً، وشعرنا أن الوطن يمضي بخطوات ثابتة نحو مستقبل أوسع وأكثر إشراقاً.

اقتصادياً، واصلت المملكة تعزيز تنوع مصادر الدخل، ونما الاقتصاد غير النفطي بشكل لافت أسهم في استقرار الأسواق، ورفع كفاءة الأداء الاقتصادي، وتوسيع فرص الاستثمار. كما دعمت الإصلاحات التشريعية نمو القطاع الخاص، وخلقت فرص عمل نوعية، وأسهمت في تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

وفي سوق العمل، شهدت المملكة تقدّماً ملموساً في تمكين الكفاءات الوطنية، وفتح آفاق أوسع أمام الشباب والمرأة للمشاركة الفاعلة في التنمية، سواء في الوظائف المتخصصة أو المواقع القيادية وأصبحت الكفاءة والجدارة معياراً أساسياً لبناء المسارات المهنية، بما ينسجم مع متطلبات الاقتصاد الحديث.

أما في قطاعي التعليم والصحة، فقد تواصلت الجهود لتحسين جودة الخدمات، وتوسيع نطاقها، ورفع كفاءتها التشغيلية. وشهدت هذه القطاعات تطوّراً في البنية التحتية واعتماد حلول رقمية متقدّمة، مما أسهم في مواصلة تحسين تجربة المستفيد، وتسهيل الوصول إلى الخدمات، وتعزيز استدامتها.

وفي مجال التحوّل الرقمي، حقّقت المملكة تقدّماً واضحاً في تطوير الحكومة الإلكترونية، وتكامل المنصات الرقمية، وتسريع الإجراءات، ورفع مستوى الشفافية. وأصبحت التقنية أداة يومية تسهل الحياة، وتدعم اتخاذ القرار، وتخدم المواطنين والمقيمين على أرضنا الغالية بكفاءة.

ثقافياً واجتماعياً، واصلت المملكة دعم قطاعات الثقافة والترفيه والرياضة والفنون، ما ساهم في تحسين جودة الحياة، وتوسيع المساحات التي تجمع الناس، وتعزيز الهوية الوطنية التي تربط الماضي بالحاضر، وتمنح المستقبل ملامحه الواضحة.

وعلى المستوى الدولي، عزّزت المملكة حضورها شريكاً موثوقاً وفاعلاً في القضايا الاقتصادية والتنموية والسياسية، من خلال مشاركاتها الدولية، واستضافتها للفعاليات الكبرى، ودورها المؤثر في دعم الاستقرار الإقليمي والدولي. وقد عكس هذا الحضور مكانة المملكة المتنامية في المشهد العالمي.

كما واصلت المشاريع الكبرى دورها في دعم التنمية طويلة المدى، من خلال تنويع الاقتصاد، وخلق فرص نوعية، وتطوير بيئات حضرية حديثة تضع الإنسان في قلب التخطيط، وتضمن استدامة النمو.

ختاماً.. منجزات عام 2025 شمس سعودية ساطعة، لا تمثل نتائج مرحلية فحسب، بل تعكس مساراً تنموياً واضح المعالم، قائماً على التخطيط، والتنفيذ، والمتابعة. حصاد عام يؤكد أن التنمية في المملكة تسير بخطى ثابتة، وأن ما تحقّق هو امتداد لرؤية طموحة تضع الإنسان في قلب الاهتمام، وتبني المستقبل على أسس راسخة من العمل والإنجاز.

00:02 | 2-01-2026

زوارق العروس..!

قبل يومين أُعلن عن فوز مدينة جدة بلقب «أفضل منظّم جديد» في تاريخ سباقات الزوارق السريعة الفورمولا 1 (F1H2O)، وهو خبر يستحق التوقف عنده طويلاً، لا بوصفه إنجازاً تنظيمياً فحسب، بل باعتباره رسالة واضحة بأن جدة بدأت تعيد تعريف علاقتها بالبحر، وبطريقة حضورها في خارطة الفعاليات العالمية.

هذا اللقب لا يُمنح بسهولة، ولا يُقاس بسرعة الزوارق وحدها، بل بجودة التفاصيل كلها؛ من التنظيم، إلى المسارات، ومعايير السلامة، وتجربة الجمهور، وحتى صورة المدينة أمام الإعلام الدولي. وهي معايير تحتاج من المدن عادةً إلى تراكم طويل من التجربة، لكن جدة، وكأنها تعرف البحر جيداً، اختصرت الطريق، وقدّمت نفسها بثقة مدينة خبيرة، لا مدينة تتعلّم.

وحين ننظر إلى تاريخ سباقات الزوارق السريعة، ندرك أن مدناً مثل موناكو والبندقية وسانت بطرسبرغ لم تصنع شهرتها من الماء مصادفة. هذه المدن فهمت مبكراً أن البحر ليس خلفية جميلة للصور، بل اقتصاد، وهوية، وسردية سياحية كاملة. لذلك تحوّلت السباقات فيها إلى مواسم، والموانئ إلى مسارح مفتوحة، والبحر إلى لغة عالمية مشتركة.

من هنا، أرى أن فوز جدة لا يجب أن يُحتفل به كإنجاز عابر، بل كفرصة يجب ألا تُهدر. فرصة لتحويل البحر من مساحة مشاهدة إلى مساحة مشاركة، ومن حدث موسمي إلى منتج سياحي مستدام. فالرياضات البحرية قادرة على جذب جمهور مختلف، وعلى إطالة مدة إقامة الزائر، وعلى خلق تجربة لا تُنسى، لا تُختصر في يوم أو صورة.

جدة اليوم تملك ما يكفي لتكون مدينة بحرية رياضية عالمية؛ موقعها، تاريخها، بنيتها التحتية، والأهم قدرتها على التنظيم. وما تحتاجه هو قرار واضح بأن تكون سباقات الزوارق جزءاً من هوية المدينة، لا مجرد فعالية في أجندتها. موسم سنوي، فعاليات موازية، متحف أو تجربة دائمة، وربط ذكي بين السباق وتراث جدة البحري، من الموانئ القديمة إلى حكايات الصيادين.

ولأن البحر الأحمر لا يخص جدة وحدها، فإن هذا النجاح يفتح الباب للتفكير في المدن الساحلية السعودية الأخرى، وفي إمكانية نقل التجربة إليها، وتهيئتها لاستضافة هذا النوع من الرياضات، بما يخلق خريطة بحرية رياضية ممتدة، لا نقطة واحدة معزولة.

فوز جدة بلقب «أفضل منظّم جديد» ليس نهاية قصة، بل بدايتها.

هو إعلان بأن البحر لم يعد مجرد مشهد جمالي، بل شريك حقيقي في الاقتصاد، والسياحة، وصورة المدينة.

ختاماً.. عروسنا الجميلة جدة مدينة اعتادت أن تكون بوابة للحجاج والتجار، واليوم وكأنها تقول بثقة: البحر بابنا الجديد.. ومنه نطل على العالم.

00:03 | 26-12-2025

مبدأ التبرّع والخطاب الإعلامي اليوم..!

حضرت بالأمس محاضرة عبر برنامج حديث الرياض للدكتور سعيد بنتاجر عن مبدأ التبرّع وأخلاقيات المناظرة، وقد قادتني هذه المحاضرة إلى التفكير في حال مبدأ التبرّع في الخطاب الإعلامي اليوم؛ خاصة وأن الخلاف لم يعد مجرد اختلاف في الأفكار بقدر ما أصبح صراعًا على المواقف. ومع اتساع المنصات الرقمية وتسارع المحتوى، بات الرأي يُدان قبل أن يُفهم، ويُصادر قبل أن يُفسر، وتُصنّف الأفكار قبل أن تُناقش. في هذا المشهد يغيب مبدأ التبرّع، وتغيب معه أخلاقيات المناظرة والحوار والاستفادة من الرأي الآخر، كما أشار البليهي إلى أن الآخر ليس خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا.

وللذين يبتعدون عن علم اللغة والفلسفة، أحب أن أوضح معنى «التبرّع» الذي يقوم على فكرة بسيطة، وهي أن نفهم رأي الآخر بأقوى صورة ممكنة قبل أن ننتقده، لا أن نبحث عن ثغرة لغوية، ولا أن نحمّل الكلام ما لا يحتمل، بل أن نعرض الفكرة كما يقصدها صاحبها وكما ظهرت لنا. هذا المبدأ، الذي شكّل أساسًا في نظريات الحِجاج الغربية، لم يكن ترفًا فلسفيًا، بل شرطًا لضمان نقاش عادل ومثمر.

غير أن الخطاب الإعلامي اليوم، خصوصًا في الفضاء الرقمي، يسير غالبًا في الاتجاه المعاكس. ففي بعض البرامج الحوارية، يُستضاف صاحب رأي مخالف لا ليشرح موقفه، بل ليُحاصر؛ تُقاطع إجاباته، وتُعاد صياغة أقواله بأسلوب استفزازي، فيتحوّل الطرح إلى مواجهة، ويغيب الحِجاج لصالح الاستعراض فقط.

وفي عدد من برامج البودكاست والمنصات المرئية، يتكرر نمط آخر، اختيار مقطع قصير من حوار طويل، يُنشر منفصلًا عن سياقه، ويُقدَّم باعتباره خلاصة الموقف ولب الموضوع وهذا المقطع المقتطع يصبح مادة للترند، ويُبنى عليه حكم أخلاقي أو اجتماعي واسع، بينما يغيب النقاش الحقيقي حول الفكرة الأصلية.

أما في وسائل التواصل الاجتماعي، فغياب مبدأ التبرّع يأتي بشكل أوضح، تغريدة أو تصريح يُفسَّر بأسوأ احتمال، ويُهاجم الرأي ويُصادر دون الاستفادة، ثم يُعاد تدويره مصحوبًا بسيل من الاتهامات. لا أحد يسأل: «ماذا قصد؟ وهل يمكن الاستفادة من طرحه؟»، بل السؤال الوحيد يصبح: «كيف نُدينه؟ ونحاصره ونصادره!»، وهنا يتحوّل الجمهور من متلقٍ ناقد إلى طرف في حملة، ويصبح الاختلاف تهديدًا لا فرصة للفهم والاستفادة.

حتى التغطيات الإخبارية لم تسلم من هذا الخلل، حين تُغلّف بعض الآراء بإطارات لغوية مُسبقة، تُوجّه المتلقي نحو حكم معين قبل عرض الوقائع، في هذه الحالة، لا يُمنح الجمهور فرصة التفكير، بل يُدفع إلى الاصطفاف دون وعي!

استعادة مبدأ التبرّع اليوم ليست مسؤولية الإعلاميين وحدهم، بل مسؤولية مشتركة تشمل الكُتّاب، وصنّاع المحتوى، وأهل الثقافة، والجمهور نفسه؛ فكل تفاعل، وكل مشاركة، هي تصويت على شكل الخطاب الذي نرغب أن يسود وينتشر.

ختامًا.. مبدأ التبرّع ليس ضعفًا في الموقف، بل قوة في الوعي وزيادة في التنمية الفكرية والثقافية والإعلامية، به نختلف دون أن نتخاصم، وننقد دون أن نشوّه، ونحافظ على الحوار بوصفه أداة للفهم والتنمية لا ساحة للصراع والمعارك الوهمية.

23:56 | 18-12-2025