أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1112.jpg&w=220&q=100&f=webp

منى العتيبي

المركز السعودي للتنافسية

سعدت بدعوة لزيارة فرع المركز السعودي للتنافسية والأعمال – الفرع القطاعي مع وزارة السياحة، وجرى خلال الزيارة استعراض جهود المركز ومبادراته في تعزيز التنافسية، ودعم بيئة الأعمال، وتمكين القطاعات بما يسهم في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.

لفتتني لوحة البيانات التي أمامي؛ أرقام كبيرة تختصر حجمًا واسعًا من العمل، فهناك 19,169,483 خدمة، و2,656,653 منشأة تمت خدمتها، و3,215 خدمة متاحة عبر المركز، إلى جانب 430,046 سجلًا تجاريًا حُدّثت بياناته، و866,306 سجلات حُدّثت بيانات ملكيتها. وهذه الأرقام في حقيقتها تتحدث عن مستثمرين وأصحاب أعمال ومنشآت، لكل واحد منهم رحلة وتحديات ووقت وتكلفة.

وهنا تأتي أهمية المركز؛ فالمستثمر يحتاج إلى جهة تختصر عليه الطريق، وتجمع له الخدمات، وتوضح له المتطلبات، وتساعده على معرفة الإجراء الصحيح والجهة المعنية به. ومن خلال منصة الأعمال يستطيع المستثمر الوصول إلى مجموعة واسعة من الخدمات في مكان واحد، بدءًا من تأسيس المنشأة وإصدار السجلات والتراخيص، مرورًا بتعديل بيانات المنشأة وتجديد التراخيص، ووصولًا إلى الخدمات المرتبطة بالتوسع وممارسة النشاط.

وأرى أن قيمة المركز تتجاوز فكرة تقديم الخدمة؛ فهو يمثل مساحة مهمة لحماية رحلة المستثمر وحقوقه من خلال وضوح الإجراءات والمتطلبات، وتوحيد رحلة الحصول على الخدمة، وإتاحة قنوات واضحة للاستفسار ومعالجة التعثرات. وكلما عرف المستثمر ما له وما عليه، والمدة المتوقعة للخدمة، والمتطلبات النظامية التي يحتاج إليها، أصبح أكثر قدرة على اتخاذ قراراته بثقة، وحماية وقته وماله وجهده.

كما أن المركز يعمل على تحسين رحلة المستثمر من خلال مراجعة الإجراءات وتطويرها بالشراكة مع الجهات الحكومية، وقد تجاوز عدد الإصلاحات الاقتصادية والإجرائية والتقنية التي نُفذت عبره ألف إصلاح، بالشراكة مع عشرات الجهات الحكومية.

وهذا جانب مهم في مفهوم التنافسية؛ فالتنافسية لا تعني فقط أن نملك اقتصادًا قويًا، وإنما أن يشعر المستثمر بأن بيئة العمل من حوله واضحة، وأن الأنظمة والإجراءات تساعده على النمو، وأن صوته وملاحظاته تصل إلى الجهات المعنية.

خرجت من الزيارة وأنا أفكر في أن الرقم الكبير على الشاشة يحمل خلفه قصة صغيرة لمستثمر؛ ربما بدأ مشروعه، أو نقل ملكية منشأته، أو أصدر ترخيصًا، أو اختصر أيامًا من الانتظار، وحين نختصر على المستثمر خطوة، فإننا نمنحه وقتًا. وحين نمنحه وقتًا، نمنح مشروعه فرصة أكبر للنمو.

وهنا تتحوّل الأرقام من مؤشرات على لوحة إلى أثر حقيقي في الاقتصاد؛ لأن وراء كل خدمة منشأة، ووراء كل منشأة فكرة، ووراء كل فكرة فرصة يمكن أن تصنع شيئًا جديدًا في وطن يمضي بثقة نحو مستهدفات رؤيته.

ختامًا.. قد تختصر لوحة الأرقام ملايين الخدمات في أرقام، لكن خلف كل رقم إنسانًا لديه فكرة، ومنشأة تبحث عن فرصة، واستثمارًا ينتظر أن يكبر وضغطة زر تنجز مشوار من السنوات.

00:04 | 9-10-2026

عشر سنوات تسبق الزمن

في الخطاب الملكي الذي ألقاه سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، أمام مجلس الشورى، توقفت عند حديث سموه عن الرؤية، تحديدًا عن السنوات العشر لرؤية المملكة العربية السعودية 2030 التي تختصر قصة عقد كامل، عشر سنوات مرت منذ انطلاق الرؤية، حملت معها مشروعًا وطنيًا واسعًا، بدأ بالطموح، ثم انتقل إلى العمل، واليوم تقف أرقامه شاهدًا على مسيرة تحوّل تمس الاقتصاد والمجتمع وجودة الحياة ومستقبل الإنسان السعودي.

أجمل ما في الأرقام أنها حين تأتي من خطاب القيادة تصبح أكثر من نسب ومؤشرات؛ تصبح حكاية وطن، فقد حققت مؤشرات الأداء لبرامج وإستراتيجيات رؤية 2030 نحو 93% من مستهدفاتها، ونمت الصادرات غير النفطية 155% مقارنة بعام 2016، وارتفعت مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى 51%. أرقام تعكس اتساع قاعدة الاقتصاد وتنوع روافده وتنامي دور القطاع الخاص في صناعة فرص المستقبل.

وحين أتأمل هذه الرحلة، أجد أن التحوّل الحقيقي يظهر في اليوميات التي نعيشها، في الخدمات الرقمية التي اختصرت الوقت، وفي المدن التي تتغيّر ملامحها، وفي السياحة والثقافة والرياضة والترفيه، وفي بيئة الاستثمار التي فتحت مساحات جديدة أمام روّاد الأعمال والمستثمرين، لقد أصبحت جودة الحياة جزءًا أساسيًا من قصة التنمية، وأصبح الإنسان محورًا حاضرًا في كثير من برامجها ومشروعاتها.

ولعل المشهد الرقمي يقدّم واحدًا من أوضح نماذج التحوّل، المملكة تتصدّر عالميًا مؤشر الجاهزية الرقمية، كما تتصدّر مؤشر تنمية الاتصالات والتقنية ومؤشر الأمن السيبراني، وتأتي في المرتبة الثانية عالميًا في مؤشر نضج الحكومات الرقمية، وفق ما ورد في الخطاب الملكي. وفي يونيو 2026 حافظت المملكة للعام الثالث على التوالي على المرتبة الأولى عالميًا في مؤشر الأمن السيبراني ضمن الكتاب السنوي للتنافسية العالمية الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية.

وهنا أتذكر أن الرؤية منذ بدايتها حملت فكرة أعمق من تغيير الأرقام؛ فكرة أن يمتلك الوطن أدواته للمستقبل، وأن تتحوّل قدراته البشرية والتقنية والاقتصادية إلى قوة مستدامة، وأيضا دخول الذكاء الاصطناعي مساحة جديدة من هذه الرحلة، بعد أن اختارت المملكة عام 2026 عامًا للذكاء الاصطناعي، مع توجه واضح نحو تطوير تطبيقاته وحلوله، ورفع الإنتاجية، وتحسين الخدمات، وتدريب الكفاءات السعودية.

وعندما يصل وطن إلى قائمة أكبر عشر دول عالميًا في جاذبية الاستثمار التعديني، ويتقدّم في المؤشرات الرقمية، وتتسع صادراته غير النفطية، ويزداد حضور القطاع الخاص، فإن الصورة تصبح أوسع من مشروع اقتصادي؛ إنها صورة وطن يعيد اكتشاف إمكاناته ويستثمرها في صناعة مستقبله.

عشر سنوات حافلة فعلًا، والأهم أن هذه السنوات صنعت أساسًا لمرحلة جديدة؛ فالرؤية التي بدأت عام 2016 تدخل عامها العاشر بأرقام وتجارب ومشروعات، فيما يبقى الإنسان السعودي في قلب الحكاية، فهو الذي يعمل، ويتعلم، ويبتكر، ويصنع أثره في وطن يتغير أمام عينيه.

ختامًا.. عشر سنوات من رؤية 2030.. عشر سنوات اختصرها الطموح، سبقت الزمن وترجمها العمل، وتحكي أرقامها قصة وطن يعرف أين يريد أن يصل.

00:02 | 2-10-2026

مكة ليست هدفاً.. مكة قبلة!

الحمد لله الذي ميّز وطني المملكة العربية السعودية بمزايا عظيمة، على المستويات الإنسانية والدينية والحضارية والثقافية والاقتصادية، والحمد لله الذي وهب وطننا قيادة رشيدة وسياسة حكيمة، جعلت منه وطناً قوياً حاضراً ومؤثراً، والحمد لله أنني «سعودية».

قبل أيام قليلة، اعترضت قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي ودمّرت طائرة مسيّرة أطلقتها مليشيا الحوثي باتجاه مدينة مكة المكرمة، قبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة، تخيلوا معي هذا المشهد: طائرة مسيّرة تأتي من جماعة ترفع شعارات الإسلام، وتتجه نحو قبلة المسلمين! هنا تتجاوز المسألة حدود الصراع العسكري؛ لأن الهدف هذه المرة يقترب من شيء أعمق في وجدان الإنسان المسلم «مكة المكرمة»، والبيت الحرام، والكعبة التي تتجه إليها قلوب المسلمين ووجوههم كل يوم، مكة ليست مدينة عادية، وليست مساحة جغرافية تحددها خطوط الخريطة. مكة معنى يسكن القلب، ومكانة تتجاوز حدود المكان والزمان.

وقبل ذلك في أكتوبر 2016، أطلقت مليشيا الحوثي صاروخاً باليستياً باتجاه منطقة مكة المكرمة، واعترضته قوات الدفاع الجوي السعودي ودمرته، واليوم، في سبتمبر 2026، تتكرر المحاولة بطائرة مسيّرة باتجاه مكة المكرمة، وتتصدى لها الدفاعات السعودية قبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة، ووصفت وزارة الخارجية السعودية هذه المحاولة بأنها تكرار لممارسات الحوثيين في استهداف المشاعر المقدسة واستفزاز لمشاعر المسلمين في شتى بقاع العالم.

وهنا يبرز السؤال الأعمق: كيف تمتد يد الصراع إلى المكان الذي تتجه إليه قلوب المسلمين كل يوم؟ مكة في وجدان المسلم أكبر من مدينة يزورها حين يستطيع ثم يعود إلى حياته؛ إنها جزء من تكوينه الروحي، المسلم في أقصى الشرق والغرب يعرف اتجاهها، ويقف في صلاته متوجهاً إليها، ويحلم بزيارة بيت الله الحرام، ويشعر أن بينه وبين هذه البقعة علاقة لا تحتاج إلى تفسير طويل.

وفي مكة تتقاطع ذاكرة الدين مع ذاكرة الإنسان؛ هنا البيت الحرام، وهنا الكعبة، وهنا المشاعر التي تستقبل كل عام ملايين الحجاج من مختلف البلدان واللغات والأعراق. ولهذا تمتد مكانة مكة إلى كل مسلم، فهي قبلة قلبه، ومهوى فؤاده، والوجهة التي تتجه إليها سجدته.

ولعل أكثر ما يكشف خطورة الاقتراب من مكة أن حرمتها راسخة في النص القرآني وفي وجدان المسلمين منذ قرون. يقول الله تعالى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، لذلك تحمل مكة مكانة تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية؛ إنها حرمة دينية مستقرة في وجدان المسلمين، ورمز يجتمع حوله المسلمون من مختلف أنحاء العالم.

وأنا من مكة، أشعر بهذه المسألة بطريقة مختلفة، مكة بالنسبة ليست صورة أراها في نشرات الأخبار، ولا اسماً نردده حين نتحدث عن المقدسات؛ مكة جزء من وطني السعودي العظيم، هي الطرق التي نعرفها، والجبال التي ألفناها، وصوت الأذان، والمواسم التي تتغيّر معها المدينة، ووجوه الناس الذين يأتون إليها من كل مكان، ثم يغادرونها ويبقى شيء منهم فيها، ومن يعيش في مكة، أو يزورها، يعرف أن للمكان هيبة خاصة تشعر بعظمتها، وتشعر أن هذه المدينة تحمل في هدوئها تاريخاً طويلاً من الإيمان، وفي شوارعها ذاكرة أمة كاملة؛ ولهذا أقول: مكة ليست هدفاً.. مكة قبلة.

ومن يوجّه سلاحه نحو مكة، يقترب من رمز ديني يعرف المسلمون جميعاً مكانته. وقد أكدت المملكة، في بيان وزارة الخارجية الأخير، حقها في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أمن الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن وجميع أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها، أما نحن، أبناء هذا الوطن، فننظر إلى يقظة رجال الدفاع الجوي باعتزاز، ونستحضر دائماً أن حماية الحرمين الشريفين شرف ومسؤولية، وأن وراء أمن مكة رجالاً يسهرون على حمايتها، ويقفون في وجه كل تهديد يقترب من أرضها.

ختاماً.. اللهم احفظ ولاة أمرنا، واحفظ قبلة المسلمين ووطننا كله، واحفظ أبطالنا الذين يقفون على ثغور الوطن، ويبذلون أرواحهم في سبيل أمنه وسلامته.. اللهم اكتب لهم نصرك، واكلأهم برعايتك، وردّهم إلى أهلهم سالمين.

23:33 | 17-09-2026

الماء.. يستعجل المستقبل

ماذا يعني أن ندشّن مشاريع جديدة في قطاع المياه؟ قد يبدو الأمر للمتلقي في ظاهره مجرد خبر عن مشاريع واستثمارات جديدة، لكنني أراه أبعد من ذلك، فالمسألة ليست في أن نضيف مشروعًا إلى مشروع، بل في أن ننتقل خطوة أخرى في علاقتنا مع صناعة كانت لسنوات تعتمد على استيراد التقنية وتشغيلها.

حالما يأتي اليوم موضوع توطين الصناعات والخدمات المائية، فالموضوع يكون عن مرحلة مختلفة؛ مرحلة لا نكتفي فيها بشراء التقنية، بل نتعلم كيف نطوّرها ونصنعها، ثم نصل بها إلى أسواق أخرى قد تفتح لنا مجالات جديدة ومستحدثة، وهذا هو الفرق بين أن تستخدم صناعة ما، وأن تمتلك أدواتها ومعرفتها وخبراتها، وبلادنا الغالية لديها ما يساعدها على هذه النقلة من خبرة طويلة في تشغيل منظومات المياه، وتجارب متراكمة، وبنية تحتية متكاملة، وسوق كبيرة وضخمة يمكن أن تكون نقطة انطلاق لصناعة تنافسية.

أجمل ما في هذه الخطوة المباركة أنها تجعل من التحدي فرصة؛ فالماء بالنسبة لبلادنا لم يكن يومًا شأنًا عابرًا؛ هو حاجة أساسية فرضت علينا أن نبحث عن الحلول ونطوّرها وقد كتبت عن ذلك سابقًا وتحدثت عن إمكانية استثماره اقتصاديًا، واليوم يبدو أننا ننتقل من البحث عن الحل إلى صناعة الحل ذاته حتى نصل إلى مرحلة نصنع فيها التقنية التي نحتاجها، ثم نصدرها إلى غيرنا، وهذا يعني أننا لن نكون قد حققنا توطينًا لقطاع فحسب، بل صنعنا «معرفة» يمكن أن تتحوّل إلى اقتصاد وفرص واستثمارات حديثة العهد.

ختامًا.. تدشين هذه المشاريع لا يعني فقط أن مشاريع جديدة بدأت، بل يعني أن صناعة جديدة تكبر أمامنا وتستعد للمستقبل.. صناعة تبدأ من الماء، لكنها قد تمتد إلى ما هو أبعد منه.. إلى المعرفة، والاستثمار، والتصدير، وإلى اقتصاد يعرف كيف يحوّل احتياجاته إلى فرص تنموية تسبق العالم كله وتستعجل المستقبل البعيد.

21:58 | 10-09-2026

لغتنا الأخرى للمستقبل

عندما أقرأ الأرقام والمؤشرات لأي عمل أو مشروع لا أهتم صدقًا بالرقم كعدد ضخم إنما كمنتج يمكن الاستفادة وتفعيله؛ خاصة وأن بعض الأرقام تأتي محمّلة بما هو أكبر من قيمتها الحسابية، تختصر وراءها حكاية كاملة عن اتجاه جديد، وتحوّل يحدث بصمت، ومستقبل تتشكّل ملامحه قبل أن نصل إليه، لذلك لفتني الرئيس التنفيذي لأكاديمية طويق المهندس عبدالعزيز الحمادي، حينما قال إن أكثر من 2500 طالب وطالبة تخرجوا في مجال التقنيات المتقدمة، ليقودوا الاقتصاد الرقمي للمملكة في السنوات القادمة، فإنني لا أتوقف طويلًا عند الرقم بقدر ما أتوقف عند العبارة التي تليه: «ليقودوا الاقتصاد الرقمي».

فالفارق كبير بين أن نُدرب أبناءنا على استخدام التقنية، وأن نُعدّهم لصناعة التقنية وقيادتها، اليوم تغيّر شكل الاقتصاد كما تغيّر شكل العالم من حولنا؛ فلم تعد الثروة تُقاس بما نملكه من موارد فقط، ولم تعد قيمة الدول مرتبطة بحجم مصانعها وأسواقها وحدها، فهناك ثروة أخرى أكثر خفاءً، لكنها أشد تأثيرًا: المعرفة، والبيانات، والابتكار، والقدرة على تحويل الفكرة إلى قيمة.

ومن هنا يأتي الاقتصاد الرقمي بوصفه أكثر من مصطلح حديث يتردد في المؤتمرات والتقارير وعلى طاولات الأعمال؛ إنه الشكل الجديد للاقتصاد، الذي تتداخل فيه التقنية مع تفاصيل حياتنا وقطاعاتنا كافة، من التعليم والصحة إلى الصناعة والتجارة، ومن الخدمات الحكومية إلى السياحة والإعلام حتى أصبحت المهارة الرقمية إحدى أدوات الإنتاج، وأصبح المبرمج والمطور والمبتكر شريكًا في صناعة القيمة الاقتصادية، لا مجرد موظف في قطاع تقني.

ولذلك، فإن الاستثمار في شبابنا حالما يتعلمون الذكاء الاصطناعي أو البرمجة أو الأمن السيبراني أو غيرها من التقنيات المتقدّمة، ليس استثمارًا في وظيفة قادمة فقط، وإنما استثمار في قدرة وطنية على صناعة ما سيحتاجه المستقبل. وهنا تحديدًا تكمن أهمية ما يحدث اليوم؛ فنحن لا نريد أبناءً يجيدون استخدام التطبيقات التي يصنعها الآخرون فحسب، بل نريد عقولًا تستطيع أن تسأل: ماذا يمكن أن نصنع؟ ماذا يمكن أن نطوّر؟ وما المشكلة التي نستطيع أن نحولها إلى فرصة؟

فالاقتصاد الذي يشتري التقنية يظل مستهلكًا لها، أما الاقتصاد الذي يصنعها ويطوّرها ويصدرها، فإنه يمتلك جزءًا من مستقبله. وربما لهذا السبب، فإن القيمة الحقيقية ليست في عدد الخريجين وحده، وإنما في الأثر الذي سيصنعونه بعد التخرج؛ في الشركات التي قد يؤسّسونها، والمنتجات التي قد يطورونها، والحلول التي قد يقدمونها، والوظائف التي قد يستحدثونها، والأسواق التي قد يفتحون أبوابها.

إنها في النهاية معادلة بسيطة: كل مهارة تقنية جديدة هي فرصة اقتصادية محتملة، وكل عقل يتعلم كيف يصنع الحلول يمكن أن يصبح يومًا ما جزءًا من الحلول التي يحتاجها الوطن، ولذلك حين ننظر إلى خريجي أكاديمية طويق، وإلى غيرهم من أبناء وبنات الوطن الذين يتجهون نحو مجالات التقنية المتقدّمة، علينا ألا نراهم كدفعة جديدة من الخريجين فقط، بل كجيل يقف على عتبة اقتصاد مختلف؛ اقتصاد ستكون فيه الفكرة رأس مال، والمعرفة قيمة، والابتكار منافسة، والإنسان أهم بنية تحتية.

ختامًا.. إذا كان النفط قد شكّل جزءًا مهمًا من قصة الاقتصاد السعودي لعقود، فإن قصة المستقبل قد تُكتب بلغة أخرى؛ لغة لا تُستخرج من باطن الأرض، وإنما من عقول أبنائنا وبناتنا، فالمستقبل لا ينتظرنا.. نحن الذين نُعدّ أنفسنا له، وكلما امتلكنا مهارة جديدة، اقتربنا خطوة أخرى من اقتصاد لا يكتفي بأن يكون حاضرًا في المستقبل، بل يشارك في صناعته.

00:00 | 4-09-2026

قصة روبلوكس والرياض

في كل مرة تختار فيها شركة عالمية أن تضع قدمها في الرياض، أشعر أن علينا أن نقرأ الخبر من زاوية أبعد من اسم الشركة ونشاطها؛ فالأمر لم يعد مجرد استثمار جديد أو مقر إقليمي يضاف إلى قائمة المقرات العالمية في العاصمة، وإنما هو انعكاس لحجم التحول الذي تعيشه المملكة. وحين تكون الشركة هي «روبلوكس» المنصة التي صنعت عالمًا رقميًا كاملًا يتجاوز فكرة اللعب إلى الإبداع وصناعة المحتوى والبرمجة والتجارب التفاعلية، فإن اختيارها الرياض مقرًا إقليميًا للشرق الأوسط وشمال أفريقيا يحمل دلالة أكبر: أن الاقتصاد الرقمي أصبح جزءًا حقيقيًا من مستقبلنا، وأن الرياض قادرة على أن تكون مركزًا تنطلق منه الشركات العالمية إلى أسواق المنطقة.

والأهم في هذا الحضور، بالنسبة لي، ليس اسم «روبلوكس» ولا مقرها الجديد، وإنما ما يمكن أن يتركه وجودها في الإنسان السعودي. فصناعة الألعاب اليوم لم تعد ترفيهًا عابرًا؛ إنها صناعة تخلق فرصًا للمبرمج والمصمم وصانع المحتوى والمبتكر، وتفتح أمام الشباب أبوابًا للعمل والاستثمار والوصول إلى جمهور عالمي. ومن هنا يمكن أن يتحول الشاب من مستخدم للعبة إلى صانع لها، ومن مستهلك للمحتوى إلى منتج ينافس به. وهذا هو الأثر الاقتصادي الذي يستحق أن نتأمله: استثمارات جديدة، وفرص عمل، ونقل للمعرفة والخبرة، ونمو لشركات واستوديوهات محلية، وربما ولادة جيل جديد من رواد الأعمال في صناعة لم تكن تحظى بهذا الحضور من قبل. كما أن تقاطع الألعاب مع التعليم والتقنية يمكن أن يمنح أبناءنا مساحة مختلفة لاكتشاف مهاراتهم مبكرًا، خصوصًا في البرمجة والتصميم والتفكير الإبداعي.

لكنني أظن أن السؤال الأجمل الذي يفرضه هذا الخبر ليس: لماذا اختارت «روبلوكس» الرياض؟ وإنما: ماذا سنصنع نحن من وجود «روبلوكس» في الرياض؟ فنجاح استقطاب الشركات العالمية لا يكتمل بعدد المقرات التي تفتح أبوابها، وإنما بما تتركه خلفها من معرفة ومواهب ومشاريع وفرص، اليوم نريد أن تكون الرياض مكانًا تأتي إليه الشركات العالمية، ومكانًا تنطلق منه الشركات السعودية إلى العالم وهذا ما يحدث فعلا؛ نريد أن يدخل أبناؤنا هذه الصناعة مستخدمين، ثم يخرجوا منها مبدعين ومطورين ومستثمرين. وحين يحدث ذلك، سنعرف أن «روبلوكس» لم تأتِ إلى الرياض لتفتح مقرًا إقليميًا فقط، بل جاءت إلى مدينة تتغير ملامح اقتصادها، وإلى جيل يتغير طموحه، وإلى وطن قرر أن يكون حاضرًا في الصناعات التي تصنع المستقبل، لا أن يكتفي بمشاهدة العالم وهو يصنعها.

ختامًا.. ليست الحكاية أن «روبلوكس» اختارت الرياض، بل أن الرياض أصبحت خيارًا عالميًا لصناعة المستقبل. ويبقى الرهان الحقيقي أن نحول هذا الحضور إلى أثرٍ باقٍ؛ مواهب تُكتشف، وأفكار تُصنع، وشركات سعودية تنطلق من الرياض إلى العالم.

00:00 | 28-08-2026

بيوتنا ليست للعنكبوت

تعودتُ كل عام، مع العودة إلى المدارس، أن أكتب عن الدور الجسيم الذي تضطلع به الأسرة في هذه العودة، وعن تلك التفاصيل التي قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تصنع فارقاً كبيراً في نفس الطفل وحياته الدراسية؛ فالعودة إلى المدرسة ليست مجرد انتقال من إجازة إلى مقاعد الدراسة، ولا هي حقيبة جديدة وكتب ودفاتر وجدول حصص؛ إنها انتقال نفسي وعاطفي يحتاج فيه الأبناء إلى من يهيئهم له، ويمنحهم الطمأنينة قبل أن يطالبهم بالإنجاز.

فالأسرة هي المحطة الأولى التي يعود إليها الطفل كل يوم، ومنها يستمد كثيراً من شعوره بالأمان والثقة والقدرة على مواجهة ما ينتظره خارج المنزل. ولذلك، فإن تهيئة الأبناء للعام الدراسي لا ينبغي أن تبدأ ليلة الدراسة الأولى، بل تبدأ من صناعة بيئة منزلية هادئة ومتوازنة، يشعر فيها الابن بأن المدرسة مساحة للتعلم واكتشاف الذات، وليست مصدراً دائماً للخوف والضغط.

ومن أجمل ما يمكن أن تقدّمه الأسرة لأبنائها في هذه المرحلة أن تعيد تنظيم إيقاع الحياة بهدوء؛ مواعيد النوم والاستيقاظ والطعام، والوقت المخصص للدراسة والراحة والترفيه. فالطفل الذي يدخل يومه مرتبكاً ومتعباً قد يجد صعوبة في التركيز والتفاعل، بينما تمنحه العادات المنتظمة شعوراً بالاستقرار والاستعداد.

لكن الصحة النفسية لا تُبنى بالروتين وحده؛ إنها تُبنى قبل ذلك بالكلمة. أن نسأل أبناءنا عن يومهم ونستمع فعلاً إلى إجابتهم، وأن نمنحهم مساحة للحديث عن خوفهم أو قلقهم أو مواقفهم مع زملائهم ومعلميهم، وأن نتعامل مع تعثرهم باعتباره فرصة للتعلم، لا سبباً للعقاب واللوم. فالطفل لا يحتاج دائماً إلى من يقدم له الحلول، بقدر حاجته إلى من يشعره بأن هناك من يسمعه ويفهمه.

وفي المقابل، علينا أن ننتبه إلى خطورة المقارنات التي تتسلل أحياناً إلى البيوت دون أن نشعر: «انظر إلى فلان»، «لماذا لم تحصل على مثل درجته؟»، «أختك أفضل منك». مثل هذه العبارات قد تبدو محفّزة في لحظتها، لكنها تترك أثراً عميقاً في نفس الطفل، وتحوّل النجاح من رحلة لاكتشاف قدراته إلى سباق مستمر لإثبات ذاته أمام الآخرين.

والأسرة الواعية لا تجعل الدرجات هي المقياس الوحيد للنجاح. نعم، التفوق الدراسي مهم، لكن الأهم أن يتعلم الابن كيف يتحمّل المسؤولية، وكيف ينظم وقته، وكيف يحترم الآخرين، وكيف يواجه الفشل، وكيف يحاول مرة أخرى. فهذه المهارات هي التي ستبقى معه طويلاً بعد أن تنتهي ورقة الاختبار.

كما أن القدوة الأسرية جزء أساسي من هذه التربية؛ فالأبناء يتعلمون مما يرونه أكثر مما يتعلمون مما نطلبه منهم. حين يرون في البيت احتراماً للوقت، وحواراً هادئاً، وقراءة، وتنظيماً، وتوازناً في استخدام الأجهزة، فإنهم يتعلمون ذلك بصورة طبيعية، دون محاضرات طويلة.

ولأن المدرسة والأسرة شريكان في رحلة واحدة، فإن التواصل بينهما ينبغي أن يكون قائماً على التعاون؛ فحين تتكامل الأدوار، يصبح اكتشاف أي مشكلة يواجهها الطالب أسرع، ويصبح التعامل معها أكثر حكمة، ويشعر الابن أن من حوله يعملون من أجله، لا يراقبونه فقط.

إن أجمل ما يمكن أن نهديه لأبنائنا مع بداية عام دراسي جديد ليس حقيبة أجمل، ولا أدوات أكثر، ولا قائمة طويلة من التوقعات؛ بل بيتاً يشعرون فيه بالأمان، وأباً وأماً يقولان لهم بصدق: «نحن نثق بكم، ونؤمن بقدرتكم، وسنكون إلى جانبكم في النجاح والتعثر معاً».

ختاماً.. المدرسة تفتح أبوابها كل عام لاستقبال أبنائنا، لكن البيت هو الذي يهيئ قلوبهم للدخول إليها. ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية للتعليم: من أسرة تعرف أن مهمتها ليست أن تصنع طالباً متفوقاً فحسب، بل أن تصنع إنساناً سليماً، واثقاً، متوازناً، وقادراً على أن يمضي في الحياة بقلب مطمئن؛ حتى لا تكون بيوتنا كبيت العنكبوت.

19:26 | 20-08-2026

جدة مزاجي وأمواجي..

لجدة ذاكرة لا تشبه المدن؛ ذاكرة تفوح منها رائحة البحر، وتختبئ في ظلال الرواشين، وتنساب في الأزقة القديمة كحكاية لا تريد أن تنتهي في وجدان المتلقي، مدينة كانت تستقبل القادمين من البحر، وتودّع الراحلين إليه، وتفتح أبوابها للتجارة والحجاج والثقافات، حتى أصبح البحر جزءًا من شخصيتها، لا مجرد امتداد جغرافي أمامها.

وحين أتأمل جدة التاريخية اليوم، أتخيل تلك العلاقة القديمة وهي تستعيد شيئًا من نبضها؛ كأن البحر الذي ظل طويلًا على مسافة من «البلد» يقترب منها من جديد، وكأن المدينة تستعيد نافذة كانت تطل منها على العالم.

من هنا تبدو فكرة مشروع وزارة الثقافة بإنشاء بوابة بحرية ومارينا متكامل في جدة التاريخية أكبر من مشروع عمراني أو وجهة سياحية جديدة؛ إنها محاولة لإعادة وصل جدة بذاكرتها البحرية، واستعادة جزء من صورتها الأولى وهي تنظر إلى البحر بوصفه طريقًا للحياة والعالم.

تخيّل معي ستكون واجهة البلد في جدة التاريخية مرسى ونادي يخوت ومطاعم ومقاهي فارهة بمعنى ستصبح جدة التاريخية ذاكرة جديدة معجونة بالذاكرة الأولى؛ فجدة التاريخية ليست بيوتًا قديمة وأزقة تحفظ ذاكرة المكان فحسب؛ إنها مدينة كانت نابضة بالحركة، مفتوحة على البحر، وعلى التجارة والثقافات وحكايات العابرين. ولذلك فإن إعادة البحر إلى قلب تجربتها يمكن أن تمنح «البلد» حياة جديدة، من دون أن تفقد ملامحها القديمة.

تخيّل معي أيضًا أن يبدأ الزائر رحلته بين الرواشين والأبواب والأسواق، ثم ينتهي به الطريق عند البحر؛ فيرى المراكب أمامه، وتبقى العمارة التاريخية خلفه، فيلتقي في مشهد واحد ماضي جدة بمستقبلها ! هنا لا يصبح المرسى مجرد مكان للقوارب، بل مساحة للحياة؛ مطاعم ومقاهٍ، أنشطة بحرية، مساحات عامة، فعاليات ثقافية، وتجارب تحكي قصة جدة مع البحر الأحمر.

وهذا هو الفارق بين تطوير المكان وإحيائه؛ فالتطوير يضيف إليه، أما الإحياء فيعيد إليه ما فقده.

والأجمل أن يتحوّل البحر إلى مدخل جديد لجدة التاريخية، لا مجرد خلفية لها؛ بوابة تقول للقادم: هنا مدينة عرفت منذ زمن بعيد كيف تستقبل العالم، واليوم تفتح له بابًا جديدًا. إن قيمة المشروع الحقيقية لن تقاس بعدد القوارب التي ستتوقف في المارينا، بل بعدد الفرص والقصص والأحداث والتجارب التي ستولد حولها.. فحين يلتقي التراث بالبحر، والسياحة بالاقتصاد، والذاكرة بالمستقبل، تصبح جدة التاريخية أكثر من موقع تراثي؛ تصبح مدينة تُعاش.

ختامًا.. جدة لا تحتاج إلى أن تكتشف البحر؛ فهي تعرفه منذ قرون ولكن حين تفتح «البلد» نافذتها على البحر من جديد، سنكتشف أن جدة لم تكن يومًا مجرد مدينة على الساحل؛ كانت وما زالت «جدة غير مثل الغرق.. بين السهر والنوم» مدينة كلما ظننا أننا عرفناها، فاجأتنا بوجه أجمل من ذاكرتها.

00:07 | 14-08-2026

مشغول.. إذن أنا مهم!

لماذا أصبح قول «أنا مشغول» يشبه إعلانًا عن المكانة؟ يكفي أن تسأل أحدهم: كيف حالك؟ حتى تأتيك الإجابة سريعًا: مشغول جدًا.. الأيام هذه ما فيها وقت، وقد لا يكون في العبارة ما يستحق التوقف، لكن تكرارها جعلني أتساءل: هل نحن فعلًا مشغولون إلى هذا الحد، أم أننا أصبحنا نستخدم الانشغال لإثبات أننا مهمون؟

يبدو أن «ما عندي وقت» أصبحت واحدة من أكثر العبارات حضورًا في حياتنا اليومية، نقولها في العمل، وفي المناسبات، وحتى في علاقاتنا، نعتذر عن زيارة مؤجلة، وعن اتصال لم نرد عليه، وعن كتاب لم نقرأه، وعن صديق لم نلتقِ به منذ أشهر، والسبب جاهز دائمًا: «مشغول».

لكن ماذا لو كان بعض هذا الانشغال مجرد وهم؟

التقنية وفرت علينا الكثير من الوقت، لكنها في الوقت نفسه ملأت كل دقيقة فارغة منه. الهاتف معنا طوال الوقت، والتنبيهات لا تتوقف، ورسائل العمل تصل بعد انتهاء الدوام، ومواقع التواصل تفتح لنا أبوابًا لا تنتهي من الأخبار والصور والمحادثات.. أصبحنا نعيش وكأن هناك شيئًا ينتظرنا دائمًا حتى عندما لا يكون لدينا شيء عاجل، نشعر أننا يجب أن نفعل شيئًا.

وهنا حدث تحول غريب؛ لم يعد الإنسان يشعر بالراحة عندما يجد وقتًا فارغًا، بل يشعر بالذنب، يجلس في مقهى، فيفتح هاتفه، ينتظر موعدًا، فيبحث عن شيء يشغله، يسافر، فيضع قائمة طويلة بالأماكن التي يجب أن يزورها.. يأخذ إجازة، فيملأها بالخطط.

وكأننا فقدنا القدرة على أن نكون بلا مهمة، المشكلة ليست في العمل، فالعمل قيمة، والطموح قيمة، والإنجاز قيمة، المشكلة عندما يصبح الانشغال هو المقياس الوحيد الذي نقيس به أنفسنا والآخرين.

ننظر إلى الشخص الذي لا يتوقف وكأنه أكثر نجاحًا، بينما قد يكون شخص آخر يعمل أقل، لكنه يعرف تمامًا أين يضع وقته، ليس كل اجتماع مهمًا، وليس كل رسالة تحتاج إلى رد فوري، وليس كل فرصة تستحق أن نقبل بها، وليس كل فراغ يحتاج إلى أن نملأه.

هناك وقت لا علاقة له بالإنتاجية ولا يُقاس بها ومن خلالها مثل وقت للعائلة، للصداقة، للقراءة، للتفكير، للتأمل، وحتى للملل.. نعم.. للملل أيضًا، فالإنسان حين لا يكون مشغولًا بشيء قد يبدأ أخيرًا في التفكير في نفسه وربما لهذا تحديدًا أصبحنا نخاف منه، نحن نعيش في زمن يستطيع فيه الإنسان أن يهرب من نفسه بسهولة شديدة؛ يكفي أن يفتح هاتفه، أو يرد على رسالة، أو يبدأ مهمة جديدة لكن الهدوء يكشف لنا أشياء نحاول أحيانًا ألا نراها، يكشف أن بعض ما نفعله لا نحتاجه، وأن بعض العلاقات تستنزفنا، وأن بعض الأهداف لم تعد تعنينا، وأننا ربما نركض منذ سنوات خلف أشياء اخترناها لأن الجميع يركض نحوها.

ولهذا أعتقد أن امتلاك الوقت أصبح نوعًا جديدًا من الثراء ليس لأن لدينا ساعات أكثر من الآخرين، وإنما لأننا نستطيع أن نختار أين نضع ساعاتنا، أن نقول «لا» دون شعور بالذنب، أن نغلق هواتفنا، أن ننهي عملنا ونغادر، أن تجلس مع عائلتنا دون أن تشعر بأنك تهدر وقتًا، أن نقرأ كتابًا لا علاقة له بحياتنا كلها، أن نترك يومًا بلا جدول.

فربما لم يعد السؤال: كم أنجزت اليوم؟بل: هل عشت اليوم بالطريقة التي أريدها؟

ختامًا.. لن تكون قيمة حياتنا بعدد الساعات التي أمضيناها في الركض، ولا بعدد المهام التي شطبناها من قوائمنا.. سيبقى منها الأشخاص الذين منحناهم وقتنا، والأفكار التي منحناها فرصة، واللحظات التي كنا فيها حاضرين فعلًا.. لذلك، في المرة القادمة التي يقول فيها أحدهم: «أنا مشغول جدًا» ربما لا نحتاج إلى أن نعجب بانشغاله.

00:00 | 7-08-2026

من زمزم إلى عام الماء 2027

قبل آلاف السنين، كانت أم تمضي بين الصفا والمروة تبحث عن قطرة ماء لطفلها، لم تكن تعلم أن سعيها سيخلّد في ذاكرة البشرية، وأن الماء الذي تفجّر تحت قدمَي إسماعيل عليه السلام سيظل يجري إلى يومنا هذا، ليصبح زمزم أعظم قصة ماء عرفها التاريخ. ومنذ ذلك اليوم، ارتبطت هذه الأرض بالماء بوصفه نعمة ورحمة وعنوانًا للحياة.

لذلك، بدا قرار تسمية عام 2027 بـ«عام الماء» قرارًا يحمل بعدًا يتجاوز المناسبة، فهو يلفت الانتباه إلى مورد لا تقوم الحياة بدونه، ويمنح المجتمع فرصة لإعادة النظر في علاقتنا اليومية بالماء؛ كيف نستهلكه، وكيف نحافظ عليه، وكيف نورث أبناءنا ثقافة تقدير هذه النعمة.

لقد استطاعت المملكة أن تقدّم للعالم تجربة استثنائية في إدارة المياه، رغم طبيعتها الصحراوية، فمن خلال التحلية، والتقنيات الحديثة، ومشروعات البنية التحتية، تحوّلت تحديات المياه إلى قصة نجاح وطنية نفخر بها.. لكن نجاح المشروعات وحده لا يكفي إذا لم يصاحبه وعي مجتمعي يجعل المحافظة على الماء سلوكًا راسخًا لا يرتبط بحملة مؤقتة أو مناسبة عابرة.

وهنا أرى أن قيمة «عام الماء» تكمن في الرسائل التي يمكن أن يتركها هذا العام.. فبدلًا من أن يكون عامًا للفعاليات فقط، يمكن أن يكون عامًا للتغيير الحقيقي. لماذا لا تتحول المدارس إلى ورش عمل صغيرة يتعلم فيها الطلاب قيمة كل قطرة؟ ولماذا لا تُطلق مبادرات إعلامية تروي رحلة الماء منذ مصدره حتى يصل إلى منازلنا، ليدرك الجميع حجم الجهد الذي يقف خلف كل كوب نشربه؟ ولماذا لا تصبح قصص الابتكار في ترشيد المياه، والمسابقات، والأفلام القصيرة، والمبادرات التطوعية، جزءًا من هذا العام، بحيث يشعر كل مواطن ومقيم أنه شريك في نجاحه؟

كما أن القطاع الخاص يستطيع أن يقدّم نماذج ملهمة في كفاءة استخدام المياه، ويمكن للجامعات أن تتبنى مشاريع بحثية وابتكارات عملية، بينما يساهم صنّاع المحتوى في تحويل رسائل الترشيد إلى محتوى بسيط وقريب من الناس، فالقضايا الكبرى لا يغيّرها قرار وحده، وإنما يغيّرها اقتناع المجتمع بها.

وأتمنى أيضًا أن يحمل هذا العام رسالة للعالم، مفادها أن الدولة التي انطلقت منها قصة زمزم، تقدّم اليوم نموذجًا معاصرًا في إدارة المياه واستدامتها، إنها رسالة تجمع بين العمق التاريخي، والوعي البيئي، والتقدّم التقني، لتؤكد أن احترام الماء جزء من احترام الحياة نفسها.

«عام الماء 2027» سينجح بإذن الله في أن يجعل كل واحد منا يغلق صنبورًا لا يحتاجه، أو يزرع في طفل تقديرًا لهذه النعمة، أو يلهم فكرة جديدة تحافظ على مواردنا. فمن زمزم بدأت الحكاية، ومن وعي المجتمع يمكن أن تستمر، لتبقى كل قطرة ماء مسؤولية وطن، وثقافة شعب، وإرثًا نحفظه للأجيال القادمة.

ختامًا.. سيبقى «عام الماء» فرصة لنثبت أن الحفاظ على النعم يبدأ بالوعي قبل الإمكانات، وأن بلادنا التي انطلقت منها قصة زمزم، قادرة اليوم على أن تقدّم للعالم قصة جديدة عنوانها: الاستدامة، والمسؤولية، والوفاء لكل قطرة ماء.

00:00 | 31-07-2026