أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1112.jpg&w=220&q=100&f=webp

منى العتيبي

الماء.. يستعجل المستقبل

ماذا يعني أن ندشّن مشاريع جديدة في قطاع المياه؟ قد يبدو الأمر للمتلقي في ظاهره مجرد خبر عن مشاريع واستثمارات جديدة، لكنني أراه أبعد من ذلك، فالمسألة ليست في أن نضيف مشروعًا إلى مشروع، بل في أن ننتقل خطوة أخرى في علاقتنا مع صناعة كانت لسنوات تعتمد على استيراد التقنية وتشغيلها.

حالما يأتي اليوم موضوع توطين الصناعات والخدمات المائية، فالموضوع يكون عن مرحلة مختلفة؛ مرحلة لا نكتفي فيها بشراء التقنية، بل نتعلم كيف نطوّرها ونصنعها، ثم نصل بها إلى أسواق أخرى قد تفتح لنا مجالات جديدة ومستحدثة، وهذا هو الفرق بين أن تستخدم صناعة ما، وأن تمتلك أدواتها ومعرفتها وخبراتها، وبلادنا الغالية لديها ما يساعدها على هذه النقلة من خبرة طويلة في تشغيل منظومات المياه، وتجارب متراكمة، وبنية تحتية متكاملة، وسوق كبيرة وضخمة يمكن أن تكون نقطة انطلاق لصناعة تنافسية.

أجمل ما في هذه الخطوة المباركة أنها تجعل من التحدي فرصة؛ فالماء بالنسبة لبلادنا لم يكن يومًا شأنًا عابرًا؛ هو حاجة أساسية فرضت علينا أن نبحث عن الحلول ونطوّرها وقد كتبت عن ذلك سابقًا وتحدثت عن إمكانية استثماره اقتصاديًا، واليوم يبدو أننا ننتقل من البحث عن الحل إلى صناعة الحل ذاته حتى نصل إلى مرحلة نصنع فيها التقنية التي نحتاجها، ثم نصدرها إلى غيرنا، وهذا يعني أننا لن نكون قد حققنا توطينًا لقطاع فحسب، بل صنعنا «معرفة» يمكن أن تتحوّل إلى اقتصاد وفرص واستثمارات حديثة العهد.

ختامًا.. تدشين هذه المشاريع لا يعني فقط أن مشاريع جديدة بدأت، بل يعني أن صناعة جديدة تكبر أمامنا وتستعد للمستقبل.. صناعة تبدأ من الماء، لكنها قد تمتد إلى ما هو أبعد منه.. إلى المعرفة، والاستثمار، والتصدير، وإلى اقتصاد يعرف كيف يحوّل احتياجاته إلى فرص تنموية تسبق العالم كله وتستعجل المستقبل البعيد.

منذ 16 ساعة

لغتنا الأخرى للمستقبل

عندما أقرأ الأرقام والمؤشرات لأي عمل أو مشروع لا أهتم صدقًا بالرقم كعدد ضخم إنما كمنتج يمكن الاستفادة وتفعيله؛ خاصة وأن بعض الأرقام تأتي محمّلة بما هو أكبر من قيمتها الحسابية، تختصر وراءها حكاية كاملة عن اتجاه جديد، وتحوّل يحدث بصمت، ومستقبل تتشكّل ملامحه قبل أن نصل إليه، لذلك لفتني الرئيس التنفيذي لأكاديمية طويق المهندس عبدالعزيز الحمادي، حينما قال إن أكثر من 2500 طالب وطالبة تخرجوا في مجال التقنيات المتقدمة، ليقودوا الاقتصاد الرقمي للمملكة في السنوات القادمة، فإنني لا أتوقف طويلًا عند الرقم بقدر ما أتوقف عند العبارة التي تليه: «ليقودوا الاقتصاد الرقمي».

فالفارق كبير بين أن نُدرب أبناءنا على استخدام التقنية، وأن نُعدّهم لصناعة التقنية وقيادتها، اليوم تغيّر شكل الاقتصاد كما تغيّر شكل العالم من حولنا؛ فلم تعد الثروة تُقاس بما نملكه من موارد فقط، ولم تعد قيمة الدول مرتبطة بحجم مصانعها وأسواقها وحدها، فهناك ثروة أخرى أكثر خفاءً، لكنها أشد تأثيرًا: المعرفة، والبيانات، والابتكار، والقدرة على تحويل الفكرة إلى قيمة.

ومن هنا يأتي الاقتصاد الرقمي بوصفه أكثر من مصطلح حديث يتردد في المؤتمرات والتقارير وعلى طاولات الأعمال؛ إنه الشكل الجديد للاقتصاد، الذي تتداخل فيه التقنية مع تفاصيل حياتنا وقطاعاتنا كافة، من التعليم والصحة إلى الصناعة والتجارة، ومن الخدمات الحكومية إلى السياحة والإعلام حتى أصبحت المهارة الرقمية إحدى أدوات الإنتاج، وأصبح المبرمج والمطور والمبتكر شريكًا في صناعة القيمة الاقتصادية، لا مجرد موظف في قطاع تقني.

ولذلك، فإن الاستثمار في شبابنا حالما يتعلمون الذكاء الاصطناعي أو البرمجة أو الأمن السيبراني أو غيرها من التقنيات المتقدّمة، ليس استثمارًا في وظيفة قادمة فقط، وإنما استثمار في قدرة وطنية على صناعة ما سيحتاجه المستقبل. وهنا تحديدًا تكمن أهمية ما يحدث اليوم؛ فنحن لا نريد أبناءً يجيدون استخدام التطبيقات التي يصنعها الآخرون فحسب، بل نريد عقولًا تستطيع أن تسأل: ماذا يمكن أن نصنع؟ ماذا يمكن أن نطوّر؟ وما المشكلة التي نستطيع أن نحولها إلى فرصة؟

فالاقتصاد الذي يشتري التقنية يظل مستهلكًا لها، أما الاقتصاد الذي يصنعها ويطوّرها ويصدرها، فإنه يمتلك جزءًا من مستقبله. وربما لهذا السبب، فإن القيمة الحقيقية ليست في عدد الخريجين وحده، وإنما في الأثر الذي سيصنعونه بعد التخرج؛ في الشركات التي قد يؤسّسونها، والمنتجات التي قد يطورونها، والحلول التي قد يقدمونها، والوظائف التي قد يستحدثونها، والأسواق التي قد يفتحون أبوابها.

إنها في النهاية معادلة بسيطة: كل مهارة تقنية جديدة هي فرصة اقتصادية محتملة، وكل عقل يتعلم كيف يصنع الحلول يمكن أن يصبح يومًا ما جزءًا من الحلول التي يحتاجها الوطن، ولذلك حين ننظر إلى خريجي أكاديمية طويق، وإلى غيرهم من أبناء وبنات الوطن الذين يتجهون نحو مجالات التقنية المتقدّمة، علينا ألا نراهم كدفعة جديدة من الخريجين فقط، بل كجيل يقف على عتبة اقتصاد مختلف؛ اقتصاد ستكون فيه الفكرة رأس مال، والمعرفة قيمة، والابتكار منافسة، والإنسان أهم بنية تحتية.

ختامًا.. إذا كان النفط قد شكّل جزءًا مهمًا من قصة الاقتصاد السعودي لعقود، فإن قصة المستقبل قد تُكتب بلغة أخرى؛ لغة لا تُستخرج من باطن الأرض، وإنما من عقول أبنائنا وبناتنا، فالمستقبل لا ينتظرنا.. نحن الذين نُعدّ أنفسنا له، وكلما امتلكنا مهارة جديدة، اقتربنا خطوة أخرى من اقتصاد لا يكتفي بأن يكون حاضرًا في المستقبل، بل يشارك في صناعته.

00:00 | 4-09-2026

قصة روبلوكس والرياض

في كل مرة تختار فيها شركة عالمية أن تضع قدمها في الرياض، أشعر أن علينا أن نقرأ الخبر من زاوية أبعد من اسم الشركة ونشاطها؛ فالأمر لم يعد مجرد استثمار جديد أو مقر إقليمي يضاف إلى قائمة المقرات العالمية في العاصمة، وإنما هو انعكاس لحجم التحول الذي تعيشه المملكة. وحين تكون الشركة هي «روبلوكس» المنصة التي صنعت عالمًا رقميًا كاملًا يتجاوز فكرة اللعب إلى الإبداع وصناعة المحتوى والبرمجة والتجارب التفاعلية، فإن اختيارها الرياض مقرًا إقليميًا للشرق الأوسط وشمال أفريقيا يحمل دلالة أكبر: أن الاقتصاد الرقمي أصبح جزءًا حقيقيًا من مستقبلنا، وأن الرياض قادرة على أن تكون مركزًا تنطلق منه الشركات العالمية إلى أسواق المنطقة.

والأهم في هذا الحضور، بالنسبة لي، ليس اسم «روبلوكس» ولا مقرها الجديد، وإنما ما يمكن أن يتركه وجودها في الإنسان السعودي. فصناعة الألعاب اليوم لم تعد ترفيهًا عابرًا؛ إنها صناعة تخلق فرصًا للمبرمج والمصمم وصانع المحتوى والمبتكر، وتفتح أمام الشباب أبوابًا للعمل والاستثمار والوصول إلى جمهور عالمي. ومن هنا يمكن أن يتحول الشاب من مستخدم للعبة إلى صانع لها، ومن مستهلك للمحتوى إلى منتج ينافس به. وهذا هو الأثر الاقتصادي الذي يستحق أن نتأمله: استثمارات جديدة، وفرص عمل، ونقل للمعرفة والخبرة، ونمو لشركات واستوديوهات محلية، وربما ولادة جيل جديد من رواد الأعمال في صناعة لم تكن تحظى بهذا الحضور من قبل. كما أن تقاطع الألعاب مع التعليم والتقنية يمكن أن يمنح أبناءنا مساحة مختلفة لاكتشاف مهاراتهم مبكرًا، خصوصًا في البرمجة والتصميم والتفكير الإبداعي.

لكنني أظن أن السؤال الأجمل الذي يفرضه هذا الخبر ليس: لماذا اختارت «روبلوكس» الرياض؟ وإنما: ماذا سنصنع نحن من وجود «روبلوكس» في الرياض؟ فنجاح استقطاب الشركات العالمية لا يكتمل بعدد المقرات التي تفتح أبوابها، وإنما بما تتركه خلفها من معرفة ومواهب ومشاريع وفرص، اليوم نريد أن تكون الرياض مكانًا تأتي إليه الشركات العالمية، ومكانًا تنطلق منه الشركات السعودية إلى العالم وهذا ما يحدث فعلا؛ نريد أن يدخل أبناؤنا هذه الصناعة مستخدمين، ثم يخرجوا منها مبدعين ومطورين ومستثمرين. وحين يحدث ذلك، سنعرف أن «روبلوكس» لم تأتِ إلى الرياض لتفتح مقرًا إقليميًا فقط، بل جاءت إلى مدينة تتغير ملامح اقتصادها، وإلى جيل يتغير طموحه، وإلى وطن قرر أن يكون حاضرًا في الصناعات التي تصنع المستقبل، لا أن يكتفي بمشاهدة العالم وهو يصنعها.

ختامًا.. ليست الحكاية أن «روبلوكس» اختارت الرياض، بل أن الرياض أصبحت خيارًا عالميًا لصناعة المستقبل. ويبقى الرهان الحقيقي أن نحول هذا الحضور إلى أثرٍ باقٍ؛ مواهب تُكتشف، وأفكار تُصنع، وشركات سعودية تنطلق من الرياض إلى العالم.

00:00 | 28-08-2026

بيوتنا ليست للعنكبوت

تعودتُ كل عام، مع العودة إلى المدارس، أن أكتب عن الدور الجسيم الذي تضطلع به الأسرة في هذه العودة، وعن تلك التفاصيل التي قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تصنع فارقاً كبيراً في نفس الطفل وحياته الدراسية؛ فالعودة إلى المدرسة ليست مجرد انتقال من إجازة إلى مقاعد الدراسة، ولا هي حقيبة جديدة وكتب ودفاتر وجدول حصص؛ إنها انتقال نفسي وعاطفي يحتاج فيه الأبناء إلى من يهيئهم له، ويمنحهم الطمأنينة قبل أن يطالبهم بالإنجاز.

فالأسرة هي المحطة الأولى التي يعود إليها الطفل كل يوم، ومنها يستمد كثيراً من شعوره بالأمان والثقة والقدرة على مواجهة ما ينتظره خارج المنزل. ولذلك، فإن تهيئة الأبناء للعام الدراسي لا ينبغي أن تبدأ ليلة الدراسة الأولى، بل تبدأ من صناعة بيئة منزلية هادئة ومتوازنة، يشعر فيها الابن بأن المدرسة مساحة للتعلم واكتشاف الذات، وليست مصدراً دائماً للخوف والضغط.

ومن أجمل ما يمكن أن تقدّمه الأسرة لأبنائها في هذه المرحلة أن تعيد تنظيم إيقاع الحياة بهدوء؛ مواعيد النوم والاستيقاظ والطعام، والوقت المخصص للدراسة والراحة والترفيه. فالطفل الذي يدخل يومه مرتبكاً ومتعباً قد يجد صعوبة في التركيز والتفاعل، بينما تمنحه العادات المنتظمة شعوراً بالاستقرار والاستعداد.

لكن الصحة النفسية لا تُبنى بالروتين وحده؛ إنها تُبنى قبل ذلك بالكلمة. أن نسأل أبناءنا عن يومهم ونستمع فعلاً إلى إجابتهم، وأن نمنحهم مساحة للحديث عن خوفهم أو قلقهم أو مواقفهم مع زملائهم ومعلميهم، وأن نتعامل مع تعثرهم باعتباره فرصة للتعلم، لا سبباً للعقاب واللوم. فالطفل لا يحتاج دائماً إلى من يقدم له الحلول، بقدر حاجته إلى من يشعره بأن هناك من يسمعه ويفهمه.

وفي المقابل، علينا أن ننتبه إلى خطورة المقارنات التي تتسلل أحياناً إلى البيوت دون أن نشعر: «انظر إلى فلان»، «لماذا لم تحصل على مثل درجته؟»، «أختك أفضل منك». مثل هذه العبارات قد تبدو محفّزة في لحظتها، لكنها تترك أثراً عميقاً في نفس الطفل، وتحوّل النجاح من رحلة لاكتشاف قدراته إلى سباق مستمر لإثبات ذاته أمام الآخرين.

والأسرة الواعية لا تجعل الدرجات هي المقياس الوحيد للنجاح. نعم، التفوق الدراسي مهم، لكن الأهم أن يتعلم الابن كيف يتحمّل المسؤولية، وكيف ينظم وقته، وكيف يحترم الآخرين، وكيف يواجه الفشل، وكيف يحاول مرة أخرى. فهذه المهارات هي التي ستبقى معه طويلاً بعد أن تنتهي ورقة الاختبار.

كما أن القدوة الأسرية جزء أساسي من هذه التربية؛ فالأبناء يتعلمون مما يرونه أكثر مما يتعلمون مما نطلبه منهم. حين يرون في البيت احتراماً للوقت، وحواراً هادئاً، وقراءة، وتنظيماً، وتوازناً في استخدام الأجهزة، فإنهم يتعلمون ذلك بصورة طبيعية، دون محاضرات طويلة.

ولأن المدرسة والأسرة شريكان في رحلة واحدة، فإن التواصل بينهما ينبغي أن يكون قائماً على التعاون؛ فحين تتكامل الأدوار، يصبح اكتشاف أي مشكلة يواجهها الطالب أسرع، ويصبح التعامل معها أكثر حكمة، ويشعر الابن أن من حوله يعملون من أجله، لا يراقبونه فقط.

إن أجمل ما يمكن أن نهديه لأبنائنا مع بداية عام دراسي جديد ليس حقيبة أجمل، ولا أدوات أكثر، ولا قائمة طويلة من التوقعات؛ بل بيتاً يشعرون فيه بالأمان، وأباً وأماً يقولان لهم بصدق: «نحن نثق بكم، ونؤمن بقدرتكم، وسنكون إلى جانبكم في النجاح والتعثر معاً».

ختاماً.. المدرسة تفتح أبوابها كل عام لاستقبال أبنائنا، لكن البيت هو الذي يهيئ قلوبهم للدخول إليها. ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية للتعليم: من أسرة تعرف أن مهمتها ليست أن تصنع طالباً متفوقاً فحسب، بل أن تصنع إنساناً سليماً، واثقاً، متوازناً، وقادراً على أن يمضي في الحياة بقلب مطمئن؛ حتى لا تكون بيوتنا كبيت العنكبوت.

19:26 | 20-08-2026

جدة مزاجي وأمواجي..

لجدة ذاكرة لا تشبه المدن؛ ذاكرة تفوح منها رائحة البحر، وتختبئ في ظلال الرواشين، وتنساب في الأزقة القديمة كحكاية لا تريد أن تنتهي في وجدان المتلقي، مدينة كانت تستقبل القادمين من البحر، وتودّع الراحلين إليه، وتفتح أبوابها للتجارة والحجاج والثقافات، حتى أصبح البحر جزءًا من شخصيتها، لا مجرد امتداد جغرافي أمامها.

وحين أتأمل جدة التاريخية اليوم، أتخيل تلك العلاقة القديمة وهي تستعيد شيئًا من نبضها؛ كأن البحر الذي ظل طويلًا على مسافة من «البلد» يقترب منها من جديد، وكأن المدينة تستعيد نافذة كانت تطل منها على العالم.

من هنا تبدو فكرة مشروع وزارة الثقافة بإنشاء بوابة بحرية ومارينا متكامل في جدة التاريخية أكبر من مشروع عمراني أو وجهة سياحية جديدة؛ إنها محاولة لإعادة وصل جدة بذاكرتها البحرية، واستعادة جزء من صورتها الأولى وهي تنظر إلى البحر بوصفه طريقًا للحياة والعالم.

تخيّل معي ستكون واجهة البلد في جدة التاريخية مرسى ونادي يخوت ومطاعم ومقاهي فارهة بمعنى ستصبح جدة التاريخية ذاكرة جديدة معجونة بالذاكرة الأولى؛ فجدة التاريخية ليست بيوتًا قديمة وأزقة تحفظ ذاكرة المكان فحسب؛ إنها مدينة كانت نابضة بالحركة، مفتوحة على البحر، وعلى التجارة والثقافات وحكايات العابرين. ولذلك فإن إعادة البحر إلى قلب تجربتها يمكن أن تمنح «البلد» حياة جديدة، من دون أن تفقد ملامحها القديمة.

تخيّل معي أيضًا أن يبدأ الزائر رحلته بين الرواشين والأبواب والأسواق، ثم ينتهي به الطريق عند البحر؛ فيرى المراكب أمامه، وتبقى العمارة التاريخية خلفه، فيلتقي في مشهد واحد ماضي جدة بمستقبلها ! هنا لا يصبح المرسى مجرد مكان للقوارب، بل مساحة للحياة؛ مطاعم ومقاهٍ، أنشطة بحرية، مساحات عامة، فعاليات ثقافية، وتجارب تحكي قصة جدة مع البحر الأحمر.

وهذا هو الفارق بين تطوير المكان وإحيائه؛ فالتطوير يضيف إليه، أما الإحياء فيعيد إليه ما فقده.

والأجمل أن يتحوّل البحر إلى مدخل جديد لجدة التاريخية، لا مجرد خلفية لها؛ بوابة تقول للقادم: هنا مدينة عرفت منذ زمن بعيد كيف تستقبل العالم، واليوم تفتح له بابًا جديدًا. إن قيمة المشروع الحقيقية لن تقاس بعدد القوارب التي ستتوقف في المارينا، بل بعدد الفرص والقصص والأحداث والتجارب التي ستولد حولها.. فحين يلتقي التراث بالبحر، والسياحة بالاقتصاد، والذاكرة بالمستقبل، تصبح جدة التاريخية أكثر من موقع تراثي؛ تصبح مدينة تُعاش.

ختامًا.. جدة لا تحتاج إلى أن تكتشف البحر؛ فهي تعرفه منذ قرون ولكن حين تفتح «البلد» نافذتها على البحر من جديد، سنكتشف أن جدة لم تكن يومًا مجرد مدينة على الساحل؛ كانت وما زالت «جدة غير مثل الغرق.. بين السهر والنوم» مدينة كلما ظننا أننا عرفناها، فاجأتنا بوجه أجمل من ذاكرتها.

00:07 | 14-08-2026

مشغول.. إذن أنا مهم!

لماذا أصبح قول «أنا مشغول» يشبه إعلانًا عن المكانة؟ يكفي أن تسأل أحدهم: كيف حالك؟ حتى تأتيك الإجابة سريعًا: مشغول جدًا.. الأيام هذه ما فيها وقت، وقد لا يكون في العبارة ما يستحق التوقف، لكن تكرارها جعلني أتساءل: هل نحن فعلًا مشغولون إلى هذا الحد، أم أننا أصبحنا نستخدم الانشغال لإثبات أننا مهمون؟

يبدو أن «ما عندي وقت» أصبحت واحدة من أكثر العبارات حضورًا في حياتنا اليومية، نقولها في العمل، وفي المناسبات، وحتى في علاقاتنا، نعتذر عن زيارة مؤجلة، وعن اتصال لم نرد عليه، وعن كتاب لم نقرأه، وعن صديق لم نلتقِ به منذ أشهر، والسبب جاهز دائمًا: «مشغول».

لكن ماذا لو كان بعض هذا الانشغال مجرد وهم؟

التقنية وفرت علينا الكثير من الوقت، لكنها في الوقت نفسه ملأت كل دقيقة فارغة منه. الهاتف معنا طوال الوقت، والتنبيهات لا تتوقف، ورسائل العمل تصل بعد انتهاء الدوام، ومواقع التواصل تفتح لنا أبوابًا لا تنتهي من الأخبار والصور والمحادثات.. أصبحنا نعيش وكأن هناك شيئًا ينتظرنا دائمًا حتى عندما لا يكون لدينا شيء عاجل، نشعر أننا يجب أن نفعل شيئًا.

وهنا حدث تحول غريب؛ لم يعد الإنسان يشعر بالراحة عندما يجد وقتًا فارغًا، بل يشعر بالذنب، يجلس في مقهى، فيفتح هاتفه، ينتظر موعدًا، فيبحث عن شيء يشغله، يسافر، فيضع قائمة طويلة بالأماكن التي يجب أن يزورها.. يأخذ إجازة، فيملأها بالخطط.

وكأننا فقدنا القدرة على أن نكون بلا مهمة، المشكلة ليست في العمل، فالعمل قيمة، والطموح قيمة، والإنجاز قيمة، المشكلة عندما يصبح الانشغال هو المقياس الوحيد الذي نقيس به أنفسنا والآخرين.

ننظر إلى الشخص الذي لا يتوقف وكأنه أكثر نجاحًا، بينما قد يكون شخص آخر يعمل أقل، لكنه يعرف تمامًا أين يضع وقته، ليس كل اجتماع مهمًا، وليس كل رسالة تحتاج إلى رد فوري، وليس كل فرصة تستحق أن نقبل بها، وليس كل فراغ يحتاج إلى أن نملأه.

هناك وقت لا علاقة له بالإنتاجية ولا يُقاس بها ومن خلالها مثل وقت للعائلة، للصداقة، للقراءة، للتفكير، للتأمل، وحتى للملل.. نعم.. للملل أيضًا، فالإنسان حين لا يكون مشغولًا بشيء قد يبدأ أخيرًا في التفكير في نفسه وربما لهذا تحديدًا أصبحنا نخاف منه، نحن نعيش في زمن يستطيع فيه الإنسان أن يهرب من نفسه بسهولة شديدة؛ يكفي أن يفتح هاتفه، أو يرد على رسالة، أو يبدأ مهمة جديدة لكن الهدوء يكشف لنا أشياء نحاول أحيانًا ألا نراها، يكشف أن بعض ما نفعله لا نحتاجه، وأن بعض العلاقات تستنزفنا، وأن بعض الأهداف لم تعد تعنينا، وأننا ربما نركض منذ سنوات خلف أشياء اخترناها لأن الجميع يركض نحوها.

ولهذا أعتقد أن امتلاك الوقت أصبح نوعًا جديدًا من الثراء ليس لأن لدينا ساعات أكثر من الآخرين، وإنما لأننا نستطيع أن نختار أين نضع ساعاتنا، أن نقول «لا» دون شعور بالذنب، أن نغلق هواتفنا، أن ننهي عملنا ونغادر، أن تجلس مع عائلتنا دون أن تشعر بأنك تهدر وقتًا، أن نقرأ كتابًا لا علاقة له بحياتنا كلها، أن نترك يومًا بلا جدول.

فربما لم يعد السؤال: كم أنجزت اليوم؟بل: هل عشت اليوم بالطريقة التي أريدها؟

ختامًا.. لن تكون قيمة حياتنا بعدد الساعات التي أمضيناها في الركض، ولا بعدد المهام التي شطبناها من قوائمنا.. سيبقى منها الأشخاص الذين منحناهم وقتنا، والأفكار التي منحناها فرصة، واللحظات التي كنا فيها حاضرين فعلًا.. لذلك، في المرة القادمة التي يقول فيها أحدهم: «أنا مشغول جدًا» ربما لا نحتاج إلى أن نعجب بانشغاله.

00:00 | 7-08-2026

من زمزم إلى عام الماء 2027

قبل آلاف السنين، كانت أم تمضي بين الصفا والمروة تبحث عن قطرة ماء لطفلها، لم تكن تعلم أن سعيها سيخلّد في ذاكرة البشرية، وأن الماء الذي تفجّر تحت قدمَي إسماعيل عليه السلام سيظل يجري إلى يومنا هذا، ليصبح زمزم أعظم قصة ماء عرفها التاريخ. ومنذ ذلك اليوم، ارتبطت هذه الأرض بالماء بوصفه نعمة ورحمة وعنوانًا للحياة.

لذلك، بدا قرار تسمية عام 2027 بـ«عام الماء» قرارًا يحمل بعدًا يتجاوز المناسبة، فهو يلفت الانتباه إلى مورد لا تقوم الحياة بدونه، ويمنح المجتمع فرصة لإعادة النظر في علاقتنا اليومية بالماء؛ كيف نستهلكه، وكيف نحافظ عليه، وكيف نورث أبناءنا ثقافة تقدير هذه النعمة.

لقد استطاعت المملكة أن تقدّم للعالم تجربة استثنائية في إدارة المياه، رغم طبيعتها الصحراوية، فمن خلال التحلية، والتقنيات الحديثة، ومشروعات البنية التحتية، تحوّلت تحديات المياه إلى قصة نجاح وطنية نفخر بها.. لكن نجاح المشروعات وحده لا يكفي إذا لم يصاحبه وعي مجتمعي يجعل المحافظة على الماء سلوكًا راسخًا لا يرتبط بحملة مؤقتة أو مناسبة عابرة.

وهنا أرى أن قيمة «عام الماء» تكمن في الرسائل التي يمكن أن يتركها هذا العام.. فبدلًا من أن يكون عامًا للفعاليات فقط، يمكن أن يكون عامًا للتغيير الحقيقي. لماذا لا تتحول المدارس إلى ورش عمل صغيرة يتعلم فيها الطلاب قيمة كل قطرة؟ ولماذا لا تُطلق مبادرات إعلامية تروي رحلة الماء منذ مصدره حتى يصل إلى منازلنا، ليدرك الجميع حجم الجهد الذي يقف خلف كل كوب نشربه؟ ولماذا لا تصبح قصص الابتكار في ترشيد المياه، والمسابقات، والأفلام القصيرة، والمبادرات التطوعية، جزءًا من هذا العام، بحيث يشعر كل مواطن ومقيم أنه شريك في نجاحه؟

كما أن القطاع الخاص يستطيع أن يقدّم نماذج ملهمة في كفاءة استخدام المياه، ويمكن للجامعات أن تتبنى مشاريع بحثية وابتكارات عملية، بينما يساهم صنّاع المحتوى في تحويل رسائل الترشيد إلى محتوى بسيط وقريب من الناس، فالقضايا الكبرى لا يغيّرها قرار وحده، وإنما يغيّرها اقتناع المجتمع بها.

وأتمنى أيضًا أن يحمل هذا العام رسالة للعالم، مفادها أن الدولة التي انطلقت منها قصة زمزم، تقدّم اليوم نموذجًا معاصرًا في إدارة المياه واستدامتها، إنها رسالة تجمع بين العمق التاريخي، والوعي البيئي، والتقدّم التقني، لتؤكد أن احترام الماء جزء من احترام الحياة نفسها.

«عام الماء 2027» سينجح بإذن الله في أن يجعل كل واحد منا يغلق صنبورًا لا يحتاجه، أو يزرع في طفل تقديرًا لهذه النعمة، أو يلهم فكرة جديدة تحافظ على مواردنا. فمن زمزم بدأت الحكاية، ومن وعي المجتمع يمكن أن تستمر، لتبقى كل قطرة ماء مسؤولية وطن، وثقافة شعب، وإرثًا نحفظه للأجيال القادمة.

ختامًا.. سيبقى «عام الماء» فرصة لنثبت أن الحفاظ على النعم يبدأ بالوعي قبل الإمكانات، وأن بلادنا التي انطلقت منها قصة زمزم، قادرة اليوم على أن تقدّم للعالم قصة جديدة عنوانها: الاستدامة، والمسؤولية، والوفاء لكل قطرة ماء.

00:00 | 31-07-2026

المنتدى الذي يصنع ما بعد الخبر..

مع إعلان انطلاقة المنتدى السعودي للإعلام في نسخته السادسة خلال فبراير للعام القادم، يراودني سؤال أراه أهم من عدد المتحدثين وأوراق العمل وجلساته: ماذا سيبقى بعد أن ينتهي المنتدى ويغلق أبوابه وتُطفأ الأضواء؟ هذا السؤال هو الذي يجعلني أنظر إلى المنتدى السعودي للإعلام بوصفه مشروعًا للمستقبل أكثر من كونه حدثًا سنويًا، فاليوم لم يعد الإعلام مجرد ناقل للأخبار، بل أصبح شريكًا في صناعة الاقتصاد، وبناء السمعة الوطنية، وتحفيز الابتكار، وصياغة الصورة الذهنية للدول ومن هنا تأتي أهمية المنتدى؛ فهو لا يجمع المهنيين لمناقشة واقع المهنة، بل يضعنا أمام مسؤولية رسم ملامح إعلام السنوات المقبلة، في زمن تتغيّر فيه الأدوات وتتطور المهارات وتظهر الأصوات الجديدة على المنصات الرقمية.

وما يلفت الانتباه أن المنتدى تطور من منصة للحوار إلى مساحة لإطلاق المبادرات، وعقد الشراكات، واستقطاب الخبرات العالمية، وهو تحوّل مهم ومطلوب؛ لأن مستقبل الإعلام لن يُصنع بالخطب، وإنما بالمشروعات التي تتحوّل إلى واقع، وبالاستثمارات في الإنسان والتقنية، وبالقرارات التي تخرج من قاعات النقاش إلى غرف الأخبار، وشركات الإنتاج، ومنصات المحتوى. وأتصور أن الأثر الحقيقي لهذا المنتدى خلال السنوات المقبلة سيظهر في أكثر من اتجاه؛ أولها بناء جيل إعلامي جديد يمتلك أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وصناعة المحتوى الرقمي بلغات متعددة، لا باعتبارها مهارات إضافية، بل بوصفها أساسًا للمهنة.. وثانيها تعزيز التكامل بين الإعلام والقطاعات الأخرى؛ فالسياحة، والثقافة، والرياضة، والاستثمار، وحتى التعليم، أصبحت بحاجة إلى إعلام متخصص قادر على تحويل الإنجازات إلى قصص تصل إلى العالم. كما أن المنتدى يملك فرصة كي يصبح منصة سنوية لتوليد الأفكار الإعلامية، تُطلق منها المبادرات، ثم نختبر ونتابع نتائجها في النسخة التالية، وحينها لن يكون النجاح مرتبطًا بعدد الحضور، وإنما بعدد المبادرات التي تحوّلت إلى مشاريع، وعدد الشركات الناشئة التي وجدت فرصتها، وعدد الكفاءات الوطنية التي انتقلت من مقاعد الحضور إلى منصات القيادة الإعلاميّة في وطننا.

وأرى أن المملكة بلادنا الغالية وهي تستعد لاستحقاقات عالمية كبرى خلال السنوات القادمة، تحتاج إلى إعلام يسبق الحدث، لا يكتفي بتغطيته، ويصنع الرواية قبل أن يصنعها الآخرون. وهذا الدور لا يتحقق إلا بوجود منصة تجمع صنّاع القرار بالإعلاميين والمبتكرين وشركات التقنية في مكان واحد، وهو ما يقدّمه المنتدى عامًا بعد عام؛ لذلك فإن النسخة السادسة ليست محطة جديدة في روزنامة المؤتمرات، بل خطوة أخرى في بناء صناعة إعلامية سعودية أكثر تأثيرًا وتنافسية وصدارة وتمكينًا.. وإذا استمر المنتدى في تحويل الأفكار إلى مبادرات، والمبادرات إلى نتائج قابلة للقياس، فإنه لن يكون مجرد ملتقى للإعلام، بل أحد المحركات التي تصنع مستقبل الإعلام السعودي، وتعزز حضوره بوصفه نموذجًا عالميًا يواكب التحوّل، ويقوده أيضًا.

ختامًا.. القيمة الحقيقية لأي منتدى لا تكمن فيما يُقال على منصاته ومنشوراته، بل فيما يتحول إلى أثر بعد انتهائه؛ فالإعلام الذي يصنع المستقبل هو الإعلام الذي يبدأ بالفعل، لا بالحديث عنه، لذلك كله واصل المنتدى السعودي للإعلام مشواره السادس لصناعة ما بعد الخبر.

00:00 | 24-07-2026

100 متطوع لا يكفي!

حين قرأت خبر اتفاقية التعاون بين اللجنة المحلية المنظمة لكأس آسيا 2027 وجامعة الملك عبدالعزيز لدعم استضافة البطولات الرياضية، استوقفني ما تضمّنته من أهداف تتجاوز تنظيم بطولة رياضية إلى البحث العلمي، والابتكار، والاستدامة، والعمل التطوعي. هذا هو الاستثمار الحقيقي في الأحداث الكبرى؛ أن يبقى أثرها بعد انتهاء البطولة.

لكنني توقفت عند رقم واحد: «100» متطوع من منسوبي وطلاب الجامعة. والسؤال الذي دار في ذهني لم يكن عن الرقم نفسه، وإنما عن الفكرة.. إذا كانت التجربة ناجحة ومجدية، فلماذا لا تتوسع؟ ولماذا تبقى محصورة في جامعة واحدة، بينما يمكن أن تتحوّل إلى مشروع وطني يشارك فيه طلاب وطالبات المرحلة الثانوية في المنطقة الغربية، بحيث تتولى جامعة الملك عبدالعزيز عملية استقطابهم، وتعمل بقية الجامعات على المنوال نفسه؟ خاصةً ونحن لا نستضيف كأس آسيا فحسب، بل نبني جيلاً سيستقبل العالم في مناسبات رياضية متلاحقة، وصولاً إلى كأس العالم 2034. وهذا يتطلب أن نبدأ مبكرًا في صناعة الإنسان، لا أن ننتظر موعد البطولة ثم نبحث عن المتطوعين والمتطوعات.

طالب المرحلة الثانوية اليوم هو طالب الجامعة بعد سنوات قليلة، وإذا بدأ التدريب منذ هذه المرحلة، فسيصل إلى البطولات الكبرى وهو يمتلك خبرة عملية في التنظيم، والتواصل، والعمل الجماعي، والقيادة، والإعلام، والضيافة، والبروتوكول، وإدارة الفعاليات. وهي مهارات لا تقل أهمية عن أي مقرر دراسي.

أتمنى أيضًا أن يكون هناك برنامج تطوعي يحمل، على سبيل المثال، اسم «صُنّاع البطولات»، تشارك فيه إدارات التعليم في مختلف المناطق، وتتنافس المدارس على إعداد أفضل الفرق التطوعية، ويحصل المشاركون على برامج تدريبية، وساعات تطوعية معتمدة، وشهادات احترافية، وفرص للمشاركة في البطولات المحلية والدولية. عندها لن يكون التطوع مجرد مشاركة مؤقتة، بل رحلة لبناء الشخصية الوطنية.

ولِمَ لا يمتد البرنامج إلى مسابقات في الابتكار، والإعلام الرياضي، والترجمة، والتصميم، وصناعة المحتوى، وتقنيات الفعاليات؟ فكل بطولة تحتاج إلى أكثر من لاعب وحكم؛ إنها تحتاج إلى عقول شابة تدير، وتبتكر، وتقدّم صورة المملكة للعالم، خاصةً أن نجاح أي بطولة لا يُقاس فقط بحضور الجماهير أو جودة الملاعب، بل بعدد الشباب الذين خرجوا منها وهم أكثر خبرة، وأكثر ثقة، وأكثر استعدادًا للمستقبل.

ختامًا... إذا كان الهدف اليوم 100 متطوع، فربما يكون الهدف الحقيقي الذي يستحق أن نعمل من أجله هو عشرة آلاف شاب وشابة، يحمل كل واحد منهم قصة نجاح بدأت بفرصة تطوعية، وانتهت بصناعة مستقبل.

00:02 | 17-07-2026

مختبر التعليم

توقفت طويلًا عند خبر إشادة البنك الدولي بالبيئة التجريبية للذكاء الاصطناعي في التعليم بالمملكة، ليس لأن الإشادة جاءت من جهة دولية، فهذا جانب مهم بلا شك، وإنما لأنني شعرت أن كثيرين قد يقرأون الخبر بوصفه خبرًا تقنيًا، بينما هو في الحقيقة خبر عن طريقة جديدة في التفكير، فما الذي يعنيه أن يصبح لدينا «مختبر» للتعليم؟ في البداية، أرى أن هذه التجربة ليست مجرد أداة تقنية، بل ثقافة مؤسسية جديدة؛ فالتعليم اليوم لم يعد يحتمل الحلول التقليدية.. الطالب يتغيّر، والمعرفة تتغيّر، وسوق العمل يتغيّر بسرعة غير مسبوقة، ولذلك فإن المؤسسات التعليمية تحتاج إلى أن تتغيّر بالسرعة نفسها، ولكن بذكاء لا بعشوائية.

ومن هنا تأتي قيمة البيئة التجريبية التي تمنح المعلم والمتعلمين فرصة لتجربة أدوات جديدة تساند الابتكار والإبداع، وتمنحهم وقتًا أكبر لما لا تستطيع التقنية القيام به «بناء الإنسان»، كما تمنح متخذ القرار بيانات حقيقية بدلًا من الانطباعات، فيعرف ما الذي نجح، ولماذا نجح، وما الذي يستحق أن يصل إلى جميع بيئات التعليم وميادين المعرفة. لكنني أرى أن الأثر الأبعد لهذا المشروع يتجاوز حدود الفصول الدراسية؛ فحين تمتلك دولة بيئة يختبر فيها الباحثون والمبتكرون والشركات حلولهم التعليمية، فإنها لا تصبح مستهلكة للتقنية فحسب، بل شريكًا في إنتاجها. ومع الوقت، قد تتحوّل الأفكار التي وُلدت داخل هذه البيئة إلى منتجات سعودية، وشركات ناشئة، وتجارب تستفيد منها أنظمة تعليمية في دول أخرى. وهنا يصبح التعليم محركًا للاقتصاد، لا قطاعًا خدميًا فقط.

ولعل أجمل ما في الفكرة أنها لا تبحث عن الحل الكامل منذ البداية، بل تؤمن بأن الوصول إلى أفضل الحلول يبدأ بالتجربة، ثم التعلم، ثم التطوير المستمر وهذه هي العقلية التي صنعت تقدّم كثير من الدول: أن تمنح الأفكار فرصة لتُختبر قبل أن يُحكم عليها. ولذلك، فإن إشادة البنك الدولي ليست مجرد شهادة نجاح لمشروع، بل هي اعتراف بأن المملكة تبني نموذجًا مختلفًا في تطوير التعليم؛ نموذجًا يقوم على الابتكار، والقياس، والاستدامة، وصناعة المعرفة. وتبرز هنا فكرة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن البيئة التجريبية لا ينبغي أن تُقاس فقط بما تضيفه من أدوات ذكية، بل بما تخلقه من عقلية تعليمية مرنة. فالمعلم الذي يعتاد على التجربة والقياس يصبح أكثر قدرة على تطوير ممارساته، والطالب الذي يتعلم في بيئة تسمح له بالاستكشاف يصبح أكثر استعدادًا للتعامل مع عالم سريع التغيّر، أما المؤسسة التعليمية فتتحوّل من جهة تنتظر الحلول إلى جهة تصنع الحلول وتطورها. ومن زاوية أخرى، فإن هذه البيئة تفتح الباب أمام شراكة أعمق بين التعليم والبحث العلمي والقطاع الخاص. فالابتكار الحقيقي لا يولد في عزلة، بل في مساحة يلتقي فيها الميدان التعليمي مع الباحث والمطور ورائد الأعمال. وحين تتكامل هذه الأطراف داخل بيئة اختبار آمنة ومرنة، فإننا لا نطور أدوات تعليمية فحسب، بل نبني منظومة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، والأفكار إلى تطبيقات ذات أثر ملموس. كما أن قيمة هذا النموذج تكمن في أنه يرسخ مبدأ التعلم المستمر للمؤسسات، فكما يتعلم الطالب داخل الصف، تتعلم المؤسسة من نتائج التجارب، ومن البيانات، ومن الملاحظات المتراكمة. وهذا النوع من التعلم المؤسسي هو ما يجعل التطوير مستدامًا؛ لأنه لا يعتمد على قرار عابر أو مشروع مؤقت، بل على دورة دائمة من الاختبار والتحسين والتوسع.

ختامًا.. أرى أن الخبر يحمل رسالة أعمق من مجرد إشادة دولية؛ إنه يشير إلى أن المملكة لا تكتفي بتبني تقنيات المستقبل، بل تبني بيئة قادرة على إنتاج مستقبل التعليم ذاته. وهذه هي النقلة النوعية الحقيقية: أن يصبح التعليم مساحة للتجريب الواعي، ومنصة لصناعة المعرفة، وجسرًا يربط بين طموح الإنسان وإمكانات التقنية في خدمة التنمية وبناء الإنسان.

00:01 | 10-07-2026