تحميل...
تكشف التحركات السورية الأخيرة تجاه لبنان عن سياسة جديدة تحاول دمشق من خلالها رسم حدود دقيقة لعلاقتها مع الجار اللبناني في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، حيث تدور حرب مفتوحة بين حزب الله وإسرائيل، بالتوازي مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بما يجعل الساحة اللبنانية جزءاً من مشهد أوسع يتجاوز حدودها الداخلية. وفي هذا السياق لا يمكن قراءة إرسال قوات سورية إلى الحدود السورية اللبنانية بوصفه مجرد إجراء أمني تقني يهدف إلى ضبط المعابر ومنع التهريب، بل باعتباره رسالة سياسية وأمنية واضحة مفادها أن هذه الحدود باتت بالنسبة إلى دمشق خطاً بالغ الحساسية، ليس فقط بسبب طبيعتها الجغرافية المعقدة، بل لأن الجانب اللبناني يلامس اليوم منطقة اشتعال إقليمي مباشر، ولأن حزب الله، الموجود على الطرف الآخر، يُنظر إليه سورياً باعتباره قوة معادية أو على الأقل قوة لا يمكن الاطمئنان إلى دورها وتأثيرها على الأمن السوري. ومن هنا بدا الانتشار العسكري السوري تعبيراً عن رغبة حقيقية في حماية الحدود ومنع أي اختراق أو تسلل أو محاولة لفرض وقائع جديدة تحت ضغط الحرب، من دون أن يتحوّل ذلك إلى مقدمة لاجتياح أو تدخل عسكري داخل لبنان. وفي هذا الإطار تكتسب الاتصالات السياسية التي أجراها الرئيس أحمد الشرع أهميتها، ولا سيما اتصاله بسامي الجميّل، لأن هذا التواصل لا يبدو مجرد مجاملة بروتوكولية، بل يحمل رسالة سياسية محسوبة إلى الشارع المسيحي في لبنان، بل إلى قطاعات أوسع من اللبنانيين، مفادها أن سوريا لا تريد استغلال الحرب الدائرة ولا الفوضى الإقليمية من أجل العودة إلى لبنان من بوابة النفوذ العسكري أو الأمني، وإنما تريد تبديد المخاوف والتأكيد أنها ليست في وارد اجتياح لبنان أو الانخراط المباشر في معادلاته الداخلية. ويأتي الاتصال بالرئيس اللبناني جوزيف عون في السياق نفسه، لكن على مستوى الدولة الرسمية، بما يعكس رغبة سورية في دعم المؤسسات اللبنانية الشرعية سياسياً، وفي الانسجام مع مناخ إقليمي ودولي يدفع نحو تقوية الدولة اللبنانية في لحظة تواجه ضغوطاً هائلة بسبب الحرب مع إسرائيل، وبسبب تداخل الملف اللبناني مع المواجهة الكبرى الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. ومن الواضح أن دمشق لا تريد التورط عسكرياً في هذا المشهد المعقّد، لكنها في الوقت نفسه تريد إعلان موقف واضح يقوم على دعم الدولة اللبنانية ورفض الفوضى ورفض استمرار وجود سلاح خارج إطار الدولة، وفي مقدّمته سلاح حزب الله، الذي لم يعد بالنسبة إليها مجرد ملف لبناني داخلي، بل جزء من معادلة إقليمية متفجرة يمكن أن ترتد على الأمن السوري مباشرة. بذلك يمكن القول إن سياسة أحمد الشرع تجاه لبنان تقوم على معادلة دقيقة: تشدّد أمني على الحدود، وانفتاح سياسي مدروس على الدولة اللبنانية وبعض مكوّناتها، ورفض واضح لحزب الله وسلاحه، ولكن من دون اندفاع إلى مغامرة عسكرية أو انخراط مباشر في حرب تتشابك فيها حسابات لبنان مع حسابات إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. إنها سياسة تجمع بين الحزم والتهدئة، وبين الواقعية السياسية والانضباط الإستراتيجي.
منذ اللحظة الأولى لانفجار المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بدا واضحاً أن ما يجري ليس جولة عابرة من جولات الاشتباك التقليدي في الشرق الأوسط، بل تحوّل نوعي يكسر القواعد التي حكمت الصراع لعقود طويلة، ويعيد رسم خرائط الردع والتوازنات على نحو بالغ الخطورة. فاستهداف المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي مثّل -في دلالته السياسية والإستراتيجية- تجاوزاً لأعلى سقوف الاشتباك المعروفة، ليس فقط لأنه يمس رأس هرم النظام الإيراني، بل لأنه يبعث برسالة مفادها أن مراكز القرار لم تعد محصّنة، وأن الحصانات الرمزية التي كانت تشكّل جزءاً من توازن الردع قد تآكلت. الرد الإيراني بدوره لم يأتِ في إطار محسوب أو محدود، بل اتجه نحو توسيع مسرح العمليات، عبر ضربات طالت نطاقاً إقليمياً واسعاً، ومحاولات للتأثير على حركة التجارة الدولية من خلال التلويح بإغلاق مضيق هرمز، ذلك الشريان الحيوي الذي يمر عبره جزء معتبر من إمدادات الطاقة العالمية. هنا لم يعد الأمر يتعلق برد تكتيكي، بل بعملية كسر متبادل للخطوط الحمراء، حيث تتقاطع الرسائل العسكرية مع رهانات اقتصادية وجيوسياسية تتجاوز حدود الأطراف المباشرة للصراع. الخطير في هذه المواجهة أنها لا تتحرك وفق قواعد اشتباك مستقرة، بل وفق منطق التصعيد المتدرج الذي قد يفلت من السيطرة في أي لحظة. إدخال حزب الله على خط المواجهة، وتحويل لبنان إلى ساحة ضغط إضافية، يعني عملياً نقل الصراع من كونه مواجهة ثلاثية بين واشنطن وتل أبيب وطهران إلى صراع إقليمي متعدد الطبقات، تتداخل فيه حسابات الدول مع حسابات الفاعلين غير الدوليين. وهذا الاتساع الجغرافي والسياسي يرفع منسوب المخاطر، لأن كل ساحة جديدة تصبح مرشحة لاشتعال مستقل قد لا يخضع لقرار مركزي واحد. كما أن استهداف المصالح الاقتصادية وتهديد الملاحة الدولية يعيدان إلى الأذهان لحظات تاريخية كانت فيها شرارة إقليمية كفيلة بإشعال أزمات عالمية، خصوصاً في منطقة تعد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية القلب النابض لصراعات الطاقة والتحالفات الكبرى. في المقابل، يبرز سؤال جوهري حول سقف العملية العسكرية التي تسعى إليها الولايات المتحدة: هل الهدف هو إعادة ترميم الردع وكسر إرادة طهران؟ أم دفعها إلى طاولة تفاوض بشروط جديدة؟ أم إحداث تغيير أعمق في بنية النظام الإقليمي؟ الإجابة ليست سهلة، لأن التجارب السابقة أثبتت أن الحروب في الشرق الأوسط نادراً ما تنتهي وفق المخطط لها، وغالباً ما تفتح أبواباً لتوازنات غير متوقعة. كما أن إيران، بخبرتها الطويلة في إدارة الصراعات غير المتكافئة، قد تراهن على استنزاف طويل النفس، يرفع الكلفة السياسية والاقتصادية على خصومها، ويحوّل التفوق العسكري إلى عبء إستراتيجي. لهذا تتكثف اليوم المساعي الدبلوماسية في محاولة لالتقاط لحظة تهدئة قبل أن يستقر التصعيد في مسار لا عودة عنه. فخيار الحرب، مهما بدا حاسماً في لحظة الغضب أو الرد، لا يصنع سلاماً مستداماً، بل يؤسّس لدورات جديدة من العنف. غير أن المشكلة تكمن في أن مسار التهدئة يحتاج إلى قرار شجاع من جميع الأطراف بالعودة إلى منطق السياسة بعد أن تكسرت القيود. وحتى تتضح حدود هذا القرار، ستبقى المنطقة معلّقة بين احتمال الانفجار الكبير وإمكانية احتواء الأزمة، في مشهد يختلط فيه الدخان بالتحليل، والرهان العسكري بالحسابات الإستراتيجية، ويظل فيه الشرق الأوسط مرة أخرى مسرحاً لصراع تتجاوز تداعياته حدوده الجغرافية إلى النظام الدولي بأسره.
تتجلى ريادة المملكة العربية السعودية وقوتها الدبلوماسية في مواقفها التاريخية الراسخة التي لا تقبل التأويل، حيث برزت مؤخراً كحائط صد منيع أمام التصريحات المتطرفة وغير المسؤولة التي أدلى بها السفير الأمريكي في تل أبيب، والتي حاولت المساس بسيادة الدول العربية أو الترويج لمشاريع توسعية واهية تتجاوز حدود المنطق والقانون الدولي، لتعيد الرياض ببيانها الحازم ترتيب أوراق المنطقة وتأكيد المؤكد بأنها مركز الثقل السياسي الذي لا يمكن تجاوزه في رسم ملامح الشرق الأوسط. إن الموقف السعودي الذي صدر عن وزارة الخارجية رداً على ما جهر به السفير الأمريكي في تل أبيب لم يكن مجرد رد فعل دبلوماسي عابر، بل كان تجسيداً حياً لمسؤولية المملكة التاريخية بصفتها قائدة العمل العربي المشترك وحاضنة العالم الإسلامي وموجهة بوصلته نحو الحق والعدل، إذ استندت في شجبها لتلك الادعاءات الباطلة إلى مرجعية قانونية دولية صلبة ترفض منطق الغطرسة وتتمسك بمبادئ السيادة الوطنية للدول، محذرة من أن مثل هذه الرؤى المتطرفة التي نطق بها السفير لا تخدم سوى الفوضى وتقوّض جهود السلام العالمي. إن القوة التي تستمدها المملكة في خطابها تنبع من ثوابت إستراتيجية لا تتغيّر بتغيّر الإدارات أو الظروف، وهي الثوابت التي تضع حل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة الكاملة على حدود الرابع من حزيران لعام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية كشرط أساسي ووحيد لتحقيق الاستقرار الشامل في المنطقة، وهذا التمسك بالشرعية الدولية يثبت للعالم أجمع أن المملكة هي التي تحدد عناصر الحل الجذري للصراع العربي الإسرائيلي ولا تقبل ببدائل منقوصة أو تسويات مشبوهة تفتقر للعدالة. لقد برهنت الرياض من خلال قيادتها للمنظومة العربية والإسلامية أنها تمتلك الرؤية الشاملة والقدرة الفائقة على تحويل القضايا العربية من مجرد ملفات إقليمية إلى أولويات دولية لا يمكن للعالم تجاهلها، حيث تضع المملكة دائماً النقاط على الحروف فيما يتعلق بسلامة الأراضي العربية من نهر النيل إلى نهر الفرات، مؤكدة أن أمن المنطقة وحدة لا تتجزأ وأن أي محاولة لإعادة رسم الخرائط بناءً على أوهام أو منطلقات غير قانونية ستصطدم بصخرة الموقف السعودي الصلب الذي يحظى بإجماع إسلامي وعربي منقطع النظير. إن لغة البيان السعودي الرصينة والقوية جاءت لتعكس هيبة الدولة التي تعرف حجم تأثيرها العالمي وتدرك أن استقرار الاقتصاد والسياسة في العالم مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى احترام الحقوق المشروعة لشعوب هذه المنطقة، ومن هنا تبرز المملكة كقوة إقليمية عظمى لا تكتفي بالتحذير من المخاطر بل ترسم المسارات الآمنة للخروج من الأزمات، مشدّدة على أن السلام الحقيقي لن يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال وضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره فوق ترابه الوطني، وهو الموقف الذي يجعل من المملكة العربية السعودية المرجعية الأولى والأساسية في أي تحرك دولي يخص الصراع، فكلمتها هي الفصل وقرارها هو المحرك الذي يلتف حوله العرب والمسلمون في مشهد يجسّد أسمى معاني التضامن والقيادة الحكيمة التي لا تفرط في الحقوق ولا تتهاون في حماية الثوابت القومية، لتبقى السعودية دوماً هي المنارة التي تهتدي بها المنطقة نحو غدٍ يسوده القانون الدولي والعدالة الناجزة.
إن الدعوة إلى قيام «المملكة العربية السورية» ليست مجرد نكوص إلى الماضي أو بحث عن استعارة نظام سياسي من التاريخ، بل هي صرخة وعي تنطلق من تحت أنقاض التجربة الجمهورية التي أثبتت، ليس فقط في سوريا بل في محيطها العربي «الجمهوري»، أنها كانت وعاءً مثالياً لإنتاج الديكتاتوريات العسكرية وسحق التعددية السياسية وتجريف المجتمعات من نخبها الفاعلة، فمنذ جلاء المستعمر الفرنسي عام 1946 دخلت سوريا نفقاً مظلماً من الانقلابات العسكرية المتلاحقة التي كشفت هشاشة البنية الدستورية والسياسية للنظام الجمهوري الوليد، حيث عجزت تلك المنظومة عن خلق توازن يحمي الدولة من نزق الضباط وطموحات العسكر، حتى وصلنا إلى مرحلة «البعث» وحكم «الأسدين» التي تحوّلت فيها الجمهورية إلى مجرد لافتة خادعة لنظام شمولي حوّل البلاد إلى جحيم من الحزب الواحد والرئيس الأوحد والفكرة القسرية، فأُلغيت الحياة السياسية تماماً وصودرت كرامة المواطن تحت شعارات زائفة لم تنتج سوى التخلف الاقتصادي والتمزق الاجتماعي، وإذا ما أمعنا النظر في الخريطة العربية المحيطة بنا، فإن المقارنة التاريخية والواقعية تفرض نفسها بوضوح لا لبس فيه، حيث نجد أن الملكيات العربية استطاعت تحقيق معادلة الاستقرار السياسي المقترن بالازدهار الاقتصادي حتى في ظل أصعب الظروف الإقليمية، فالمؤسسة الملكية تعمل كصمام أمان يحول دون انزلاق البلاد نحو الفوضى أو الحروب الأهلية عند الأزمات الكبرى، لأن الملك يمثل رمزية وطنية تسمو فوق التجاذبات الحزبية والصراعات الطائفية والمناطقية، وهذا ما افتقدته الجمهوريات العربية التي غاصت في الدم وانتهت إلى دول فاشلة كما نرى اليوم في ليبيا والسودان وسوريا قبل سقوط النظام، فالنظام الملكي الدستوري يمنح الدولة شرعية تاريخية واستقراراً مؤسساتياً يسمح للعملية الديمقراطية بأن تنمو ببطء وثبات تحت سقف يمنع الانهيار الشامل، بعيداً عن صراعات «الجمهوريات الوراثية» المشوهة التي أهلكت الحرث والنسل، والآن ونحن نقف على أعتاب مرحلة انتقالية كبرى في تاريخ سوريا بعد سقوط نظام الاستبداد، يبدو من العبث ومن المخاطرة القاتلة إعادة تكرار التجربة الجمهورية الفاشلة التي أثبتت أنها الطريق الأقصر نحو حكم الفرد أو حكم المليشيات.
إن سوريا اليوم بحاجة إلى نموذج سياسي جديد يتجاوز عقدة «الجمهورية» التي ارتبطت في ذاكرة السوريين بالقمع والفقر والتهجير، والملكية الدستورية تطرح نفسها حلاً عقلانيّاً يجمع بين الأصالة والحداثة، ويضمن وحدة الأراضي السورية تحت رمز وطني جامع ينهي عهود الاستقطاب القاتل، ويؤسّس لمستقبل يسوده القانون والرفاه، فالتاريخ لا يرحم الشعوب التي تعيد تكرار أخطائها، والبناء على أنقاض الجمهورية المنهارة يتطلب شجاعة فكرية للقول إن المملكة العربية السورية هي المخرج الحقيقي نحو دولة الاستقرار والكرامة، وهي الضمانة الوحيدة لعدم عودة «تجار الثورات» لتصدّر المشهد السياسي مرة أخرى، فالسوريون الذين ذاقوا الويلات على مدار ثمانية عقود يستحقون نظاماً سياسياً يحميهم من أنفسهم ومن مطامع الخارج، ولن يجدوا ذلك إلا في مظلة ملكية دستورية راسخة تضع حداً لدوامة الانقلابات والدمار التي لم تتوقف منذ الاستقلال.
تُعدّ التطوّرات المتسارعة في شمال شرق سوريا، والمتوجة باتفاق الـ30 من يناير 2026 بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، منعطفاً تاريخياً يتجاوز في أبعاده مجرد الترتيبات العسكرية الميدانية ليلامس جوهر بنية الدولة السورية ومستقبل سيادتها الوطنية، إذ يبرز هذا الاتفاق كمحاولة لردم فجوة عميقة من عدم الثقة تراكمت عبر سنوات من الصراع والرهانات المتناقضة. وبالنظر إلى مسار التفاوض الذي سبق هذا الاتفاق، وتحديداً منذ تفاهمات الـ10 من مارس 2025، يتضح أن حجر العثرة الحقيقي لم يكن تقنياً بقدر ما كان بنيوياً، حيث اصطدمت رغبة دمشق في استعادة «الاندماج الكامل» الذي يصهر كافة القوى العسكرية والأمنية ضمن هيكلية الدولة المركزية، بإصرار «قسد» على الحفاظ على «كينونة سياسية وأمنية» ذات استقلالية ذاتية، تكتفي بالتنسيق مع المركز دون الذوبان فيه. إن الجدل القائم اليوم حول تنفيذ بنود الاتفاق الأخير يكشف قراءتين متباينتين للمستقبل؛ فبينما ترى الحكومة السورية برئاسة الشرع أن دخول قوى الأمن الداخلي إلى الحسكة وعين العرب ودمج المقاتلين ضمن ألوية تتبع لوزارة الدفاع هي خطوات حتمية نحو تفكيك حالة الاستقلال الذاتي وإعادة صياغة العلاقة وفق منطق «السيادة المطلقة»، مع تقديم تنازلات إدارية مثل تعيين محافظ مرشح من «قسد» أو معاون لوزير الدفاع، نجد في المقابل أن «قسد» تسعى جاهدة لتطويع هذا الاتفاق ليكون مجرد «غطاء شرعي» يضمن بقاء استقلاليتها العسكرية والأمنية تحت لواء الدولة السورية شكلياً، مع الاحتفاظ بخصوصية القيادة والقرار ميدانياً. هذه المعضلة الوجودية بين منطق «الاندماج» ومنطق «الاستقلالية» تضع الاتفاق أمام اختبار عسير في كل مرحلة من مراحله الأربع، حيث تصبح التفاصيل اللوجستية مثل تسليم المعابر الحدودية كمعبري سيمالكا ونصيبين، أو إدارة حقول النفط في الرميلان والسويدية، ساحات صراع خفي بين رؤية تريد استعادة الموارد والسيادة بالكامل، ورؤية تدافع عن مكتسبات «الإدارة الذاتية» التي استمرت عقداً من الزمن. إن القوة الجدلية لهذا الاتفاق تكمن في كونه اضطرارياً للطرفين؛ فالحكومة تريد تجنّب الصدام العرقي والحفاظ على وحدة الأراضي أمام التهديدات الإقليمية، و«قسد» تدرك أن المظلة الدولية والتحوّلات الميدانية بعد انهيار النظام السابق لم تعد تسمح بمشاريع الانفصال أو الأقاليم المستقلة تماماً. ومع ذلك، تبقى الإشكالية الكبرى في «هندسة السلطة» المقترحة؛ فهل ينجح دمج «الأسايش» في وزارة الداخلية في تحويلها إلى قوة وطنية تلتزم بأجندة المركز، أم ستظل ولادتها التنظيمية حاجزاً يحول دون التماهي الكامل مع الدولة؟ إن قراءة المشهد السوري الحالي تقتضي الاعتراف بأن اتفاق يناير 2026 هو «هدنة سيادية» أكثر من كونه حلاً نهائياً، فالعقبة الأساسية تظل كامنة في التفاصيل الأمنية التي قد تنفجر عند أول اختبار لتراتبية القيادة، مما يجعل هذا المسار محكوماً بتوازن القوى على الأرض وبمدى قدرة الضامنين الدوليين على منع انزلاق التنسيق إلى صدام، في ظل إدراك الجميع أن «قسد» ستقاتل سياسياً وأمنياً حتى الرمق الأخير للحفاظ على استقلالية قرارها، بينما لن تقبل دمشق بأقل من عودة جغرافية الشمال الشرقي كجزء لا يتجزأ من النسيج الإداري والأمني والعسكري السوري الشامل، وهو ما يجعل تطبيق الاتفاق عملية معقدة تشبه السير في حقل ألغام سياسي.
تشهد الساحة السياسية العراقية حراكاً محموماً مع اقتراب استحقاقات تشكيل الحكومة الجديدة في مطلع عام 2026، وهو حراك يضع الدولة العراقية أمام اختبار حقيقي لموازنة علاقاتها الخارجية مع القوى الدولية والإقليمية في ظل تجاذبات جيوسياسية حادة. يبرز في هذا المشهد اسم نوري المالكي كواحد من الأقطاب السياسيين الفاعلين ضمن تحالف الإطار التنسيقي، حيث يُطرح اسمه أو من يمثله كمرشح محتمل لقيادة المرحلة المقبلة، وهو طرح يستند إلى ثقل انتخابي وسياسي لا يمكن تجاوزه في المعادلة الداخلية. ومع ذلك، يواجه هذا المشهد تعقيدات خارجية تتمثل في سلسلة من التحذيرات الصادرة عن الإدارة الأمريكية، وتحديداً عبر تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي ركّز على ضرورة ابتعاد الحكومة العراقية القادمة عن التبعية لأطراف إقليمية، في إشارة صريحة إلى المخاوف من تعاظم النفوذ الخارجي عبر الفصائل المسلحة. إن هذا التوتر الأمريكي-الإيراني لا ينفصل عن الرؤية الإستراتيجية لواشنطن تجاه أمن الطاقة واستقرار الممرات المائية في المنطقة، مما يجعل من هوية رئيس الوزراء القادم في بغداد ملفاً ذا أبعاد دولية تتجاوز الحدود الجغرافية للعراق. من الناحية الموضوعية، يمكن تحليل الموقف الأمريكي تجاه احتمالية عودة المالكي أو أي شخصية قريبة من نهجه على أنه محاولة لفرض «فيتو» استباقي يهدف إلى ضمان بقاء العراق ضمن منظومة المصالح الغربية، مستخدماً في ذلك أدوات الضغط الاقتصادي والتلويح بالعقوبات المصرفية. وفي المقابل، يرى مراقبون أن السيادة العراقية تقتضي أن يكون اختيار القيادة شأناً داخلياً خالصاً يخضع لصناديق الاقتراع والتوافقات الوطنية بين المكوّنات المختلفة. وفي خضم هذه التجاذبات، تبرز مواقف القوى الإقليمية الكبرى، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، كعنصر استقرار وتوازن؛ حيث تنطلق الرؤية السعودية من مبدأ ثابت وهو احترام السيادة الوطنية العراقية والوقوف على مسافة واحدة من كافة الأطراف السياسية. إن المملكة، ومن خلال نهجها الدبلوماسي القائم على دعم مؤسسات الدولة، تؤكد باستمرار أن استقرار العراق هو ركيزة أساسية لأمن المنطقة، وأنها ستتعامل بمرونة وإيجابية مع أي قيادة يختارها الشعب العراقي وتنبثق عن التوافقات الدستورية، بما يخدم المصالح المشتركة ويعزّز الروابط الأخوية والتاريخية بين البلدين. إن التحدي الأكبر الذي يواجه العراق اليوم ليس فقط في اختيار شخص رئيس الوزراء، بل في صياغة برنامج حكومي قادر على تحييد البلاد عن الصراعات المحورية؛ فبينما تحذر واشنطن من مغبة تشكيل حكومة «موالية لإيران» وتلوّح بسلاح الدولار، تحاول القوى السياسية العراقية بناء تفاهمات تضمن استمرارية تدفق الاستثمارات وإعادة الإعمار. ومن هنا، يبرز التناول الموضوعي لشخصية مثل نوري المالكي بعيداً عن السجالات التاريخية أو المواقف الجدلية السابقة، بل كجزء من عملية ديمقراطية معقدة تحاول إيجاد مخرج للأزمات الاقتصادية والخدمية. إن نجاح أي حكومة قادمة سيتوقف بالدرجة الأولى على قدرتها على إقناع المجتمع الدولي، والولايات المتحدة تحديداً، بأن العراق لن يكون منطلقاً لتهديد المصالح الدولية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على علاقات متوازنة مع الجارة إيران. وفي نهاية المطاف، يبقى الموقف السعودي بمثابة صمام أمان، حيث يعكس ثقة الرياض في قدرة العراقيين على تجاوز هذه المرحلة الحساسة واختيار مسار يحفظ وحدة بلادهم بعيداً عن التدخلات الخارجية التي قد تزيد من حدة الاستقطاب، مؤكدة أن التعاون الاقتصادي والسياسي بين الرياض وبغداد سيستمر ويتطوّر بغض النظر عن الأسماء، طالما أن الهدف هو الاستقرار الإقليمي والنماء المشترك.
سقطت «قسد»، ليس لأن القوة العسكرية كانت العامل الوحيد في معادلة الصراع، بل لأن التاريخ وقوانينه الصارمة لا يقبلان الأجسام الغريبة التي تُزرع قسراً في تربة لا تشبهها، فقد تهاوت هذه الهيكلية السياسية؛ لأنها اصطدمت بوعي شعبي رفضها على الدوام، مدركاً بفطرته القومية والوطنية أنها لم تحمل يوماً مشروع خير لهذه المنطقة ولا لهذه البلاد المثقلة بالجراح، بل كانت بمثابة «نبات شيطاني» برز فجأة في غفلة من الزمن دون أن يقدّم ثمرة واحدة تشفي غليل الأرض أو تسد رمق البشر، بل تمسّكت بالجغرافيا رغماً عن إرادة سكانها الأصليين، وحاولت بعبثية منقطعة النظير أن تغيّر هوية المنطقة الضاربة في عمق التاريخ، ممارسةً نوعاً من الهندسة الاجتماعية القسرية لربط هذه الأرض بمشاريع «ما وراء الحدود»، التي لا تمت لواقع السوريين بصلة، حيث سعت عبر دعم دولي إلى فرض مشروع «عبدالله أوجلان» الأممي الغريب على شعب لا يشارك هذا التوجه لا في الهوية ولا في الأهداف ولا في المسارات السياسية، ومن هنا كانت الخطيئة الكبرى حين تعاملت هذه الإدارة مع المواطن العربي، صاحب الأرض والحق، بوصفه مواطناً من الدرجة الثانية أو الثالثة، وحرمته من أبسط حقوقه السياسية والمدنية، بل ومن هويته الثقافية، لتفرض عليه نمطاً حياتياً وأيديولوجياً مستورداً، وجلبت عناصر غريبة من جبال قنديل ومن مناطق في تركيا لتنصبهم قادة وأوصياء على شعب عريق، مما أدّى إلى تمزيق النسيج الاجتماعي السوري وضرب وحدة المجتمع في مقتل، ورغم أن هذه المنطقة هي الأغنى في سوريا بما تكتنزه من ثروات نفطية هائلة ومساحات زراعية شاسعة كانت تمثل سلة الغذاء الوطنية، إلا أن «قسد» حوّلتها إلى منطقة منكوبة بكل ما للكلمة من معنى، حيث مارست سياسة إفقار ممنهجة وحوّلت عوائد الثروات الوطنية إلى خزائن التنظيمات الخارجية في جبال قنديل، تاركةً الشباب السوري أمام خيارات مريرة، فدفعهم العوز وضيق ذات اليد للانضمام إلى صفوفها طلباً لقوت يومهم لا إيماناً بمشروعها التقسيمي الذي كان يضمر الشر لسوريا ووحدتها، ولكن العالم اليوم يتغيّر، ومنطقة الشرق الأوسط تشهد مخاضاً جديداً يعيد إنتاج مفهوم الدولة الوطنية المركزية القوية القادرة على بسط سيادتها وحماية حدودها، وهو التوجه الذي حظي بدعم إقليمي ودولي واسع، وتجلى بوضوح في المواقف التاريخية للمملكة العربية السعودية التي لطالما نادت بوحدة وسلامة الأراضي السورية، ودعمت الأشقاء السوريين دون تمييز بين عرق أو معتقد، مما أعاد الزخم والقوة للإدارة السورية لاستعادة أجزاء عزيزة وغالية من جسد الوطن، وإن كانت «قسد» قد انتهت اليوم كمشروع سياسي وكتجربة مريرة دفع ثمنها الشعب السوري من دموعه وأمنه، لكن الخطر لم يزل بسبب بقايا حزب «البي واي جي» و«البي كي كي» التي ستحاول جر البلاد إلى معارك عبثية جديدة لا تجلب سوى الدمار، فالرهان اليوم هو على وحدة المصير والالتفاف حول الدولة لاستكمال مسيرة البناء، مبارك لهذا الشعب الصامد الذي لفظ الغريب وأثبت أن الهوية السورية عصية على التزوير، ومبارك لكل من آمن بأن وحدة الشعوب وسلامة الأوطان هي الحقيقة الوحيدة التي تبقى، بينما تذرو الرياح كل المشاريع الدخيلة التي حاولت العبث بمقدرات الأمة وتاريخها.
إن ما شهده الأسبوع الماضي من استعادة الحكومة السورية للسيطرة الكاملة على حيي الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب لم يكن مجرد حدث ميداني عابر، بل مثّل حالة استثنائية في أهميتها الجيوسياسية، باعتبار أن هذا التحوّل الاستراتيجي يمهّد الطريق بشكل جدي لاستعادة الدولة السورية سيطرتها على كافة أراضيها وتوحيد البلاد تحت راية جيش واحد وعلم واحد وسلطة مركزية واحدة، ومن هنا تبرز الأهمية الكبرى لهذا الإنجاز الذي يضع قوات سوريا الديمقراطية «قسد» أمام خيارات ضيقة، إما الانصياع لتطبيق اتفاق العاشر من آذار مارس والاندماج في مؤسسات الدولة، أو مواجهة الخيارات الأخرى المفتوحة التي يبدو أن الاستعدادات لها تجري على قدم وساق، لا سيما مع رصد تحشيد عسكري متبادل في منطقة دير حافر الواقعة شرق حلب، التي تمثّل نتوءاً جغرافياً تسيطر عليه «قسد» ويُتوقع أن يكون نقطة الانطلاق لأي مواجهة شاملة قادمة، وبالعودة إلى كواليس ما جرى في الأشرفية والشيخ مقصود، نجد عملاً عسكرياً ودبلوماسياً اتّسم باحترافية كاملة، حيث سبقت التحرك الميداني جهود دبلوماسية مكثفة أدّت إلى تأمين تأييد إقليمي وتفهم دولي، بما في ذلك من جانب الولايات المتحدة الأمريكية التي تعد الداعم الأبرز لـ «قسد»، وقد لعبت أطراف إقليمية وازنة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، دوراً جوهرياً من خلال تأكيدها المستمر في المحافل الدولية على ضرورة الحفاظ على وحدة سوريا وسلامة أراضيها، مما سهّل مهمة الدبلوماسية السورية بشكل كبير، فضلاً عن وجود مساندة وتنسيق في هذه النقطة من الجانب التركي، أما على الصعيد الأمني والعسكري، فقد كانت التوقعات، حتى من جانب «قسد» نفسها، تشير إلى أن عملية السيطرة على هذين الحيين اللذين يقطنهما قرابة 400 ألف نسمة ستكون معقدة وطويلة قد تمتد لأشهر بسبب التحصينات والتجهيزات الأمنية، لكن الواقع أثبت قدرة استخباراتية سورية عالية وقراءة دقيقة للميدان، حيث لم يستغرق الأمر سوى ساعات معدودة، وكان لموقف العشائر العربية الثقل الأكبر في ترجيح الكفة، ونخص بالذكر هنا عشيرة البقارة التي أثبتت انتماءها الوطني الصادق من خلال مسارعة وجاهاتها للتفاهم مع أبناء العشيرة المنخرطين في صفوف «قسد»، مما أدّى إلى انشقاقهم الفوري وفتح الأبواب والحارات أمام قوات الجيش العربي السوري، وهو ما شكّل «ضربة قاصمة» أفقدت «قسد» توازنها وأدّت إلى انهيار دفاعاتها بسرعة خاطفة وبأقل قدر ممكن من الخسائر البشرية والمادية، وهذا النموذج الناجح في حلب يقدم استشرافاً دقيقاً لما سيكون عليه الوضع في منطقة الجزيرة السورية والفرات، حيث تعاني العشائر هناك من حالة تململ واحتقان شديد نتيجة السياسات القمعية التي تمارسها «قسد» ومحاولاتها سلخ المنطقة عن هويتها السورية. إن العشائر الكبرى مثل شمر وجبور والعقيدات والبقارة والبوسرايا تنتظر اللحظة الحاسمة للانقضاض من الداخل، مما يعني أن الخطر الحقيقي الذي يهدد بقاء «قسد» ليس قادماً فقط من التشكيلات العسكرية النظامية، بل من الحاضنة الشعبية والعشائرية التي ترى في الجيش السوري المخلص الوحيد من المليشيات الانفصالية، إن الرهان القادم يعتمد بشكل كبير على المزاوجة بين الغطاء الدبلوماسي والتحرك العسكري المكثف؛ لأن «قسد» لن تستطيع الصمود طويلاً أمام انتفاضة داخلية تقودها العشائر التي تتوق لاستعادة الوحدة الوطنية والعودة إلى كنف الدولة الأم، مما سيحول أي مواجهة قادمة إلى حدث وطني ينهي سنوات من التشرذم ويعيد ضبط البوصلة نحو سوريا واحدة موحدة قوية بكل أبنائها.
تشهد الساحة الدولية في مطلع عام 2026 تحوّلاً جذرياً وعميقاً في العقيدة السياسية والأمنية للولايات المتحدة الأمريكية، وهو تحوّل يتجاوز مجرد تغيير في الوجوه الإدارية ليصل إلى إعادة صياغة كاملة لمفهوم الهيمنة العالمية انطلاقاً مما يمكن وصفه بفائض القوة الاستخباراتية الذي بات المحرك الفعلي للأحداث الكبرى. إن هذا الانتقال التاريخي من مبدأ مورو التقليدي، الذي كان يكتفي برسم خطوط حمراء أمام القوى الخارجية في القارة الأمريكية، إلى ما يمكن تسميته بمبدأ ترمب الجديد، يمثل حقبة تتّسم بالتدخل العنيف والمباشر القائم على استغلال التفوق التكنولوجي والمعلوماتي لفرض واقع سياسي جديد يتماشى مع الأيديولوجيا اليمينية الشعبوية التي تتبناها الإدارة الحالية. ولم يعد هذا النهج مجرد شعارات انتخابية، بل تحوّل إلى ممارسة واقعية تجلّت بوضوح في أحداث فنزويلا الأخيرة، ما جرى كان عملية استخباراتية جراحية معقّدة أدّت إلى اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو وتصعيد نائبة الرئيس للسلطة في ترتيب يبدو ظاهرياً أنه انتقال دستوري، لكنه في الحقيقة يمثّل انقلاباً من داخل النظام نفسه وبتدبير استخباراتي خارجي، حيث وافقت المؤسسة الحاكمة في كاراكاس على التضحية برأس النظام لضمان بقائها تحت المظلة الأمريكية الجديدة، وهو ما يفسر عدم وجود أي تحرك جدي لاستعادة مادورو بالرغم من كل الصخب الإعلامي. إن هذا النموذج الفنزويلي هو جوهر مبدأ ترمب الذي يغض الطرف عن القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية لتحقيق مصالح واشنطن الاستراتيجية، وهو نهج من المتوقع أن يمتد ليشمل دولاً أخرى في أمريكا اللاتينية مثل كوبا وكولومبيا؛ بهدف اجتثاث النهج اليساري وقطع الطريق تماماً أمام أي نفوذ لروسيا أو الصين في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة. إن القوة الأمريكية اليوم لا تعتمد فقط على تفوقها العسكري التقليدي بل تعتمد بشكل أساسي على تطوّر هائل وغير مسبوق في المجال الاستخباراتي، حيث باتت أجهزة المخابرات قادرة على شل إرادة الخصوم وتصفية القيادات الكبرى بدقة متناهية، كما رأينا في عمليات تصفية كبار القادة في الحرس الثوري الإيراني، وهي عمليات أكّدت أن التدخل الاستخباري بات بديلاً فعّالاً وأقل كلفة من الحروب الشاملة. هذا الفائض من القوة والاستعلاء التقني جعل واشنطن تتعامل مع العالم كمنطقة نفوذ مفتوحة، حيث لم يعد هناك مكان للخصوصية السيادية، فأمريكا اليوم تتجسّس على الجميع بلا استثناء، حلفاء وأعداء، وإذا كانت المعلومات التي كُشفت قبل سنوات قد أظهرت حجم التنصت الأمريكي في عهد أوباما، فإن القدرات الحالية في عام 2026 جعلت كل زعماء العالم تحت المجهر اللحظي. إن هذه الهيمنة المعلوماتية تمنح الإدارة الأمريكية القدرة على إطلاق تهديدات حقيقية وملموسة تجاه دول مثل كولومبيا أو حتى في مناطق بعيدة مثل غرينلاند؛ لأن هذه التهديدات مسنودة ببنك أهداف معلوماتي يجعل أي مقاومة لهذا التدخل تبدو شبه مستحيلة للدول التي لا تملك تحصينات سيبرانية واستخباراتية تضاهي ما تملكه الصين وروسيا. إننا أمام عالم جديد يقسمه مبدأ ترمب إلى مربعات نفوذ، حيث تمنح واشنطن لنفسها الحق في التصرف المطلق داخل مجالها الحيوي، مما يشرعن بشكل ضمني للقوى الكبرى الأخرى أن تحذو حذوها، ليبقى العالم رهينة لهذا التغول الاستخباراتي الذي جعل من سيادة الدول مجرد حبر على ورق أمام خوارزميات التجسس وعمليات الاختطاف الصامتة، التي أصبحت الأداة المفضلة لتغيير الأنظمة أو السيطرة عليها من الداخل، وما حالة مادورو إلا البداية لسلسلة من التحوّلات التي ستعيد رسم خريطة القوى العالمية وفقاً لمنظور القوة العنيفة، التي لا تعترف إلا بالمصالح القومية الضيّقة المسنودة بآلة استخباراتية لا تنام.
تُعد زعامة الأمير محمد بن سلمان للعالم العربي في عام 2025 نتاجاً طبيعياً لنهج سياسي ودبلوماسي فريد نقل المملكة العربية السعودية من مكانة القوة الإقليمية المؤثرة إلى دور الفاعل الدولي المحوري، الذي يعيد صياغة موازين القوى العالمية، حيث تجلّت عبقرية الأمير الشاب في قدرته على دمج الطموح الاقتصادي الوطني بالواقعية السياسية، التي تضع استقرار الشرق الأوسط أولويةً قصوى لا تقبل المساومة، ومن هنا جاء الاختراق الدبلوماسي الكبير الذي شهدناه خلال زيارة الرئيس الأمريكي «دونالد ترمب» التاريخية للرياض في عام 2025 ليكون بمثابة إعلان رسمي عن ولادة تحالف استراتيجي من نوع خاص، لم يكن مبنياً على التبعية، بل على الندية والمصالح المشتركة العليا، فقد نجح الأمير محمد بن سلمان في انتزاع موافقة أمريكية تاريخية على تصدير مقاتلات «F-35» المتطوّرة إلى المملكة، وهو الأمر الذي كان يُعتبر لعقود بعيد المنال، وبجانب هذا التفوق الجوي النوعي، جاءت الموافقة على تزويد الرياض بأحدث معالجات الذكاء الاصطناعي العالمية لتعكس رؤيته في جعل المملكة قطباً تكنولوجياً عالمياً ينافس الكبار، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تُوّجت هذه المكاسب بتوقيع معاهدة دفاعية شاملة والبدء في تعاون نووي متطوّر للأغراض السلمية، مما منح السعودية درعاً استراتيجياً وحضوراً تقنياً يضعها في مقدمة دول العالم العظمى، وفي قلب هذا الحراك، كانت «الواقعية السياسية» هي المحرك الأساسي لسياسة الأمير الخارجية، وهي التي أدّت إلى فتح قنوات الحوار الاستراتيجي مع إيران بناءً على أسس صلبة تحترم السيادة وتمنع التدخل في الشؤون الداخلية، مما أدّى بشكل مباشر إلى تخفيف حدة التوتر في منطقة الشرق الأوسط وتبريد الصراعات المزمنة التي استنزفت مقدّرات المنطقة لسنوات طويلة، وهذا النجاح الدبلوماسي لم يخدم السعودية فحسب، بل خلق مظلة أمان لكافة الدول العربية، خاصة في الملف السوري الذي تعامل معه الأمير محمد بن سلمان برؤية ثاقبة تشدّد على ضرورة استعادة وحدة الأراضي السورية ودعم مؤسسات الدولة الوطنية، وذلك لقطع الطريق نهائياً أمام تغلغل المليشيات العابرة للحدود التي تهدّد الأمن القومي العربي والإسلامي، إن هذا التوجه الذي يرفض المشاريع الموالية للخارج ويحمي الهوية العربية والإسلامية في المنطقة، جعل من الأمير محمد بن سلمان القائد الوحيد الذي يمتلك مشروعاً إنقاذياً متكاملاً يتجاوز الشعارات إلى الأفعال الملموسة، فمن خلال رؤية 2030، لم يبنِ الأمير اقتصاداً سعودياً جباراً فحسب، بل أسّس لمرحلة جديدة من «السيادة الشاملة» التي ترفض أن يكون القرار العربي رهينة للقوى الخارجية، إن قدرته على موازنة العلاقات بين واشنطن وبكين وموسكو، مع الحفاظ على الثوابت الوطنية، جعلت من الرياض عاصمة القرار العالمي في 2025، وجعلت من الأمير محمد بن سلمان الزعيم العربي الذي تلتف حوله الشعوب قبل الحكومات، باعتباره مهندس النهضة العربية الحديثة وصمام الأمان في وجه الفوضى، ولذلك فإن إطلاق لقب «زعيم العرب» عليه في هذا التوقيت ليس مجرد وصف تشريفي، بل هو اعتراف بواقع جيوسياسي فرضته الإنجازات التي تحقّقت على الأرض في مجالات الدفاع، والتكنولوجيا، والسياسة الواقعية، مما يضمن مستقبلاً زاهراً للأمة العربية بعيداً عن صراعات الماضي والارتهان للمشاريع الخارجية.