أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1022.jpg?v=1763641491&w=220&q=100&f=webp

رامي الخليفة العلي

باب المندب.. حين تستعيد الدولة بوابة العالم

أعلنت القوات الحكومية اليمنية، في ساعات مضت، السيطرة على منطقة باب المندب ومطار ذوباب غربي محافظة تعز، ضمن عملية «فجر اليمن» التي أطلقها رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بإسناد من التحالف الذي تقوده المملكة العربية السعودية. وقال المتحدث باسم القوات اليمنية العقيد ماجد النزيلي إن ألوية العمالقة ودرع الوطن نفذتا عملية التفاف قطعت الطريق بين ذوباب والمخا، وهو تطور يتجاوز بعده العسكري إلى دلالات سياسية واقتصادية تمس العالم كله. فباب المندب ليس شريطاً مائياً عادياً، بل هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وحلقة الوصل بين المحيط الهندي وقناة السويس، ومن خلاله تعبر شحنات الطاقة والبضائع المتجهة بين آسيا وأوروبا وإفريقيا. وحين يتعرّض هذا الممر للتهديد، لا يدفع الثمن اليمنيون وحدهم، بل المستهلك في أوروبا والمصنّع في آسيا والاقتصادات الناشئة في إفريقيا، كما أثبتت السنوات الماضية التي شهدت اضطراب الملاحة وارتفاع كلفة التأمين وتحويل السفن إلى مسارات أطول وأغلى حول رأس الرجاء الصالح. ومن هنا فإن عودة هذا الموقع الحيوي إلى سلطة الدولة الشرعية تمثل خطوة نحو إعادة الاعتبار لمبدأ راسخ في القانون الدولي، وهو أن الممرات البحرية الدولية ملك للعالم ولا تخضع لابتزاز أي جماعة مسلحة ولا لمنطق السلاح خارج إطار الدولة. وقد ظلت المملكة، بحكم موقعها المطل على البحر الأحمر ومسؤوليتها تجاه أمن الطاقة العالمي، في طليعة الدول التي تؤكد أن حرية الملاحة التزام دولي لا يقبل المساومة ولا فرض الرسوم ولا التهديد، وأن تأمين الممرات المائية مسؤولية مشتركة تتقاسمها الدول المستفيدة منها. وتستند الحكومة اليمنية في معركتها إلى شرعية معترف بها دولياً، وإلى قرارات مجلس الأمن ذات الصلة وفي مقدّمتها القرار 2216، بينما تحمل المليشيات الحوثية سجلاً طويلاً من التصرفات التي هدّدت أمن اليمن والمنطقة، ولم تسعَ يوماً إلى ازدهار المناطق التي تحكمها، بل جعلت من مواطنيها وقوداً لحسابات لا تخدم مصلحتهم. أما المملكة العربية السعودية، فقد أثبتت أنها تتعامل مع الأحداث بواقعية سياسية تقرأ كل مرحلة بمعطياتها، فهي تتبنى نهج القوة والحزم حين تفرض الحرب نفسها، وتتمسك بالحكمة وتغليب العقل والحوار حين يتسع المجال للسلام. وسجلها في ذلك واضح، فقد دعمت على امتداد السنوات مبادرات التهدئة والمسارات السياسية والهدن الإنسانية، وما زالت تؤكد أن الحل الدائم في اليمن لن يكون إلا سياسياً، غير أن الحوار الجاد يحتاج إلى طرف يدرك أن زمن فرض الأمر الواقع بالقوة قد انتهى. ولذلك فإن ما تحقق في باب المندب يعزز موقف الحكومة الشرعية على طاولة التفاوض، ويضيّق على من راهن على استنزاف الصبر الإقليمي والدولي، ويبعث برسالة طمأنة إلى شركات الشحن والعواصم الكبرى بأن أمن الملاحة قضية يمكن حمايتها حين تتوحد الإرادة. وهذا ما يجعل الدعم الدولي لهذه الجهود مصلحة مباشرة لكل دولة تعتمد على سلاسل إمداد آمنة. ولا يعني ذلك أن الطريق إلى السلام قد اكتمل، فالتحديات ما تزال كبيرة، لكن الرهان على دعم الأشقاء والمجتمع الدولي لتثبيت هذه المكاسب وتحويلها إلى استقرار مستدام يبقى رهاناً واقعياً ومشروعاً. ويقع على عاتق الحكومة الشرعية، في المقابل، مسؤولية توحيد صفوف القوى المنضوية تحت لوائها وإدارة المناطق المستعادة بكفاءة وعدالة، حتى يلمس السكان ثمرة الاستعادة في حياتهم اليومية. وتبقى الأولوية الآن حماية المدنيين وتأمين المساعدات الإنسانية وتهيئة الظروف لعودة مؤسسات الدولة إلى خدمة المواطنين، فالنصر الحقيقي ليس في السيطرة على موقع جغرافي مهما بلغت أهميته، بل في أن يشعر اليمني بأن دولته عادت إليه، وأن يشعر العالم بأن بحره الأحمر عاد آمناً، وأن المنطقة بأسرها تتجه نحو الأمن والاستقرار بدل التصعيد.

00:10 | 7-10-2026

إسرائيل تخسر العالم

لم تكن المقاعد التي أخلاها دبلوماسيون أثناء كلمة بنيامين نتنياهو في الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد فراغ في قاعة؛ كانت صورة مكثفة للفراغ الذي يتسع حول إسرائيل، وللمسافة التي صنعتها سياساتها بينها وبين ضمير العالم. فالدولة التي طالما قدّمت نفسها بوصفها «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط» تواجه اليوم سؤالاً أشد قسوة من أي حملة إعلامية: ماذا بقي من هذه الرواية أمام صور الأطفال الجائعين، والبيوت المدمرة، والعائلات التي فقدت كل شيء في غزة؟

لا تستطيع آلة العلاقات العامة أن تمحو مأساة يراها الناس، ولا تستطيع بلاغة الدفاع عن النفس أن تمنح الانتهاكات حصانة أخلاقية دائمة. وما تخسره إسرائيل يتجاوز التعاطف العابر إلى تآكل رصيد سياسي راكمته طوال عقود، وإضعاف قدرة حلفائها على تبرير حمايتها أمام مجتمعاتهم.

لقد فرضت بريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا والنرويج عقوبات على الوزيرين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش بسبب التحريض على العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وهي خطوة تكشف أن الاعتراض بات يصل إلى شخصيات داخل السلطة، ويتجاوز بيانات القلق المألوفة. وفي المقابل، يبقى نتنياهو مطلوباً بموجب مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية تتعلق باتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فترافقه الملاحقة القضائية حيثما ذهب، وتضع الدول المستقبلة له أمام أسئلة سياسية وقانونية محرجة.

وحتى الملاعب، التي اعتادت الحكومات التعامل معها باعتبارها مساحة بعيدة عن الحسابات الدبلوماسية، أصبحت مرآة لهذه الخسارة. فالاحتجاجات الإيرلندية على مواجهة إسرائيل، ومطالبة الاتحاد الإيرلندي بتعليق مشاركتها، وموقف مدرب المنتخب، تعكس انتقال الرفض إلى مساحات شعبية يصعب احتواؤها ببيان رسمي. وحين يصبح حضور إسرائيل نفسه موضوعاً للاحتجاج، فإن الضرر يصيب صورتها وقدرتها على الاندماج الطبيعي في العالم.

أما زيارة نتنياهو نيويورك من دون لقاء مقرر مع الرئيس الأمريكي، فتضيف مشهداً لافتاً إلى هذه الصورة، وإن كانت لا تكفي وحدها لإثبات تحوّل أمريكي أو حساب انتخابي محدّد. فالعلاقة بواشنطن لا تزال قوية، لكن قوة التحالف لا تلغي الكلفة المتزايدة للدفاع عن سياسات تستنزف مصداقية المدافعين عنها.

هنا ينبغي أن يصل السؤال إلى المواطن الإسرائيلي، وخصوصاً من يرفض الارتهان للأحزاب المتطرفة: أي مستقبل تصنعه حكومة تربح جولة عسكرية وتخسر معها مزيداً من الثقة والقبول؟ وأي أمن يمكن أن يستقر فوق الخوف الدائم، وحرمان شعب آخر من حقوقه، وتوسيع دائرة الغضب في المنطقة؟

ليست دعوة المجتمع الإسرائيلي إلى المراجعة تحميلاً لكل فرد مسؤولية قرارات حكومته، وإنما مطالبة له بألا يترك المتطرفين يحتكرون تعريف مصلحته ومستقبل أبنائه. فالعزلة تبدأ بصورة سيئة، لكنها قد تتحوّل إلى قيود على التعاون، وتراجع في الشراكات، واتساع للمقاطعة، وعبء يرافق الأجيال المقبلة.

والأخطر أن خطاب نتنياهو، بما طغى عليه من دفاع عن القوة ومهاجمة المنتقدين، لم يقدّم أفقاً سياسياً مقنعاً للسلام مع الفلسطينيين. فالسلام يحتاج إلى اعتراف بالحقوق، وإرادة لإنهاء الاحتلال، وضمانات تحمي المدنيين، ولا يولد من إعلان الانتصار المتكرر.

إن الاستمرار في الانتهاكات مع تجاهل الاحتجاج والعقوبات يرسل رسالة خطيرة مفادها أن القوة تستطيع تجاوز كل مساءلة؛ وهذه وصفة لإدامة الصراع وتعميق هشاشة الشرق الأوسط. وقد تؤخر الحماية الدولية دفع الفاتورة، لكنها لا تلغي تراكمها. لذلك فإن معركة إسرائيل الحقيقية مع صورتها تبدأ بتغيير سلوكها، وبفهم أن حياة الفلسطيني ليست تفصيلاً في حسابات الأمن الإسرائيلي.

وعلى المواطن الإسرائيلي أن يسأل حكومته، قبل أن يطالب العالم بتحسين نظرته إليه: إلى أين تأخذوننا؟ وكم سنخسر بعد، حتى نعترف بأن السلام شرط للبقاء الآمن؟

00:03 | 30-09-2026

من يفجّر مخازن الجيش السوري؟ أصابع إسرائيل في دائرة الشك

لم تعد الانفجارات المتكررة في مستودعات الجيش السوري مجرد حوادث أمنية متفرقة يمكن تفسير كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى، بل بات تتابعها وتقاربها الزمني وتوزعها على أكثر من منطقة يفرض سؤالًا أكثر جدية يتعلق بما إذا كانت سوريا تواجه خللًا داخليًا متكررًا، أم نشاطًا تخريبيًا، أم حملة خارجية تستهدف بصورة منهجية جزءًا من قدراتها العسكرية وهي في طور إعادة البناء. والانفجار الذي وقع في مستودع للذخيرة في العيس بريف حلب في 21 سبتمبر كان الرابع من نوعه خلال الشهر نفسه، فيما أحصت رويترز ما لا يقل عن ستة عشر انفجارًا في منشآت تخزين عسكرية منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024؛ وقد عُزي بعضها إلى سوء التخزين والحرائق والذخائر المتقادمة، بينما ظلت أسباب عدد آخر غير محسومة. وبالطبع لا يمكن إسقاط احتمال الخطأ البشري أو سوء التخزين، خصوصًا في مؤسسة عسكرية ورثت مستودعات وذخائر تعود إلى مراحل مختلفة، كما لا يمكن تجاهل احتمال وجود مجموعات داخلية أو خلايا متطرفة تسعى إلى ضرب مؤسسات الدولة. لكن الصورة تصبح أكثر تعقيدًا عندما يوضع تكرار هذه الحوادث في سياق السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا الجديدة، لأن إسرائيل لم تخفِ رغبتها في منع تشكّل واقع عسكري سوري يمكن أن يحد من حرية حركتها. ففي أغسطس الماضي نفذت إسرائيل ضربات داخل الأراضي السورية، من بينها ضربة استهدفت قاعدة جوية سورية في الشمال الغربي، كما استمرت عملياتها العسكرية في الجنوب السوري، وهو ما أدانته دمشق باعتباره انتهاكًا متكررًا للسيادة السورية. هذا السلوك الميداني يتقاطع مع خطاب أمني إسرائيلي أكثر صراحة تجاه عملية إعادة بناء الجيش السوري. ففي الأول من سبتمبر نقلت جيروزاليم بوست عن مسؤول دفاعي إسرائيلي كبير أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تتابع بقلق خطوات الرئيس أحمد الشرع لإعادة بناء الدولة والجيش، مشيرة إلى تدريبات على مستوى الألوية وإلى خشية من أن يؤدي تطور القدرات السورية إلى تضييق هامش الحركة العسكرية الإسرائيلية داخل سوريا. وبعد ذلك بأكثر من أسبوعين، نشر أمير بوحبوط في الصحيفة نفسها تقريرًا نقل فيه تقديرات أمنية إسرائيلية تزعم أن دمشق توجه جزءًا كبيرًا من مواردها إلى بناء جيش دائم وشراء منظومات تسلح جديدة. وبغض النظر عن دقة هذه التقديرات المالية، فإن أهميتها تكمن في أنها تكشف بوضوح أن إعادة بناء القوة العسكرية السورية أصبحت ملفًا يثير القلق داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها. هنا يصبح من الصعب فصل سلسلة الانفجارات تمامًا عن البيئة الإقليمية المحيطة بها. فإذا كانت إسرائيل قد استخدمت القوة علنًا ضد منشآت ومواقع داخل سوريا، وإذا كانت دوائرها الأمنية تعلن قلقها من قيام جيش سوري أكثر تنظيمًا وقدرة، فإن فرضية وجود استهداف خارجي للمخازن والمنشآت العسكرية تصبح فرضية جدية تستحق أن تتقدّم على غيرها في التحقيق، لا سيما أن الحكومة الإسرائيلية الحالية قامت على تحالف وقد اتسمت سياساتها الإقليمية خلال السنوات الماضية بتوسيع الاعتماد على القوة. المسألة هنا ليست البحث عن اتهام جاهز، وإنما قراءة المصالح والسلوك معًا: سوريا التي تستعيد مؤسساتها وتعيد بناء جيشها وتعمل على توحيد أراضيها ستكون بطبيعتها أكثر قدرة على فرض سيادتها، وأقل قابلية لبقاء المجال السوري مفتوحًا أمام العمليات الخارجية. ومن هذه الزاوية يمكن فهم لماذا يُنظر في إسرائيل بقلق إلى مشروع بناء جيش سوري جديد، ولماذا يصبح إضعاف البنية العسكرية السورية أو تعطيل إعادة تأهيلها مصلحة يمكن فهمها ضمن الحسابات الإستراتيجية الإسرائيلية. ولهذا فإن الرد السوري المطلوب لا ينبغي أن يقتصر على إطفاء الحرائق وإجلاء السكان بعد كل انفجار، بل يجب أن يبدأ بتحقيق أمني وتقني شامل يربط الحوادث ببعضها، ويراجع أنظمة الحماية والمراقبة، ويدقق في احتمالات الاختراق الداخلي ووسائل الاستهداف الخارجي، وصولًا إلى تحديد نمط واضح لما يجري. حماية منشآت الدولة السورية العسكرية وكشف الجهة التي تقف خلف هذه الحوادث أصبحتا جزءًا أساسيًا من معركة استعادة الدولة نفسها.

00:06 | 23-09-2026

الذكاء الاصطناعي... من يملك زر الإيقاف؟

كان الأسبوع الماضي أسبوع الرعب من الذكاء الاصطناعي بقدر ما كان أسبوع الانبهار به؛ فبين عروض القدرات المذهلة ووعود الطب والتعليم، ارتفع سؤال أشد إزعاجًا من الخوف على الوظائف: هل يصنع الإنسان قوة قد تعجز حضارته عن ضبطها؟ أعاد الباحث جاكوب كوكسون هذا السؤال إلى الواجهة بإعلان استقالته من أنثروبيك، بعد عمله في أبحاث تدريب النماذج لديها ولدى أوبن إيه آي. واتهم الشركتين بالاندفاع نحو ذكاء فائق قادر على تحسين نفسه، والمقامرة بحياة البشر، قائلًا إن بين مطوريه من يعتقد أنه قد يهدّد وجودنا قبل نهاية العقد. إنها شهادة تستحق الإصغاء، لكنها تبقى تحذيرًا من مستقبل محتمل، وليست إعلانًا علميًا بحتمية الكارثة. ولم يبدأ القلق مع كوكسون؛ ففي مايو 2023، وقّع جيفري هينتون ويوشوا بنجيو وسام ألتمان وديميس هاسابيس بيانًا يدعو إلى جعل الحد من خطر الانقراض المرتبط بالذكاء الاصطناعي أولوية عالمية، إلى جانب الأوبئة والحرب النووية. هؤلاء ليسوا خصوم التكنولوجيا؛ إنهم بعض الذين وضعوا أسسها وقادوا صعودها. وفي أحدث فصول المفارقة، دعا داريو أمودي، رئيس أنثروبيك، إلى إبطاء تقدّم النماذج وإتاحة رقابة مستقلة عليها، محذرًا من أن تسارع قدرتها على المساهمة في بناء الأجيال التالية قد يتجاوز قدرتنا على فهمها والتحكم بها. هنا يكمن جوهر الخوف: أن تصبح الآلة جزءًا متزايدًا من عملية تطوير الآلة، فتتسارع دورة الابتكار فيما تتراجع قدرة البشر على متابعة تفاصيلها واختبار عواقبها. وقد ينقلب موقع الإنسان تدريجيًا من صانع يحدد الاتجاه إلى مراقب يحاول فهم ما يحدث، ثم إلى تابع يعتمد على قرارات لا يستطيع مراجعتها. وعندما تصبح الأنظمة الأقدر على اكتشاف أخطاء الأنظمة الأخرى، يبرز سؤال ثقيل: من يراقب سلسلة الرقابة حين تتجاوز قدرة البشر على التحقق. الخطر العملي قد ينشأ من نظام شديد الكفاءة ينفذ هدفًا سيئ التحديد، بصلاحيات واسعة، ومن دون رقابة تستطيع إيقافه. ولا يحتاج هذا السيناريو إلى آلة تكره البشر؛ يكفي أن تصبح سلامتهم خارج الحساب الذي يحكم سلوكها. لا يجوز تحويل غياب اليقين إلى رخصة للمقامرة. ففي الرابع عشر من سبتمبر، وصف دونالد ترمب المخاوف من الذكاء الاصطناعي بأنها خدعة، وتحدث عن «مؤامرة مريضة» تستهدفه ومراكز البيانات. بهذا المنطق، تصبح المطالبة بالضمانات عقبة أمام التفوق، ويغدو السباق مع الصين جوابًا جاهزًا عن سؤال السلامة. والمفارقة أن المنافسة قد تدفع كل طرف إلى الاستمرار لأنه يخشى استمرار الآخرين، حتى عندما يدرك الجميع خطورة الطريق. وهنا تتحوّل معضلة تقنية إلى أزمة سياسية وأخلاقية: من منح شركات محدودة العدد حق تحديد مقدار المخاطرة الذي تتحمّله البشرية؟ ومن يحاسبها إذا تجاوزت نتائج قراراتها حدود الأسواق والدول؟ فالأرباح يمكن تسجيلها باسم المساهمين، أما الخسائر الحضارية المحتملة فلن تبقى محصورة في دفاتر الشركات، ولن تستثني الذين لم يوافقوا على التجربة. إن فرص تسريع اكتشاف العلاجات وتحسين التعليم والبحث حقيقية، ولهذا تحديدًا تستحق الحماية من التهور. المطلوب رقابة مستقلة، واختبارات قابلة للتحقق، ومساءلة عن الحوادث، واتفاقات تمنع تسليم القرارات المصيرية لأنظمة لا نفهم حدودها. ولا يمكن أن تبقى سلامة مليارات البشر معلقة على تطمينات الشركات، فيما تظل المعلومات الحاسمة عن قدراتها ومخاطرها داخل مختبراتها المغلقة. فقد امتلك الإنسان عبر المعرفة قدرة متزايدة على تشكيل مصيره؛ ولن يكون انتصاره العلمي الأعظم أن ينتج ذكاء يفوقه، ثم يفقد حقه في تقرير ما يفعله ذلك الذكاء به.

00:02 | 16-09-2026

أوروبا إلى الفاشية سِرْ

لم تعد عبارة «أوروبا إلى الفاشية... سِرْ» مجرد صيحة تحذير مبالغ فيها؛ فنتائج انتخابات سكسونيا أنهالت الألمانية تكشف مقدار التآكل الذي أصاب المناعة السياسية والأخلاقية للقارة. لقد تصدّر حزب البديل من أجل ألمانيا النتائج، مقترباً من إمكان قيادة حكومة الولاية، وإن كان الفوز الانتخابي لا يعني أنه تسلّم الحكم بالفعل. وهذا التمييز ضروري، لكنه لا يخفف خطورة المشهد: حزب يصنّف فرعه المحلي متطرفاً يمينياً بات يطالب بتحويل تفوقه الانتخابي إلى سلطة على مؤسسات الدولة.

بعد أكثر من ثمانية عقود على نهاية الحرب العالمية الثانية، تواجه أوروبا امتحاناً يمس الأسس التي بنت عليها مشروعها الديمقراطي، خصوصاً في غرب القارة قبل امتداده شرقاً: كرامة الإنسان، والمواطنة المتساوية، وتقييد السلطة بالقانون، وحماية الأقليات، والتضامن الاجتماعي. لم يتحقق هذا المشروع كاملاً، وشابته تناقضات وانتهاكات، لكنه جعل تجاوز العنصرية والقومية العدوانية التزاماً سياسياً وأخلاقياً.

اليوم تتعرّض هذه المرجعية لمحاولة قلب منظمة، يصبح فيها المختلف متهماً، واللاجئ تفسيراً جاهزاً لكل أزمة، والحقوق عبئاً ينبغي التخلص منها. خطورة البديل تتجسّد في تحويل القلق الاقتصادي والاجتماعي إلى خصومة مع جماعات بشرية، ثم تقديم الإقصاء باعتباره برنامج إنقاذ. فالمواطن الذي يخشى تراجع دخله أو انهيار الخدمات يحتاج حلولاً للأجور والسكن والاستثمار، بينما يُدفع إلى الاعتقاد بأن استعادة مستقبله تمر عبر التضييق على جاره المختلف.

هكذا يُعاد توجيه الغضب بعيداً عن السياسات المسؤولة، ويُستبدل النقاش حول توزيع الثروة بصراع على هوية المستحقين للحقوق. ولا تنتهي التداعيات عند المهاجرين؛ فالدولة التي تقبل تفاوت الكرامة بحسب الأصل تفتح الباب لتفاوت الحريات بحسب الولاء. وعندما تُختزل الديمقراطية في أغلبية انتخابية، يمكن استخدام الصندوق لإضعاف الرقابة، ومحاصرة الإعلام، وإخضاع المؤسسات، وتجفيف المجال المدني. وفي هذا تحديداً تكمن قابلية الانزلاق نحو الفاشية: تفريغ التعددية من مضمونها تحت شعار إنقاذ الأمة.

لذلك يحمل احتمال وصول هذا الحزب إلى حكومة ولاية وزناً يتجاوز حدودها؛ فالسلطة المحلية تمنح أدوات للتأثير في التعليم والإدارة والأمن، وقد تصبح مختبراً لتطبيع ممارسات تنتقل لاحقاً إلى المستوى الاتحادي. أما الأحزاب التقليدية التي تواجه التطرف باستعارة مفرداته، فإنها تمنحه شهادة صلاحية وتساعده على تحديد أجندة النقاش. ومسؤوليتها تتضاعف حين تطلب من الناس الدفاع عن الديمقراطية من دون أن تقدّم لهم أمناً اجتماعياً أو أفقاً اقتصادياً مقنعاً.

ويتصل المشهد بموجة عابرة للحدود، سبق أن بشّر بها رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان. لا تتطابق هذه القوى في كل شيء، لكنها تتبادل التشجيع وتطبيع العداء للتعددية. وعالم تتقدّم فيه القوميات الإقصائية يصبح أكثر استعداداً للحروب التجارية، وأقل قدرة على التعاون بشأن المناخ واللجوء، وأكثر تسامحاً مع منطق القوة وازدواجية المعايير.

كما تتغذّى الصراعات الداخلية من خطاب يصور المعارضة خيانة والتنوع تهديداً، فينقلب الاختلاف الطبيعي إلى اشتباه دائم بين أبناء المجتمع. وتزداد الكلفة العالمية لأن تراجع أوروبا عن مرجعيتها الحقوقية يمنح السلطات القمعية حجة إضافية لتبرير انتهاكاتها، ويضعف صدقية المؤسسات الدولية التي تحتاج إلى دول تدافع عن قواعدها حتى حين تتعارض مع مصالحها المباشرة.

هذا هو الرهان الحقيقي: قدرة الدولة الحديثة على حماية الجميع من تعسف السلطة والأغلبية معاً. ليست الفاشية قدراً أوروبياً محتوماً، لكن منعها يتطلب مواجهة سياسية واجتماعية تتجاوز الاستنكار. يبدأ الخطر حين يصبح الإقصاء رأياً عادياً، ويتفاقم حين يصبح سياسة حكومية، وتكتمل الكارثة حين يعتاد المجتمع أن تُسلب حقوق الآخرين باسمه.

00:43 | 9-09-2026

السويداء.. حين يخسر الخطاب معركة السياسة

في الصراعات السياسية والاجتماعية، لا تُقاس كفاءة القيادة بقدرتها على التعبئة أو برفع سقف الخطاب فحسب، وإنما بقدرتها على إدارة التوازنات، وحماية حاضنتها الاجتماعية، وتوسيع دائرة الأصدقاء، وتقليص عدد الخصوم، وصياغة رواية تستطيع العبور من الجمهور المؤيد إلى الجمهور المتردد، وربما حتى إلى جزء من جمهور الطرف المقابل. وهذه واحدة من أبسط قواعد السياسة وأكثرها صرامة: أن تجعل خصمك أكثر عزلة، لا أن تعزل نفسك معه، وأن تقدّم خطابًا يستطيع الآخرون فهمه والدفاع عنه، لا خطابًا يحتاج في كل مرة إلى سلسلة طويلة من التبريرات. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة ما جرى في السويداء خلال المرحلة الماضية، حيث تبدو المفارقة واضحة بين مسارين متعاكسين في إدارة الصراع. فمن جهة، سعت الحكومة السورية إلى تقديم نفسها باعتبارها ممثلًا لفكرة الدولة الجامعة، دولة واحدة بجيش واحد ومؤسسات واحدة وأرض واحدة ومرجعية سياسية واحدة. وهي صيغة، بصرف النظر عن الموقف من أداء الحكومة أو عن الأخطاء التي ارتُكبت أو الانتقادات الموجهة إليها، تملك بطبيعتها قدرة أكبر على مخاطبة الداخل السوري والمحيط العربي والفاعلين الإقليميين والدوليين، لأنها تقوم على مفاهيم مألوفة في النظام الدولي، مثل السيادة ووحدة الأراضي واحتكار الدولة للسلاح والقرار. ومن جهة أخرى، اندفع الشيخ حكمت الهجري نحو خطاب سياسي رفع سقف القطيعة إلى مستويات جعلت من الصعب تحويله إلى مشروع قابل للتسويق خارج دائرته المباشرة، ولا سيما حين اقترن هذا الخطاب بصورة متزايدة بإسرائيل وبمواقف تتعارض بصورة حادة مع المزاج العام السوري والعربي. المشكلة هنا ليست في مجرد الخلاف مع دمشق؛ فالخلاف السياسي أمر طبيعي، كما أن المطالبة بضمانات أو حقوق أو ترتيبات محلية ليست في ذاتها أمرًا خارجًا عن السياسة، وإنما تكمن المشكلة في الطريقة التي جرى بها تقديم هذه المطالب، وفي البيئة الرمزية والسياسية التي أُحيطت بها. فالقيادة التي تريد حماية مجتمعها يفترض أن تعمل على زيادة التعاطف معه، وتفكيك مخاوف الآخرين منه، وفتح قنوات التواصل مع أكبر عدد ممكن من الأطراف، لكن خطاب الهجري أدى في أحيان كثيرة إلى نتيجة معاكسة: تضييق مساحة التعاطف، وتوسيع دائرة الريبة، وإعطاء خصومه فرصة لتقديمه بوصفه طرفًا يبتعد عن الإجماع الوطني أكثر مما يقترب منه. وفي السياسة لا تُقاس الخيارات بالنوايا وحدها، وإنما بالنتائج التي تنتج عنها أيضًا. فإذا كان الهدف هو تعزيز الموقع التفاوضي للسويداء وحماية مصالح أبنائها، فإن السؤال المشروع يصبح: هل أصبح هذا الموقع أقوى أم أكثر عزلة؟ وهل ازدادت القدرة على كسب الحلفاء أم تراجعت؟ في المقابل، استطاعت الحكومة السورية، رغم الحملات التي واجهتها ورغم استمرار وجود معارضين لها في الداخل، أن توسع تدريجيًا دائرة القبول بخطابها، لأنها تتحدث بلغة الدولة والوحدة والمؤسسات، وهي لغة يجد كثير من السوريين والعرب، وكذلك أطراف إقليمية ودولية، مصلحة في دعمها أو على الأقل التعامل معها بوصفها الإطار الأكثر قابلية للاستمرار. وهذا لا يعني منح الحكومة السورية صك براءة مفتوحًا، ولا إلغاء النقد الموجه إلى أدائها، لكنه يعني أن معركة الرواية لا تُحسم بالصوت الأعلى، بل بالرواية الأكثر قابلية للتصديق والاستمرار. وهنا تحديدًا تكمن أزمة الهجري: أنه لم ينجح في تحويل خلافه مع دمشق إلى قضية قادرة على اجتذاب المترددين، بل سمح لهذا الخلاف بأن يتحوّل تدريجيًا إلى اختبار هوية واصطفاف، وهو أخطر ما يمكن أن يحدث لأي قيادة محلية؛ لأن الزعيم الناجح لا يكتفي بالاحتفاظ بمن يؤيده، بل يجعل الوقوف معه ممكنًا سياسيًا وأخلاقيًا حتى لمن لا ينتمي إلى بيئته. وفي نهاية المطاف، ربما يكون السؤال الأهم في تقييم حصيلة المرحلة بسيطًا للغاية: بعد كل هذا الوقت، من أصبح لديه أصدقاء أكثر، ومن أصبح لديه خصوم أكثر؟ ففي السياسة، كثيرًا ما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي المعيار الأكثر دقة لقياس من يتقدّم في معركة الشرعية، ومن يبتعد عنها.

00:07 | 2-09-2026

من باريس.. السعودية ترسم شراكاتها الجديدة

تحمل زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى العاصمة الفرنسية باريس دلالات تتجاوز بكثير إطار العلاقات الثنائية التقليدية، لتكشف عن مستوى متقدّم من التقارب السياسي والإستراتيجي والاقتصادي بين الرياض وباريس، وعن رؤية مشتركة لعدد من الملفات التي ترسم ملامح الشرق الأوسط الجديد. فالتوافق السعودي الفرنسي لم يعد مقتصراً على تبادل المواقف، بل تحوّل تدريجياً إلى عمل مشترك في ملفات إقليمية حسّاسة، ظهر بوضوح في التحرك من أجل حل القضية الفلسطينية عبر تبني حل الدولتين، وفي التنسيق بشأن سوريا، حيث لعب ولي العهد السعودي دوراً مهماً في تعزيز الانفتاح الأوروبي على دمشق، انطلاقاً من إدراك أن استقرار سوريا ليس شأناً سورياً فحسب، بل جزء من منظومة الأمن القومي العربي واستقرار الإقليم بأكمله. وفي لبنان أيضاً يلتقي الحضور الفرنسي التاريخي مع الثقل السعودي السياسي والعربي، ضمن رؤية تدعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها والرئيس جوزيف عون، وتدفع باتجاه استعادة الدولة لدورها وسيادتها. أما في الملف الإيراني وأمن الملاحة والطاقة، فتتقاطع المصالح السعودية والفرنسية في ضرورة حماية الاستقرار الإقليمي ومنع تهديد طرق التجارة والطاقة الدولية، بالتوازي مع تنسيق دفاعي وأمني يمنح العلاقة بعداً استراتيجياً متزايداً. غير أن أهمية الزيارة لا تتوقف عند السياسة؛ لأن التحول الأكبر ربما يجري في الاقتصاد. نحن أمام انتقال من نموذج قديم كانت فيه السعودية تُقرأ أساساً باعتبارها سوقاً ضخمة للسلع والخدمات، إلى نموذج جديد أصبحت فيه المملكة فضاءً للاستثمار والإنتاج والتقنية وتوطين الصناعة. وهنا تحديداً تكمن جاذبية السوق السعودية بالنسبة إلى فرنسا وشركاتها؛ فما تغيّر خلال السنوات الأخيرة ليس فرنسا بقدر ما تغيّرت السعودية نفسها. رؤية 2030 أعادت صياغة البيئة الاقتصادية السعودية، من تطوير البنية التحتية إلى تنويع مصادر الدخل، ومن استيراد التقنية إلى توطينها، ومن شراء المنتجات إلى بناء القدرات الوطنية القادرة على إنتاجها وإدارتها وتطويرها. ولعل مشروع العلا يقدّم نموذجاً شديد الوضوح لهذه الفلسفة: خبرة ومعرفة وتقنيات دولية، يقابلها تدريب وتأهيل لكوادر سعودية تتولى إدارة المشروع وتطويره. والمنطق نفسه يمتد إلى الصناعات الدفاعية والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، حيث لا تبحث الرياض عن شريك يبيعها منتجاً جاهزاً، بل عن شريك يساهم في بناء المعرفة ونقل التكنولوجيا وتدريب العقول السعودية. ومن هنا تصبح فرنسا جزءاً من شبكة واسعة ومتوازنة من الشراكات التي تبنيها المملكة مع قوى دولية متعددة، لا باعتبارها بديلاً عن طرف آخر، وإنما إضافة نوعية إلى سياسة سعودية أكثر استقلالاً وبراغماتية وانفتاحاً. وما تراه باريس اليوم في الرياض هو اقتصاد يتحول بسرعة، ودولة تطمح إلى أن تكون مركزاً إقليمياً للاستثمار والصناعة والطاقة والتقنية والخدمات، ولذلك فإن زيارة ولي العهد إلى فرنسا ليست مجرد محطة دبلوماسية، بل تعبير عن شراكة تتشكّل على قاعدة المصالح المتبادلة، وتنتقل من إدارة الحاضر إلى الاستثمار المشترك في المستقبل.

23:59 | 25-08-2026

هدنةٌ بلا ضامن

منذ العاشر من أكتوبر 2025 يُقال إن في غزة وقفاً لإطلاق النار. وفي التوصيف وحده مأساة كاملة، إذ بلغت حصيلة الخروقات حتى اليوم ألفاً ومئتين وستةً وستين شهيداً وأكثر من أربعة آلاف جريح. حين يسقط هذا العدد تحت عنوان «الهدنة»، يصبح السؤال المشروع: ما الذي بقي من معنى الكلمة؟ الغارة الأخيرة على مقهى في ميناء مدينة غزة، التي أودت بستة فلسطينيين بينهم طفل، ليست حادثاً منفصلاً ولا خطأً في التقدير. هي حلقة في نمط، والنمط لا يُفسَّر بالصدفة بل بالوظيفة. وقعت الغارة بعد أيام قليلة من إعلان الفصائل الفلسطينية قبولها خارطة الطريق للمرحلة الثانية، وبعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي رفضه وثيقة النقاط الخمس عشرة. أي أن الرصاص جاء ليعوّض ما عجزت تل أبيب عن انتزاعه على الطاولة: تثبيت الخط الأصفر حدوداً دائمة، والاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية داخل اتفاق يُفترض أنه ساري المفعول. هذا ليس دفاعاً عن النفس، بل تفاوضٌ بالنار. والأسوأ من الغارة توقيتها. فقد جاءت بعد يوم واحد فقط من دعوة الرئيس الأمريكي إسرائيل علناً إلى وقف ضرباتها. حين يتجاهل طرفٌ نداء حليفه الأقرب في اليوم التالي مباشرة، فإن ما يُختبر ليس صدقية ذلك الطرف وحده، بل صدقية من يدّعي ضمانه. وهنا يبدأ الجزء الأكثر إحراجاً في المشهد. لقد قدّم الجانب الفلسطيني، عبر فصائله مجتمعة، تنازلاً جوهرياً يمس السلاح والحكم معاً؛ وافق على خارطة طريق تنص على حصر السلاح الثقيل وتخزينه تحت مسؤولية لجنة وطنية، وعلى ترتيبات إدارية وأمنية جديدة، وطلب في المقابل ما هو أدنى ما يُطلب في أي تعاقد: جدولاً زمنياً مكتوباً، وآلية تحقّق التصادق على التنفيذ قبل الانتقال بين المراحل. فكان الجواب أن الانسحاب غير مطلوب قبل نزع السلاح كاملاً. أي أن التسلسل الذي يقوم عليه الاتفاق برمّته — التزام مقابل التزام — أُعيد ترتيبه لمصلحة طرف واحد. ومن أعاد ترتيبه ليس تل أبيب وحدها. هذه هي العقدة البنيوية: اتفاقٌ بلا آلية إنفاذ، وخرقٌ بلا ثمن، ونصوصٌ متعددة — بروتوكول شرم الشيخ، وخطة السلام الأمريكية، وقرار مجلس الأمن 2803 — يتيح تعددها التنصل الانتقائي. أما الوسطاء الإقليميون، ومصر في مقدمتهم، فيبذلون جهداً متواصلاً ويصطدمون بسقف واحد: من يملك أدوات الضغط الحقيقية هو من يتردد في استخدامها. والصمت الدولي أمام رقم يتصاعد شهراً بعد شهر لم يعد صمت عجز، بل صار جزءاً من المعادلة نفسها. في القاهرة، اجتمعت القوى والفصائل الفلسطينية أخيراً لترتيب بيتها وصياغة إستراتيجية جامعة، وحمّلت الجانب الإسرائيلي مسؤولية تعطيل خارطة الطريق. وهذا التحوّل جدير بالانتباه: لم يعد الملف ثنائية بين حركة وإسرائيل، بل بات موقفاً فلسطينياً عاماً، وهو ما يجعل تصوير الفلسطينيين طرفاً معرقلاً أمراً عسير التسويق. المسار الأرجح اليوم ليس الحرب ولا التسوية، بل ما بينهما: هدنة هشة تُدار بالتقادم، وإعمار مؤجل، وأفق سياسي مغلق. غزة تُدار بالتفاوض لا بالحرب، وهذا في ذاته تحوّل. لكن التفاوض حين يفتقر إلى ضامن يُلزِم، لا يُنتج سلاماً؛ يُنتج انتظاراً طويلاً على حافة الانفجار. والسؤال الذي سيُحاكَم عليه الجميع لاحقاً ليس فقط من أطلق النار، بل من كان يستطيع أن يوقفها ولم يفعل.

00:00 | 20-08-2026

من مكة يبدأ الأمن الإقليمي الجديد

تمثل «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان تحوّلاً نوعياً في التفكير الأمني الإقليمي، ليس لأنها تضيف اتفاقاً عسكرياً جديداً إلى شبكة العلاقات بين الدول الثلاث فحسب، بل لأنها تنقل مفهوم الأمن من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى بناء قدرة ردع تمنع وقوعها أصلاً. فالقاعدة التي تقوم عليها الاتفاقية، ومفادها أن الاعتداء المسلح على إحدى الدول الثلاث يعد اعتداءً عليها جميعاً، ترفع بصورة واضحة كلفة أي مغامرة عسكرية محتملة، وتبعث برسالة مفادها أن أمن المنطقة لم يعد مساحة مفتوحة للاختبار والضغط والابتزاز. والأهمية الأكبر أن هذا الترتيب لم يولد نتيجة انفعال سياسي أو رد فعل طارئ على أزمة آنية، بل جاء بعد مفاوضات استمرت قرابة عام، وسبقته خطوات متدرجة من التعاون السعودي مع كل من تركيا وباكستان، ما يكشف عن رؤية إستراتيجية طويلة المدى لبناء منظومة أمن أكثر استقلالاً وقدرة على حماية مصالح دول المنطقة. وفي قلب هذه المعادلة تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها مركز الثقل السياسي والاقتصادي الذي استطاع جمع قوتين عسكريتين كبيرتين في إطار واحد، وتحويل العلاقات الثنائية المتفرقة إلى بنية متعددة الأطراف يمكن أن تشكّل مستقبل نواة أوسع للأمن الإقليمي. هنا تحديداً تتجلى أهمية السياسة السعودية الجديدة: فالرياض لا تنتظر نظاماً إقليمياً تصنعه قوى أخرى ثم تبحث لنفسها عن موقع داخله، وإنما تتحرك للمشاركة في صياغة هذا النظام انطلاقاً من مصالحها ومصالح الاستقرار الإقليمي. كما أن الاتفاق يحقق تكاملاً نادراً بين قدرات مختلفة؛ فالمملكة تمتلك الوزن الاقتصادي والمالي والموقع السياسي والعمق العربي والإسلامي، وتركيا تمتلك صناعة دفاعية متقدمة وخبرة مهمة في المسيّرات والمنظومات البحرية والإلكترونية، بينما تمتلك باكستان كتلة عسكرية كبيرة وخبرة عملياتية وموقعاً إستراتيجياً بالغ الأهمية على بحر العرب. ولذلك فإن قيمة الاتفاق لا تكمن في تجميع الجيوش بقدر ما تكمن في تكامل القدرات والخبرات والتكنولوجيا. ويكتسب البعد الصناعي أهمية خاصة بالنسبة للمملكة، إذ إن الحديث عن مشاريع مشتركة في الصناعات الدفاعية ينسجم مباشرة مع أهداف رؤية السعودية 2030 في توطين الصناعة العسكرية ونقل التكنولوجيا وتنويع مصادر التسليح وتقليل الارتهان لمورّد واحد يمكن أن تتحكم الاعتبارات السياسية في قراراته. ومن الضروري أيضاً قراءة تأكيد قادة الدول الثلاث أن الاتفاق لا يستهدف دولة بعينها، وأن الباب يمكن أن يكون مفتوحاً أمام دول شقيقة أخرى، باعتباره دليلاً على أن الغاية ليست إنشاء محور للحرب، بل إقامة مظلة للردع والاستقرار، وربما تطويرها مستقبلاً إلى منظومة أمن إقليمي أكثر اتساعاً. أما اختيار مكة المكرمة مكاناً للتوقيع، فإنه يمنح الاتفاق بعداً رمزياً استثنائياً، ويؤكد مكانة المملكة باعتبارها نقطة التقاء قادرة على تحويل ثقلها الديني والسياسي والاقتصادي إلى مبادرات عملية. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى اتفاقية مكة باعتبارها واحدة من أهم خطوات إعادة تشكيل التوازن الإقليمي على أساس الشراكة والردع والاستقلال الإستراتيجي، وخطوة تستحق الترحيب لأنها تجعل الاستقرار مشروعاً تصنعه دول المنطقة بنفسها، وتضع الرياض في الموقع الذي يتناسب مع وزنها المتصاعد: دولة تقود المبادرة بدلاً من انتظار الآخرين ليحددوا قواعدها.

00:01 | 12-08-2026

زمن المليشيات يجب أن ينتهي

ما جرى خلال الأيام الأخيرة لا ينبغي التعامل معه بوصفه حادثاً أمنياً محدوداً أو تفصيلاً في صراع إقليمي عابر. فاستهداف منشآت نفطية سعودية بطائرات مسيّرة انطلقت، وفق ما أعلنته الرياض وما نقلته تقارير دولية، من الأراضي العراقية وبصلة بفصائل مسلحة موالية لإيران، يمثل اعتداءً على أمن المملكة وعلى استقرار المنطقة واقتصادها. ومن الطبيعي أن يحظى الموقف السعودي المؤيد للدفاع الحازم عن المنشآت والسيادة الوطنية بتأييد واسع؛ إذ لا يمكن مطالبة أي دولة بأن تتفرج على تهديد مباشر لبنيتها الحيوية أو أن تقبل بأن تصبح أراضي دولة عربية مجاورة منصةً لضربها. تأييد هذا الموقف يعني الانطلاق من مبدأ واضح: أمن الدول العربية ليس مباحاً لفصائل مسلحة تتصرف فوق القانون، وتختار توقيت الحرب والتهدئة بحسب أجندة لا تصدر عن شعب العراق ولا عن مؤسساته الدستورية. وما يلفت في هذه التطورات أن الرسالة لم تعد سعودية وحدها. التحذيرات التي وصلت من الأردن وسوريا إلى بغداد تعكس اتساع القلق من تحوّل السلاح الفصائلي إلى مصدر دائم لتهديد الحدود والاستقرار. دمشق، التي رصدت تحركات لفصائل موالية لإيران قرب حدودها، أوصلت بوضوح أن أي اعتداء ينطلق من العراق لن يكون بلا تبعات، فيما نُقل عن عمّان موقف مماثل يحذّر من المساس بأمنها. هذه ليست دعوة إلى توسيع الحروب ولا إلى معاقبة العراق، بل دعوة إلى إنقاذ العراق نفسه من المعادلة التي أرهقته طويلاً: دولة رسمية تملك دستوراً وحكومة ومؤسسات، لكنها تتعايش مع قوى مسلحة تملك قراراً موازياً، بل متقدّماً في بعض الأحيان، على قرار الدولة. لا يمكن لأي بلد أن يطالب الآخرين باحترام سيادته بينما يسمح لجماعات على أرضه بتهديد سيادة جيرانه. ولا معنى للاستقلال إذا كان قرار الحرب والسلم موزعاً بين مؤسسات الدولة وغرف عمليات لا تخضع للمساءلة الشعبية أو القانونية. هنا تكمن المشكلة الجوهرية في النموذج الذي ترسّخ في العراق ولبنان واليمن: حكومة تدير الشؤون اليومية، ومليشيا تحتكر القوة الفعلية أو تملك حق النقض المسلح على السياسة الخارجية والأمن الوطني. والنتيجة دائماً واحدة: اقتصاد خائف، استثمارات مترددة، حدود متوترة، ومواطن يدفع ثمن حروب لم يخترها. السلاح الذي لا يخضع للدولة لا يحمي الدولة، مهما كانت الشعارات التي يرفعها؛ بل يحولها إلى ساحة قابلة للاستخدام في صراعات الآخرين. وما حدث في سوريا ينبغي أن يكون درساً لكل المشرق العربي: لا استقرار حقيقياً من دون دولة واحدة وسلاح واحد وقرار واحد. لقد انتهى، أو يجب أن ينتهي، زمن الشرعيات الموازية التي تبتلع الدولة من الداخل باسم المقاومة أو الطائفة أو الضرورة الاستثنائية. المطلوب في العراق ولبنان واليمن ليس إقصاء فئة أو استهداف مكوّن اجتماعي، بل إعادة السياسة إلى أهلها والسلاح إلى مؤسسات الدولة. هذه إرادة الشعوب التي أنهكتها الحروب بالوكالة، وإرادة إقليمية لحماية الأمن العربي، كما أنها تتقاطع مع اتجاه دولي متزايد يرفض بقاء المنطقة رهينة جماعات مسلحة عابرة للحدود. فإما دولة كاملة السيادة تحتكر السلاح والقرار، وإما فوضى مؤجلة لا تتوقف عن إنتاج الأزمات.

00:05 | 5-08-2026