في ظل الانفتاح الاستهلاكي الذي نعيشه، برزت «البطاقة الائتمانية» كأحد الحلول السحرية لتلبية الرغبات الفورية، لكنها تحوَّلت لدى الكثيرين إلى قيد مالي ثقيل يرهق الكاهل ويسلب الطمأنينة.

تكفينا لغة الأرقام الصادرة عن البنك المركزي (ساما) لندرك حجم الاندفاع؛ إذ تجاوز عدد البطاقات الائتمانية المصدَّرة 5,5 مليون بطاقة، بحجم إنفاق يتجاوز 25 مليار ريال فصلياً، يذهب معظمها لقطاعات استهلاكية وكماليات، مما يضع فئة كبيرة أمام التزامات تتجاوز طاقتهم الفعلية وقدرتهم على السداد.

إنَّ مكمن الخطر في البطاقة الائتمانية ليس في التقنية نفسها، بل في ثقافة الصرف التي لا تعترف بحدود الميزانية. فنحن نشتري الكماليات بمالٍ لا نملكه، لنبهر أشخاصاً لا يهمَّهم شأننا، ثم ندخل في دوَّامة الحد الأدنى للسداد والفوائد التراكمية التي تجعل الدَّين يكبر ككرة الثلج، حتى يستنزف الراتب قبل وصوله، ويحوِّل حياة الشخص إلى سلسلة من القلق والارتباك المادي.

ويمكننا تلخيص أبعاد هذه المشكلة في الأمور التالية:

أولاً: كسر وهم المكافأة الفورية؛ فتمنحنا البطاقة الائتمانية لذة الحصول على الشيء الآن، وتؤجِّل ألم الدفع إلى لاحقاً. هذا الانفصال بين فعل الشراء وفعل الدفع يضعف الرقابة الذاتية، ويجعل الشخص ينفق في لحظات الاندفاع ما يحتاج لشهور طويلة لسداده، متجاهلاً أنَّ كل ريال يخرج من البطاقة هو اقتطاع من مستقبله ورفاهيته الحقيقية.

ثانياً: غياب الثقافة المالية؛ فالبنوك والمتاجر تروِّج للبطاقات والتقسيط بأساليب مغرية، في ظلّ غياب وعي مجتمعي يحذِّر من فخ الفوائد المركَّبة. فالكثيرون لا يدركون أنَّ الاعتماد على الائتمان في المصاريف الاستهلاكية هو استنزاف بطيء للمدَّخرات، وتعطيل لأي مشروع بناء أو استثمار مستقبلي.

ثالثاً: الضغط الاجتماعي والمظاهر؛ إذ يقع الكثير من الآباء والشباب تحت ضغط المحاكاة الاجتماعية، فيستخدمون البطاقات لتغطية تكاليف سفر أو مناسبات تفوق طاقتهم، فقط لمواكبة «الترند» أو الظهور بمظهر معيَّن أمام الناس. والنتيجة هي وجاهة زائفة تقابلها ديون حقيقية تحرم الأسرة من الاستقرار النفسي.

إن البطاقة الائتمانية يجب أن تكون أداة للطوارئ أو لتسهيل المعاملات المنضبطة، لا أن تكون مصدراً لتمويل حياة الرفاهية المفتعلة.

الوعي المالي يبدأ من القناعة بأنَّ «مُدَّ لحافك على قد رجليك»؛ هي القاعدة الذهبية للأمان، وأنَّ الحرية الحقيقية هي ألا تكون أسيراً لبطاقة بلاستيكية تتحكَّم في قراراتك وتسرق نومك.