يا ترى؛ ما مدى إمكانية استبدال الآلة بالإنسان في مهنة تعتمد على الحسِّ اللغوي والدقة التحريرية؟.. سؤال مرَّ على بالي حين قرأت برأس مثقل تصريح رئيس تحرير صحيفة إلكترونية في أن صحيفته لا تعتمد على مدقّق لغوي بشري، إنما يتولى بالمهمة مدقق الذكاء الاصطناعي.. قرأت التصريح وأنا أهرش أذني غير مصدّق ما رأيت.. قرأت الخبر وكل شيء ملتهب في تفكيري وكأن حريقاً يشتعل في رأسي، ولكني تسلّحت بالسكينة والصبر والجَلَد، ثم الرد على ذلك التصريح.

«الذكاء الاصطناعي»، يا سيدي، رغم قدرته على معالجة النصوص بسرعة والتقاط الأخطاء الإملائية والنحوية؛ لا يفهم النص كما يفهمه الإنسان، بل يتنبَّأ بالكلمات بناءً على أنماط لغوية، لا على إدراك المعنى أو استيعاب السياق. وهنا تظهر الفجوة: قد يصحّح جملةً شكلياً، لكنه يفسد معناها أو يمرر خطأً دقيقاً لا يلتقطه إلا مدقّق يفهم خلفية الموضوع وطبيعته الصحفية.

أقولها بصفتي متخصصاً في اللغة العربية، إن اللغة في العمل الصحفي ليست قواعدَ فقط، بل اختيارٌ دقيقٌ للمفردات، وحفاظٌ على النبرة الملائمة، ومراعاةٌ للحساسية الثقافية والاجتماعية، وتجنُّبٌ للبسِّ وسوء الفهم، والتزامٌ بمعايير المؤسسة التحريرية.

هذه الجوانب لا يتقنها الذكاء الاصطناعي دائماً؛ لأنها تتطلب خبرةً بشريةً وتقديراً للموقف، كما أن الخطأ في الصحافة ليس مجرد زلّة لغوية، فقد يؤدي إلى تضليل القارئ أو تشويه سمعة جهة أو شخص، وربما تبعات قانونية أو فقدان الثقة بالمؤسسة الإعلامية. ولا يمكن تحميل نموذج لغوي مسؤولية هذه النتائج، بينما يتحمَّل المدقق البشري مسؤوليةً مهنيةً واضحةً.

وفي هذا السياق، تبرز مكانة المدقّق اللغوي بوصفه أكثر من مجرد مصحح، فهو حارس اللغة وضميرها المهني، يحمل همَّ العربية ويُعد كلَّ نصٍّ مسؤوليةً ثقافيةً قبل أن تكون وظيفيةً. يمتلك حسّاً لغوياً لا تكتسبه الآلة، ويدرك روح العربية لا شكلها فقط، ويوازن بين سلامة اللغة وسلاسة الأسلوب، ويفهم البيئة الثقافية للنص. وهو آخر خط دفاع قبل وصول النصِّ إلى القارئ، يمنح اللغة حضورها الصحيح ويحميها من التدهور، ويضمن أن تبقى العربية في الصحافة واضحة وراقية. الذكاء الاصطناعي قد يساعد، لكنه لا يحمل هذا الوعي ولا المسؤولية.

الخلاصة:

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخفّف العبء ويسرّع العمل ويعالج الأخطاء الأولية، لكنه لا يستطيع أن يحلّ محلَّ المدقّق بالكامل. الاستغناء عنه قد يبدو خياراً اقتصادياً، لكنه ليس خياراً لغوياً ولا صحفياً آمناً؛ فاللغة كائن حي، والصحافة مسؤولية، والذكاء الاصطناعي يظل أداة تحتاج إلى عين بشرية واعية تقودها.