- هل تتفقون معي على أن الألعاب المختلفة تعاني أزمة في المواهب والنجوم؟ وهل تلاحظون أنها شهدت تراجعًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية؟ ألم تكن نتائج المنتخبات الوطنية والأندية السعودية في هذه الألعاب أفضل في السابق؟ ولماذا غابت عنا البطولات والإنجازات منذ فترة طويلة، حتى باتت مشاركاتنا في كثير من المنافسات تنتهي بالتأهل إلى الدور الثاني، ثم مغادرة البطولة وتوديع المنافسات؟
- أخذت أتأمل وأتساءل: لماذا لم نتقدم رغم كل هذا الدعم؟ ولماذا لم نحقق الأهداف التي نتطلع إليها على المستويين القاري والدولي، في وقت قد تتفوق فيه ميزانيات بعض الاتحادات الرياضية السعودية على ميزانيات نظيراتها في دول آسيوية أخرى؟ فأين يكمن الخلل؟ ولماذا لم تنعكس الإمكانات المتاحة على النتائج والمستويات الفنية؟
- أين ذهبت المواهب في الألعاب المختلفة؟ لا أريد أن أستعرض أسماء النجوم الذين سطّروا صفحات مضيئة في تاريخ هذه الألعاب، ولا الأندية التي كانت تمتلك مخزونًا كبيرًا من المواهب التي حفرت أسماءها في الملاعب السعودية والقارية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أين ذهب هؤلاء النجوم؟ ولماذا لم تنجح الأندية في تعويضهم بمواهب جديدة قادرة على مواصلة مسيرتهم وتحقيق الإنجازات؟
- ولماذا ألغت بعض الأندية ألعابًا مختلفة، بعدما أصبحت تكلف خزائنها مبالغ مالية لا تتناسب، من وجهة نظرها، مع العوائد المتحققة منها؟ ولماذا اقتصرت الحلول لدى بعضها على إلغاء هذه الألعاب، والتخلص من أعبائها المالية، بدلًا من البحث عن مصادر تمويل وشراكات تضمن استمراريتها وتطورها؟ فهذه الألعاب، وإن لم تحقق عوائد مالية مباشرة، فإنها تمثل جزءًا أصيلًا من المنظومة الرياضية، وتسهم في صناعة الأبطال ورفع راية الوطن في المحافل الإقليمية والدولية.
- لماذا لا تُفصل ميزانيات الألعاب المختلفة عن ميزانيات كرة القدم، وألا يُربط استمرارها بما تحققه كرة القدم من مداخيل مالية؟ فإذا كانت بعض الأندية الكبيرة، التي تمتلك موارد مالية، قد ألغت ألعابًا مختلفة أو لم تعد توفر لها الميزانيات اللازمة، وتراجع دور أعضاء الشرف الداعمين في تمويلها، فماذا يمكن أن تفعل الأندية الصغيرة التي تعاني محدودية الموارد؟
- وهل سنصل إلى مرحلة تصبح فيها الألعاب المختلفة حكرًا على ناديين أو ثلاثة أندية، تستقطب النجوم وتتعاقد مع أفضل اللاعبين من بقية الأندية، بينما تختفي المنافسة الحقيقية وتتراجع قاعدة الممارسين؟ وهل يمثل ذلك حلًا لإنقاذ هذه الألعاب من التراجع، أم أنه سيزيد الفجوة بين الأندية ويحدّ من فرص اكتشاف المواهب وصناعتها؟
- لقد أصبحت أندية كبيرة كانت تنافس على البطولات في الألعاب المختلفة جزءًا من الماضي، وابتعدت عن منصات التتويج، بل غابت عن المنافسة في بعض الألعاب. فمن المسؤول عن هذا التراجع؟ وما الأسباب التي أدت إلى إقصاء هذه الألعاب من اهتمامات بعض الأندية، وانعكاس ذلك على حضور المنتخبات الوطنية في البطولات الإقليمية والقارية والدولية؟
- ولماذا لا تراجع وزارة الرياضة أسباب إلغاء الأندية لألعابها المختلفة، وتضع حلولًا عملية لمعالجة هذه الظاهرة؟ ولماذا لا تكون هناك ضوابط وحوافز تضمن استمرار هذه الألعاب، باعتبارها جزءًا أساسيًا من المنظومة الرياضية وأحد المسارات المهمة لتحقيق مستهدفات الرياضة السعودية؟ إن الحفاظ على هذه الألعاب لا ينبغي أن يكون خيارًا ثانويًا، بل مسؤولية مشتركة تتطلب قرارات جادة وخططًا واضحة.
- ولا تقتصر الأزمة على المواهب الرياضية وحدها، بل تمتد إلى المواهب الإدارية أيضًا. فقد ابتعدت أسماء إدارية صنعت مجد الألعاب المختلفة، وأسهمت في تحقيق البطولات والإنجازات، بفعل المتغيرات وتقدم السن، من دون أن تنجح الأندية في إعداد صف ثانٍ يتولى المسؤولية ويواصل المسيرة.
- لقد كان بعض المشرفين والإداريين يبذلون من أموالهم الخاصة لضمان استمرار فرقهم، وتوفير احتياجات اللاعبين، والمساهمة في تحقيق البطولات. وكانت لديهم خبرات متراكمة وعلاقات واسعة وشغف حقيقي بألعابهم. لكن أين برامج إعداد القيادات الرياضية البديلة؟ وأين خطط استقطاب الكفاءات الإدارية وتأهيلها للمستقبل، حتى لا نفقد الخبرات السابقة من دون أن نتمكن من تعويضها؟
- لا أريد أن أخصّ لعبة بعينها بالحديث عن تراجعها، فكل من عاصر الوسط الرياضي يعرف جيدًا كيف كانت الألعاب المختلفة في السابق، وكيف أصبحت اليوم. والمؤلم أن نشهد إلغاء بعض الألعاب وتراجع حضورها، في الوقت الذي يبحث فيه كثير من اللاعبين عن أندية تحتضنهم، وتوفر لهم البيئة المناسبة للاستمرار، وتمنحهم الاستقرار الذي يساعدهم على بناء مستقبل رياضي واعد.
- إن الحوكمة والخصخصة ينبغي أن تلتقيا عند هدف واضح، يتمثل في إعادة الألعاب المختلفة إلى سابق عهدها، وتطويرها بما يتناسب مع المرحلة الحالية، من دون أن يكون ذلك على حساب استمراريتها. فالخصخصة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر للتخلي عن الألعاب التي لا تحقق عوائد مالية مباشرة، بل يجب أن تكون وسيلة لتطوير إدارتها، وتنويع مصادر دخلها، ورفع كفاءتها التشغيلية، مع وجود حوافز وضمانات تحافظ على استدامتها.
- أما الألعاب الفردية، فأين حضورها الحقيقي؟ ولماذا لا تزال بعض الإنجازات مرتبطة باجتهادات فردية أو جهود محدودة تبذلها بعض الاتحادات، ولا سيما في الألعاب القتالية؟ إن ما يتحقق من نجاحات يستحق التقدير، لكنه لا يمثل الطموح المأمول في ظل الدعم السخي الذي تحظى به الرياضة السعودية، وما تمتلكه من إمكانات تؤهلها لبناء أبطال قادرين على المنافسة في البطولات القارية والعالمية.
- ومن الجوانب الإيجابية التي تستحق الإشارة إليها، أن القنوات الرياضية أعادت خلال الفترة الأخيرة بعض مباريات الألعاب المختلفة إلى الشاشة، وشهدت هذه المباريات حضورًا جماهيريًا لافتًا وتفاعلًا كبيرًا من المتابعين. وهذا يؤكد أن الجمهور لا يزال مهتمًا بهذه الألعاب، متى وجدت المنافسة الجيدة والتغطية الإعلامية المناسبة. ومع ذلك، لا يزال الحضور الإعلامي للألعاب المختلفة محدودًا، ويقتصر في كثير من الأحيان على حسابات الأندية والاتحادات ومنصاتها الرقمية، من دون تغطية إعلامية تتناسب مع أهميتها وتاريخها.
- إن استعادة مكانتها تتطلب عملًا مؤسسيًا جادًا، وخططًا إستراتيجية واضحة، وبرامج تنفيذية قابلة للقياس، تبدأ بمعالجة أسباب إلغاء الأندية لألعابها، وتوفير الحوافز المالية والمعنوية التي تشجعها على الاستمرار، وتوسيع فرص الاحتراف أمام النجوم والمواهب، وإتاحة الفرصة لهم للالتحاق بالأكاديميات المتخصصة والاستفادة من التجارب الرياضية المتقدمة.
- كما ينبغي إعادة تفعيل دور الكشافين المتخصصين في اكتشاف المواهب، والاستفادة من التجربة السابقة التي كان فيها المدربون يبحثون عن اللاعبين المميزين في المدارس والأحياء، بدلًا من انتظار ظهور الموهبة مصادفةً. فالموهبة تحتاج إلى من يكتشفها مبكرًا، ويرعاها، ويضعها على الطريق الصحيح.
- ومن الضروري أيضًا بناء شراكة حقيقية ومستدامة بين وزارتي الرياضة والتعليم، تقوم على أسس واضحة، وبرامج مشتركة، ومؤشرات أداء تقيس النتائج الفعلية. فقد شهدت السنوات الماضية مبادرات ومشروعات رياضية مدرسية مشتركة، لكن بعضها لم يحقق الأهداف والطموحات التي أُنشئ من أجلها، وهو ما يستدعي مراجعة التجارب السابقة، وتحديد أوجه القصور، والعمل على تطويرها بدلًا من تكرارها.
- إن صناعة الأبطال لا تبدأ عند بوابة النادي، بل تبدأ من المدرسة، ومن اكتشاف الموهبة في سن مبكرة، وتوفير البيئة المناسبة لصقلها، ثم انتقالها عبر مسار رياضي متكامل إلى الأندية والمنتخبات الوطنية. وهذا المسار يحتاج إلى تعاون حقيقي بين الاتحادات والأندية والمدارس والجهات المعنية، بعيدًا عن الحلول المؤقتة والاجتهادات الفردية.
- أخيرًا، إن ما نطمح إليه ليس مجرد عودة بعض البطولات أو تحقيق إنجاز عابر، بل بناء منظومة متكاملة للألعاب المختلفة، تضمن اكتشاف المواهب، واستمرار الأندية، وتأهيل الكفاءات الإدارية، وتطوير المنافسات، وتعزيز الحضور الإعلامي والجماهيري، وصولًا إلى منتخبات وطنية قادرة على المنافسة وتحقيق الإنجازات.
- فهل نشهد تحركًا جادًا يعيد لهذه الألعاب مكانتها، ويمنح المواهب والنجوم فرصة جديدة للتألق، أم نستمر في مشاهدة تراجعها حتى نفقد ما تبقى من مكتسباتها وتاريخها؟
- إن الألعاب المختلفة تستحق أكثر من مجرد الالتفات إليها عند تحقيق إنجاز؛ فهي تحتاج إلى مشروع رياضي متكامل يحمي مكتسباتها، ويصنع مستقبلها، ويعيدها إلى المكانة التي تليق بالرياضة السعودية وطموحاتها.