في الوقت الذي تتفاقم فيه الصراعات العسكرية على جبهات العالم الواقعي، وتتسابق القوى الكبرى إلى تطوير ترساناتها وتعزيز قدراتها القتالية، وتوظيف كل الإمكانيات المتاحة وصولاً لمنتجات الذكاء الاصطناعي، تتشكّل خلف هذا المشهد حروب أخرى وبطبيعة مختلفة، أكثر تعقيداً وأشد تأثيراً في مستقبل النفوذ الدولي؛ حروب تتخذ من المعرفة والخوارزميات سلاحاً، ومن الذكاء الاصطناعي ميداناً مفتوحاً للتنافس على امتلاك القوة والتفوق لتقنيات بالغة الحساسية والدقة، من بينها تقنية التقطير المعرفي (Knowledge Distillation ) التي تفتح أبواباً واسعة أمام تساؤلات تتجاوز حدود الابتكار إلى أمن المعلومات وحقوق الملكية الفكرية ومستقبل السيادة التقنية للدول، بل إنها تخترق مكامن أمنها وبياناتها وقدراتها الفعلية إن كانت عسكرية أو غيرها، فما هو التقطير المعرفي وأين تصب منتجاته؟
يعد التقطير المعرفي نموذجاً لأكثر التحديات إثارة للقلق، لما يفتحه من مسارات جديدة للاستحواذ على المعرفة التقنية، دون الحاجة بالضرورة إلى اختراق الأنظمة أو الاستيلاء على أسرارها البرمجية حيث تعتمد آليته على إخضاع النماذج المتقدّمة لسلسلة مكثفة ومنهجية من الأسئلة والاختبارات لاستخراج الخلاصة الجوهرية من كميات هائلة من المعرفة أو البيانات المعقدة، وتقديمها بصورة مركزة، مبسطة، وقابلة للاستيعاب السريع أي باختصار هي عملية نقل المعرفة من نموذج ذكاء اصطناعي ضخم وعالي التعقيد يُسمى «المعلم» إلى نموذج أصغر وأخف حجماً يُسمى «الطالب»، وبالتالي توظيف مخرجاتها لتدريب نماذج أخرى تحاكي بعض قدراتها المعرفية والاستدلالية. وهي ممارسة تختلف في مشروعيتها باختلاف الوسائل والتراخيص وشروط الاستخدام، لكنها تتحوّل إلى تهديد حين تستهدف استنساخ قدرات محمية بطرق غير مصرح بها، وقد أعادت التحذيرات التي أطلقتها شركة OpenAI بشأن محاولات تقطير نماذجها تسليط الضوء على هذا النموذج المستجد من التنافس التقني، حيث تتجاوز قيمة الأسرار الصناعية حدود الشيفرات والمعلومات المخزنة إلى القدرات التي اكتسبتها الأنظمة عبر عمليات التدريب المعقدة.
تكشف هذه التحوّلات عن معضلة استراتيجية ستواجه شركات التكنولوجيا والحكومات على السواء؛ فحماية الابتكار لم تعد مقتصرة على تحصين الخوادم وتأمين البيانات، وإنما امتدت إلى مراقبة أنماط استخدام النماذج، والكشف عن محاولات استخلاص قدراتها، وإعادة النظر في التشريعات المنظمة للملكية الفكرية، ومع تعاظم القيمة الاقتصادية والعسكرية والاستخباراتية للذكاء الاصطناعي، ستصبح حماية المعرفة المتراكمة جزءاً أصيلاً من مفهوم الأمن الوطني والسيادة التقنية، خصوصاً لدى الدول التي تستثمر في بناء قدراتها الرقمية المستقلة.
ولعل أكثر ما يستحق التأمل في هذا المشهد أن العالم يقف على أعتاب مرحلة تتغيّر فيها طبيعة الأسرار ووسائل الاستحواذ عليها، وتتداخل خلالها حدود التعلم المشروع والتنافس الصناعي والتجسس التقني، وقد نشهد مستقبلاً صراعاً لا تدور معاركه حول امتلاك الآلات والخوارزميات وحدها، وإنما حول القدرة على استخراج ما تعلمته تلك الآلات. وعندها ستواجه البشرية سؤالاً بالغ التعقيد: كيف نحمي المعرفة من الاستنساخ، بينما تقوم فلسفة الذكاء الاصطناعي ذاتها على التعلم والمحاكاة؟
ختاماً.. إذا كانت الحروب التقليدية تستهدف السيطرة على الأرض والموارد، فإن حروب المستقبل قد تُحسم بالقدرة على امتلاك المعرفة أو إعادة إنتاجها بأقل كلفة وأقصر زمن!