هل تذكرون «حوش علوش»، المقالة التي وجدت أصداء واسعة الأسبوع الماضي؟ إليكم اليوم حكاية «بنات بحرة في ملعب حارتنا». فقد مررت بالأمس بجوار ملعب حارتنا القديم في بحرة، وقد شيد عليه مجمع مدارس للبنات، فوقفت أتأمل طويلا المنطقة المحيطة بصف «أولى ج» متوسط، تلك المنطقة التي كنت أفضلها من الملعب. أذكر أنني سجلت هدفا برأسي أمام فصل ثالث ثانوي بمحاذاة الطريق المؤدي إلى المختبر، وحين التفت إلى الوراء وجدت أكثر من ثلاثين عاما قد مرت من هنا. نعم، أصبت بالدهشة: كيف تحول ملعبنا إلى مجمع مدارس للبنات، تحيط بهن ذكرياتنا من كل مكان، ثم يلتففن حول مديرة المدرسة ويرددن: «هذا المبنى مسكون بالبهجة وبالأهداف والفرح»، فترد عليهن: «أوليه، أوليه، أوليه»، على طريقة أنشودة كأس العالم. إنه مشهد كلما استعدته أرى المكان في زمنين: فصل دراسي يقوم في منطقة الجزاء، وطريق إلى المختبر تمر فيه كرة القدم. فعلا، للبنات مدرستهن، ولنا طفولتنا، والأرض تتسع لحياة جديدة دون مقدرتها على إخلائنا من حياتها القديمة.
فيقودني هذا المشهد الدرامي العجائبي إلى رسالة أوسفالدو سوريانو إلى إدواردو غاليانو، يحكي فيها كيف دخل مع خوسيه سانفيليبو متجر «كارفور» المقام على أرض ملعب سان لورنثو القديم. وحين اقتربا من الكاشير، فتح بطل طفولته ذراعيه ليشير إلى الموضع الذي سجل فيه هدفه، ومرت أمامه سيدة سمينة تجر عربة مشترياتها، وهما محاطان بالجبن والسجق. كان اللاعب يعيد رسم الملعب بين الرفوف، ويسترد بحركة من جسده مرمى اختفى منذ سنوات. تخيل أن تقف أمام سيدة تختار مشترياتها، وتقول لها: أنتِ تعبرين الآن منطقة الجزاء. ذلك ما يستطيع الأدب أن يفعله؛ يعيد إلينا ملعبا تحت متجر، ويترك هدفا معلقا بين فصل ثالث ثانوي والطريق المؤدي إلى المختبر. يلتقط ما تعجز نتيجة المباراة عن الاحتفاظ به، ويمنح الذين مروا بالمكان فرصة أخرى للحضور.
كنت أظن أن غربة الملاعب تبدأ حين تهدم، ثم صرت أخشى غربة تحدث والملعب في مكانه، حين يبقى العشب وتضيع الحكاية. أتخيل سانفيليبو اليوم يفتح ذراعيه أمام الكاشير، فيلتقط أحدهم حركته ويضع عليها تعليقا ساخرا، ثم يمضي المقطع بين الهواتف، ويضحك الناس ولا يعرفون لماذا وقف الرجل هناك. هذه المقدمة الطرية النقية تقودني اليوم إلى قسوة محتملة في سؤال يؤرقني: فمن أفقد الإعلام الرياضي أساطيره وعباقرته ومدارسه؟ ومن نمطه بهذا الأسلوب الكرتوني والنقد البلاستيكي؟ ومن أصبح يلتقط الحكايات الكبيرة ليصنع منها أفيهات على شاشة بمقاس 9:16 تناسب تيك توك وسناب شات؟ ترى، من يملك الحق في إهدار هذا الإرث وترك فتافيت السكر لمشاريع بحجم النمل، فيما الحقول كلها تنتظر من يعرف كيف يحصدها؟
لست في خصومة مع التلفزيون الرياضي، ولا تستهويني برامج التوك شو التي أرى في كثير منها ضجيجا بلا عجين، وحتى الضجيج يحتاج إلى صنعة. أنتظر بناء يقود الحلقة، وسؤالا يفتح بابا، وشهادة تضيف إلى معرفتي، ثم ينتهي المساء عند كلمة أفلتت من ضيف، أو محاولة استظراف من مذيع. يبدأ القص واللصق، وتولد معركة صغيرة تعيش حتى تأتي المعركة التالية، وحين تتبع أرقام المشاهدات تجدها في إطار الـ100 ألف مشاهدة، وهو الرقم الذي يسعى كل طرف إلى إثبات أنه الأعلى مشاهدة في وطن لا يقل عشاق كرة القدم فيه عن 20 مليون عاشق ومحب ومعجب. وفي تقديري أن استثمار هذا الثراء ما زال أقل كثيرا مما تسمح به الإمكانات؛ فالتلفزيون الرياضي تكفيني منه المباريات وكتم الصوت بين الشوطين، بينما يجلس فوق عقود من الأرشيف: أصوات ووجوه ومباريات ومدن تغيرت، وأجيال رحلت وتركت حياتها على الأشرطة. وأخشى أن يحسبوا قيمة ما يملكون بالدقائق المسجلة، بينما تكمن ثروتهم في السنوات التي عاشها الناس داخل تلك الدقائق.
لا أخفيكم أنني حاولت أن أبحث للقائمين على التلفزيون الرياضي عن طريقة يستفيدون بها من وجود مراكز تلفزيون ومكاتب في كل منطقة، وأن بإمكانهم فتح عمل مباشر خاص بهم لتغطية رياضة كل منطقة؛ لأنهم يملكون ما لا يملكه غيرهم من موظفين على بند الخدمة، ومن عربات وإمكانات. كما حاولت إقناعهم بالاستفادة من كنز الأرشيف عبر تطوير قناة مدفوعة داخل تطبيق، يقدمون من خلالها مادة تدفع المشاهد إلى البحث عنها وتحميل التطبيق والاشتراك في محتواها المدفوع. هكذا يكون الاستثمار الحقيقي: أن تقدم للمشاهد شيئا يبحث عنه ويعود إليه ويدفع مقابله. إتاحة الأرشيف للناس خدمة تستحق التقدير، وإعادة بثه بداية لما يمكن أن نصنعه به. والسؤال: أين البحث الذي يحوله إلى وثائقي، والكتابة التي تبني منه سلسلة، والإنتاج الذي يجمع الشاهد بالصورة، ثم يذهب بالعمل إلى سوق العرض والترخيص وفق ما يملكه من حقوق؟ يستطيع المشاهد أن يجد الهدف مجانا، ويدفع لمشاهدة فيلم يكشف الحياة التي أحاطت به؛ لأن المال هنا مقابل المعرفة والصنعة وتجربة المشاهدة. هناك فرق بين أن تعيد عرض مباراة قديمة، وأن تعيد إلى جيل كامل مساء من عمره.
وما تفعله نتفليكس وأمازون وأبل تي في يقدم لمحة عما يمكن أن نصنعه بهذا الثراء. من دراما «اللعبة الإنجليزية» إلى وثائقيات «كل شيء أو لا شيء» و«الحرب على كرة القدم»، تتحول الرياضة إلى حكايات عن الناس والطبقات والمال والسلطة، ويصبح للموسم عمر آخر بعد نهايته، وللمباراة جمهور يتجاوز الذين شاهدوها مباشرة. هنا تجد الكتابة والصحافة والسينما مكانها في اقتصاد الرياضة، وهنا يصبح الأرشيف مادة لإنتاج جديد يستحق المشاهدة والدفع مقابله. هكذا تجاور الرواية الرياضية الصحافة والسينما، ويجد الأدب طريقه إلى الشاشة. الكاتب يبني الشخصية، والصحفي يتحقق من شهادتها، والمخرج يبحث عن الصورة التي تكشفها. ولكل شكل مسؤوليته؛ الوثائقي مطالب بالأدلة ومواجهة الروايات، والدراما تملك حرية التخييل مع وضوح طبيعتها للمشاهد. وقيمة العمل في عمق البحث، واستقلال السؤال، وقدرته على اكتشاف ما وراء الصورة المرغوبة.
أما عندنا، فالحكايات تنتظر عند الأبواب: لاعب عاد من إصابة ظن أنها ستنهيه، وناد صغير يقاوم الاختفاء، ومشجع ورث مكانه في المدرج عن أبيه، وصحفي احتفظ في أدراجه بوثائق مرحلة كاملة، ومعلق صار صوته جزءا من طفولة بلد. من يذهب إليهم قبل أن يغادروا؟ ومن يجمع رسائلهم وصورهم وشهاداتهم؟ ومن يحول هذا الأرشيف إلى أعمال نستطيع أن نتركها لمن يأتي بعدنا؟ لقد دخل الدوري السعودي بالفعل مكتبة نتفليكس عبر «الدوري السعودي: ضربة البداية»، الذي تناول موسم 2023–2024، وهذه خطوة تجعل السؤال عن استكمال الطريق أكثر إلحاحا؛ فأمامنا تاريخ وذاكرة تتسع لأندية ومدن وأجيال ومدارس إعلامية تستحق أن تروى.
ويمتلك التلفزيون الرياضي حقوق نقل المباريات، وأمامه فرصة لبناء إنتاج حول ما يحيط بها من احتفالات وأحداث، ومع ذلك أراه يعود إلى الاستوديو سريعا، وكأن ما يحدث بعد الصافرة استراحة بين فقرتين، بينما قد تبدأ الحكاية الأجمل في غرفة الملابس، أو في رحلة الحافلة، أو بين أغاني الأندية ومدرجاتها وأجواء يوم المباراة. ويستطيع التلفزيون الرياضي أن يصنع حول المباراة موعدا اجتماعيا، كما فعل مع المنطقة التاريخية في جدة. غادر التلفزيون الرياضي، وبقيت جدة كما هي عامرة بالناس وبالحكايات وبالمشاهد التي كان يمكن أن تتحول إلى مادة تلفزيونية. وهذا ينطبق على كل مناطق المملكة وأحيائها؛ فكل مدينة تملك ملامحها، وكل ناد يملك جمهوره، وكل مباراة يمكن أن تبدأ قبل صافرة الحكم بوقت طويل، وأن تستمر بعد نهايتها.
أنتظر من التلفزيون الرياضي وسائر المنتجين أن يمنحوا هذه المساحة ما تستحق من كتابة وبحث وإنتاج، وأن يجعلوا المورد المالي هو «التارجت» الذي يقاس به النجاح. حقوق نقل المباراة تتيح عرض الحدث، أما رواية العالم المحيط به فتحتاج إلى خيال يعرف أين يبحث، وعمل يحقق عائدا يمول الحكاية التالية. وإن أعوزتهم القدرة، فليستعينوا بمن يعرف كيف يحول المادة المشاهدة إلى قيمة اقتصادية، وكيف يبني استثمارا يعيد عوائده إلى تطوير المنتج حتى يبلغ مرحلة الأرباح. الخبرة التي تنقص المؤسسة يمكن أن تدخل من بابها متى وجدت إدارة تعرف حاجتها، وتفسح لأصحاب الأفكار مكانا للعمل.
لقد أنهكت العقليات التقليدية التلفزيون الرياضي حتى صار يدور حول نفسه، يعيد الصيغ ذاتها وينتظر نتائج مختلفة. والأشد إنهاكا أن تشعر، حين تنتقد هذا الجمود، أنك أصبحت خصما لأصحابه، وأن دعوتك إلى التطوير تمس مكانتهم الشخصية. كيف سيجد الجديد طريقه إلى الشاشة إذا كان السؤال عند بابها يؤخذ على أنه إساءة، وكان صاحب الفكرة مطالبا بإثبات حسن نيته قبل أن تتاح له فرصة شرحها؟ قد تحمل دقيقة واحدة صحافة رفيعة، وقد تمضي ساعتان دون فكرة. يقلقني أن نختار من الحكاية ما يصلح للاشتعال فقط، وأن يصبح المقطع غاية العمل كله، بينما يبقى الإنسان الذي منحنا مادته خارج الصورة.
أنا هنا أعبر عن رأي نقدي في استثمار المنتج الرياضي، وعن قلق على إرث إعلامي يستحق حياة أطول من دورة التداول. أريد أن أرى أموال الرياضة تفتح أبوابا للكتاب والباحثين والمخرجين، وأن يصبح لدينا من الأعمال ما يجعل أبناءنا يعرفون كيف عشنا اللعبة وكيف عاشت فينا. غدا تدخل البنات فصولهن في بحرة، وتكتب للأرض حياة أخرى. لكن من يكتب الحياة التي سبقت المدرسة؟ ومن يعيد إلى سانفيليبو ملعبه، ولو لساعة على الشاشة؟ هنا أنتظر الإعلام الرياضي، عند الحكاية التي يستطيع أن ينقذها من النسيان، ويمنحها كاتبا وصورة وصوتا، حتى إذا قال أحدهم: «هذا المبنى مسكون بالبهجة وبالأهداف والفرح»، عرف المشاهد من مروا به، ولماذا ما زلنا نسمعهم: «أوليه، أوليه، أوليه».