في بلادنا حراك واسع يستحق أن نعتز به؛ مؤتمرات ومنتديات ومعارض في الاقتصاد والثقافة والتعليم والتنمية، وعناوين تستشرف المستقبل، ومنصات تستضيف الخبراء، وفرص للقاء وتبادل المعرفة. لكن الاعتزاز بهذا الحراك لا يعفينا من سؤال استحقاقه: ماذا تغيّر بسببه؟ ماذا بقي في حياتنا ومؤسساتنا وأسواقنا بعد أن أُطفئت الشاشات، وغادر الضيوف، وفُككت الأجنحة؟
نحتاج إلى أن نسأل عن كل مؤتمر: أي مشكلة ساهم في حلها؟ وعن كل منتدى: أي قرار أصبح أفضل بفضل ما طُرح فيه؟ وعن كل معرض: ماذا أضاف إلى القطاع الذي يحمل اسمه؟ فنجاح التنظيم، على أهميته، لا يكفي لإثبات جدوى الحدث. قد تُدار فعالية بإتقان، ويخرج ضيوفها راضين، وتنتشر صورها، ثم ينتهي أثرها عند أبواب القاعة.
المشكلة تبدأ حين تتحول إقامة الحدث إلى غاية، ويصبح البحث عن مبرراته عملًا لاحقًا. يُحجز المكان، وتُختار الشركة، وتُصمم الهوية، ثم تُجمع الموضوعات والمتحدثون لملء البرنامج. عندها تقود متطلبات العرض محتوى اللقاء، ويتقدم ما يصلح للتصوير على ما يستحق النقاش، ويصبح إعلان التوصيات آخر فقرات الحفل، مع أنه يفترض أن يكون بداية العمل الحقيقي.
التوصية التي لا يعرف أحد مسؤول تنفيذها، وموعد إنجازها، وطريقة قياس نتائجها، لا تستحق كل هذا الاحتفاء. وإعلان الاتفاقيات لا يثبت وحده أن شيئًا تحقق؛ قيمتها فيما نُفذ منها، وفيما أضافته إلى المستفيدين. من حقنا أن نقرأ، قبل الإعلان عن النسخة الجديدة، تقريرًا واضحًا عما أنجزته النسخة السابقة: ما الذي تحقق؟ وما الذي تعثر؟ ولماذا؟ وما الذي تعلمه المنظمون؟
أما الأرقام التي تتصدر تقارير الفعاليات فتحتاج إلى مساءلة جادة. عدد الحضور، وحجم الوصول الإعلامي، وساعات البث، وعدد الجلسات، كلها تصف النشاط، لكنها لا تكفي لقياس أثره. يمكن أن تمتلئ القاعة دون أن تتقدم المعرفة خطوة، وأن تتضاعف المشاهدات دون أن تتغير ممارسة واحدة. وحين تضع الشركة المنظمة المؤشرات، وتجمع بياناتها، وتكتب تقرير نجاحها، يصبح التقييم محتاجًا إلى جهة مستقلة تتحقق منه. لا يجوز أن يتحول التقرير إلى مادة تسويقية ترتدي هيئة التقييم المهني.
ومن هنا تأتي أهمية ارتباط كل حدث معرفي بجامعة أو مؤسسة أكاديمية أو مركز بحثي مؤهل. ارتباط يبدأ من صياغة الأسئلة، واختيار الموضوعات والمتحدثين، ومراجعة الأوراق، وينتهي بتوثيق النتائج ومتابعتها. وضع شعار جامعة على لوحة الرعاة لا يضمن العلمية؛ الذي يضمنها مشاركة معرفية فعلية، وصلاحية للمراجعة والاعتراض، واستقلال يحمي المحتوى من المجاملة ومصالح التسويق.
نريد جلسات تضيف، ومتحدثين لديهم ما يقدمونه، ونقاشات تسمح بالسؤال الصعب. أما تدوير الأسماء نفسها بين المنصات، واستضافة ضيوف يكررون أحاديث عامة تصلح لكل مناسبة، فيستهلك وقت الجمهور ومال الجهة دون عائد يوازيهما. الضيافة جزء محترم من ثقافتنا، لكنها لا تصلح معيارًا لبناء برنامج علمي. والمنصة مسؤولية، وليست مكافأة على الحضور الاجتماعي.
ويستحق التكرار السنوي سؤالًا صريحًا: لماذا كل عام؟ بعض المعارض التجارية والفعاليات المهنية تحتاج إلى دورة سنوية تفرضها طبيعة السوق، لكن مؤتمرًا يناقش تحولات كبرى قد يحتاج إلى أربع سنوات حتى تتراكم تجربة تستحق عرضه من جديد. الفترة بين دورتين ينبغي أن تكون زمنًا للتنفيذ والبحث والتقييم، حتى تأتي النسخة التالية وفي يدها نتائج جديدة، لا عنوان جديد يغطي المحتوى نفسه. الأصل أن تُحدد دورية الحدث بحسب حاجته وأثره، وأن يثبت المنظم مبرر تكراره.
كذلك لا يصح أن تُترك روزنامة الفعاليات للمصادفات والتنافس على المواعيد. ازدحام أسبوع واحد بعدة أحداث كبرى يشتت الجمهور والخبراء والإعلام، ويضعف نصيب كل حدث من الاهتمام. نحتاج إلى تنسيق وطني يراعي القطاعات والفئات المستهدفة، وإلى توزيع أوسع على مدننا وفق ميزاتها وجامعاتها واقتصاداتها المحلية. فالمدينة المستضيفة ينبغي أن تستفيد معرفيًا وتنمويًا، وأن يشارك أهلها ومؤسساتها في الحدث، لا أن تكون موقعًا مؤقتًا لاستقبال القادمين.
وهناك سؤال لا ينبغي أن تحجبه فخامة المشهد: من يتحكم في مفاصل الحدث، ومن يربح منه؟ الربح المشروع حق، وصناعة الفعاليات نشاط اقتصادي معتبر، لكن الشفافية ضرورية حين تتداخل مصالح المنظمين والرعاة والاستشاريين ومقدمي الخدمات. من يختار المتحدثين؟ ومن يحدد الموضوعات؟ وهل تؤثر الرعاية في مساحة النقاش أو نتائج اللقاء؟ وضوح هذه العلاقات يحمي المال والمحتوى وسمعة الجهة، ويجعل الثقة قائمة على معلومات يمكن مراجعتها.
ولهذا نحتاج إلى شروط ترخيص وتأهيل أكثر جدية لمن يدير مؤتمرًا أو منتدى متخصصًا. القدرة على تجهيز المسرح وإدارة التسجيل لا تثبت القدرة على إدارة حدث معرفي. المطلوب فريق مؤهل، وحوكمة واضحة، وخطة للمحتوى، وإفصاح عن المصالح، وميزانية يمكن مساءلتها، وآلية مستقلة لتقييم النتائج. وتزداد هذه المتطلبات كلما ارتفع حجم الإنفاق، واتسع الادعاء بأهمية الحدث وتأثيره.
كفاءة الأداء، وكفاءة الإنفاق، والنزاهة العلمية، والأثر المنتظر هي أضلاع النجاح. وإذا غاب أحدها، احتاج الحدث إلى مراجعة مهما بدا مبهرًا. لسنا مطالبين بإثبات أن كل لقاء سيغير العالم، لكننا مطالبون بتحديد قيمة معقولة ننتظرها منه، ثم التحقق من بلوغها بصدق. ومن احترام الجهد والمال أن نوقف فعالية استنفدت غرضها، أو ندمج أحداثًا متشابهة، أو نمنح فكرة وقتًا أطول حتى تنضج.
لدينا طموح وطني يستحق فعاليات على قدره؛ فعاليات تبني المعرفة، وتفتح الفرص، وتحسن القرار، وتترك وراءها عملًا يمكن تتبعه. لذلك ينبغي أن تصبح المساءلة عن الأثر جزءًا من ثقافة التنظيم، وأن يُسأل أصحاب الحدث عن حصيلته بالجدية نفسها التي يُسألون بها عن ترتيبات افتتاحه.
بعد كل مؤتمر، نريد جوابًا يتجاوز عبارة «نجاح باهر». نريد أن نعرف: انتهى اللقاء، فماذا بدأ بعده؟