في الخطاب الملكي الذي ألقاه سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، أمام مجلس الشورى، توقفت عند حديث سموه عن الرؤية، تحديدًا عن السنوات العشر لرؤية المملكة العربية السعودية 2030 التي تختصر قصة عقد كامل، عشر سنوات مرت منذ انطلاق الرؤية، حملت معها مشروعًا وطنيًا واسعًا، بدأ بالطموح، ثم انتقل إلى العمل، واليوم تقف أرقامه شاهدًا على مسيرة تحوّل تمس الاقتصاد والمجتمع وجودة الحياة ومستقبل الإنسان السعودي.
أجمل ما في الأرقام أنها حين تأتي من خطاب القيادة تصبح أكثر من نسب ومؤشرات؛ تصبح حكاية وطن، فقد حققت مؤشرات الأداء لبرامج وإستراتيجيات رؤية 2030 نحو 93% من مستهدفاتها، ونمت الصادرات غير النفطية 155% مقارنة بعام 2016، وارتفعت مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى 51%. أرقام تعكس اتساع قاعدة الاقتصاد وتنوع روافده وتنامي دور القطاع الخاص في صناعة فرص المستقبل.
وحين أتأمل هذه الرحلة، أجد أن التحوّل الحقيقي يظهر في اليوميات التي نعيشها، في الخدمات الرقمية التي اختصرت الوقت، وفي المدن التي تتغيّر ملامحها، وفي السياحة والثقافة والرياضة والترفيه، وفي بيئة الاستثمار التي فتحت مساحات جديدة أمام روّاد الأعمال والمستثمرين، لقد أصبحت جودة الحياة جزءًا أساسيًا من قصة التنمية، وأصبح الإنسان محورًا حاضرًا في كثير من برامجها ومشروعاتها.
ولعل المشهد الرقمي يقدّم واحدًا من أوضح نماذج التحوّل، المملكة تتصدّر عالميًا مؤشر الجاهزية الرقمية، كما تتصدّر مؤشر تنمية الاتصالات والتقنية ومؤشر الأمن السيبراني، وتأتي في المرتبة الثانية عالميًا في مؤشر نضج الحكومات الرقمية، وفق ما ورد في الخطاب الملكي. وفي يونيو 2026 حافظت المملكة للعام الثالث على التوالي على المرتبة الأولى عالميًا في مؤشر الأمن السيبراني ضمن الكتاب السنوي للتنافسية العالمية الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية.
وهنا أتذكر أن الرؤية منذ بدايتها حملت فكرة أعمق من تغيير الأرقام؛ فكرة أن يمتلك الوطن أدواته للمستقبل، وأن تتحوّل قدراته البشرية والتقنية والاقتصادية إلى قوة مستدامة، وأيضا دخول الذكاء الاصطناعي مساحة جديدة من هذه الرحلة، بعد أن اختارت المملكة عام 2026 عامًا للذكاء الاصطناعي، مع توجه واضح نحو تطوير تطبيقاته وحلوله، ورفع الإنتاجية، وتحسين الخدمات، وتدريب الكفاءات السعودية.
وعندما يصل وطن إلى قائمة أكبر عشر دول عالميًا في جاذبية الاستثمار التعديني، ويتقدّم في المؤشرات الرقمية، وتتسع صادراته غير النفطية، ويزداد حضور القطاع الخاص، فإن الصورة تصبح أوسع من مشروع اقتصادي؛ إنها صورة وطن يعيد اكتشاف إمكاناته ويستثمرها في صناعة مستقبله.
عشر سنوات حافلة فعلًا، والأهم أن هذه السنوات صنعت أساسًا لمرحلة جديدة؛ فالرؤية التي بدأت عام 2016 تدخل عامها العاشر بأرقام وتجارب ومشروعات، فيما يبقى الإنسان السعودي في قلب الحكاية، فهو الذي يعمل، ويتعلم، ويبتكر، ويصنع أثره في وطن يتغير أمام عينيه.
ختامًا.. عشر سنوات من رؤية 2030.. عشر سنوات اختصرها الطموح، سبقت الزمن وترجمها العمل، وتحكي أرقامها قصة وطن يعرف أين يريد أن يصل.