كان الخبر الرئيسي، يوم أمس، هو انسحاب القوات الأمريكية من آخر قواعدها في العراق، بعد 23 عاماً من دخولها وتدشينها واقعاً سياسياً معقداً أفضى إلى مشاكل متراكمة، دفع البلد أثماناً باهظة لها من أمنه واستقراره واقتصاده، وسوف يستمر في ذلك إلى أجل غير مسمى. ومع الانسحاب، هناك أكثر من طرف يحتفل، الحكومة العراقية تقول إن العراق استعاد سيادته بذلك، الفصائل المسلحة تعتبره انتصاراً لها، وإيران تراه إنجازاً إستراتيجياً في مواجهتها مع أمريكا.

عندما احتلت أمريكا العراق، كان أول ما فعلته حلّ الجيش وتعيين حاكم أمريكي لتبدأ الفوضى الحقيقية. بدأ النفوذ الإيراني يتغلغل عبر إنشاء المليشيات المسلحة بمباركة أمريكا، بل يمكن القول، إن أمريكا سلمته لإيران عملياً، والتي أصبحت تتحكم لاحقاً في تشكيل حكوماته، بالإضافة إلى وجود الفصائل المسلحة الموالية لها خارج منظومة الحكومة كأدوات ضغط على أي حكومة تحاول الخروج عن الخط الإيراني، وأذرعة نفوذ للمشروع الإيراني التوسعي الإقليمي.

ولأكثر من عقدين، عاش العراق أسوأ مراحله. ذلك البلد الغني بثرواته الطبيعية والبشرية أصبح نهباً للفساد، وساحة تتدفق فيها الدماء دون توقف، تناسلت فيه أسوأ تنظيمات الإرهاب، ليصبح في النهاية ضمن تصنيف الدول الفاشلة. جاءت حكومة بعد أخرى، لكنها جميعاً كانت تدور في الفلك الإيراني، وكان هذا الحال أحد أعجب مفارقات التأريخ في العلاقة بين البلدين، ولكن مع الترتيبات التي اقتضتها إستراتيجيات جديدة للقوى التي تدير العالم، قررت أمريكا الانسحاب من العراق في عام 2024، وها هي الآن تنفذ قرارها، فكيف سيكون العراق بعد هذا الانسحاب؟

الوضع سيكون أكثر حساسية وصعوبة، هناك حكومة عراقية تريد إعادة العراق إلى محيطه العربي، وتريد أن يكون السلاح والقرار تحت سلطتها وحدها، وتطمح إلى إعادة بناء العراق من جديد. ولكن في المقابل، هناك الجارة إيران التي قد ترى في الانسحاب الأمريكي زوالاً عائقاً كان يؤثر على طموحها في الاستفراد بالتأثير على القرار العراقي، وقد تستغل الفراغ الذي يحدث بتوسيع وتعميق نفوذها. لكن رغم كل ذلك، فإن العراق يستطيع الخروج من هذا المأزق بالإصرار على استقلال قراره السيادي مهما كانت التضحية، وباستمرار تعاونه وشراكته مع محيطه العربي، الذي يريد عودته دولة عربية مستقرة ومستقلة.