الدولة، أي دولة، مهما بلغ غناها ومنعة إقليمها ووفرة مواردها وتقدّمها، لا تقوى وحدها على دفع تكلفة أمنها الباهظة. حتى الدول العظمى لا تقوى وحدها على مواجهة مخاطر وتحديات البيئتين الإقليمية والدولية. لا بد للدولة من الاستفادة من موارد الساحة الدولية لتعزيز أمنها القومي. ألمانيا لم تكن قادرة على شن الحرب العالمية، بغزو بولندا، ومن ثَمّ الزحف غرباً حتى المحيط الأطلسي، لولا أنها أمّنت الجبهة الشرقية، حيث عدوها التاريخي (روسيا، الاتحاد السوفيتي حينها)، بعقد اتفاقية موسكو (23 أغسطس 1939)، اتفاقية عدم اعتداء ودفاع مشترك، قبل أيام من غزوها لبولندا (الأول من سبتمبر 1939). في المقابل، لم تكن أولوية رئيس وزراء بريطانيا العظمى صمود بلاده في مواجهة تمدد ألمانيا بقدر ما كانت توريط الولايات المتحدة في الحرب، التي لولا مشاركة الولايات المتحدة فيها ما كانت بريطانيا لتصمد أمام زحف الجيش الألماني، حيث كاد الجيش الألماني يعبر القنال الإنجليزي لغزو الجزيرة البريطانية.
حتى الولايات المتحدة، بعد انتصار الحلفاء على ألمانيا، كانت تخشى جبهة الأطلسي المقابلة لسواحلها الشرقية، وكان أن تكفلت بحماية حلفائها في أوروبا الغربية ضد أي زحف سوفيتي محتمل غرباً، من خلال مظلتها النووية، لضمان أمنها القومي، بل وحتى تضمن أمناً مستداماً، تعهدت واشنطن بإعادة إعمار دول أوروبا الغربية، بإطلاق ما عُرف حينها بمشروع مارشال. الشيء نفسه فعلته على جبهة الباسفيك، بإعادة إعمار اليابان ودول جنوب شرق آسيا. الولايات المتحدة لم تكن لتركن إلى وجود أكبر محيطين في الكرة الأرضية يفصلانها عن العالم القديم، وما يوفرانه من حدود طبيعية منيعة، خارج سيطرتها المباشرة على اليابسة المقابلة لسواحلها الممتدة على طول وعرض المحيطين الأطلسي والهادي.
صيغة التحالفات العسكرية ظاهرة شائعة بين الدول، وتُعد من أهم دعائم أي نظام دولي أو أي ترتيبات أمنية إقليمية ودولية. الضرورات الأمنية الجماعية، وثيقة الصلة بالأمن القومي للدولة، تهون في دفع تكلفتها لبقاء الدولة نفسها المساومةُ على عنصر السيادة الوطنية، حيث إن من طبيعة التحالفات العسكرية وجود قوات التحالف على أرض الدول المشتركة في التحالف، فلا يُنظر إلى نشر قوات التحالف في أراضي الدول الأعضاء من قبيل المساومة على السيادة الوطنية؛ لأن المشاركة في التحالفات الدولية تُعد من صميم أعمال السيادة المنوط بالحكومات الوطنية احتكار ممارستها.
اتفاقية الدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، الموقعة في مكة المكرمة (7 أغسطس 2026)، لا تختلف عن صيغة واستراتيجية التحالفات الدفاعية المماثلة، كمعاهدة حلف شمال الأطلسي (4 أبريل 1949) بين الدول الديمقراطية الغربية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية. كما أن هناك سابقة مماثلة في العمل العربي المشترك (معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي، 18 يونيو 1950). أهم بنود مثل هذه الاتفاقيات المادة التي نصها: أي عدوان على عضو في هذه الاتفاقات يُعد اعتداءً على الدول الأعضاء كلهم، ويتطلب رد فعل جماعياً لمواجهة ذلك الاعتداء. جوهر هذه الاتفاقات، من الناحية الاستراتيجية، دفاعي في المقام الأول، وليس ذا طبيعة عدوانية في الأساس، ولهذا حتى ميثاق الأمم المتحدة ألزم الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بالتدخل الجماعي، طبقاً للبند السابع من الميثاق، لمساعدة أي عضو تعرض لاعتداء خارجي، حفاظاً على السلام والأمن الدوليين.
اتفاق مكة للأمن الجماعي لا يخرج عن كونه اتفاقاً دفاعياً جماعياً لصد أي عدوان تتعرض له إحدى الدول الأعضاء، حفاظاً على الاستقرار الإقليمي وصوناً للسلام والأمن الدوليين. كما أن اتفاق مكة لا يعني أن الدولة المعرَّض أمنها للتهديد غير قادرة على الدفاع عن نفسها، بقدر ما هو تأصيل استراتيجي لمبدأ الأمن الجماعي، الذي هو واحد من أهم التزامات العضوية في الأمم المتحدة، وبالتالي، هذا الاتفاق الأمني الجماعي مفتوح أمام أي عضو في الأمم المتحدة يرى أن مستلزمات العضوية الأممية تقتضي الانضمام للترتيبات الأمنية الجماعية التي تمثلها اتفاقية مكة للدفاع المشترك.
باختصار، اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين الدول الثلاث تُعد اتفاقية استراتيجية للأمن الجماعي، بهدف تفعيل استراتيجية ردع جماعي فعّال، نصرةً للسلام والأمن الدوليين. اتفاقية مكة للأمن الجماعي بين الدول الثلاث تشكّل قيمة ردع استراتيجية جماعية مضافة، تُشعر كل دولة عضو في الاتفاقية بمضاعفة قوة الردع لديها بوزن قوة ردع الدول الثلاث الأعضاء مجتمعة، وليس فقط تمثّل قوة ردع حصرية تُستمد من قوتها الذاتية المحدودة بطبيعتها.