لم يعد السؤال الذي يواجه الجامعات اليوم كيف تواكب التطورات التقنية المتسارعة فحسب، بل كيف تعيد تعريف دورها في عالم أصبحت فيه المعرفة متاحة بضغطة زر، والذكاء الاصطناعي قادرًا على كتابة النصوص، وتحليل البيانات، وإنتاج البرمجيات، والإجابة عن كثير من الأسئلة التي ظلت الجامعات تعلّم طلابها الإجابة عنها لعقود. وإذا كانت هذه التحولات تطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل المهن وسوق العمل، فإنها تضع مؤسسات التعليم العالي أمام سؤال أكثر إلحاحًا: ما القيمة التي ستضيفها الجامعة إلى الإنسان عندما تصبح المعلومات متاحة للجميع، وتستطيع الآلة إنجاز جانب متزايد من المهام المعرفية؟
في الثاني والعشرين من سبتمبر 2026، أصدرت جامعة كورنيل الأمريكية تقريرًا بعنوان «مستقبل الجامعة الأمريكية»، أعدّته لجنة تضم ثمانية عشر عضوًا من أعضاء هيئة التدريس، بعد عمل استمر عامًا كاملًا، استعانت خلاله بآراء أكثر من ستة آلاف مشارك من داخل الجامعة وخارجها. لم يكن الهدف من هذا التقرير معالجة تحديات آنية فحسب، وإنما استشراف مستقبل الجامعة خلال العقود المقبلة، في مواجهة تحولات كبرى، أبرزها التسارع التقني، وفي مقدمته الذكاء الاصطناعي، وتراجع الثقة المجتمعية بمؤسسات التعليم العالي، والتغيرات التي تشهدها علاقة الجامعات بالمؤسسات الداعمة، وما يرتبط بها من تحديات التمويل والبحث العلمي.
وما يستوقف القارئ في هذا التقرير ليس حجم التحديات التي يستعرضها، رغم أهميتها، وإنما جرأة الأسئلة التي يطرحها؛ إذ لم تقتصر مهمة اللجنة على البحث عن سبل تحسين النموذج الجامعي القائم، بل امتدت إلى تصور ما يمكن أن تصبح عليه الجامعة في العقود المقبلة. ومن أبرز ما يطرحه التقرير إعادة تعريف قيمة الشهادة الجامعية، والانتقال من التعليم القائم على نقل المعلومات إلى التعلم القائم على الخبرة، والمشروعات التطبيقية، وتنمية التفكير النقدي والحكم السليم؛ فالقيمة الحقيقية للشهادة لا تكمن في الحصول عليها وحدها، وإنما فيما يمتلكه الخريج من معارف وقدرات وكفايات تمكّنه من التعامل مع المشكلات الواقعية والمواقف الجديدة.
ويحتل الذكاء الاصطناعي موقعًا محوريًا في هذه الرؤية؛ فهو يفتح آفاقًا واسعة للبحث والتعليم والوصول إلى المعرفة، لكنه يفرض في الوقت نفسه تحديًا تربويًا غير مسبوق. فقد يستطيع الطالب إنتاج بحث متقن في ظاهره، أو تقديم إجابة نموذجية بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي، دون أن يكون قد مرّ بالتجربة المعرفية التي تبني قدرته على القراءة والتحليل والاستدلال وإصدار الأحكام. وهنا تصبح مهمة الجامعة أعمق من مجرد تدريب الطلاب على استخدام هذه الأدوات؛ إذ يتعين عليها أن تعلّمهم كيف يفكرون معها، وكيف يتحققون من مخرجاتها، ويميزون بين الإجابة الجاهزة والفهم الحقيقي الذي يمكّن الإنسان من اتخاذ القرار.
ولا يقف التقرير عند حدود التعليم الجامعي الأولي، بل يمتد إلى تجديد منظومة البحث العلمي، وتشجيع المشروعات الكبرى ومتعددة التخصصات، وتنويع مصادر التمويل، ومراجعة الحوافز الأكاديمية التي قد تعطي عدد المنشورات أهمية أكبر من جودة البحث وأثره. كما يدعو إلى تعزيز الشراكة المتبادلة بين الجامعة والمجتمع، ومراجعة برامج الدراسات العليا لإعداد الباحثين لمسارات مهنية متعددة داخل الجامعات وخارجها، وإعادة النظر في العلاقة التقليدية بين الجامعة وخريجيها؛ فالتخرج لم يعد نهاية رحلة التعلم، والشهادة التي يحصل عليها الإنسان اليوم قد لا تكفيه لممارسة المهنة نفسها بعد عشرة أعوام. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التعليم المستمر، والشهادات المصغرة، والبرامج المهنية المرنة؛ لتصبح الجامعة شريكًا معرفيًا ومهنيًا يرافق الطالب طوال حياته.
ولكن، ماذا يعني ذلك لجامعاتنا السعودية؟ وهل نحن بحاجة إلى انتظار وصول هذه التحولات إلينا، أم أن الفرصة مواتية للمشاركة في صياغة نموذج جديد للجامعة يتناسب مع طموحات المملكة وتحولاتها الاقتصادية والتقنية؟ من المهم هنا ألا ننطلق من افتراض أن جامعاتنا لم تبدأ مسيرة الإصلاح؛ فقد شهد التعليم العالي السعودي تحولات تنظيمية واستراتيجية مهمة، يأتي في مقدمتها نظام الجامعات الجديد، الذي يستهدف تمكين الجامعات من الاستقلالية المنضبطة، وتطوير برامجها وفق الاحتياجات التنموية وفرص العمل، وتنويع مواردها المالية، وتعزيز شراكاتها مع القطاع الخاص. كما يضع برنامج تنمية القدرات البشرية، أحد برامج تحقيق رؤية المملكة 2030، تطوير مهارات المستقبل والتعلم مدى الحياة في صميم التنمية الوطنية. وهي توجهات تتقاطع مع عدد من القضايا التي يطرحها تقرير كورنيل، وإن اختلفت السياقات والتحديات. والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس ما إذا كانت لدينا رؤية للتطوير، وإنما كيف نترجم هذه التوجهات إلى تحولات مؤسسية ملموسة في التعليم والبحث العلمي وعلاقة الجامعة بالمجتمع والاقتصاد.
ولعل من أهم الأسئلة التي ينبغي أن تطرحها جامعاتنا على نفسها سؤال الهوية المؤسسية والميزة التنافسية؛ فهل نحتاج إلى جامعات تتشابه في برامجها وتخصصاتها وأولوياتها البحثية، أم إلى منظومة جامعية تتكامل فيها الأدوار وتتباين فيها مجالات التميز؟ إن التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة تتيح لكل جامعة فرصة لإعادة تعريف هويتها، وبناء شراكاتها، وتوجيه أبحاثها وبرامجها نحو المجالات التي تستطيع أن تحقق فيها قيمة مضافة؛ فقد تتميز جامعة في البحث العلمي المتقدم، وأخرى في الابتكار التطبيقي وريادة الأعمال، وثالثة في تخصصات ترتبط بالمقومات الاقتصادية والثقافية لمنطقتها. ولا يعني هذا التنوع التخلي عن الرسالة التعليمية والبحثية المشتركة، وإنما بناء منظومة جامعية تتكامل فيها القدرات، ويصبح اختلاف الجامعات مصدر قوة للتعليم العالي الوطني.
وتبدأ ترجمة هذه الرؤية من إعادة النظر في تصميم البرامج الدراسية، لا بمجرد إضافة مقررات في الذكاء الاصطناعي أو تحديث الخطط الحالية، وإنما بمراجعة الكفايات التي ينبغي أن يمتلكها خريج الجامعة في عالم تتغير فيه طبيعة العمل بوتيرة متسارعة؛ فخريج الطب، على سبيل المثال وليس الحصر، يحتاج إلى القدرة على توظيف الأنظمة الذكية دون التفريط في الحكم السريري المعتاد والمسؤولية المهنية، وخريج الهندسة يحتاج إلى الجمع بين المعرفة التخصصية والقدرة على الابتكار والعمل مع التقنيات الجديدة، وخريج الإدارة يحتاج إلى مهارات اتخاذ القرار في بيئات تعتمد بصورة متزايدة على البيانات والخوارزميات. وينطبق الأمر كذلك على خريجي العلوم الإنسانية واللغوية، الذين تفرض عليهم تقنيات الترجمة الآلية والنماذج اللغوية إعادة النظر في كفاياتهم وأدوارهم المهنية، وتفتح أمامهم في الوقت نفسه مسارات جديدة في الصناعات اللغوية والثقافية والتقنيات الذكية؛ فالقضية لا تتعلق بمستقبل تخصص بعينه، بل بإعادة تصور التأهيل الجامعي بمختلف تخصصاته، في عصر يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل طبيعة المعرفة والعمل.
غير أن إعادة تصميم البرامج لن تحقق أهدافها ما لم يكن عضو هيئة التدريس شريكًا رئيسًا في هذا التحول؛ فالأستاذ الجامعي الذي ظل لعقود مصدرًا أساسيًا للمعلومات أصبح اليوم مطالبًا بأدوار تتجاوز نقل المعرفة إلى توجيه الطالب، وتنمية قدراته التحليلية، وتصميم الخبرات التعليمية التي تربط النظرية بالتطبيق. وهذا التحول يستدعي الاستثمار في التطوير المهني لأعضاء هيئة التدريس، وتمكينهم من الاستخدام المسؤول والمبتكر للذكاء الاصطناعي، ومراجعة معايير تقييم أدائهم، بحيث تحظى جودة التدريس والابتكار التعليمي والتوجيه الأكاديمي بالتقدير الذي تستحقه إلى جانب البحث العلمي؛ فالجامعة التي تطمح إلى تخريج جيل قادر على التعامل مع المستقبل تحتاج، قبل ذلك، إلى بيئة أكاديمية تمكّن أساتذتها من صناعة هذا المستقبل.
ويمتد التحول المطلوب إلى منظومة البحث العلمي؛ إذ لا يكفي أن تتنافس الجامعات على أعداد الأبحاث المنشورة أو مواقعها في التصنيفات الدولية، على أهمية هذه المؤشرات، ما لم يقترن ذلك بقدرتها على إنتاج المعرفة ذات الأثر، والمشاركة في معالجة التحديات الوطنية، وتطوير منتجات وتقنيات تجد طريقها إلى الأسواق. وفي ظل ما تشهده المملكة من توسع في قطاعات الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة والطاقة والسياحة والثقافة، تبرز الحاجة إلى منظومة بحثية أكثر تكاملًا بين التخصصات، وشراكات أعمق بين الجامعات والقطاعات الإنتاجية، وحوافز أكاديمية تمنح الابتكار ونقل التقنية والأثر المجتمعي، إلى جانب النشر العلمي، الأولوية؛ فالبحث العلمي لا تكتمل قيمته بمجرد نشر نتائجه، وإنما تتسع حين تتحول المعرفة إلى حلول وفرص وقدرات تسهم في التنمية.
وتستدعي هذه التحولات كذلك مراجعة برامج الدراسات العليا، ليس من حيث محتواها فحسب، وإنما من حيث علاقتها بمستقبل الباحث والاقتصاد الوطني. فليس من الضروري أن يكون المسار الأكاديمي التقليدي الوجهة الوحيدة لخريج الدكتوراه؛ إذ تستطيع الجامعات إعداد باحثين يمتلكون القدرة على قيادة الابتكار في المؤسسات الحكومية والشركات ومراكز البحث والتطوير. كما أن التوسع في برامج الماجستير ينبغي أن يستند إلى قراءة متجددة لاحتياجات سوق العمل، وأن يفسح المجال لبرامج مهنية متعددة التخصصات، تتسم بالمرونة وتستجيب للتحولات التقنية والاقتصادية.
ولن يكتمل هذا التحول ما لم تعِد الجامعات تعريف علاقتها بخريجيها. فمئات الآلاف ممن تخرجوا في جامعاتنا خلال العقود الماضية يمثلون رصيدًا بشريًا يمكن أن تستمر الجامعات في تنميته، من خلال برامج التأهيل، وإعادة التأهيل المهني، والشهادات المصغرة، والتعليم المستمر. ولعلنا نتطلع إلى نموذج تصبح فيه الجامعة وجهة يعود إليها الخريج كلما تغيرت مهنته، أو ظهرت مهارات جديدة يحتاج إليها، بما يحقق التكامل بين التعليم الجامعي وسوق العمل، ويجعل التعلم مدى الحياة ممارسة مؤسسية راسخة، لا مجرد شعار يتكرر في الخطط الاستراتيجية.
وثمة بُعد آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تطوير الحوكمة الجامعية والثقافة المؤسسية؛ فإعادة تصميم الجامعة لا يمكن أن تتحقق بتعديل المناهج وحدها، ما لم تصاحبها مرونة في اتخاذ القرار، وتكامل بين الكليات والمراكز البحثية، وحوافز تشجع أعضاء هيئة التدريس على التجديد والابتكار، ومؤشرات أداء تقيس جودة المخرجات والأثر الحقيقي. وقد يكون من المناسب أن تطلق جامعاتنا حوارات مؤسسية واسعة حول مستقبلها، يشارك فيها أعضاء هيئة التدريس والطلاب والخريجون، إلى جانب ممثلي القطاعين العام والخاص، وصولًا إلى تصورات مستقبلية لا تقتصر على معالجة التحديات الراهنة، وإنما تستشرف شكل الجامعة السعودية خلال العقدين المقبلين.
إن أهمية تقرير كورنيل لا تكمن في تقديم نموذج جاهز لمستقبل الجامعة، وإنما في مبادرته إلى طرح الأسئلة الكبرى قبل أن تفرض التحولات إجاباتها. ولدى المملكة اليوم، بما تشهده من تحولات اقتصادية وتقنية، وما تمتلكه من رؤية وطنية طموحة، فرصة لأن تشارك جامعاتها في صياغة مستقبل التعليم العالي، لا أن تكتفي بمواكبة تحولاته؛ فجامعات المستقبل التي نحتاجها ليست مجرد مؤسسات تمنح الشهادات أو تهيئ خريجيها للوظائف الجديدة، بل مؤسسات تنتج المعرفة والتقنية، وتسهم في ابتكار المهن وصناعة الفرص، وتبني الإنسان القادر على قيادة التحول.