ضاقت السبل أمام بعض اتحادات دول الخليج لكرة القدم، في محاولاتها للحد من ضعف مستوى منتخباتها، فلم تجد حلاً مناسباً لمعالجة مشكلة افتقاد المواهب الكروية من أبنائها المواطنين سوى البحث عن وسيلة أسرع وأسهل تضمن لها المشاركة في بطولة الخليج بصورة أقوى وأفضل، بما يسهم في تحقيق الألقاب وإضافة بطولات إلى رصيدها، دون الاهتمام بالهدف الأسمى والأهم: المواطن أولاً وأخيراً.
- كان من المفترض على هذه الاتحادات، التي اختارت التجنيس حلاً بديلاً، وقبل أن تمضي في هذا الخيار، أن تفتح ملفاً جاداً لتشخيص أسباب غياب المواهب الكروية التي كانت تزخر بها تلك الدول وغيرها، والبحث في مسببات هذا القصور، وتحديد أوجه الخلل في منظومة إعداد أبناء الوطن، ومن يتحمل المسؤولية الأكبر عن ذلك، وما قد يترتب عليه من نتائج مخيبة للآمال على المدى البعيد.
- فالتخلي عن أهداف وطنية بهذا الحجم، والهروب من مسؤولية تحقيقها عبر اللجوء إلى حلول سريعة، أصبح أمراً ميسوراً، من خلال أنظمة ولوائح تتيح هذا الخيار، الذي أراه، في مثل هذه الحالات، أقرب إلى حيلة «العاجز» عن معالجة أصل المشكلة، لا حلاً مستداماً لها.
- في رأيي، فإن الموضوع خطير جداً إذا ما نظرنا إليه من زاوية وطنية، وقد يحتاج التوسع فيه إلى كتابة سلسلة من المقالات، ربما تدفعني إلى الاقتراب من «المحظور» رقابياً.. ولهذا، أكتفي بالتنبيه والتحذير من عواقب التوسع في التجنيس على مستقبل كرة القدم المحلية في هذه الدول، وهو همّ خليجي شاركني فيه عدد من الزملاء، من خلال آراء نقدية طُرحت في غالبية البرامج الرياضية.
- وأثناء متابعتي ردود الأفعال الصادرة عن بعض الإعلاميين المحسوبين على المنتخبات التي طبّقت نظام التجنيس، وجدت حساسية مفرطة تجاه مجرد الحديث عنه، حتى عندما يأتي النقد في إطار هادف وبنّاء، يسعى إلى تطوير الكرة الخليجية والنهوض بها، عبر الاهتمام بالمواهب الوطنية ومنحها الفرصة المستحقة.
- ولعل السؤال المهم الذي يجب أن يطرح، كيف يمكن أن نطالب بتطوير كرة القدم الخليجية، ثم نتجاهل الأسباب الحقيقية وراء تراجع المواهب الوطنية، ونستسهل الحلول الجاهزة، بدلاً من الاستثمار في أبناء الوطن وصقل قدراتهم؟
- إن من المؤسف جداً أن تتحول موارد هذه الدول وإمكاناتها إلى وسيلة لاستقطاب لاعبين من الخارج، يصبحون بموجب التجنيس مواطنين، في الوقت الذي يتراجع فيه الاهتمام بالمواهب الوطنية، ويغدو الاستثمار فيها، وفي مستقبلها، أمراً لا يحظى بالأولوية التي يستحقها.. تبّاً لهذا الفكر العقيم العاجز عن صناعة المواهب، وتبّاً لكل من يؤيده ويدعمه على حساب مستقبل أبناء الوطن!
همسة أخيرة
أرجو من الاتحاد الخليجي لكرة القدم عقد اجتماع لمناقشة هذا التطور الخطير الذي أقدمت عليه بعض المنتخبات، والعودة إلى المواد والأسس التي قامت عليها فكرة إقامة بطولة الخليج، وما حققته من نجاح لافت، كان من أبرز ثماره ظهور مواهب كروية فذّة أسهمت، إلى حد كبير، في تطوير مستوى الكرة الخليجية، وتعزيز حضورها في المشاركات القارية والدولية.
- العشم كبير في هذا الاجتماع، إن عُقد، ربما يفضي إلى مراجعة الضوابط المنظمة لمشاركة اللاعبين المجنّسين، بما يحفظ هوية البطولة وأهدافها، ويضع حداً للتوسع الذي قد يحوّل التجنيس من خيار استثنائي إلى بديل عن صناعة اللاعب الوطني.. فبطولة الخليج لم تكن يوماً مجرد منافسة على لقب، وإنما مشروع رياضي خليجي أسهم في اكتشاف المواهب وصناعة النجوم، ومن المؤسف أن يأتي اليوم الذي تصبح فيه الحلول الجاهزة بديلاً عن الفكر القادر على صناعة المستقبل.
والله الهادي، وهو المستعان.