في حالة التصعيد الأمريكي مع إيران، نتذكر تهديدات النظام الإيراني أنه في حالة منع إيران من تصدير نفطها فلن يخرج قطرة نفط من المنطقة، وهذا ما حدث جراء إغلاق مضيق هرمز والاعتداءات التي ينفذها الحرس الثوري ضد السفن التي تحاول عبور المضيق بدون الخضوع للشروط الإيرانية، يبدو أن هذه الحالة تغيرت في الآونة الأخيرة، حيث أعلنت القيادة المركزية العسكرية الأمريكية عن مرافقتها لمئات ناقلات النفط لمضيق هرمز، وهذا يعطي دلالة أن إيران تخسر في هذه الجزئية المهمة، وقد يكون تحريك مليشيا الحوثي في محاولة التحكم والسيطرة على باب المندب في الأسابيع الأخيرة هو لتعويض حالة الضعف الإيراني في مضيق هرمز، هناك عدم صدقية في ما يدعيه الطرف الأمريكي في هذا السياق وخاصة من قبل الرئيس ترمب، والذي يلاحظ قلة تصريحاته في هذا الجانب في الأسابيع الأخيرة، حيث تركز تصريحاته على عملية المفاوضات الدبلوماسية بين الجانبين الجارية في نيويورك بين بعض أعضاء الوفد الإيراني المشارك في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة ومسؤولين أمريكيين مثل وتكوف وكاوشنير.
بدأ قبل أيام المنع الأمريكي على الطيران المدني الإيراني من الخدمة خارج إيران، وامتثلت أغلب الدول لهذا القرار، محمد محمد مخبر مستشار المرشد الأعلى، غرد على حسابه في منصة إكس قائلاً: إن إستراتيجية بلاده واضحة وهي إما أن يكون السفر جواً متاحاً للجميع في المنطقة أو لا يكون متاحاً لأحد، وهذا تهديد واضح لحركة الملاحة الجوية في المنطقة والتي تعتبر حساسة جداً لمثل هذه التهديدات والظروف، الموقف الإيراني أتى بعد اتخاذ دول مثل العراق لها علاقة خاصة من توقيف الخدمات الجوية لبعض المطارات في العراق مع إيران ومع دول أخرى في الخليج، رغم استمرار تسيير رحلات طيران صغيرة في إيران للصين التي لم تمتثل للقرار الأمريكي.
الحصار الأمريكي البحري على إيران والآن حصار جوي هو أداة فعالة في إنهاك وخنق النظام الإيراني في الداخل، وقد يحدث الخلل المطلوب في علاقة الشعب مع النظام والذي فشلت فيه الأعمال العسكرية التي شنّت ضد إيران منذ فبراير الماضي، قد يراهن النظام الإيراني على أن تأثير هذه العقوبات قد يحتاج إلى وقت طويل لظهور نتائج سلبية تخدم الإستراتيجية الأمريكية، إضافة أن إيران لديها خبرة متراكمة في التهرب من هذا الحصار البحري-جوي الأمريكي ضدها، أما مسألة تهديد دول الجوار بأن مطاراتها لن تعمل في حال توقفت المطارات الإيرانية من العمل فهذه فرضية صعبة التحقيق، وإن استهدف الحرس الثوري المطارات المدنية في المنطقة فهذا يعني إعلان حرب صريحاً على دول الجوار، وأعتقد أن ايران لن تقدم عليه ، فهذه المنشآت مدنية خالصة ولا تستخدم في أغراض لوجستية كما ادعت إيران في استهداف دول الخليج بحجة وجود قواعد عسكرية أمريكية فيها، فالوضع هنا مختلف وحساس جداً وقد يكشف الوجه الحقيقي للنظام ويحرجها أمام حلفائها والذين لهم علاقة وثيقة مع دول الخليج.
واشنطن جربت الحصار بأنواعه مع عراق صدام، وكانت له آثار مدمرة في تفكيك وإضعاف بنية النظام في ذلك الوقت، ونتذكر تداعي أجهزته في بداية الحرب والغزو البري الأمريكي للعراق، قد لا تكون المقاربة دقيقة في الحالة مع إيران، ولكنها أقل خطورة وكلفة بالنسبة لأمريكا في دفع إيران لطاولة المفاوضات والموافقة على الشروط الأمريكية، رغم الأثمان التي قد يدفعها الشعب الإيراني وليس النظام في آخر المطاف.