لم تعد إيران هي نفسها عقب اندلاع الحرب بينها وبين الولايات المتحدة، فحتى لو توقفت الحرب لن تعود إيران لسابق عهدها، فالحروب الكبرى لا تنتهي عند انتهاء الصواريخ أو توقف نفير الحرب، وإنما تبدأ بعدها مرحلة أكثر تعقيدًا في تاريخ الدول، وهي مرحلة حساب الخسائر وإعادة ترتيب الأوراق، وقد كشفت المواجهة الدائرة حالياً بين الولايات المتحدة وإيران عن نقاط ضعف في المنظومة الإيرانية، كما برهنت على أن امتلاك ترسانة عسكرية وشبكة واسعة من الحلفاء لا يعني بالضرورة القدرة على التحكم بمسار الأحداث، والأهم من كل ذلك أن تلك الحرب أعادت تعريف مفهوم الردع في المنطقة، فطهران باتت تدرك أن أي مواجهة مستقبلية قد تكون أكثر مباشرة وأعلى تكلفة من تلك الدائرة حالياً، ولذلك فإن السؤال لم يعد متعلقاً بمن انتصر في الحرب، بل بمن سيكون أكثر قدرة على إدارة المرحلة التي تليها.
لعل المتغيّر الأهم في تلك الأحداث يتمثل في مدى قدرة إيران على إعادة بناء منظومة الردع، فقد ارتكزت منظومة الردع الإيراني على مزيج من الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكة الحلفاء الإقليميين، إضافة إلى الغموض المرتبط ببرنامجها النووي، لكن الحرب وضعت هذه المنظومة أمام اختبار حقيقي، وأثبتت أن بعض عناصر القوة قد تفقد قيمتها عندما تتغيّر طبيعة المواجهة عن تلك التي تم التخطيط لها، ولذلك قد تسعى طهران على الأرجح إلى تطوير قدراتها العسكرية، وتعويض ما خسرته، غير أن إعادة بناء القوة تحتاج إلى موارد ووقت، بينما تواجه إيران ضغوطًا اقتصادية وسياسية متراكمة، وهنا ستجد القيادة الإيرانية نفسها أمام معادلة صعبة، ألا وهي كيف يمكنها إعادة بناء القوة من دون استنزاف الاقتصاد.
أما شبكة الحلفاء الإقليميين فغالباً ما ستكون أحد أهم ملفات المراجعة الإيرانية، فقد أثبتت السنوات الماضية أن النفوذ عبر الحلفاء منح طهران عمقًا إستراتيجيًا، لكنه حمل مخاطر عديدة أيضًا، فكلما توسعت شبكة القوى المرتبطة بإيران، زادت احتمالات أن تتحول إحدى ساحات النفوذ إلى نقطة اشتعال تجر طهران إلى مواجهة قد لا تريدها في الوقت الراهن، لذلك قد تتجه إيران إلى إعادة تقييم أدوار حلفائها، والانتقال من سياسة الاعتماد الكامل عليهم إلى سياسة أكثر انتقائية ومرونة، وقد يتركّز هدفها حينذاك على الحفاظ على نفوذها بأقل تكلفة ممكنة، وهذه ليست بالضرورة نهاية لإستراتيجية الوكلاء، وإنما محاولة لإعادة ضبطها، فإيران التي خرجت من الحرب بتجربة قاسية قد تكون أكثر حذرًا في توزيع أوراقها، وأكثر اهتمامًا بمنع خصومها من استغلال ساحات نفوذها ضدها.
أما على الصعيد الاقتصادي فغالباً ما ستكون مرحلة ما بعد الحرب أكثر صعوبة عن ذي قبل، فالقوة العسكرية تحتاج إلى اقتصاد قادر على تمويلها، والدولة التي تستنزف مواردها في المواجهات الخارجية تجد نفسها مضطرة إلى الاختيار بين تحديات الأمن ومتطلبات استقرار الداخل، وتواجه إيران بالفعل تحديات اقتصادية وضغوطًا مرتبطة بالعقوبات والاستثمار والتجارة والطاقة، ولذلك فإن إعادة بناء اقتصادها ستكون جزءًا من معركة إعادة بناء النفوذ، وقد تدفع هذه الظروف طهران إلى البحث عن تسويات مؤقتة، أو تخفيف التوتر مع بعض الخصوم، أو تعزيز العلاقات الاقتصادية مع بعض الدول، فالسياسة الخارجية لا تتحرك في فراغ، والاقتصاد قد يصبح العامل الذي يفرض على إيران خيارات لم تكن ترغب في اتخاذها لو لم تضطر لذلك، وفي نهاية المطاف تتحدد قوة أي دولة بناء على قدرتها على تحمل تكلفة خياراتها.
على ما يبدو أن الضغط على طهران لا يعني –بالضرورة- إخراجها من معادلة المنطقة، بل قد يدفعها إلى خيارات أكثر تشدّدًا، وما بين الردع والتفاوض، ستبحث إيران عن صيغة جديدة تحفظ لها مكانتها وتساعدها على تحمل تكلفة الحرب، وربما يكون التحول الأهم الذي سنشهده وقتذاك هو أن المنطقة نفسها أصبحت أقل استعدادًا لتحمل حروب مفتوحة طويلة المدى، ولهذا قد تكون المرحلة المقبلة مرحلة اختبار جوهري للسياسة الإيرانية، فهل ستختار إعادة بناء القوة استعدادًا لمواجهة جديدة، أم ستستثمر لحظة ما بعد الحرب في تسويات تعيد رسم موقعها الإقليمي بشكل مختلف مرة أخرى؟!.