استوقفتني في مقال الأخ المهندس عبدالله الرخيص، المعنون «ديون السعوديين»، فكرة تتجاوز سؤالاً.. كم اقترض السعوديون ؟ إلى سؤال ربما يكون أكثر أهمية للمستقبل.. كم يدخر السعوديون، وكيف يدخرون ؟
فالمقال يلفت النظر إلى مفارقة تستحق التأمل. مديونية الأسر في السعودية، وفق المقاييس الدولية، ليست مرتفعة بصورة استثنائية، إذ يضعها عند نحو 31.7% من الناتج المحلي، مقابل 59.1% لمجموعة العشرين. لكن الاعتدال في الرقم الكلي لا يعني بالضرورة أن كل أسرة في وضع مالي مريح. والأهم أن القسط، عندما يصبح أول مستحق من الراتب، يزاحم الغذاء والصحة والتعليم، ولكنه يزاحم أيضًا بندًا أقل إلحاحًا اليوم وأكثر أهمية غدًا.. الادخار. هنا أعتقد أن النقاش ينبغي ألا يقتصر على التوعية المالية أو مطالبة الفرد بأن «يدخر أكثر». الادخار الذي نحتاج إليه هو ادخار مؤسسي.. منتج مالي طويل الأجل، بسيط ومنخفض التكلفة، تديره مؤسسات متخصصة وتحت رقابة واضحة، ويُقتطع له مبلغ دوري من الدخل، مع خيارات استثمار تتناسب مع العمر والمخاطر، بحيث يتحول الادخار من قرار شهري قابل للتأجيل إلى عادة مالية مستمرة. لدينا بالفعل نظام تأمينات اجتماعية يوفر مظلة أساسية مهمة للتقاعد. لكن السؤال الاقتصادي ليس ما إذا كانت هذه المظلة جيدة، بل.. هل ينبغي أن تكون المصدر الوحيد لدخل المواطن بعد انتهاء حياته الوظيفية ؟ السؤال يصبح أكثر إلحاحًا مع نجاح المملكة صحيًا. فوزارة الصحة تشير إلى ارتفاع متوسط العمر المتوقع من نحو 74 عامًا في 2016 إلى 79.9 عام في 2025. وهذه أخبار ممتازة، لكنها تحمل نتيجة مالية واضحة.. إذا كان السعودي سيعيش سنوات أطول بعد التقاعد، فهو يحتاج إلى تمويل سنوات أكثر. طول العمر إنجاز صحي، لكنه أيضًا التزام مالي طويل الأجل. ومن هنا يمكن تصور منظومة يكون فيها معاش التأمينات الاجتماعية هو الراتب الأول بعد التقاعد، بينما يصنع الفرد أثناء سنوات العمل، عبر حساب ادخار واستثمار مؤسسي، راتبه الثاني. وليست الفكرة غريبة عن أهداف المملكة. فقد وضعت رؤية 2030 منذ البداية هدفًا لرفع ادخار الأسر من 6% إلى 10% من دخلها، فيما أظهر ميثاق برنامج تطوير القطاع المالي لاحقًا خط أساس بلغ 9.8% في 2022 ومستهدفًا عند 10%. كما تظهر الحسابات القومية لعام 2024، أن قطاع الأسر أسهم بنحو 22.9% من صافي الادخار في الاقتصاد السعودي. لكن المقارنات الدولية تستدعي الحذر.. فلا يوجد «رقم ادخار لمجموعة العشرين»، يمكن وضعه ببساطة أمام الرقم السعودي، لأن التعريفات المحاسبية ومصادر البيانات تختلف. ومع ذلك، تعطي بيانات OECD صورة مفيدة.. معدلات الادخار الأسري الإجمالي في عدد من الاقتصادات المتقدمة تقع في نطاقات أعلى، وتُظهر البيانات الحديثة مثلًا مستويات تقارب 16% في أستراليا و 9% في كندا، بينما تشير تقديرات المنظمة إلى معدلات أعلى بكثير في اقتصادات مثل ألمانيا. والقضية هنا ليست سباقًا دوليًا في النسب. القضية هي تحويل الادخار من فائض يحدث إن بقي شيء في نهاية الشهر، إلى أصل مالي يُبنى أول الشهر. فالريال الذي لا يُستهلك اليوم لا يختفي من الاقتصاد. حين يدخل عبر صناديق ادخارية واستثمارية منظمة، يمكن أن يتحول إلى رأسمال يمول الشركات، السندات، المشروعات، الإسكان والبنية التحتية. وهكذا يصبح الادخار الفردي ذا وظيفتين في آن واحد.. تأمين مستقبل الأسرة وتعميق رأس المال المحلي الذي يحتاج إليه الاقتصاد. لقد بنينا خلال العقود الماضية مؤسسات متطورة لتمويل استهلاك الفرد وامتلاكه للمسكن والسيارة. وربما حان الوقت لبناء صناعة لا تقل كفاءة في تمويل مستقبله. فالاقتصاد القوي ليس فقط اقتصادًا يستطيع مواطنه الاقتراض بثقة، بل اقتصاد يستطيع فيه المواطن أن يتقدم في العمر وهو يمتلك أصولًا تعمل من أجله. وربما يكون أفضل تعريف للادخار المؤسسي أنه ليس مالًا نؤجّل إنفاقه، بل دخلٌ مستقبلي نبدأ في شرائه اليوم.