أظهرت دراسة جديدة، نُشرت، اليوم(الأربعاء)، في دورية Human Reproduction Open، أن تعرض الأجنة لدواء تايلينول (Tylenol)، المعروف أيضاً باسم أسيتامينوفين أو باراسيتامول خارج الولايات المتحدة، أثناء الحمل ارتبط باختلافات في بعض مؤشرات نمو الجهاز التناسلي لدى الرضيعات، بما في ذلك حجم المبايض والرحم وعدد الحويصلات التي تحتوي على البويضات غير الناضجة.

لكن الباحثين شددوا على أن الدراسة لا تثبت أن الدواء تسبب في هذه الاختلافات، كما أنها لا تقدم دليلاً على تأثير استخدامه أثناء الحمل في الخصوبة المستقبلية للفتيات.

وقالت الباحثة الرئيسية من مستشفى ريغشوسبيتال في كوبنهاغن، مارغيت بيستروب فيشر، إن معرفة ما إذا كانت الاختلافات التي رُصدت لدى الرضيعات سيكون لها تأثير على الخصوبة في مراحل لاحقة من الحياة أو على سن انقطاع الطمث تتطلب متابعة طويلة الأمد.

وأكدت فيشر أن النساء اللواتي استخدمن تايلينول أثناء الحمل لا ينبغي أن يشعرن بالقلق بسبب نتائج الدراسة الحالية.

دراسة على أكثر من 300 رضيعة

وتابع فريق البحث 302 رضيعة تبلغ أعمارهن ثلاثة أشهر، بعدما جرى تتبع استخدام أمهاتهن لدواء تايلينول خلال فترة الحمل.

ومن بين هؤلاء الأطفال، تعرضت 92 رضيعة للدواء لأول مرة داخل الرحم قبل الأسبوع السابع عشر من الحمل، بينما تعرضت 67 رضيعة له للمرة الأولى بعد الأسبوع السابع عشر، في حين ولدت 143 طفلة لأمهات لم يستخدمن الدواء أثناء الحمل.

واعتمد الباحثون في تقييم التعرض للدواء على عينات بول قدمتها الأمهات على فترات منتظمة خلال الحمل.

وكانت الجرعات التي تناولتها الأمهات منخفضة نسبياً، ولم تتجاوز أي منهن الحد الأقصى اليومي الموصى به، والبالغ 4,000 ملليغرام، وكان الصداع وآلام العضلات والمفاصل من أبرز أسباب استخدام الدواء.

اختلافات في حجم المبايض والرحم

ووجد الباحثون أن الرضيعات اللاتي تعرضن للدواء داخل الرحم كان لديهن، في المتوسط، حجم مبايض أصغر بنحو 40%، وحجم رحم أصغر بنحو 13%، إضافة إلى انخفاض عدد حويصلات المبيض بنحو 23% مقارنة بالفتيات اللاتي لم يتعرضن للدواء.

وتُعد حويصلات المبيض هياكل صغيرة تحتوي على البويضات غير الناضجة، وبالتالي تمثل أحد المؤشرات المرتبطة بمخزون البويضات.

كما وجد الباحثون أن الفتيات اللاتي تعرضن للدواء في مراحل مبكرة من الحمل، قبل الأسبوع السابع عشر، سجلن مستويات أقل من الهرمون المضاد لمولر (AMH)، وهو مؤشر يستخدم لتقييم مخزون المبيض.

لماذا يهتم الباحثون بهذه المرحلة؟

وأوضح الباحثون أن جزءاً مهماً من القدرات الإنجابية للمرأة يتحدد أثناء وجودها في رحم الأم، إذ تولد الفتيات بعدد البويضات التي سيحملها مبيضاهن طوال حياتهن، ولا يتشكل مخزون جديد منها بعد الولادة بالطريقة نفسها.

وكانت دراسات أجريت على الحيوانات قد أشارت في السابق إلى احتمال تأثير التعرض الجنيني للأسيتامينوفين في مخزون البويضات ووظائف الجهاز التناسلي مستقبلاً، إلا أن الباحثين قالوا إن نتائج مماثلة لم تكن قد أبلغ عنها لدى البشر حتى هذه الدراسة.

نتائج إضافية خلال الطفولة والمراهقة

ولم يقتصر البحث على الرضيعات، فقد درس الفريق مجموعة منفصلة تضم 1,210 فتيات جرت متابعتهن من مرحلة الرضاعة وحتى سن المراهقة، وكانت أمهاتهن قد أبلغن عن استخدامهن لتايلينول أثناء الحمل.

وفي هذه المجموعة، ارتبط التعرض للدواء أثناء الحمل بوجود رحم أصغر خلال فترة البلوغ ومبايض أصغر خلال مرحلة المراهقة.

ومع ذلك، حذرت فيشر من استخدام هذه النتائج للتنبؤ بما سيحدث لأي امرأة أو طفلة بعينها.

وأشارت إلى أن كثيراً من النساء اللاتي استخدمن تايلينول أثناء الحمل أنجبن فتيات كانت قياسات مبايضهن مماثلة لتلك المسجلة لدى بنات النساء اللواتي لم يستخدمن الدواء.

لا دليل حتى الآن على تراجع الخصوبة

وأكد الباحثون أن السؤال الأهم ما زال بلا إجابة: هل تؤدي هذه الاختلافات في مرحلة الطفولة إلى مشكلات في الخصوبة مستقبلاً؟.

ولا تستطيع الدراسة الحالية الإجابة عن هذا السؤال، كما لا تحدد ما إذا كان التعرض للدواء سيؤثر في عدد البويضات المتاح لاحقاً، أو في القدرة على الحمل، أو في سن انقطاع الطمث.

ولهذا يرى الباحثون أن متابعة الفتيات اللاتي تعرضن للدواء أثناء الحمل لسنوات طويلة، وربما حتى مرحلة انقطاع الطمث، ستكون ضرورية لتحديد أي آثار محتملة على المدى البعيد.

التوصيات الطبية الحالية لم تتغير

ورغم نتائج الدراسة، لا تزال التوصيات الطبية الحالية تعتبر تايلينول خياراً آمناً لعلاج الألم والحمى أثناء الحمل عند استخدامه وفق الإرشادات الطبية.

وقالت فيشر إن عدم علاج الحمى المرتفعة أو الألم الشديد قد ينطوي هو الآخر على مخاطر بالنسبة إلى الأم والجنين، وهو ما يجعل قرار استخدام الدواء مسألة ينبغي تقييمها في سياق الحالة الطبية والجرعة ومدة الاستخدام.

وفي تعليق مصاحب للدراسة، قال اختصاصي طب الإنجاب في مستشفى جامعة بازل في سويسرا، الدكتور كريستيان دي غيتر، إن النتائج تتوافق إلى حد كبير مع بيانات سابقة مستمدة من الدراسات الحيوانية.

لكنه دعا إلى متابعة الفتيات اللاتي تعرضن للدواء أثناء وجودهن في الرحم حتى مرحلة انقطاع الطمث، معتبراً أن نتائج الأبحاث المستقبلية قد تستدعي إعادة تقييم التوصيات المتعلقة باستخدام الدواء أثناء الحمل.

جدل أوسع حول الأسيتامينوفين والحمل

وتأتي الدراسة في ظل جدل أوسع حول استخدام الأسيتامينوفين أثناء الحمل.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد ربط في تصريحات سابقة استخدام تايلينول أثناء الحمل باضطراب طيف التوحد، وهي فرضية رفضها على نطاق واسع خبراء طبيون ومنظمات صحية كبرى باعتبار أن الأدلة العلمية المتاحة لا تثبت هذا الارتباط.

وتختلف هذه القضية عن نتائج الدراسة الحالية، التي لا تبحث إثبات علاقة سببية بين تايلينول ومرض معين، وإنما ترصد ارتباطاً بين التعرض للدواء أثناء الحمل وبعض القياسات المتعلقة بالجهاز التناسلي لدى الفتيات.