لو جمعت ما يُقال عن المملكة العربية السعودية في عواصم العالم، ثم نزعت أسماء أصحاب الكلام، فقد يخطر لك أنهم يتحدثون عن أكثر من دولة.
عند طرف، السعودية حليف إستراتيجي لا يمكن تجاوز ثقله، وعند آخر، شريك اقتصادي ينبغي توسيع العلاقة معه، وعند ثالث، قوة إقليمية تملك من التأثير ما يجعل حضورها ضرورياً في معادلات المنطقة، وعند طرف رابع، دولة «صعبة» لا يمكن التكهن بموقفها لمجرد معرفة موقف حلفائها.
والغريب أن هؤلاء يتحدثون عن السعودية نفسها.
فأين السعودية بالضبط؟
الجواب يبدأ بسؤال آخر:
أين يقف من يتحدث عنها؟
في العلاقات الدولية، لا توجد نافذة واحدة تطل منها الدول على بعضها، فالجغرافيا تصنع زاوية، والاقتصاد يصنع أخرى، والأمن، والطاقة، والتجارة، والتحالفات، والتاريخ، والمصالح كلها تعيد ترتيب المشهد بحسب موقع الناظر إليه، والسياسة الدولية ليست مجلساً لاختيار «أطيب الدول»، بل شبكة هائلة من المصالح والحسابات المتقاطعة.
ولذلك قد تكون الدولة نفسها حليفاً في ملف، ومنافساً في آخر، وشريكاً في ثالث، ومختلفاً معها في رابع، من دون أن يكون في ذلك تناقض، فالعالم لم يعد بسيطاً إلى الحد الذي يسمح بتقسيمه إلى معسكرين، ثم سؤال كل دولة: مع من أنتم؟
وهنا تحديداً تبدو التجربة السعودية لافتة..
للمملكة علاقة إستراتيجية راسخة مع الولايات المتحدة، وعلاقات اقتصادية وتجارية واسعة مع الصين، وتعمل مع روسيا ودول أخرى ضمن «أوبك+» في توازنات سوق الطاقة، وتبني شراكات واسعة مع أوروبا، وتوسع علاقاتها مع الهند والاقتصادات الآسيوية، وتتحرك في الوقت نفسه من عمقها العربي والإسلامي، وتنفتح على دوائر جديدة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية. واقتصادها تجاوز ١٫٢٧ تريليون دولار خلال ٢٠٢٥، فيما تمثل الأنشطة غير النفطية أكثر من نصف الناتج، وهذا اتساع في المصالح نفسها، لا في العلاقات وحدها.
وأمام شبكة بهذا الاتساع، قد يبدو السؤال التقليدي «مع من أنتم؟» منطقياً، لكنه في الحقيقة سؤال ينتمي إلى زمن أبسط من زمننا.
فالجواب السعودي ليس اختيار عاصمة ضد أخرى، بل اختيار السعودية.
وأن تختار الدولة نفسها لا يعني أن تنعزل عن العالم، بل أن تدخل إليه من أبوابه كلها، وتوسع صداقاتها، وتنوّع شراكاتها، وتستقطب الاستثمار والمعرفة والتقنية، وتتعاون في الأمن والاستقرار والتنمية، من دون أن تمنح أي علاقة حق احتكار قرارها.
هناك فارق كبير بين «الحليف» و«التابع»، وبين «الشريك» و«الملحق»، فالحليف الحقيقي لا يشترط التطابق في كل موقف، والشراكة الحقيقية لا تنهار عند أول اختلاف.
ولهذا تستطيع الرياض أن تتفق مع واشنطن في ملفات، وتختلف معها في أخرى، وأن توسع علاقاتها الاقتصادية مع بكين من دون أن يعني ذلك خصومة مع الغرب، وأن تنسق مع موسكو وغيرها في أسواق الطاقة من دون أن يعني ذلك تبني سياساتها، وأن تبني علاقات متوازنة مع قوى قد تتنافس هي نفسها في ما بينها.
ولعل «حلف مكة» بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان يقدم مثالاً حديثاً على ذلك، فالدول الثلاث لا تقف في الموقع الدولي نفسه، ولا تتطابق شبكات علاقاتها وتحالفاتها، لكنها التقت عند مصالح أمنية ودفاعية مشتركة، من دون أن يلغي ذلك علاقات أي منها مع الآخرين.
وهنا تظهر إحدى حقائق السياسة الحديثة: ليس ضرورياً أن تقف الدول في المكان نفسه.. حتى تستطيع أن تقف معاً.
فالاتفاق لا يحتاج إلى التطابق، كما أن الاختلاف لا يستوجب الخصومة. وربما تكون هذه إحدى علامات نضج العلاقات بين الدول: أن تعرف أين تلتقي، من دون أن تشترط على الآخر أن ينتقل بكامله إلى موقعك.
هذه ليست سياسة الوقوف في المنتصف، إنها سياسة الوقوف في المكان السعودي.
وهذه العبارة تختصر جانباً مهماً من السياسة الخارجية للمملكة، فالموقع السعودي لا يُفهم فقط من هوية الحليف، بل من تعريف المملكة لمصالحها، وقدرتها على بناء علاقات متعددة حول تلك المصالح، من دون أن يتحول أي طرف إلى مرجع يحدد لها أين ينبغي أن تقف.
ومن هنا يمكن أيضاً فهم اختلاف الروايات عن السعودية.
فالطرف الذي تتقاطع مصالحه معها في قضية يراها من تلك الزاوية، والطرف الذي تختلف حساباته معها في قضية أخرى يراها من زاوية مختلفة، ومن اعتاد قراءة المنطقة بخرائط سياسية قديمة يحتاج إلى استيعاب حقيقة أهم: أن الخريطة لم تتغير وحدها، بل تغيرت الأوزان التي فوقها.
المشكلة إذاً ليست دائماً في السعودية التي ينظرون إليها، بل أحياناً في المكان الذي ينظرون منه إليها.
والسعودية اليوم ليست مجرد مورد رئيسي للطاقة، بل عضو في مجموعة العشرين، وصاحبة أكبر اقتصاد عربي، ودولة تبني ضمن رؤية السعودية ٢٠٣٠ اقتصاداً أكثر تنوعاً، وتستثمر موقعها الجغرافي والسياسي، وتعزز مكانتها في قلب العالمين العربي والإسلامي.
والدولة التي تتسع مصالحها، تتسع بالضرورة دوائر علاقاتها، وكلما تعددت تلك الدوائر أصبح عليها أن تتقن معادلة أصعب: أن تقترب من الجميع بالقدر الذي يخدم مصالحها، من دون أن تصبح المسافة بينها وبين أي طرف أقصر من المسافة بينها وبين قرارها.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبقيادة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، أصبح هذا المعنى أكثر وضوحاً: علاقات واسعة، وشراكات متعددة، وانفتاح على الشرق والغرب، لكن البوصلة في النهاية سعودية.
ولهذا، عندما يخبرك أحدهم أين يرى السعودية، لا تتعجل في مناقشته، اسأله أولاً: أين تقف أنت؟
فقد تعرف من إجابته الكثير عن السعودية، وقد تعرف أكثر عن صاحب الإجابة نفسه.
نقطة آخر السطر:
قل لي أين تقف.. أقل لك كيف ترى السعودية.
أما أين تقف السعودية؟
فهذا قرار لا تملكه إلا السعودية.