أتابع بين الحين والآخر الجدل المستمر حول الدراما السعودية ومدى قُرْبِها من الواقع، وقدرتها على تقديم القصة الحقيقية والأصيلة للمجتمع السعودي. هذا الحوار الفاحص المعمّق ليس ترفاً فكرياً، بل دليلٌ جليٌّ على وعيٍ جمعي بأهمية الدراما؛ بصفتها إحدى أكثر لغات التواصل الإنساني تأثيراً بين الشعوب. فالدراما لم تعد مجرد أداةٍ للترفيه وقضاء الوقت، بل غدت إحدى أقوى أدوات القوة الناعمة التي تُبْرِز ثقافات الأمم، وتنقُل حكاياتها وثراءها الإنساني إلى العالم.
وبحكم عملي واهتمامي بالمجال الإعلامي والثقافي والأدبي، أجد نفسي على تماسٍ دائم مع هذا النقاش؛ فشغفي الأدبي والروائي يتقاطع حتماً مع العمل الدرامي، فضلاً عن عملي على تحويل بعض أعمالي الأدبية إلى معالجات درامية. ومن هذا المنظور، أرى أن تشخيص واقع الدراما السعودية، وتحديد نقاط قوتها وضعفها، يجب أن يبدأ من النواة الأولى: القصة وكُتّابها.
القصة هي الأساس الصلب الذي تُبنى عليه الصنعة الدرامية بكامل تفاصيلها. وإذا ما تزعزع هذا العمود الفقري، يتداعى البنيان مهما بلغت جودة الإنتاج. إننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى قصصٍ تشبهنا، تعبّر عن روحنا وتفاصيل حياتنا اليومية، بدلاً من استيراد حكاياتٍ من ثقافاتٍ أخرى ومحاولة إسقاطها قسراً وإلباسها الزي السعودي.
التعاون مع الكُتّاب والمخرجين السعوديين يمثّل خطوة استراتيجية لبناء صناعةٍ تمتلك رسالةً مؤثرة، لا تخاطب الداخل فحسب، بل تنطلق بثقة نحو المحافل الدولية لتبرز الحراك والتغيير الكبيرين اللذين تشهدهما المملكة. لقد نجحت هوليوود وبوليوود في وضع بصماتٍ عالمية خالدة بفضل أصلية حكاياتهما. والمملكة اليوم، بوصفها قائدة للعالمين العربي والإسلامي والحاضنة لتاريخهما الممتد، أولى بأن تصنع دراما تعكس هذا الثقل التاريخي والثقافي.
ولتحقيق هذه النهضة المنشودة، تحتاج الدراما السعودية إلى تفعيل دور حيوي يُشبه دور «رئيس التحرير» في الصحافة، أو ما يُعرف عالمياً بـ«المُبتكِر» (Creator). إنه الشخص الذي يستوعب قيمة الأبعاد البصرية والثقافية للنص، ويجيد اختيار الأفكار وتوزيع الأدوار وإدارة الرؤية الإبداعية من الفكرة وحتى الشاشة. غياب هذا الدور التوجيهي يترك فراغاً كبيراً، وبوجوده تستقيم الصنعة وتنطلق الدراما السعودية نحو أفقٍ أكثر نضجاً وتأثيراً.